الرد على شبهات منكري السنة القرآنيين نقض أصول منكرى السنة …

*-*-*-*-*-*-*
نقض أصول منكرى السنة …
(رد كذب وتدليس وجهل أحمد صبحى منصور)
نقض مقال : (الإسناد والحديث)
*-*-*-*-*-*-*

تمهيـــــد
إن الحمد لله نحمده ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله العظيم م شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده لله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أى إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فإن خير الكلام كلام الله ، وخير الهدى ، هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة.

أما بعد ،،،
فيقول ربنا سبحانه وتعالى : [وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13)] [الأنفال].
ويقول تعالى : [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (115)] [النساء]
وروى الإمام أحمد فى مسنده وأبو داود والترمذى وابن ماجة والدارمى فى سننهم من حديث أبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ”.
وعندهم أيضاً عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ لا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ”.
وقد صدقت والله نبؤة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ظهروا من أنبأنا بهم ، وأخبرنا عنهم ، فقد ظهرت فى الآونة الأخيرة من تاريخ أمة الإسلام الغراء ، من يقولون بها القول الفاسد ، ويردون سنة المصطفى جملة وتفصيلاً ولسان حالهم يقول : ” عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ” حتى أصبحت فتنة عظيمة تكاد تطيح بأمة الإسلام لولا أن الله سبحانه قد حفظ أمة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فقد ظهرت مؤخراً طائفة من سموا أنفسهم بالقرآنيين ، وكذبوا والله. فما هم بقرآنيين بل هم منكرون لسنة النبى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، بل إنهم منكرون للقرآن نفسه الذى قال : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)) [الحشر].

وعندما نقرأ كلام هؤلاء نجد أنهم يتحللون من الدين رويداً رويداً. فهذا هو زعيمهم ورأس فتنتهم أحمد صبحى منصور ذلك الأزهرى المطرود ، يكتب الكثير من المقالات والكتب يهاجم فيها الإسلام وينكر فيها السنة جملة وتفصيلاً ، وعندما أطالع ما كتب لا أجد فيه إلا صدق نبؤة محمد صلى الله عليه وسلم الذى لا ينطق عن الهوى.
وقد كنت فيما سبق أوجه جهدى لمناظرة الملاحدة واللادينيين وإذا بى عندما أقرأ ما يكتبه هذا ، أجد أن خطره على الإسلام أشد وأنكى من خطر هؤلاء عليه ، لذا آليت على نفسى – مستعينا بالمولى سبحانه وتعالى – أن أبين الأمة كذبه وغشه ، لأحذر أمتى أمة الإسلام من هذا الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه هى أولى مقالاتى للرد عليه ، وقد انتخبت من غثاء كتاباته مقال : (الإسناد والحديث) وذلك لأن كثيراً ممن يسيرون فى فلكه يجعلون من هذا المقال أصلاً يهتدون به إلى سبيل الغى والضلال.
مصداقاً لما رواه الإمامان البخارى ومسلم فى صحيحهما من حديث حذيفة بن اليمان قال كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ….” فها هو قد اصابنا الدخن من هذا وأمثاله.
وأعاهد الله السميع البصير ألا أنقده إلا نقضاً علمياً بناءً حسب قواعد وأصول العلوم الشرعية التى أصلها علماء أمتنا العظام ، وألا أبغى من وراء هذا النقد إلا وجه الله سبحانه وتعالى ، وصحبة النبى الكريم صلى الله عليه وسلم فى الآخرة.

عامة ما أجده فى كتاباته هو من قبيل الكذب المتعمد الذى قال عنه صلى الله عليه وسلم كما رواه جمع من الصحابة منهم أم المؤمنين عائشة وأبو هريرة وابن عمر وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين حيث قال :
” إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ “.

لماذا وصفتُه بالكذب؟

وسبب وصفى له بالكذب أنه يستوى من أدخل شيئاً فى الشرع مع من أنكر ما هو معلوم منه. فقديماً كان الكذابون يضعون أحاديثاً من بنات أفكارهم وينسبونها للنبى صلى الله عليه وسلم ، وإنى لأرى أن فعل صبحى منصور أسوأ من فعلهم ، ذلك أنهم كانوا أقصى ما ينشدونه جمع المال من وراء هذا ، ورغم هذا فإنهم لمينكروا شيئاً من الدين ، أما هذا فإن فعله يؤدى إلى إلغاء ما معلوم من الدين بالضرورة . فسيان – فى الشرع – من أدخل فيه ما ليس منه ومن نزع منه ما هو ثابت فيه ، فكلاهما أخل بالشرع الحنيف والمفاضلة التى عقدناها بينه وبين سابقيه هى مفاضلة بين سئ (الكاذبين السابقين) وأسوأ (الكذاب الحالى).

ناهيك عن التدليس المحرم والجهل الطافح بالدين وأصوله وقواعده وعلومه.
فرغم أن جمهور العلماء والمحدثين والحفاظ على أن التدليس بمعناه الاصطلاحى فى علم الحديث ليس حراماً ولا مخالفاً للشرع ولكنهم ذموه غالباً ، ولكن تدليس أ. صبحى م. أسواً من تدليس كل من عرفناهم حتى أولئك الذين يدلسون تدليس التسوية وهو شر أنواع التدليس ،
والتدليس قديماً كان له عدة أسباب منها أن يكون محاولة من الراوى أن يقلل عدد رجال الإسناد حتى يصل إلى ما يعرف بالإسناد العالى فيقل عدد الرواة بينه وبين النبى صلىالله عليه وسلم فبدلاً أن يروى عنه بستة يروى عنه بواسطة خمسة أو أربعة وهكذا.
ولكن تدليس صبحى منصور هذا شر وأسوأ من ذاك التدليس ، فرغم أنهم كانوا يدلسون إلا أنهم كانوا فى مرحلة إثبات السنة أما تدليسه هو فمن جنس نفى السنة.
وسوف أبين – إن شاء الله تعالى – هذه الأمور الثلاثة من خلال نقضى لمقاله هذا وأبين ثلاثة أمور :
1- كذبه المتعمد.
2- تدليسه المحرم.
3- جهلة الشنيع بالدين.
والله المستعان.

يبدأ مقاله بإيراد قصة عن أحد الشعراء وكذبه فى رواية الحديث ويدعى – بناءً على قصة ذلك الكذاب – أن إسناد الحديث هو الذى أدى إلى تغييب عقل أمة الإسلام طوال هذه القرون ، حتى جاء هو ليفيق الأمة من غيبوبتها.

– والقصة التى أوردها عن ذلك الكذاب فى بداية مقاله نحن أيضاً نستدل بها على انتشار الكذابين ومحاولات البعض للوضع فى الحديث لأغراض كثيرة فى أنفسهم ، ولهذا السبب قيد الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة من يذب عنها أمثال ذلك الكذاب فأوقف الجهابذة أنفسهم وأوقاتهم وأموالهم وكل جهدهم للدفاع عن هذا الدين والحفاظ على سنة النبى صلى الله عليه وسلم.

وعندما يلقى شبهة أن الإسناد هو الذى يغيب عقول الناس ويجعلهم سكارى غائبين عن الوعى ، فإن فى هذا الافتراء ما يكفى لهدم دين الإسلام جملة وتفصيلاً لعدة أسباب :

1- أن فى هذا رد كامل لدين الإسلام ولمصدريه التشريعيين الأساسيين ألا وهما القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، ذلك أن كليهما قد نقل إلينا بإسناد فالقرآن جاءنا بالإسناد كما جاءتنا السنة بالضبط ، والفارق بينهما أن القرآن جاء كله متواتراً ، أما السنة فقد جاء بعضها متواتراً وبعضها آحاداً. يعنى أن كليهما (القرآن والسنة) يشتركان فى خاصية الإسناد. ونفى الإسناد ينفى جملةً وتفصيلاً دين الإسلام.
2- ترك الإسناد يؤدى إلى تدخل العقل المغلف بالهوى فى أمور ليست من خاصيته ألا وهى مسألة التشريع الذى هو من اختصاص رب العالمين.
3- وترك الإسناد يفسح المجال للمبتدعة وأعداء الدين أن يضعوا فى الدين ما شاءوا وينزعوا منه ما شاءوا.
4- ترك الإسناد يجعلنا نتساوى باليهود والنصارى الذين ضيعوا كتبهم ، وحرفوا فيها ولا يستطيعون أن يصلوا فى إسنادهم إلى أنبيائهم ، وقد تصل شدة الانقطاع بين الراوى والذى يليه إلى حوالى المائتين عاماً.
قال الحاكم النيسابورى فى معرفة علوم الحديث (جزء 1 / صفحة 6) قال : (فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد فان الاخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بترا كما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا أبو بكر بن أبي الأسود ثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني ثنا بقية ثنا عتبة بن أبي حكيم انه كان عند إسحاق بن أبي فروة وعنده الزهري قال فجعل بن أبي فروة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الزهري قاتلك الله يا بن أبي فروة ما أجراك على الله لا تسند حديثك. تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة) انتهى.

وفى أدب الإملاء والاستملاء للسمعانى (ج1/ ص7) بعد أن ذكر قول عبد الله بن المبارك : (الإسناد من الدين) ، قال : (…. قال عبدان ذكر هذا ثم ذكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث ….. شعبة يقول : كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خل وبقل …. ونظم هذا المعنى بعض شيوخنا أنشدنا السيد أبو المناقب ….

عليكم بأصحاب الحديث فإنما ******** محبتهم فرض لذي الدين والعقل
رعاة ورواته لحفظهم ******** الإسناد بالضبط والنقل
وإثناءهم ذكر النبي محمد ******** عليه سلام الله في الكتب بالعقل
فكل حديث لم يكن فيه مسند ******** إلى مسند فالخل ذاك وكالبقل
) انتهى
فالعلم ذو طبيعة تراكمية : وهذه قاعدة فى العلوم الطبيعية المادية ، وهى مركتز فى علم الحديث وفى الإسناد.
ولا نرى أمة ولا نعلم علماً أحال على هذه القاعدة بحرفيتها كعلم المصطلح لدى أمة الإسلام. فمن ذا الذى يستطيع أن يجزم صحة إسناد المعادلات الرياضية إلى أصحابها كفيثاغورث أو إقليدس ، رغم أنها عندنا من المسلمات!؟

ورداً على هذه الشبهة نقول :
1- أن علماء الأمة اتفقوا على أن : (الإسناد من الدين) وهذا ما نقله إلينا الإمام مسلم رحمه الله فى مقدمة صحيحه حيث قال : ( حدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ من أهل مرو قال سمعت عبدان بن عثمان يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول : “الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء”
و قال محمد بن عبد الله حدثني العباس بن أبي رزمة قال سمعت عبد الله يقول : “بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد” و قال محمد سمعت أبا إسحق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال قلت لعبد الله بن المبارك : يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء : “إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك” قال : فقال عبد الله : يا أبا إسحق عمن هذا ؟ قال : قلت له : هذا من حديث شهاب بن خراش ، فقال : ثقة ، عمن قال ؟ قلت : عن الحجاج بن دينار ، قال : ثقة عمن قال ؟ قلت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا أبا إسحق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف) انتهى.

2- وفى كتاب التعديل والتجريح للباجى (جزء1/ صفحة 291) : (عن محمد يعني بن سيرين أنه قال : “إن هذا الحديث دين فانظروا عن من تأخذونه”…. وكان بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح : “هذه شهادة العدول المرضيين بعضهم على بعض”
وإذا ذكر له الإسناد وفيه شيء قال : “هذا فيه عهدة ويقول لو أن رجلا ادعى على رجل عشرة دراهم لم يستطع أخذها إلا بشهادة العدول فدين الله أحق أن يؤخذ فيه بالعدول” .

وقال عبدة بن سليمان قيل لابن المبارك في هذه الأحاديث الموضوعة قال : “يعيش لها الجهابذة”
وقال الأوزاعي سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول : “إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة فإن عرفت فخذه وإلا فدعه”
وقال ابن عون : “لا يؤخذ هذا العلم إلا عن من شهد له بالطلب”.
وروى المغيرة عن إبراهيم قال : كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن الرجل نظروا إلى صلاته وإلى هيئته وإلى سمته.
وقال عبد الرحمن بن مهدي قال شعبة : “كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال حدثنا كتبنا عنه فوقفته عليه وإذا لم يقل حدثنا لم أكتب عنه”
قال عبد الرحمن بن مهدي : “خصلتان لا يستقيم فيها حسن الظن : الحكم والحديث” يعني : لا يستعمل حسن الظن في قبول الرواية عمن ليس بمرضي)انتهى .
3- وفى كتاب : المقصد الأرشد فى ذكر أصحاب الإمام أحمد (3/150) قال : ( نقل عن إمامنا أشياء منها قال سمعت أحمد بن حنبل يقول : الإسناد من الدين)
4- وفى تدريب الراوى للسيوطى (2/159 – 160) : (الإسناد في أصله خصيصة فاضلة لهذه الأمة ليست لغيرها من الأمم ، قال ابن حزم : “نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد صلى الله عليه وسلم بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه قال : وأما الأنصاري فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى …. ولا يمكن النصاري أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص”
وقال أبو علي الجياني : “خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها الإسناد والأنساب والإعراب”.

ومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم وغيره عن مطر الوراق في قوله تعالى : (أو أثارة من علم) قال : “إسناد الحديث”.
….. وقال سفيان بن عيينة حدث الزهري يوما بحديث فقلت : هاته بلا إسناد فقال الزهري : “أترقى السطح بلا سلم!”
وقال الثوري : (الإسناد سلاح المؤمن وطلب العلو فيه سنة)
قال أحمد بن حنبل : (طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه)
وقال محمد بن أسلم الطوسي : (قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله ولهذا اُستحبت الرحلة) انتهى.

فيتضح من هذا العرض:
1- اتفاق علماء الأمة على أن الإسناد من الدين.
2- احتراس علماء الأمة وحيطتهم الشديدة فى تلقى أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم وتنقيتها مما شابها من أقوال الأفاكين.
3- وضعهم لقواعد محكمة متقنة لنقد المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم نراه يدعى أن الإسناد يناقض المنهج العلمى والتعقل المنطقى:
وكلامه هذا يناقض ما اتفق عليه أهل كل علم سواء العلوم المادية البحتة أو حتى العلوم الإنسانية ، فجميعهم اتفقوا على أن العلم ذو طبيعة تراكمية.
بمعنى أن ما يتوصل إليه العالم الأول يكون ركيزة يبدأ من عندها العالم الثانى وهكذا ، وإلا للزم كل عالم أن يتثبت أولاً من صحة ما استنتجه سابقوه ، ولا شك أن هذا ينافى العقل وينافى العلم ، ولو كان هذا صحيحاً لأدى هذا إلى جمود البشرية عند حد البدائيات والأساسيات لكل علم.

وعلم الحديث مثل هذه العلوم ، ولم يخرم من هذه القاعدة شئ ، ولا نخطئ إن قلنا أنه هو الأصل لهذه القاعدة وأنه هو أكثر العلوم التى عرفتها البشرية يطبق هذه القاعدة المجمع عليها.

ذلك أن مادة العلم فى الحديث هو كلام النبى صلى الله عليه وسلم ، فإذا حفظه جيل ووعاه ثم سلمه لمن بعده وهكذا من جيل إلى جيل ، فلا شك أن هذا هو الحق المبين ، والصواب الذى لا محيد عنه ، وأن من يدعى خلاف هذا فهو إما مجنون أو مغيب العقل.

= ثم إنه يدعى أن علم الإسناد قد تم (اختراعه) فى القرن الثانى الهجرى ، وقد كذب والله فى دعواه ذلك أن الإسناد موجود فى أمة الإسلام منذ اليوم الأول لنشأتها ، فكيف كان الصحابة يتناقلون القرآن بعضهم عن بعض أليس عن طريق سماعهم من بعضهم البعض ، ذلك أن كل الصحابة لم يكونوا جميعاً مرافقين للنبى صلى الله عليه وسلم فى كل لحظاته وسكناته. وكيف تم جمع القرآن؟ أليس بروايات الصحابة عن النبى صلى الله عليه وسلم أى بإسناد أيضاً ولكن براوٍ واحد فى الغالب الأعم.

بداية نشأة علم الحديث الأُولى

أما فى علم الحديث فقد نشأ الإسناد فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم وقبل وفاته وذلك أن أصحاب النبى (المهاجرون والأنصار) كانوا يشتغلون فى أموالهم ، وكان منهم من يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا يتناوبون مرافقته ثم يحدث كل منهم الآخر بما حدث وبما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن هذا يقول سيدنا أبو هريرة رضى الله عنه كما فى الصحيحين : إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ كُنْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمْ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي ” فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ .

ويوضح هذا أكثر ما رواه عمر بن الخطاب كما فى الصحيحين قال : إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ ….”

ألا يعنى هذا نشأة الإسناد فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم!؟
أما نشأة علم الإسناد بالمعنى الاصطلاحى المعروف فنستطيع أن نؤرخ له بعام 40 هجرية (لماذا؟).
اقرأ ما قاله الإمام مسلم فى مقدمة صحيحه : ” حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ قَالُوا سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ “.
فهذا محمد بن سيرين من أئمة التابعين توفى 110هجرية ويحدث عن عدد كبير من الصحابة ويصف حالهم فى الرواية عندما وقعت الفتنة ، ومتى وقعت الفتنة فى عام 40هجرية وربما قبل هذا ، ويقصد بالفتنة ، فتنة مقتل سيدنا عثمان وظهور الخوارج ومقتل سيدنا على وقد انتهى كل هذا حتى عام 40هجرية.
فأين هذا من دعواه وكذبه بأن علم الإسناد (أُخترع) فى القرن الثانى الهجرى!؟

ثم يقول صبحى :
(ان البخارى مثلا عاش فى القرن الثالث الهجرى ومات سنة 256 هـ .اى بينه وبين النبى عليه السلام قرنان ونصف قرن من الزمان.واذا اعتبرنا الجيل اربعين عاما فان بينه وبين البخارى ستة اجيال . ( لاحظ ان بينناوبين عصر محمد على اربعة اجيال فقط).فكيف يستقيم فى المنهج العلمى أن تتداول ستة اجيال كلمة ما منسوبة للنبى عبر الروايات الشفهية حتى يأتى من يسجلها بعد النبى بمائتين وخمسين عاما؟ )

قلت : وهذا تلبيس جديد وتدليس على العامة وتعمية لهم عن الحق والصواب. ذلك أنه يدعى أن السنة قد كتبت بعد قرنين ونصف من الزمان ، وأنها كانت مجرد روايات شفوية.
وللرد على هذه الشبهة الواهية فإنى أرد عليه بطريقتين :
الأولى : بنفس منطقه وأسلوبه فى إيراد الشبهة.
الثانية : بمنهج العرض التاريخى.
أولاً : فهو يعيب على البخارى أنه لم يكن معاصراً للنبى صلىالله عليه وسلم ، ولم يسمع أحاديث بصفة خاصة وهنا دعنى أنقل نفس عبارته السابقة وأعيد صياغتها بعد أن أسقطها عليه :
(إن صبحى منصور فعلا عاش فى القرن الخامس عشر الهجرى. أى بينه وبين النبى عليه السلام أربعة عشر قرن من الزمان. واذا اعتبرنا الجيل اربعين عاما فان بينه وبين النبى صلى الله عليه وسلم خمسة وثلاثين جيلا. ( لاحظ ان بيننا وبين عصر محمد على اربعة اجيال فقط).فكيف يستقيم له أن ينفى ما لم تره عيناه ويشكك فى صحة ما هو منسوب للنبى عبر الروايات الشفهية والمكتوبة حتى يأتى يعد ألف وأربعمائة سنة ويقول أن الإسناد شئ مخترع ولم يكن له وجود؟ )
ثانياً هذه شبهة مردودة تاريخياً والحديث فيها يطول:
وبداية يجب أن نفرق بين مفهومين:
الأول :هو كتابة السنة.
والثانى : هو جمع السنة.
فعندما نقول أن بداية جمع السنة كان فى عصر فلان أو بأمر من فلان أو عام كذا. فلا يعنى هذا أنها لم تكن مكتوبة عند بعض الصحابة أو رواة الحديث.بل إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدئ فى كتابته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى حياته.
كما يجب أن نؤكد على أن العبرة فى هذه المسألة هى بالحفظ سواء أكان هذا الحفظ حفظ فى الصدر أم حفظ فى كتاب.
ونسوق فى هذا ما قاله الخليل ابن أحمد الفراهيدى :
ليس العلم ما حواه القمطر …………….. ما العلم إلا ما حواه الصدر
وسأحاول أن أبين لأخوانى مراحل جمع السنة النبوية المطهرة. حسبما يسر الله لى.

المرحلة الأولى لكتابة السنة :
مرحلة الكتابة الخاصة في عهد النبي :salla2:
(انتهت عند وفاة النبى صلى الله عليه وسلم عام 11 هجرية).

وفى هذه المرحلة كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وكانوا يتداولونه حفظاً له ورواية. وكان بعضهم يكتب. ولكن كان المعول الحقيقى على عملية الحفظ فى الصدر.وقد بلغ اعتناء الصحابة بحب السنة والتعرف على كل ما يقوله أو يفعله النبى صلى الله عليه وسلم ، أن عدداً كبيراً منهم كان يلازمه ملازمة مباشرة. كأبى بكر وعمر وعبد الله بن مسعود والذى عرف بصاحب نعل رسول الله.بل كان الصحابة يكثرون من قولهم : (ذهب رسول الله ومعه أبو بكر وعمر) … (رجع رسول الله ومعه أبو بكر وعمر).وهذا من طول ملازمتهما إياه.وكان من شدة حبهم وتعلقهم بالنبى أن لازموه ملازمة شبه كاملة. فأخبرهم أن لأولادهم عليهم حق.

فأمرهم أن يعملوا يوماً ويلازمونه يوم.وللموازنة بين الأمرين : حب ملازمة النبى صلى الله عليه وسلم ، والإنفاق على العيال. فقد كانوا يتناوبون مصاحبته. فقد أخرج البخارى فى صحيحه (89) ومواضع أخرى : عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك.
وجدير بالذكر فى هذا المقام بيان أن أصحاب النبى – صلى الله عليه وسلم – ومن جاء بعدهم كانوا يعتمدون على قوة ذاكرتهم فى الحفظ.وكان هذا معلوم لدى العرب حتى من قبل ظهور الإسلام. فقد كانت أمة العرب ، أمة ذات قريحة متوقدة نشطة يحفظون القصائد الشعرية التى تتكون من عشرات بل مئات الأبيات من أول مرة يسمعونها فيها.

وعندما جاء الإسلام ، انصب اهتمام الصحابة على كتابة الوحى القرآنى بمجرد نزوله ، كما اتخذ النبى صلى عليه وسلم عدداً كبيراً لكتابة الوحى عرفوا باسم (كُتّاب الوحى) وبلغ عدد هؤلاء أربعين كاتباً.كما لم يغفل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أهمية السنة ، فانكب عدد كبير على كتابة ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهر هؤلاء جميعاً سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه وعن أبيه.

صحف كُتبت فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم
ولم تعدم هذه الفترة من وجود الصحف التى كتب فيها الصحابة رضوان الله عليهم أحاديث مباشرة عن رسول الله وبدون واسطة.من تلك الصحف:
1- الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص .
2- الصحيفة الصحيحة برواية همام بن منبه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- صحيفة سمرة بن جندب .
4- صحيفة سعدة بن عبادة الأنصاري .
5- صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري .

فصحيفة سمرة بن جندب (الذى توفى عام 60هـ)، كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه، وهي التي يقول فيها ابن سيرين: “في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير”.

ومن أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي (الصحيفة الصادقة) التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشتملت على ألف حديث، كما يقول ابن الأثير، ومحتواها محفوظ في مسند أحمد بن حنبل ، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهده صلوات الله عليه، وهذه الوثيقة كانت نتيجة محتومة لفتوى النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو وإرشاده الحكيم له.
فقد جاء عبد الله يستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الكتابة قائلا: أكتب كل ما أسمع؟ قال: “نعم”، قال: في الرضا والغضب؟ قال: “نعم؛ فإني لا أقول في ذلك إلا حقا”.
وقد أتيح لمجاهد بن جبر (103هـ) أن يرى هذه الصحيفة عند صاحبها عبد الله بن عمرو ، وكان عبد الله بن عمرو – لشدة حرصه على هذه الصحيفة – لا يسمح لأعزّ الناس عليه بتناولها، ورؤية مجاهد لها لم تكن إلا عرضا؛ فإنه قال: “أتيت عبد الله بن عمرو؛ فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئا! قال: هذه الصحيفة الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت هذه وكتاب الله والوهط فلا أبالي علام كانت عليه الدنيا! والوهط أرض كان يزرعها”.

ولقد شاعت في عصر الصحابة صحيفة خطيرة الشأن أمر النبي عليه السلام نفسه بكتابتها في السنة الأولى للهجرة : فكانت أشبه (بدستور) للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة، وهي الصحيفة التي دون فيها كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حقوق المهاجرين والأنصار واليهود، ولفظ الكتابة صريح في مطلعها: “هذا كتاب محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس”.

صحف السنة النبوية …… أين هى الآن؟
وهذه الصحف لم يصل إلينا منها شئ الآن. وأقصد بهذا الورق الأصلى الذى كتبت عليه.أما محتواها فقد وصلنا فعلاً ، وقد أدت هذه الصحف دوراً كبيراً فى وصول السنة إلينا.فما كتب فيها ، تناوله التابعون من الصحابة ، وحفظوه فى صدورهم ، وسجلوه فى صحائفهم ، ثم أبلغوه لمن جاء بعدهم ، حتى أصبحت تشكل جزءاً كبيراً من كتب السنة التى جاءت بعد.فهى إذن الحلقة الأولى من سلسلة توصيل السنة إلينا.

فصحيفة عبد الله بن عمرو على سبيل المثال موجودة فى مسند الإمام أحمد ، ولكنها موجودة عن طريق الإسناد من الإمام أحمد إلى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى صلى الله عليه وسلم.ولا يظن أحد أن هذا دليل على أن كل ما هو موجود من أحاديث فى المسند ينتهى إسنادها إلى عبد الله بن عمرو ، يعتبر صحيحاً على وجه الإطلاق.
لا ، لماذا لأن العبرة كما قلنا فى نقل السنة كانت بالحفظ والرواية ، وقد وقع فيها بعض الخلط أو التقصير ، نتيجة ضعف حفظ بعض الرواة أو عدم ضبطهم أو وقوع التصحيف ، وهذه كلها أمور ومسائل موجودة فى علم المصطلح ويقوم بعلاجها ونقد الصحيح من الضعيف وبيان أوجه وسبب القصور فيها.

صحيفة همام بن منبه
ومن أشهر ما كتب فى القرن الأول الصحيفة الصحيحة لهمام بن مُنَبِّه الصنعانى المتوفى :131 هـ والتى رواها عن أبى هريرة وقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملة كما رواها ودونها وقد طبعت عدة طبعات منها طبعة بتحقيق الدكتور رفعت فوزى طبعة مكتبة الخانجى 1406 ويزيد من توثيق هذه الصحيفة أن الإمام أحمد قد نقلها بتمامها فى مسنده كما نقل الإمام البخارى عددا كثيرا من أحاديثها فى صحيحه وتضم صحيفة همام مائة وثمانية وثلاثين حديثا ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية لأنها حجة قاطعة على أن الحديث النبوى قد دون فى عصر مبكر وتصحح الادعاء بأن الحديث النبو الشريف لم يدون إلا فى أوائل القرن الهجرى الثانى وذلك أن هماما لقى أبا هريرة قبل وفاته وقد توفى أبو هريرة 59 هـ فمعنى ذلك أن الوثيقة دونت فى منتصف القرن الهجرى الأول.

صحيفة أبى الزبير عن جابر

ويبرز من جيل التابعين عدد آخر من العلماء الذين اهتموا بالحديث واحتفظوا بأجزاء وصحف كانوا يروونها منهم (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدى 126هـ والذى كتب بعض أحاديث الصحابى الجليل جابر بن عبد الله الأنصارى.وقد وصلت إلينا من آثاره أحاديث أبى الزبير عن غير جابر جمعها أبو الشيخ عبد الله بن جعفر بن حيان الأصبهانى المتوفى : 369 هـ وقد طبع بتحقيق بدر بن عبد الله البدر طبعة مكتبة الرشد بالرياض 1417 هـ وأيوب بن أبى تميمة السختيانى المتوفى : 131 وقد وصل إلينا بعض حديثه جمعه إسماعيل بن إسحاق القاضى البصرى 282هـ وهو مخطوط فى المكتبة الظاهرية مجموع 4/2 ويقع فى خمس عشرة ورقة وغير هؤلاء كثير.
المرحلة الثالثة من تدوين السنة النبوية
مـرحلــة النضـــج

مرحلة تدوين السنة على هيئة كتب مصنفة ومرتبة
.كل كتاب يخدم هدف معين وله مقصد صُنف من أجله
(بدأت حوالى عام 100 هجرية وما تلاها).

وكان هذا بناء على أمر من عمر بن عبد العزيز.ففي صحيح البخاري: “وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء).وكان هذا عام 101هـ.
وروى عبد الرزاق عن ابن وهب، سمعت مالكا يقول: “كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، وأن يعملوا بما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع السنن، ويكتب بها إليه، فتوفي عمر بن عبد العزيز وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن يبعث بها إلينا…” وكان أول من استجاب له في حياته وحقق له غايته عالم الحجاز والشام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني الذي دون له في ذلك كتابا، فغدا عمر يبعث إلى كل أرض دفترا من دفاتره، وحق للزهري أن يفخر بعلمه قائلا: “لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني” .
ويجب أن نتذكر هنا أن التدوين المقصود به هو الجمع فى كتب مستقلة ، وأن يكون الجمع من أجل التصنيف ذاته.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن جماعة من الصحابة والتابعين كرهوا كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوا حفظا , لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه .

قلت : والكراهة لا تدل على عدم وجود الصحف والكتب ولكنهم كانوا يستحبون التحديث حفظاً.فقد كثرت التصانيف فى ذلك الوقت خاصة فى عصر أتباع التابعين.يقول ابن حجر: “فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (توفي 160 هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (156هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة؛ فدونوا الأحكام.فصنف الإمام مالك “الموطأ” وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومن بعدهم (توفي 179 هـ).وصنف ابن جريح بمكة (توفي ببغداد 150هـ)، والأوزاعي بالشام (156هـ)، وسفيان الثوري بالكوفة (توفي 161 هـ)، وأبو سلمة بالبصرة (نوفي 176هـ)، ومعمر بن راشد باليمن (المتوفى 153هـ)، وجرير بن عبد الحميد بالري (توفي 188هـ)، وعبد الله بن المبارك بخراسان (المتوفى 181هـ).ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث الني صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المائتين.فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا (توفي 213هـ)،
وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندا (توفي 212هـ)، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندا.ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد؛ كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء.

ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا، كأبي بكر بن أبي شيبة.ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وجدها جامعة للصحيح والحسن، والكثير منها يشمله التضعيف؛ فحرك همته لجمع الحديث الصحيح، وقوى همته لذلك ما سمعه من أستاذه الإمام إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: “لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي وأخذت في جمع الجامع الصحيح”.ومما تقدم يتبين لنا أن علماء التدوين قد طوفوا الدنيا كلها، وانتشروا في البلدان والأمصار وأحاطوا بها يجمعون ويكتبون في حركة نشطة دائبة يواصلون الليل بالنهار؛ ليسجلوا أجلّ وأخلد سجل عرفته البشرية على الإطلاق، على امتداد تاريخها الطويل، فبعد كتاب الله جندوا أنفسهم وأقلامهم ليدونوا مصدر شريعتهم، ومنبع عزهم الدائم.

شبهات حول مسألة جمع السنة
الشبهة الأولى : شبهة النهى عن كتابة السنة

أخرج الإمام مسلم فى صحيحه (3004) قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكتبوا عني غير القرآن , ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) وفى مسند أحمد (10701) : “لا تكتبوا عنى شيئاً سوى القرآن ، ومن كتب عنى شيئاً سوى القرآن فليمحه”وقد استدل بعض المتشككين استناداً إلى ظاهر هذا على أن النبى صلى الله عليه وسلم قد نهى عن كتابة السنة. ونسوا أو تناسوا الأحاديث الصحيحة الكثيرة التى تبين بما لا يدع مجالاً لشك أنه صلى الله عليه وسلم قد أمر وأقر كتابة الحديث النبوى على عهده.

والرد على هذه الشبهة من وجهين:
أولاً : أن الصحابة كانوا يكتبون بعض تفاسير النبى صلى الله عليه وسلم فى نفس الورقة التى يكتب فيها القرآن. وأحياناً بشكل متداخل.ولاشك أن هذا قد يؤدى إلى حدوث بعض الأخطاء واشتباه للقارئ وإدخال فى كلام الله ما ليس منه. فكانت التوجيهات النبوية بفصل هذا عن ذاك ، فمن كتب شيئاً من حديث النبى صلى الله عليه وسلم فى ورقة مكتوب فيها قرآن فليمحها.

تناقض واضح

ثانياً : إن فى الاستدلال بهذا الحديث على عدم كتابة السنة خطأ كبير بل وتناقض أيضاً.لماذا؟لأن متن الحديث يفيد الأمر بعدم كتابة الحديث. أو ليس هذا نفسه حديثاً !؟
فلماذا كتب؟ ولماذا يتمسك به الطاعنون والمتشككون كدليل على عدم كتابة الحديث أو ليس هذا هو أيضاً حديث نبوى نقل إلينا كما نقلت آلاف الأحاديث الأخرى ، فلماذا يستدلون بهذا الحديث ويدعون ما عداه.والإجابة : طبعاً لأنه فى ظاهره ، وعند سوء فهمه ، يساند بدعتهم. وهكذا أهل الأهواء والباطل دوماً ، يقفزون فوق الأدلة ويلوون أعناق النصوص وينتقون منها فقط ما يؤيد ويساند بدعتهم.

أدلة الأمر النبوى بكتابة السنة فى حياته

هناك أحاديث نبوية كثيرة تثبت بما لا يدع مجالاً لشك أن السنة النبوية كتبت على عهد النبى صلى الله عليه وسلم.

التصريح لعبد الله بن عمرو بالكتابة

1- روى الإمام أحمد فى مسنده (6474 ، 6763) وأبو داود فى سننه (3646) والدارمى فى سننه (484) عن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال : “اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق”.والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم : (اكتب).
مجلس كتابة صريح عند النبى صلى الله عليه وسلم

2- أخرج الإمام احمد فى مسنده (6607) والدارمى (486) عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال : بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولا قسطنطينية أو رومية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولا يعني قسطنطينية.
والشاهد هنا قول ابن عمرو : (نحن حول رسول الله نكتب).

الدليل الثالث :الأمر بالكتابة لأبى شاة

3- وأخرج البخارى فى صحيحه (112 ، 2434 ، 6880) عن أبى هريرة رضي الله عنه قال لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين فإنها لا تحل لأحد كان قبلي وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدى وإما أن يقيد فقال العباس إلا الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه قلت للأوزاعي ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والشاهد قول النبى صلى الله عليه وسلم (اكتبوا لأبي شاه).

الدليل الرابع:كتاب على رضى الله عنه

4- وأخرج البخارى (111 ، 1870 ، 3047 ، 3172 ، 3180 ، 6755 ، 6903 ، 6915 ، 7300) ومسلم (1370) عن على رضى الله عنه عندما سألوه : هل ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولآل بيته شيئاً مكتوباً سوى القرآن؟ قال : ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم : “المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل وقال ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل قال أبو عبد الله عدل فداء.والشاهد قوله : (وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم).
الدليل الخامس : كتاب الصدقة

5- أخرج الترمذى فى سننه (621) ، وأبو داود (1568) ، وابن ماجة (1798 ، 1805) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه فلما قبض عمل به أبو بكر حتى قبض وعمر حتى قبض وكان فيه في خمس من الإبل شاة ….. الحديث
والشاهد قوله : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة).

الدليل السادس : صحيفة عمرو بن العاص

6- أخرج الترمذى (3529) عن أبي راشد الحبراني قال أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له حدثنا مما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى إلي صحيفة فقال هذا ما كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فنظرت فإذا فيها إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت فقال يا أبا بكر قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم.
والشاهد قوله : (فألقى إلي صحيفة فقال هذا ما كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

الدليل السابع : كتابه صلى الله عليه وسلم لقبيلة جهينة

7- أخرج الترمذى (1729 ) وأبو داود (4127 ، 4128) والنسائى (4249 ، 4250 ، 4251) وهذا لفظه ، وابن ماجة (3613) عن عبد الله بن عكيم قال كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.
والشاهد قوله : (كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم).

الدليل الثامن : كتابه صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن

8- أخرج النسائى فى سننه (4846 ، 4853 ، 4854 ، 4855 ، 4856 ، 4857) عن عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها من محمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد وكان في كتابه أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول ….. الحديث.
والشاهد قوله : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا).

الدليل التاسع : صحيفة عائشة

9- أخرج ابن ماجة فى سننه (1944) عن عائشة قالت لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها.
والحديث يبين أن الصحيفة كانت منذ عهد النبى أى قبل وفاته.

الدليل العاشر : حديث جابر بن عبد الله

10- أخرج الإمام مسلم فى صحيحه (1507) عن جابر بن عبد الله قال : كتب النبي صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه ثم أخبرت أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك.
والشاهد : قوله : (كتب النبي صلى الله عليه وسلم).
والشاهد العام من كل هذه الأحاديث الصحاح هو :

1- يقينية مسألة كتابة السنة فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم.
2- تواتر الأدلة حول هذه المسألة.
3- تعدد مرات الكتابة حسب مقتضى كل موقف.
4- قد تكون الكتابة تصريح لصحابى بعينه أو لأهل بلد بعينهم أو للجميع.
ويكفينا هنا ما رواه الإمام مسلم فى مقدمة صحيحه عن مسألة التعريف برجال الإسناد حيث قال : (حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح حدثنا إسمعيل بن زكرياء عن عاصم الأحول عن ابن سيرين قال لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم).
ومحمد بن سيرين الذى ذكر هذا الكلام توفى فى 110هـ وهو يخبر عمن سبقه يعنى عن أناس عاشوا فى القرن السابق أى فى القرن الأول الهجرى.

ثم نعود لما كتبه صبحى منصور يقول :
(ولنأخذ على ذلك مثلا من أحاديث البخارى …ونناقشه من حيث الاسناد ومن حيث المتن والموضوع…….. اورد البخارى احاديث تؤكد ان النبى عليه السلام كان يباشر نساءه جنسيا اثناء المحيض ،ونختار منها هذا الحديث باسناده ((حدثنا اسماعيل بن خليل قال اخبرنا عن بن مسهر ،قال اخبرنا ابوا اسحاق هو الشيبانى عن عبد الرحمن بن الا سود ، عن ابيه عن عائشة قالت :كانت احدنا اذا كانت حائضا فأراد رسول الله (ص)ان يباشرها امرها ان تتزر فى فور حيضتها ثم يباشرها ،قالت :وايكم يملك اربه كما كان النبى (ص) يملك اربه ))(صحيح بخارى بحاشية السندى مكتبة زهران مجلد 1 الجزء الاول ص64 )والحديث السابق ينقسم الى جزئين السند والمتن :
فالسند هو سلسلة الرواة الذين عن طريقهم تم اسناد الحديث الى النبى (صلى الله عليه وسلم )،وهم ستة:) انتهى كلامه
قلت :

وهو هنا يدلس على الناس فيذكر أن عدد الأجيال بين البخارى وبين النبى صلى الله عليه وسلم ستة أجيال وأنه يروى الحديث المذكور بواسطة ستة من الرواة وهذا صحيح بالنسبة لهذا الحديث الذى ساقه ، وبالنسبة أيضاً لعدد آخر من الأحاديث فى صحيح البخارى ولكنه أغفل حقائق كثيرة لخدمه أغراضه نذكر منها :
1- متوسط إسناد الإمام البخارى فى صحيحه خمسة رجال وأحياناً قليلة ستة وسبعة نادراً ، ولكنه كثيراً ما يعلو بإسناده فيروى بأربعة رجال بل وبثلاثة ، وهذا موجود كثيراً فى صحيحه حيث يروى ثلاثياً بعدة طرق منها : (عن مالك بن أنس عن نافع عن عبد الله بن عمر) وأيضاً ثلاثياً عن : (مكى بن إبراهيم عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن عمرو الأكوع). ولا شك أن الإسناد العالى يقل فيه فرصة حدوث الخطأ فى الحديث.
2- ولكن ما يحاول أن يثبته صبحى ويدعيه أن إسناد البخارى ستة رجال وأن بينه وبين النبى ستة أجيال ويحاول أن يجعل هذه هى القاعدة وما عداها شاذ عليها فهذا من الخطأ المفضوح ، ومن التدليس البين الذى يخدم أغراض دنيئة وهى زعزعة الثقة فى الإسناد عامة.
3- والعجيب أنه تحدث عن إسناد البخارى السداسى ولكنه لم يتحدث عن إسناد الإمام مالك الثلاثى فى موطئه لنفس هذا الحديث فهو – أى مالك – يروى الحديث من طريقين أحدهما عن أم المؤمنين عائشة (برقم 128) عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة. كما رواه عبد الرزاق فى مصنفه بإسناد ثلاثى أيضاً (1/322) (1236) عن ابن جريج عن عكرمة عن بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم.
فلماذا لم يذكر هذا الإسناد العالى (الثلاثى) وركز على إسناد البخارى النازل (السداسى)!؟
4- كما أن نفس هذا الحديث ورد فى كتب كثيرة جداً من طرق هى أقصر من طرق الإمام البخارى فهو عند الدارمى (1033) وفى مصنف عبد الرزاق (1240 ، 1241) رباعياً ، و فى مسند أحمد (برقم 24987) ، وأبى داود (269) ، والنسائى (284) خماسياً ، وغيرها الكثير فهذه مجرد أمثلة فحسب.

ولننظر نظرة علمية سليمة ومتفحصة إلى الحديث الذى ساقه لنعلم مدى غشه وتدليسه على الجهلاء وقليلى العلم وضعاف النفوس :
وسوف أتحدث عن الحديث – إن شاء الله – سنداً ومتناً.

الأول الكلام عن الحديث من حيث الإسناد

هذا الحديث ورد عن عدد من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم
أولاً : من طريق أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها :-
أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه برقم : (301 ، 302 ، 2031)
ومسلم برقم (293)
وأبو داود برقم (268 ، 269 ، 270 ، 273)
والترمذى برقم (132)
والنسائى برقم (284 ، 373 ، 374 ، 375 ، 773)
وفى سنن ابن ماجة برقم (635 ، 636)
وفى مسند الإمام أحمد برقم (3915 ، 23526 ، 24987 ، 24402 ، 25449 ، 24580 ، 24888 ، 24085 ، 24500 ، 25222 ، 24882 ، 25313 ، 24747 ، 24303 ، 25156 ، 25186 ، 24965) – ترقيم دار إحياء التراث العربى.
وفى موطأ مالك برقم (128)
وفى سنن الدارمى برقم (1013 ، 1038 ، 1048 ، 1052 ، 1061)
وفى مصنف عبد الرزاق (ج 1 / ص322) برقم (1240 ، 1241)
وفى السنن للبيهقى (ج 1 / ص 314) برقم (1403) ، ( 1/311) (1390)

ثانياً : من طريق أم المؤمنين ميمونة رضى الله عنها :-
أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه برقم : (303)
ومسلم برقم (294)
وأبو داود برقم (267، 2167)
والنسائى برقم (287 ، 376)
وفى مسند الإمام أحمد برقم (26314 ، 26306 ، 26315 ، 26279 ، 26313 ، 26279)
وفى سنن الدارمى برقم (1046 ، 1057)

ثالثاً : من طريق أم المؤمنين أم سلمة رضى الله عنها :-
أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه برقم : (298 ، 322 )
وأبو داود برقم (272)
والنسائى برقم (283 ، 371)
وفى سنن ابن ماجة برقم (637)
وفى مسند الإمام أحمد برقم (26163 من طريقين ، 25986 ، 26163 ، 26026)
وفى سنن الدارمى برقم (1044 من طريقين ، 1045)
وفى مصنف عبد الرزاق (1/322) برقم (1235 ، 1236)

رابعاً : من طريق أنس رضى الله عنه :-
أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه برقم : (302)
وأبو داود برقم (258 ، 2165)
والترمذى برقم (2977 من طريقين)
والنسائى برقم (288 ، 369)
وفى سنن ابن ماجة برقم (644 من طريقين)
وفى مسند الإمام أحمد برقم (11945 ، 13164)
وفى سنن الدارمى برقم (1053)

خامساً : من طريق عمر رضى الله عنه :-
فى مسند الإمام أحمد برقم (87)
وفى مصنف عبد الرزاق (1/322) برقم (1238)
وفى السنن للبيهقى (1/312) برقم (1395)

سادساً : من طريق ابن عباس رضى الله عنهما :-
السنن للبيهقى (1/314) برقم (1404)

سابعاً : من طريق عبد الله بن سعد الأنصارى رضى الله عنه :-
أخرجه أبو داود برقم (212)
وفى السنن للبيهقى (1/312) برقم (1394)

ثامناً : من طريق معاذ بن جبل رضى الله عنه :-
أخرجه أبو داود برقم (213)

فهذا هو الحديث الذى ساقه إلينا ليدلل به على صحة مذهبه الفاسد يتبين لنا أن هذا الحديث فى أعلى درجات الصحة الإسنادية للأسباب الآتية :-
1- قد أخرجه الجماعة (البخارى ومسلم وابو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة) والإمام أحمد بن حنبل ويندر أن يوجد كتاب من كتب السنة لم يخرج ها الحديث بإسناد المصنف إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
2- أنه حديث متفق عليه أى فى الصحيحين (البخارى ومسلم).
3- أنه جاء من طريق عدد كبير من الصحابة بلغوا حسب إحصائنا ثمانية صحابة منهم ثلاثة من أمهات المؤمنين وهم أعلم الناس بموضوع هذا الحديث ، ومنهم أيضاً أنس بن مالك خادم الرسول صلى الله عيه وسلم لمدة عشر سنوات ويزيد منذ هاجر إلى المدينة حتى وفاته صلى الله عليه وسلم ، ومنهم أيضاً عمر بن الخطاب وهو من أعلم الصحابة بسنة النبى صلى الله عليه وسلم ، ومنهم عبد الله بن عباس رضى الله عنهما وهو حبر الأمة وفقيهها.
4- كما ورد الحديث عن عدد كبير من التابعين تغاضينا عن ذكرهم منعاً للإطالة.
5- أنه لا يوجد خلاف بين جميع الفقهاء على ما جاء فى متن هذا الحديث والعمل به فلا نعلم فقيهاً قال بخلاف هذا ، مما يعنى (إجماع علماء الأمة) على جواز مباشرة الرجل لزوجته وهى حائض وذلك من فوق الإزار.
6- بلغ عدد رجال هذه الأسانيد ما يزيد عن (225) راوٍ وذلك فى الكتب التى رجعنا إليها رغم تغاضينا عن كثير من كتب السنة منعاً للإطالة.
7- علو إسناد كثير من طرق الحديث حيث روى بثلاثة رواة عند البعض وبأربعة – وهو كثير – وبخمسة رواة فى الغالب.
8- عدم حدوث أية تعارض بين معانى ألفاظ الحديث على كثرة طرقه وتعدد رواته فجميع متون الأحاديث الواردة تتفق على أن النبى صلىالله عليه وسلم كان يجامع زوجاته أثناء فترة الحيض من فوق الإزار. ولا خلاف فى هذا البتة.
9- أن هذا الحديث قد بلغ المنتهى فى الصحة الإسنادية وذلك لوصوله – إلى مرتبة التواتر – فمعلوم أن التواتر هو ما يرويه عدد كبير لا تتفق العادة على تواطؤهم على الكذب ، وأقل المتواتر فى علم المصطلح هو ما كان عدد رواته فى كل طبقة عشرة رواة. والحكمة فى هذا هو أن نبلغ مرحلة اليقين فى إسناد هذا الحديث للنبى صلى الله عليه وسلم ، ورغم أن هذا الحديث لم يروه إلا ثمانية صحابة إلا أنه – حسب تقديرى – أنه قد بلغ حد التواتر فعلاً وذلك للأسباب الآتية :-
– أن هذا الحديث قد رواه عن أم المؤمنين عائشة – وحدها – عدد خمسة عشر تابعياً يعنى بلغ حد التواتر عن عائشة. وقد روته السيدة عائشة فى عدة مواضع وبأكثر من صيغة ، مما يدل أن المبلغين عنها لم يكونوا فى مجلس واحد ، وطالما أن عائشة قد روت هذا وأقرت أن هذا هو فعل النبى فليس هناك من أدنى شك فى نسبته إليه صلى الله عليه وسلم.
– بلغ عدد رواة هذا الحديث فى الطبقة الأولى طبقة الصحابة (رواة الحديث) ثمانية منهم ، وفى الطبقة التى تليها (24) تابعياً وفى الطبقة التالية (31) راوياً ، وفى التى تليها (42) راوياً ، وفى التى تليها (56) راوياً وفى التى تليها حوالى الستين راوياً . كما بلغ عدد الرواة جميعاً فى جميع الطبقات من الكتب التى رجعت إليها فقط حوالى (225) راوياً.
– أى أننا نستطيع أن نقول بكل ثقة أن هذا الحديث قد بلغ حد التواتر فى جميع طبقاته عدا طبقة الصحابة فإنه يعد من قبيل المشهور ، وطالما أنه اتفق جمع كبير تستحيل العادة اتفاقهم على الكذب على أن أمهات المؤمنين قد روين هذا الحديث وأن النبى صلى الله عليه وسلم قد فعل هذا وقاله وأمر به فليس هناك مجال لأدنى شك فى صحة نسبة هذا الحديث للنبى صى الله عليه وسلم.
يتبع ……

شبهة جديدة وردها
والدافع الذى يبنى عليه صبحى رده لهذا الحديث هو ادعائه الاذب بأن الحديث متعارض مع القرآن الكريم ، بحيث إذا صدقنا القرآن وجب علينا رد الحديث ، وإذا صدقنا الحديث فقد وجب علينا أن نكذب القرآن ، (لماذا؟) لأن الله تعالى يقول : (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن وأتوهن من حيث أمركم الله) ، هذه هى شبهته التى يوردها.

نقض دعوى تعارض متن الحديث مع نص القرآن الكريم
وبعد أن أثبتنا أن الحديث من الناحيةالإسنادية هو فى أعلى درجات الصحة ، فلننظر إذن من ناحية المتن ، ولنرى هل فعلاً أن نص الحديث الشريف يتعارض مع الآية القرآنية الكريمة كما يدعى أم لا؟
وأقول إنه قد ألبس على الناس بفهمه الخاطئ ربما عن عمد أو عن جهل وأخذ يدعى أن هناك تعارضاً بين الآية الكريمة والحديث الشريف. وخالف ما اعتاد الناس على فعله منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم حتى الآن مصداق قول النبى صلى الله عليه وسلم :(أناس يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي ، تعرف منهم وتنكر) [متفق عليه من حديث حذيفة بن اليمان]
ولننظر إذن إلى ما يقوله القرآن الكريم :
يقول تعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) [البقرة : 222]
إن اعتزال الرجال عن النساء يكون على مرتبتين يمكن فهمها كالآتى :
الأولى : اعتزال كامل أى عن الجماع الكامل ويشمل الإيلاج وعن الاستمتاع بالجسد دون الإيلاج وعن المؤاكلة والمشاربة وغيرها من أنشطة الحياة كما كان يفعل اليهود كما ورد فى سنن أبى داود.
الثانية : اعتزال وسط أى مباشرة من غير جماع. يعنى كل شئ إلا الجماع أى دون إيلاج ، ولا يكون هذا إلا من فوق الإزار وخاصة لمن لا يملك إربه.
وقد فسر منصور الاعتزال فى الآية الكريمة على أنه : (عدم الاقتراب منهن جنسيا بأى كيفية) وهذا كلام عجيب جداً من عدة وجوه :
أولاً : أنه لم يفهم معنى الاعتزال كما ورد من الآية الكريمة.
ثانياً : أنه حمل الكلام على معنى معين دون المعنى الآخر وبدون قرينة.
فلو أمعن النظر فى الآية وفى الحديث لعلم خطأه وعلم أنه لا تعارض بينهما البتة.
فالآية تفيد :
1- الاعتزال فى المحيض (فاعتزلوا النساء) : والاعتزال هنا عام وغير مقيد بشئ ، يعنى يفيد الاعتزال كاملاً حتى عن الأكل والشرب واللقاء المرئى.
2- عدم الاقتراب منهن حتى يطهرن (ولا تقربوهن حتى يطهرن) : وعدم الاقتراب هنا أيضاً عام ويشمل عدم مؤاكلتهن أو مشاربتهن …. إلخ.
3- الإتيان فى الموضع الذى أمر الله به بعد التطهر (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) ، وهنا يتضح معنى الاعتزال المطلوب من خلال فهمنا لمعنى الإتيان حيث يكون الإتيان (من حيث أمركم الله) أى أنه تم تقييد معنى الاعتزال العام إلى المعنى الخاص الذى هو يشمل المؤاكلة والمشاربة وكذا المباشرة دون الإيلاج حيث تم تقييده بقوله : (فأتوهن من حيث أمركم الله) ، والموضع الذى أمرنا أن نأتى النساء فيه هو الفرج ، وهو الذى كان عليه مدار الاعتزال وليس سواه ، فاتضح لنا أن الآية بذاتها – بعيداً عن الحديث – تخبر بهذا أى أن الاعتزال المطلوب هو الاعتزال عن الفرج فقط وليس الاعتزال بالمعنى الذى وصفه هو سابقاً.
ومن هنا يتضح لنا كذب ادعائه بأن هذا الحديث مكذوب (من خلال عرض أسانيد الحديث) ، كما يتبين لنا خطؤه فىدعوى التعارض بين الآية والحديث.
وناهيك عن كثرة تعريضه بالكلام واستخدامه لكلمة (جنسياً) بكثرة وفى غير موضعها.
والتعريض بشخص النبى صلى الله عليه وسلم فرغم كثرة طرق الحديث عن عدد من أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة إلا أن أحدا ًمنهم لم يذكر كلمة (جنسياً) التى استخدمها أ. صبحى م. استخداماً سيئاً يوحى بالتعريض والتهكم.
يتبع ….

جهله بعلوم الحديث والمصطلح

1- فانظروا إلى تعريفه للإسناد يقول : (وما الذى جعلهم يؤمنون ويصدقون بأن النبى (صلى الله عليه وسلم)قد قال ذلك الكلام.؟..انه الاسناد .. أى أسند أو نسب ذلك الكلام للنبى(صلى الله عليه وسلم)عبر العنعنة ،اى قال حدثنى فلان عن فلان عن فلان…الخ..ان النبى (صلى الله عليه وسلم)قال.وهذا معنى الاسناد)
فمعنى الإسناد عنده هو العنعنة ، وأيمن الله إن ما قاله هذا لا يزيد عن مستوى علم طالب فى المرحلة الإعدادية بحرف واحد.
فأين كلامه هذا من تعريف علمائنا للإسناد :
فالإسناد يعرف بأنه : “حكاية طريق المتن” (راجع التعريف للمنّاوى (1/416))
ويعرفه البعض بأنه : “سلسلة الرجال الموصلة للمتن وكيفية تحملهم”.
ولو أننا استفضنا فى شرح معنى هذا التعريف لاحتجنا كتباً كثيرة وليس هذا مقامها.
2- ثم يقول : (ورواه ابن ماجه فى “مسنده”)

ومن علامات جهله الشنيع بالدين رده لحديث القطاة
وهو الحديث الذى أخرجه أحمد فى مسنده عن ابن عباس وابن ماجة فى سننه : من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “من بنى مسجدا لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة”. فنجد أنه يخطئ فى متن الحديث فيقول : “قصراً” بدلاً من “بيتاً”
وليس هذا فحسب ولكن لننظر لأسباب رده لهذا الحديث بلسانه هو ثم نبين ما أحاط بكلامه من جهل مدقع بالدين وأحكامه ، يقول :
(تفكر فى معنى ذلك الحديث المنسوب كذبا للنبى عليه الصلاة والسلام..انه يؤكد على ان كل من بنى لله مسجدا بنى الله تعالى له قصرا فى الجنة،مهما كان الشخص مؤمنا او كافرا،ومهما كان مصدر المال طيبا او خبيثا، يعنى ان السيد هتلر من حقه ان يكون له قصورفى الجنة اذا بنى بضعة مساجد،ويعنى أيضا ان كل مختلس وظالم وناهب لأموال الناس يستطيع اذا بنى ببعض أمواله الحرام مسجدا ان يدخل الجنة. ..هل يتفق ذلك مع تشريع الاسلام؟ثم ان هذا الحديث الذى يبيع قصور الجنة لكل من يتبرع ببناء مسجد يحدد لنا منذ البداية اقل مساحة مقبولة للمسجد،يقول ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة))اى يكون مساحة المسجد كقدر ما تتحرك به ساق القطاة حين تفحص بساقيها الارض.والقطاة هى طائر صغيرة الحجم .اى من بنى لله مسجدا ولو كانت مساحته فى مثل هذا الصغر بنى الله له قصرا فى الجنة حتى لو كان من مال حرام، ومهما كانت شخصية ذلك المتبرع ،وحتى اذا كان ذلك المسجد لايستطيع دخوله الا النمل والصراصير الوليدة….هل يعقل ان يتكلم النبى (صلى الله عليه وسلم) بهذا الكلام؟!!ولكن ذلك الحديث تم اسناده او تمت نسبته للنبى عليه الصلاة والسلام ، ورواه ابن ماجه فى “مسنده” عن فلان عن فلان. وآمن الناس بصحة ذلك الاسناد .ومن هنا فان ذلك الحديث الكاذب هو المسئول عن اقامة38 الف مسجد وزاوية فى القاهرة الكبرى فى العشرين سنة الماضية، وكلها تنشر ثقافة التطرف عبر احاديث مسندة او منسوبة للنبى(صلى الله عليه وسلم) زورا، وهى تخالف القرآن والسنة الصحيحة للنبى عليه الصلاة والسلام . وبدلا ان تتوجه أموال الصدقات لبناء مساكن للشباب والعائلات التى تسكن المقابر،فأنها توجهت لبناء مساجد ايديولوجية تزيد عن حاجة المسلمين الذين يستطيعون الصلاة فى كل مكان . ومع العلم بأن حق ابن السبيل فى تشريع الاسلام ثابت فى الزكاة الرسمية والصدقة التطوعيةوالفئ والغنيمة،ولا يصح الالتفات لرعاية ابناء السبيل من الاغراب الا بعد ضمان المسكن والطعام لابناء البلد ـ فكيف اذا كان ابناء البلد انفسهم لايجدون السكن بحيث ضاعت احلام الشباب فى الزواج واصبحت العنوسة ازمة مستفحلة ..ومع ذلك تفاقمت تلك المشكلة لان أموال الصدقات استنفذها ارباب الصحوة السلفية فى بناء عشرات الالوف من المنابر التى تؤسس لدولتهم القادمة! ومن دعائم تلك الدولة ثقافة التراث للعصور الوسطى، تلك الثقافة التى أصبحت مقدسة عبر الاسناد ،او عن طريق نسبتها زورا للنبى عليه الصلاة والسلام …مهما خالفت العقل والاسلام .) انتهى.

فهو يقول : (يعنى ان السيد هتلر من حقه ان يكون له قصورفى الجنة اذا بنى بضعة مساجد،ويعنى أيضا ان كل مختلس وظالم وناهب لأموال الناس يستطيع اذا بنى ببعض أمواله الحرام مسجدا ان يدخل الجنة. ..هل يتفق ذلك مع تشريع الاسلام؟)
ونحن نجيبه ونقول له بالطبع إن هذا لا يتفق مع تشريع الإسلام.
ولكن الجهل والكذب قد أعمياه عن رؤية الحق ، وجهل ما هو معلوم من الدين بالضرورة
ألم يقرأ ما أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : ((يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم)) وقال : ((يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك). [مسلم (1015) ، الترمذى (2989) ، أحمد (8148) ، الدارمى (2717)].
ألم يقرأ هذا الحديث أم أنه ينظر إلى فقه الشريعة بناءً على حديث واحد فإذا وجد فيه ما لا يرضى عقله رد الحديث وادعى أنه مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهناك الناسخ والمنسوخ ، وهناك العام والخاص ، وهناك المطلق والمقيد ، وهناك المجمل والمفصل. والحديث عن هذا الأمر يطول ، ولكن أين هو من كل هذا العلم!.

وقوله : (ان هذا الحديث الذى يبيع قصور الجنة لكل من يتبرع ببناء مسجد يحدد لنا منذ البداية اقل مساحة مقبولة للمسجد،يقول ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة))اى يكون مساحة المسجد كقدر ما تتحرك به ساق القطاة حين تفحص بساقيها الارض.والقطاة هى طائر صغيرة الحجم .اى من بنى لله مسجدا ولو كانت مساحته فى مثل هذا الصغر بنى الله له قصرا فى الجنة حتى لو كان من مال حرام، ومهما كانت شخصية ذلك المتبرع ،وحتى اذا كان ذلك المسجد لايستطيع دخوله الا النمل والصراصير الوليدة….هل يعقل ان يتكلم النبى (صلى الله عليه وسلم) بهذا الكلام؟!!)
فناهيك عن التهكم الذى يلازمه فى كل سطر بقوله ،نرى الجهل قد عشش على سماء رأسه ، وألبسها من أكفانه الشئ الكثير. فالمذكور لا يدرى عن علم البلاغة ولا عن الكناية شيئاً ، ففى شرحه لسنن ابن ماجة يقول السندى رحمه الله : (قوله : “كمفحص قطاة” : هو موضعها الذي تخيم فيه وتبيض لأنها تفحص عنه التراب وهذا مذكور لإفادة المبالغة في الصغر وإلا فأقل المسجد أن يكون موضعا لصلاة واحد).
فهل يا ترى عَقِل صبحى منصور هذا الكلام أم أنه لا يروقه. وهل ما قاله السندى لا يمكن أن يستصيغه العقل ! أم تراه يريد أن يقول أن عقله هو العقل الصريح المجرد وما دونه جنون!

ثم يقول : (ولكن ذلك الحديث تم اسناده او تمت نسبته للنبى عليه الصلاة والسلام ، ورواه ابن ماجه فى “مسنده” عن فلان عن فلان. وآمن الناس بصحة ذلك الاسناد .ومن هنا فان ذلك الحديث الكاذب هو المسئول عن اقامة38 الف مسجد وزاوية فى القاهرة الكبرى فى العشرين سنة الماضية، وكلها تنشر ثقافة التطرف عبر احاديث مسندة او منسوبة للنبى(صلى الله عليه وسلم) زورا)
وهو يقصد من هذا الكلام أن الإسناد هو جريمة وقعت فيها الأمة وأن الإسناد هو المجرم الكبير وراء إنشاء ثمانية وثلاثين مسجداً وزاوية فى القاهرة ، وهو طبعاً يريد أن يقول أن كل هذا العدد من المساجد غير مهم وغير ذى قيمة ، وأقول له رداً على افترائه : وهل الـ 38 ألف مسجد هذه تسع لجميع المصلين فى القاهرة الكبرى التى ذكرها فى صلاة الجمعة؟ أم تراه لم يرى المصلين تضيق بهم الـ 38 ألف مسجد فيضطرون للصلاة فى الشوارع وعلى الأرصفة!
أم أنه يختبئ فى مكان مجهول أثناء الصلاة ولا يرى هذه الظاهرة التى لا يغفلها غير المسلم فضلاً عن المسلم!
ثم ألم يلحظ صبحى أن أغلب هذه المساحد الـ (38 ألفاً) لا تزيد مساحة أحدها عن مساحة الحجرة الواحدة من البيت ، وإنى لأقسم أنى صليت الجمعة بمسجد لا تزيد مساحته عن مساحة نصف حجرة صغيرة ، وكان أغلب المصلين يفترشون الأسفلت ويصلون عليه ، ولعل صبحى يطلع علينا فى يوم من الأيام لينهى المسلمين عن الصلاة على الأسفلت ، أو حتى ينهى عن الصلاة أصلاً!

ثم إنه يدعى أن هذه الأحاديث (المكذوبة كما يدعى) تخالف القرآن الكريم والسنة الصحيحة (على حد قوله) للنبى صلى الله عليه وسلم.
ونحن نتحداه أن يأتينا بحديث صحيح يخالف القرآن أو يخالف حديثاً آخر أو يخالف صريح العقل المجرد من الهوى ، ولعل فيما أووردناه سابقاً من دفع شبهة التعارض المزعوم فى حديث مباشرة الحائض يكون مثالاً وتأكيداً على ما نقول ، كما أنه شاهد على كذب مزاعمه.
ويقول : (وبدلا ان تتوجه أموال الصدقات لبناء مساكن للشباب والعائلات التى تسكن المقابر)
وأقول له : إن هذه المساجد تبنى لله تعالى من أموال المسلمين وبمحض إرادتهم تعبداً منهم وقربة إلى الله تعالى ، أما إن كان هو شفيقاً على الشباب والعائلات التى تسكن المقابر فهذا شئ حسن ، فليخرج إذن من ماله ما شاء لحل مشاكل الشباب ، وبناء مساكن إيواء لهؤلاء الفقراء. ولا يلزم أحداً بما يستحسنه عقله. وليكن قدوة لغيره وليبدأ بنفسه ولعله يكون قدوة فى هذا.
أما قوله : (فأنها توجهت لبناء مساجد ايديولوجية تزيد عن حاجة المسلمين الذين يستطيعون الصلاة فى كل مكان).
فأقول له : أوليس هو أيضاً يدعو الناس إلى أيدلوجية ، بل هى أيدلوجية شر من أى أيدلوجية أخرى ،أيدلوجية إنكار الدين , وتقديم العقل المغلف بالهوى عن شرع الله وعن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وما معنى قوله : (تزيد عن حاجة المسلمين الذين يستطيعون الصلاة فى كل مكان)؟
فما هذا الهوان فى الدين؟
لماذا يصلى المسلمون فى كل مكان؟
صحيح أن من خصائص أمة النبى صلى الله عليه وسلم أن جعلت لها الأرض مسجداً وترابها طهوراً. ولكن أليس بناء المساجد المتسعة التى تكفى المسلمين عبادة يتقرب بها إلى الله.
أم تراه يريد أن نرضى الدنية فى ديننا ، فتبنى الكنائس للنصارى ، أما المسلمون فيصلون فى كل مكان؟
ومن أخبره أن الصلاة فى كل مكان جائزة أليست هى سنة النبى صلى الله عليه وسلم؟ التى يجاهد نفسه وغيره من أجل إنكارها!؟

ثم انظر إلى هذا التدليس الفج ، وهذا الكذب الصراح :
يقول : (يقول الذهبى فى كتابه المشهور فى ” الجرح والتعديل ” { ميزان الاعتدال } : ” ما اجتمع علماء هذا الشأن على تعديل ضعيف أو تضعيف ثقة “)
ثم انظر إلى فهمه لهذا الكلام لتتأكد من هذا الجهل المركب : يقول : (فلم يحدث اطلاقا ان اتفقوا على ان ذلك الراوى ثقة او انه ضعيف).
فهل من عاقل يصدق هذا الكلام!؟
الإمام الذهبى – رحمه الله – يمدح أهل العلم ويقول أنهم لم يجتمعوا على تعديل راوٍ ضعيف أى أنه من الممكن أن يختلفوا فى إصدار حكم على راوٍ ما هذا يوثقه وآخر يجرحه ، ولكنه لم يحدث مطلقاً أن اجتمعوا كلهم على تعديل راوٍ هو فى الأصل ضعيف ، ولم يجتمعوا مطلقاً على تضعيف راوٍ ثقة. أليس هذا منقبة لعلم الجرح والتعديل!؟
ثم لماذا يصدق الذهبى فيما قاله هنا ثم يعود ويكذبه من ناحية أخرى عندما يعدل راوٍ أو يجرحه أو يروى حديثاً بإسناده!؟
طبعاً لأن الأولى تخدم هواه ، رغم إنها ليست كذلك فى حقيقة الأمر.
أما عن الاختلاف فى الحكم على راوٍ ما فهذا له قواعد متفق عليها ومعمول بها فى علم الجرح والتعديل ويمكن من خلالها سبر حال الراى جيداً ، فهناك المتشددون فى الجرح والتعديل ، وهؤلاء يؤخذ بأقوالهم فى أحوال ، وهناك المتساهلون فى الحكم على الرجال ، وهؤلاء غالباً ما تتجنب أقوالهم إلا فى حالات معينة نحن نعلمها جيداً ، وهناك المعتدلون فى الجرح والتعديل أمثال الإمام أحمد والبخارى ومسلم ، ويحيى بن معين وغيرهم ، وهؤلاء يعض على أقوالهم بالنواجذ.
الشاهد من كل هذا أنه هناك قواعد علمية رصينة وفعالة وعملية فى الحكم على الحديث ولا تقبل الشك ولا المراء.
فكونه يجهل هذه القواعد فجهله ليس بحجة على العلم.

شبهة عدد الأحاديث المتواترة

يقول صبحى : (قسموا الاحاديث حسب درجتها من الثقة والصحة الى قسمين كبيرين.(1 )الاول الحديث المتواتر وهو صحيح بدرجة مائة فى المائة ،وقد اختلفوا فيه ،فقال بعضهم انه لايوجد اصلا حديث متواتر مقطوع بصدقه ،وقال بعضهم انه يوجد حديث متواتر واحد وهو حديث ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ))وقال بعضهم انه حديث متواتر ولكنه يخلو من كلمة متعمدا .ورأى بعضهم ان الحديث المتواتر ثلاثة فقط ،وارتفع بعضهم بالاحاديث المتواترة الى خمسة او سبعة)
ونرد على هذه المزاعم بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية فى الفتاوى فيقول :
(وأما عدة الأحاديث المتواترة التي في الصحيحين فلفظ المتواتر : يراد به معان ؛ إذ المقصود من المتواتر ما يفيد العلم لكن من الناس من لا يسمي متواترا إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلا بكثرة عددهم فقط ويقولون : إن كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا قول ضعيف .
والصحيح ما عليه الأكثرون : أن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر يحصل العلم بمجموع ذلك وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة .
وأيضا فالخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقا له أو عملا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف وهذا في معنى المتواتر
لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض ويقسمون الخبر إلى متواتر ومشهور وخبر واحد وإذا كان كذلك فأكثر متون الصحيحين معلومة متقنة تلقاها أهل العلم بالحديث بالقبول والتصديق وأجمعوا على صحتها وإجماعهم معصوم من الخطأ كما أن إجماع الفقهاء على الأحكام معصوم من الخطأ ولو أجمع الفقهاء على حكم كان إجماعهم حجة وإن كان مستند أحدهم خبر واحد أو قياسا أو عموما فكذلك أهل العلم بالحديث إذا أجمعوا على صحة خبر أفاد العلم وإن كان الواحد منهم يجوز عليه الخطأ ؛ لكن إجماعهم معصوم عن الخطأ .
ثم هذه الأحاديث التي أجمعوا على صحتها قد تتواتر وتستفيض عند بعضهم دون بعض وقد يحصل العلم بصدقها لبعضهم لعلمه بصفات المخبرين وما اقترن بالخبر منه القرائن التي تفيد العلم كمن سمع خبرا من الصديق أو الفاروق يرويه بين المهاجرين والأنصار وقد كانوا شهدوا منه ما شهد وهم مصدقون له في ذلك وهم مقرون له على ذلك وقوله : “إنما الأعمال بالنيات” هو مما تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق وليس هو في أصله متواترا ؛ بل هو من غرائب الصحيح لكن لما تلقوه بالقبول والتصديق صار مقطوعا بصحته . وفي السنن أحاديث تلقوها بالقبول والتصديق كقوله صلى الله عليه وسلم : “لا وصية لوارث” فإن هذا مما تلقته الأمة بالقبول والعمل بموجبه وهو في السنن ليس في الصحيح .
وأما عدد ما يحصل به التواتر فمن الناس من جعل له عددا محصورا ثم يفرق هؤلاء فقيل : أكثر من أربعة وقيل : اثنا عشر وقيل : أربعون وقيل : سبعون وقيل : ثلاثمائة وثلاثة عشر وقيل : غير ذلك . وكل هذه الأقوال باطلة لتكافئها في الدعوى . والصحيح الذي عليه الجمهور : أن التواتر ليس له عدد محصور والعلم الحاصل بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة كما يحصل الشبع عقيب الأكل والري عند الشرب وليس لما يشبع كل واحد ويرويه قدر معين ؛ بل قد يكون الشبع لكثرة الطعام وقد يكون لجودته كاللحم وقد يكون لاستغناء الآكل بقليله ؛ وقد يكون لاشتغال نفسه بفرح أو غضب ؛ أو حزن ونحو ذلك .
كذلك العلم الحاصل عقيب الخبر تارة يكون لكثرة المخبرين وإذا كثروا فقد يفيد خبرهم العلم وإن كانوا كفارا . وتارة يكون لدينهم وضبطهم . فرب رجلين أو ثلاثة يحصل من العلم بخبرهم ما لا يحصل بعشرة وعشرين لا يوثق بدينهم وضبطهم وتارة قد يحصل العلم بكون كل من المخبرين أخبر بمثل ما أخبر به الآخر مع العلم بأنهما لم يتواطآ وأنه يمتنع في العادة الاتفاق في مثل ذلك مثل من يروي حديثا طويلا فيه فصول ويرويه آخر لم يلقه . وتارة يحصل العلم بالخبر لمن عنده الفطنة والذكاء والعلم بأحوال المخبرين وبما أخبروا به ما ليس لمن له مثل ذلك .
وتارة يحصل العلم بالخبر لكونه روي بحضرة جماعة كثيرة شاركوا المخبر في العلم ولم يكذبه أحد منهم ؛ فإن الجماعة الكثيرة قد يمتنع تواطؤهم على الكتمان كما يمتنع تواطؤهم على الكذب . وإذا عرف أن العلم بأخبار المخبرين له أسباب غير مجرد العدد علم أن من قيد العلم بعدد معين وسوى بين جميع الأخبار في ذلك فقد غلط غلطا عظيما ؛ ولهذا كان التواتر ينقسم إلى : عام ؛ وخاص فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما لم يتواتر عند العامة كسجود السهو ووجوب الشفعة وحمل العاقلة العقل ورجم الزاني المحصن ؛ وأحاديث الرؤية وعذاب القبر ؛ والحوض والشفاعة ؛ وأمثال ذلك . وإذا كان الخبر قد تواتر عند قوم دون قوم وقد يحصل العلم بصدقه لقوم دون قوم فمن حصل له العلم به وجب عليه التصديق به والعمل بمقتضاه كما يجب ذلك في نظائره ومن لم يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإجماع الذين أجمعوا على صحته كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إلى من أجمع عليها من أهل العلم ؛ فإن الله عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة وإنما يكون إجماعها بأن يسلم غير العالم للعالم ؛ إذ غير العالم لا يكون له قول وإنما القول للعالم فكما أن من لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقوله فمن لا يعرف طرق العلم بصحة الحديث لا يعتد بقوله بل على كل من ليس بعالم أن يتبع إجماع أهل العلم) انتهى.
فانظر هل نصدق ابن تيمية الذى قال عنه تلميذه الذهبى – رحمه الله – : “أى حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث” أم ترانا سنصدق صبحى منصور الذى لا يجيد الكتابة باللغة العربية.
وانظر أيضاً لما قاله الحافظ ابن حجر في فتح البارى شرح صحيح البخارى عند شرحه لحديث: “ومن كذب علي متعمدا ‏ ‏فليتبوأ ‏ ‏مقعده من النار” قال :
“ونقل النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة , ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر , ونازع بعض مشايخنا في ذلك قال : لأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة , وليست موجودة في كل طريق منها بمفردها . وأجيب بأن المراد بإطلاق كونه متواترا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر , وهذا كاف في إفادة العلم . وأيضا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم . نعم وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم , وكذا حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو , فلو قيل في كل منها إنه متواتر عن صحابيه لكان صحيحا , فإن العدد المعين لا يشترط في المتواتر , بل ما أفاد العلم كفى ,
والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت علوم الحديث وفي شرح نخبة الفكر , وبينت هناك الرد على من ادعى أن مثال المتواتر لا يوجد إلا في هذا الحديث , وبينت أن أمثلته كثيرة ”
فالمتواتر عند ابن تيمية وابن حجر هو الحديث المفيد للعلم اليقيني.
فمن نصدق إذن صبحى منصور أم الحافظ ابن حجر العسقلانى الذى إذا أطلق لفظة (الحافظ) أشارت إليه بصفة خاصة!؟

ثم يدعى أن القرآن قضية إيمانية أما الحديث فليس قضية إيمانية بل هو قضية علمية تدخل فى باب البحث والاجتهاد وليس فى قضايا العقيدة واليقين.
وقد كذب والله ، ذلك أن كلاً من القرآن الكريم والحديث الشريف قضية إيمانية وعلمية وكلاهما يتعلقان بالعقيدة واليقين. (لماذا؟)
لأن كليهما قضية علمية من حيث الوسيلة وقضية إيمانية من حيث الغاية ، فكيف بلغنا القرآن الكريم؟ ألم يبلغنا بمنهج علمى راسخ يقوم على الإسناد تماماً كما بلغنا الحديث الشريف ، الفرق الوحيد بينهما أن القرآن كله بلغنا بالتواتر أما الحديث فلم يبلغنا جميعه بالتواتر. ولكنه جميعاً خاضع لنفس المنهج العلمى الذى بلغنا به القرآن.
فهل إذا صح نسبة الحديث للنبى صلى الله عليه وسلم أفلا يفيد هذا اليقين ويؤخذ منه العقيدة ، فهل هناك ما يمنع من ذلك!؟

تأويلاته الفاسدة للقرآن الكريم

ثم يبدأ فى تحريف معنى بعض الآيات القرآنية لتوافق هواه ومذهبه فيأتى على قول الله تعالى (((فبأى حديث بعده يؤمنون: الاعراف185 ،المرسلات50 )))
ليدعى بها كما يدعى باقى أسلافه وأخلافه من أنها تعنى عدم التمسك بسنة النبى صلى الله عليه وسلم ، وما جهلوه أو تجاهلوه أن لاخطاب فى هذه الآية غير موجه للمؤمنين ، والآية لا تنفى أو تنهى عن التمسك بالسنة ، بل المخاطب بالآية هم الكافرون وهذا هو سياقها فى سورة الأعراف ،
قال تعالى : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185))
فالله سبحانه يتوعد الذين يكذبون آياته ويأمر الكفار أن يتبينوا هل أصاب النبى جنون حتى يقول هذا القول!؟ ثم يقول لهم : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) ذلك أنهم كانوا يؤمنون بكلام السحرة والدجالين والعرافين والمشعوذين ، فبينت الآية هنا أن المقصود بالخطاب هم الكفار الذين يعرضون عن القرآن وعن الإيمان جملة وتفصيلاً ، ولم تأت الآية لتنهى المؤمنين عن التمسك بالسنة.
وهذه هى آيات سورة المرسلات : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50))
لتبين نفس ما أوضحناه سابقاً بخصوص آية سورة الأعراف.

لماذا لم يأمر الرسول بكتابة شيء الا القران ؟
بالطبع السؤال غير دقيق اذا اريد منه النهي المطلق .
فالرسول صلى الله عليه وسلم قد كتب لملوك ورؤسال عصره يعوهم للأسلام .
وكتب لبعض عماله في البلاد . وكتب معاهدات . وعلم المسلمين الكتابة بعد بدر .
وقال ” أكتبوا لأبي شاة” وكتب صحيفة ابن حزام .
الكتابة التي نهوا عنها هي لأمر مهم قد يغفل عنه الكثير من الناس :
: اولا: عدم خلط شيء من غير القران بالقران شبهة . بالطبع القران محفوظ ليوم القيامة ولكن مثل وجود هذه الكتابات قد يخلط بينها بعض الناس .
ثانيا . ان الاتجاه الأساسي للعلم كان الحفظ في الصدور حتى للقران ” بل هو ايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم” وانما كانت الكتابة وفقا لما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم .
ثالثا التعلم لم ينهى عنه والتفقه في الدين وهو امر منصوص في القران وهذا بين لمعرفة ان النهي عن الكتابة هي للألتفات الى تدوين القران وعدم الأشتغال بغيره .

اقتباس:

——————————————————————————–
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)
——————————————————————————–
 

فهؤلاء لا يريدوا الفقه الموجود في القران بل يريدوا قرآن ويريدو ان يفقهوه كما يحلوا لهم .
اقتباس:

——————————————————————————–

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة khaled_aliii
كلامك كله مردود عليه بحجة واحدة فقط لماذا لم يأمر الرسول بكتابة السنة حرفيا كما تم كتابة القران حرفيا
——————————————————————————–
 

ومن خدعك وقال لك أن القرآن كله قد كتب حرفياً؟
لا تفهم كلامى خطأً لو سمحت.
هناك قرآن قد نسخت تلاوته لقوله تعالى : (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها)
فلم يكتب كل القرآن إلا ما أقره الرب سبحانه فى آخر عرضتين نزل بهما جبريل عليه السلام على النبى فى شهرى رمضان الأخيرين من حياته.
(طبعاً مسألة النسخ هذه لا تعجبكم أعلم هذا)
ثانياً : لو علمت معنى السنة لما قلت هذا الكلام ، وبصراحة كلام حضرتك ينم عن جهل مدقع بدين الإسلام – اعذرنى على هذا التعبير ولا تعتبره إهانة أو شتيمة ولكنها كلمة حق أقولها وأبتغى من ورائها الثواب من الله سبحانه يوم نلقاه ، كما أقصد بها نصحك للحق.
السنة هى أقوال وأفعال وتقريرات النبى صلى الله عليه وسلم وصفاته الخُلُقية والخِلقية.
فكيف يكتب كل هذا حرفاً حرفاً.
نتمنى لو كنت فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وفعلت هذا.
ولكن على كل حال كل ما هو مهم للدين قد بلغنا لأن الله سبحانه قد حفظ لنا دينه.

اقتباس:

——————————————————————————–

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة khaled_aliii
والادهى من ذلك ان هناك احدايث واقوال منسوبة للرسول للصحابة ابوبكر وعمر في صحيح البخاري ، تمنع الصحابة من كتابة اي شئ غير القران
——————————————————————————–
 

الأستاذ خالد على / أرجوك ولله تعالى ، صحصح لهذا الرد الذى سأجيبك به لعل الله يجعله سبب هداية لك:
لماذا تستشهد بأحاديث المنع من الكتابة الموجودة فى صحيح البخارى ، أليست هى الأخرى أحاديث؟؟؟؟؟
هل فهمت يا أستاذ خالد على أم أزيدك شرحاً.
إن لم تفهم معنى كلامى فتكون فعلاً فى حاجة لتعلم كيفية فهم أبجديات اللغة العربية.
تحياتى لك ، ولا تغضب فإنى لك ناصح.


 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: