الرد على شُبهاتٌ حولَ السُّنة ابومارية القرشي

شُبهاتٌ حولَ السُّنة

 ابومارية القرشي

الحمدُ للهِ الّذي أرسلَ رسولَه بالهدى ودين الحقِّ ليظهرَهُ على الدِّين كلِّه وكفى باللهِ شهيداً وبعد، فهذه حلقاتٌ تتناول بعض الشبهات الميتة التي بثَّ فيها بعضُ المعاصرين الحياةَ ابتغاءَ فتنة الناس وصدِّهم عن سبيلِ اللهِ في دور مرسوم بدقةٍ من قبل قوى الكفر العالمي الّتي تشنُّ اليوم حرباً شعواء على الإسلام وأهله مستهدفةً عقيدتهم وأعراضهم وأموالهم، فكان ولا بُدَّ من التصدي لهذه الحملات الصليبية بردّة فعل صحيحة على مختلف المستويات؛ بالسيف والمال واللسان، فلا يفلَّ الحديد إلا الحديد ولا يفتك بالفكر المنحرف إلا الكلمة الرّبانية الصادقة.
وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه السلسلة وأن يجعلني من المجاهدين في سبيله بنفسه وماله ولسانه، آمين.

الشبهة الأولى
[ALIGN=center]التدوين
[/ALIGN]

اقتباس:

——————————————————————————–
“تأخر تدوين السنة ولذا فهي محرفةٌ كحال الأناجيل التي تأخر تدوينها والتي ثبت تحريفها”
——————————————————————————–
 

شبهةٌ تروجُ في زمن الوجبات السريعة وثقافة السندويج!! فشبابنا اليوم لا يعلمون عن السنة إلا شيئاً يسيراً ولعلي أحذف حرف الإستثناء وأقول لا يعلمون شيئاً يسيراً ومن كان هذا حاله دخلت هذه الشبهة الى عقله من أقصر الطرق بمقارنةً سريعةً بين الإناجيل وكتب السنة ليصل الى أن القياس صحيحٌ مستوفٍ أركاته وشروطه!!
ولو أنه عَلِمَ شيئاً من آيات الكتاب الحكيم ونُبذاً يسيرةً عن تاريخ تدوين السنة لما اهتزّ له طرفٌ ولحذف ببغاء الغرب بحُصيّة ولا يهمنّه بعد ذلك إن طارت شرقاً أو غرباً فليس في الإسلام طيرة!

والآن الى الرد على هذه الشبهة ، وسيكون الرد على 4 مراحل:

[ALIGN=center]الأولى: السنة من دين الله المحفوظ[/ALIGN]

إنَّ التفريق بين السنة والقرآن أعظم من التفريق بين الزكاة والصلاة التي قاتل أبو بكر المرتدين من أجلها!! إنَّ طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله وتفاصيل الشريعة لا تجدها إلا في السنة الغراء؛ صلاتنا ، صيامنا ، زكاتنا، حجنا، جهادنا…الخ ، فمن زعم أن السنة قد ضاعت وحرفّت فأعلم أخي المسلم أنَّ الرجل يقول إنَّ الله لم يحفظ دينه وأنَّ الشريعة الخاتمة قد ضاعت وهذا تكذيبٌ لقوله عزَّ وجلَّ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” وطعنٌ في حكمته بختم الرسالة إذ لم ينتفع بها –على قولهم- إلا الرسول ومن كان معه!!
فالأمر يا أخا الإسلام عقيدةٌ نعتقدها ونؤمن بها ؛إنَّ دين الله محفوظٌ وأنَّ السنة وصلتنا صحيحةً سليمةً غير منقوصة.
ملاحظة : سأتناول بشئ من التفصيل حجية السنة في حلقة قادمة إن شاء المولى عزّ وجلّ.

[ALIGN=center]الثانية:هل التدوينُ هو العامل الأساسي لحفظ النصوص؟[/ALIGN]
نعم!! هكذا يجيبنا بعض القوم من غير تفكرٍ دقيقٍ ونظرٍ عميقٍ في كتابِ الله وتاريخ الرسالات.
ألم ينزل الله على إبراهيم صحفاً وأنزل على موسى الواحاً فيها كتابه، فأين صحف إبراهيم وأين توراة موسى صلوات الله وسلامه عليهم؟!!
إنّ نزول التوراة في ألواح لا في صحف من أعظم أسباب الحفظ على منطقكم ولكن لمّا كان اليهود أهل تحريف وخيانة حرّفوها، فأرسل الله لهم رسله تترى تجدد لهم التوراة وأحكامها ما لم يرسله الى أمةٍ قطُّ ومع ذلك فأين هي التوراة؟!!
الا ترى يا أيها القارئ الكريم أنًّ الأمر يتعلق بحملة النصوص أكثر من تعلقه بالتدوين نفسه؟!!
وهل ضلت يهود بسبب وجود نصٍ مدونٍ أم بسبب خيانتهم لهذا النصِّ وكفرهم به؟!!

ثم ألم ينزل الله القرآن على صدر نبيه ولم ينزله في صحف؟!!
ألم يحمله الرعيل الأول في صدروهم ؛”بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)” العنكبوت)
فكان حبُّ الصحابة لدينهم وحماستهم الشديدة لحفظه كما نزل هو الفارق الأعظم عن حال غيرهم من الأمم ، وهذا كله من قدر الله فهو الذي اختارهم لصحبة خاتم المرسلين وهو الذي استعملهم لحفظ دينه” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ “. ولعل البعض يظنون أنَّ تحفيظ القرآن وتدريسه كان في الأجيال الأولى عن طريق المصحف المكتوب وهذا جهلٌ بواقع الصحابة والتابعين، فلم تكن هناك ثمة مطابع بل لمّا يخترع الورق بعد، فكان الاعتماد على الحافظة وومضت السنة على حفظه حتى بعد انتشار المصاحف بكثرة وهكذا وصلنا متواتراً عنهم ولله الحمد.
ما أريد أن أصل إليه أن الجيل الأول وتلاميذهم في الجيل الثاني كانوا أشد الناس حرصاً على دين الله ، ولم يكن حرصهم هذا مخصوص بالقرآن فقط بل كانوا يحفظون الحديث كما يحفظون السورة من القرآن ، لذا خشي النبي من اختلاط القرآن بحديثه فأمر بكتابة القرآن دون الحديث ثم أجاز كتابة الحديث بعد ذلك كما هو معلوم. وكانوا رضي الله عنهم يراجعون مروياتهم ويدرسونها في حلق التحديث ، فمن زعم أن عدم التدوين في الجيل الأول هو سبب للظن بتحريف السنة فقد أبعد النجعة، فالقوم الذين حفظوا كتاب الله وأشار الله الى أمانة صدورهم” بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ” هم الذين رووا السنة وحفظوها، وما زال هذا الحبُّ والحماس في نفوس البعض وقد رأيت من يحفظ أحاديث البخاري عن ظهر قلب وسمعت عن حفظة الكتب الستة ، وهذا في عصرنا الذي لا يخفى على أحدٍ حال الأمة فيه!
ومن العجيب أن بعض الأئمة أصحاب الحافظة العجيبة كانوا يأنفون من الكتابة ويأمرون طلبتهم بالحفظ المباشر عنهم ويروى ذلك عن الإمام الجليل محمد بن شهاب الزّهري رضي الله عنه. بل ذهب بعض الأئمة الى أنّ الرواية غير معتبرةٍ إذا كان المحدِّث يحدث من كتاب مرويّاته ولم يكن حافظاً لها!!(انظر مقدمة ابن الصلاح:119)

ولا يعني كلامي النقصان من أهمية التدوين ولكن مرادي أن التدوين ليس العامل الرئيسي في حفظ النصوص وإنما العامل الأهم هو إخلاص حملة النصوص وتعلقهم بها وحماستهم في نشرها وتطبيقها كما أنزلت وقبل ذلك وبعده حفظ الله جل وعلا.
[ALIGN=center]الثالثة: هل تأخر التدوين فعلاً؟[/ALIGN]
المسألة فيها تفصيل:
فأما تدوين الرواة لما يسمعون ممن يأخذون منه فهو متقدم جداً بل قد دون الصحابة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم بعد إذنه لهم فكتب عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفته الصادقة وكتب غيره وقد تقدم لك أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم أذن بذلك وكانت للتابعين صحف بمروياتهم يرجعون اليها وربما حدثوا منها وناولوها تلاميذهم وقد تعرض لهذا الموضوع أخونا أبو جهاد في سلسلته في الرد على صبحي منصور ، كما قد بين ذلك الدكتور عجاج الخطيب في كتابه الحافل ” السنة قبل التدوين” فليراجع، ومع ذلك فإن ذلك الجيل فضل عموماً التحديث من حفظه وقد ذكرت لنا كتب التاريخ أعاجيب عن حافظتهم واختبار الناس لهم ولا زلنا الى اليوم نسمع الأعاجيب عن الحفاظ في موريتانيا الذين يحفظون متون الكتب العلمية الشرعية واللغوية سواءا كانت قرضاً أو نثراً.

أمّا تدوين الكتب الكبيرة المشتهرة فليس بمتأخرٍ كثيراً كما توحي عبارت المدلِّسين المعاصرين بل بدأ منذ عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهذا هو جيل تابع التابعين ولا يعني ذلك أنّ كل التابعين أنقرضوا قبل هذا الجيل بل إنّ عمر بن عبد العزيز نفسه تابعيٌ رأى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منهم.
فبدأت عملية التصنيف المنظمة منذ ذلك العهد خوفاً على السنة بسبب تغير الناس وضعف همتهم نسبةً الى من قبلهم، فصنف الزهري (تاريخ دمشق:334\55) و زيد بن زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهم والشعبي رحمه الله وغيرهم ثم تتابع الناس وصنفت الكتب الجوامع ككتب أبن جَريج وأبن أبي ذئب والأوزاعي ومالك وسعيد بن أبي عروبة.
أنظر سلسلة الرد على صبحي منصور لأخينا أبي جهاد الأنصاري في منتدى التوحيد:
http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=4090&page=2

[ALIGN=center]الرابعة: بين ظفرَ الصحابة وبين اضطهاد الحواريين رضي الله عنهم أجمعين.[/ALIGN]

يغيب عن بال كثيرٍ من الناس حال صحب محمد صلى الله عليه وسلم وما أنعم الله عليهم به من فتحٍ وعزٍ ودولةٍ مترامية الأطراف انتشرت في ربوعها المساجد الشامخة وحلقات العلم والتحديث فهذه الأوضاع مكنت الصحابة من نشر الإسلام بنقائه وصفائه وكان الأنتشار السريع من العوامل المهمة لحفظ القرآن وتواتره في كل مصر والى جنب القرآن حفظت السنة ودرِّست ، فتحلق التابعون حول صحب النبي في كل مصرٍ ، وما قصّر الصحب رضي الله عنهم بل جدّوا واجتهدوا في تربية الجيل الجديد وتعليمه دين الله كما سمعوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم. والناظر في أسماء التابعين يجدُ أن كثيراً منهم كانوا أبناء الرعيل الأول أو مواليهم كأبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن كعب القرضي و قتادة ومجاهد ونافع مولى ابن عمر وسالم بن عبد الله بن عمر .
أمّا في حالة الحواريين رضي الله عنهم فقد كان الأمر على العكس من ذلك فصولة الوثنيين الرومان المدعومة من قبل أحبار يهود شديدةٌ جداً، رفع الله نبيه عيسى الى السّماء وتفرق الحواريون في أرجاء المعمورة ، وهم بضعة عشر رجل!!
ثم انتحل بولس اليهودي النصرانية وزاد فيها عقيدة التثليث الوثنية فاعتنقت دولة الرومان الوثنية هذه العقيدة القريبة من ملتهم وكانت هذه الضربة القاضية لجهود الحواريين وما نشروه في بعض الأرجاء المتفرقة من دين التوحيد النقي وما هي إلا سنين قلائل ودرست أثار ذلك الدين وهذا أمرٌ معلومٌ يقرُّ به النصارى أنفسهم.
ومع ذلك فإنّ الدارسين في أوربا لم يكذبوا نسبة الأنجيل الى عيسى عليه السلام إلا بعد دراساتٍ مقارنة بين نسخ الإنجيل المترجمة بلغاتٍ مختلفة( رغم غياب النسخة النسخة الأصلية التي ترجم عنها نص الإنجيل) وشملت دراستهم لغة الإنجيل وحوادثه التاريخية والإشارات الكونية ليصلوا الى هذه النتيحة.
كل هذا الجهد مبذول في سبيل كتابٍ لا سند له الى صاحبه ولا نسخة أصلية تعود الى زمن نبي الله عيسى ولا الى زمن الحواريين بل لا توجد نسخة بلغة الكتاب الأصلية فكل الموجود نسخ مترجمة ومع ذلك بذلوا معه كل هذه الجهود والدراسات، أمّا الجهال من بني جلدتنا فإنهم وصلوا الى إثبات تحريف السنة في ليلةٍ واحدةٍ كما يذكر أحد الدكاترة متبجحاً ، والمسكين يغفل أنه يفضح جهله بأصول البحث العلمي وقلة عقله ولعل ظاهرة” جرة القلم” سرت من الحثالى الجهّال الّذين يقودون البلاد في العالم الإسلامي لتصل الى مكاتب الدكاترة في الجامعات العلمية، ولا حول ولا قوةَ إلّا بالله.

وقد كتب الأستاذ سيف الكلمة هذا التعقيب اللطيف وكان قد أطلع على هذه الحلقة قبل نشرها، يقول حفظه الله:
نعم أخى الحبيب !
فقد كانت الردة فى الإسلام وفيها مسيلمة وسجاح وطلحة من المتنبئين الكذبة..
وكانت الردة فى المسيحية على يد بولس مدعى النبوة..
ولكن كان لنا أبو بكر ولم يكن لهم مثله.
وكان لدينا خالد ولم يكن لهم مثله.
وكان لدينا الصحابة حفظة القرآن والسنة ولم يكن لهم مثلهم.
وكان للمسلمين دولة تدفع عنهم ولم يكن للنصارى مثلها.
وكان من رزق الله لهذه الأمة رجال أفنوا حياتهم فى جمع السنة من المدون وغير المدون.
ورزق الله هذه الأمة بنبيٍ -رغم أميته- أمر وشجع على تعلم الكتابة ولم نعلم عنهم ذلك.
ورزق الله هذه الأمة انتشار الكتابة فى وقت مبكر وأتبعها انتشار المطابع وهم حرفوا كتابهم قبل إتاحة هذه الفرصة.
وحفظ الله الذكر لأمتنا قرآنا وسنة بكل هذه المعطيات وبفضلٍ من عنده ولم يكن لهم ذلك.
فلا وجه للمقارنة!
ولا نستغرب أن يكون حد الردة مستهدفا من المرتدين عن النصرانية ومن يقول بقولهم من الملحدين وهم أيضا مرتدون إلى الكفر.

[ALIGN=center]وصلى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.[/ALIGN]
الشبهة الثانية
أخبار الآحاد[/ALIGN]

يقول بعض المعاصرين:
“إن أخبار الآحاد لم تثبت قطعياً عن طريق التواتر فيجب ردّها لأنها ظنية”

الحمد لله وبعد، فهذه الشّبهةُ مثالٌ على التقليد الأعمى الذّي ينتهجه المثقفون المتنوِّرون(زعموا) ، فقد تناقلها القومُ بعضهم عن بعضٍ من غير رويّةٍ ولا تأملٍ في معناها ورمَوا أهل السنة بالجمود والتقليد على مذهبِ”رمتني بدائها وانسلت”!!
ولو أنهم تفكروا قليلاً لعلموا أنهم يستفيدون العلم واليقين في واقع حياتهم من طرقٍ شتى ولا ينظرون لشرط التواتر على أنه السبيل الوحيد لتيقن تلك الأخبار!!
ولندع القوم يتفكرون في هذه المسألة وليضرب كل منا أمثلته الخاصة في مخيلته ، ولنطرق أولاً باب الأصوليين لنعلم كيفية قبول الأخبار عندهم لأنّ محاورينا يزعمون أنهم يأخذون العلم من كتبهم! ثم نذهب بعد ذلك الى أصحاب القول الأول والأخير في المسألة وهم أهل الحديث ونقّاده.
الأصوليون لهم في المسئلة قولان:
أحدها: الأخذ بأحاديث الآحاد في العمل دون العلم(المسائل العقدية).
الثاني: إذا احتفت أحاديث الآحاد بالقرائن وغلب على الظن صحتها وجب الأخذ بها في العلم والعمل.
وينسب بعضهم الى أهل الحديث القول بإفادة حديث الآحاد للعلم وإيجاب العمل مطقاً وهو غلط عليهم أو قولٌ لمتأخرين منهم لم يحققوا المسألة.
وكما ترى أيها القارئ الكريم أنّ الأصوليين كلهم متفقون على الأخذ بحديث الآحاد ولم يهمله أحدٌ منهم بل عند التحقيق تعلم أنّ أصحاب القول الأول يلزمهم الأخذ بقول باقي الأصوليين لأنّ دعواهم مبنيةٌ على التفريق بين العلم والعمل وهو تفريقٌ حادث ليس له دليلٌ في كتاب الله ولا سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم ولو تأملت لعلمت أنّ مرد الأعمال يكون الى أمور عقدية لأنّ هذه الأعمال إما محبوبةٌ الى الله وله فيها حكمةٌ عظيمة أو مكروهةٌ له لا يرضاها لعباده وهذه أمورٌ علمية!!(أنظر كتاب المنهج المقترح لفهم المصطلح)
كانت هذه مقدمة مختصرة عن قول الأصوليين وهم ليسوا أهل هذه الصنعة بل هم غرباء عليها والواجب رد القوس لباريها وهم أهل الحديث الذين يرجع اليهم في قبول الحديث وردّه ، ورحم الله الإمام السخاوي إذ يقول:
” هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله ، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن ، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالاً نقاداً تفرّغوا له ،وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين ” .
ولعل القارئ يأخذه العجب إذا قلت له أنّ أئمة الحديث النقاد من المتقدمين لم يعلموا هذه المصطلحات وإنما دخلت فيما بعد عن طريق أهل الكلام الى علمي الحديث والأصول، فلا يجوز محاكمتم الى مصطلحات لم يعرفوها!! ولكن قالوا إذا صح الحديث وفقاً لمعاييرهم النقدية وجب الأخذ به سواءاً كان الحديث متعلقاً بالعقيدة أو العمل، يقول الشيخ حاتم الشريف العوني:
فالذي يظهر بعد كل هذا : أن محل النزاع لم يحرر بين الأصوليين والمحدثين ! فالأصوليون فهموا أن المحدثين يقولون بإفادة خبر الواحد العدل العلم مطلقاً ، ولا يقول ذلك المحدثون ؛ لكنهم يقولون : إن كل خبر صح عندنا فهو مفيد للعلم ، والصحيح عندهم : خبر الواحد العدل المحتف بما يقويه من القرائن . لكن لجهل كثير من الأصوليين بعلم الحديث ، ولعدم معرفة غالبهم بدقائق فنه ، ظنوا أن المحدثين يكتفون بظاهر الإسناد ، دون التدقيق في باطن علله ودون نقد المتون! وهذا من خصائص علمهم التي لا يعلمها إلا العالمون !!
وليس أدل على نفي ما نسبه الأصوليون للمحدثين ، من القول بإفادة خبر الواحد العدل العلم مطلقاً : من تغليط المحدثين للثقات ، وتوهيمهم العدول ، وقولهم بشذوذ ما صح سنده أحياناً ، وبتعليل ما ظاهره الثبوت أخرى ، وترجيح أحد المتعارضين من الأحاديث المقبولة كذلك ! كل ذلك يكذب ما نسب إليهم ، ويدفع ما ألصق عليهم !!!”(المنهج المقترح لفهم المصطلح)
والكثير ممن يطعن في حكم المحدثين يظن أنّ الحكم بصحة الحديث هو مجرد النظر الى رجال السند ومعرفة درجتهم والنظر الى اتصال السند في الظاهر. وهذه سطحية من لم يقرأ الا المتون المختصرة في علم المصطلح ولم يمارس كتب أئمة القوم فكم من حديثٍ حكموا بنكارته مع أنه مرويٌ عن العدول الثقات بسند متصل ولكن خفيت عللُ سنده أو متنه إلا على الناقد الخبير. فالقوم يبحثون عن قرائن خاصة في كل راوٍ وفي كل سندٍ وفي كل متنٍ تورثهم اليقين بصحته وهم يعتمدون على التحليل الخارجي والذاتي للنص ولا يقتصرون على النظرة السطحية فيه، فليس الأمر مجرد قواعد وتعريفات مسطورة في تلك المتون . يقول الشيخ حمزة المليباري:
” ولذا فإن معرفة صحة الحديث وضعفه ومدى قبوله وخطئه تكون متوقفة على الحفظ والفهم والمعرفة سواء في حالة اعتماد القرائن أو في حالة اعتماد الظواهر ؛ فإن القرائن غير محصورة بضوابط معينة ، بل لكل حديث قرينة وملابسات خاصة ، كما صرّح بذلك بعض حفاظ المتأخرين أمثال ابن رجب والعلائي وابن حجر وغيرهم .”( كتاب الموازنة)
وليس هذا محل الخوض في مناهج المحدثين ولكن غرضي الإشارة الى معنى قبول خبر الآحاد عند المحدثين و الى أنَّ العلم لا يحصل إلا من طريق التواتر مخالفٌ للعقل والنقل بل مخالفٌ للحسِّ والواقع، فمن قال أنّ السنةَ حجةٌ وأنها من دين الله ثم رفضها الا أن تكون متواترة فقد أبعد النجعة وزعم أن الله ورسوله قصّرا في حفظها وكان الواجب على رسول الّأ يفتي ولا يحدث إلا بوجود جمع كبيرٍ جداً! وأن القرآن في أمره طوائف من الناس للنفور في طلب العلم قد أخطأ-حاشاه- وكان الواجب أن يأمر جموعاً كبيرة في طلب العلم فيوصلوه الى قومهم متواتراً!!
وأنّ الحجة لم تقم على كسرى وهرقل وطواغيت الأرض يومها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أفراداً اليهم ولم يرسل أمماً!!!
أمّا إذا كان المعترض منكراً لحجية السنة فهذا مرتدٌ ، فطاعة الرسول دينٌ وعقيدة.
وأمّا إذا كان المعترض نصرانياً أو يهودياً أو علمانياً فلا نبالي باعتراضهم لأنّ القوم يقبلون الأخبار بأدنى قرينه بل إنّ النصارى واليهود لا يملكون سنداً متصلاً الى أنبيائهم ولا يملكون نسخاً صحيحة أصلية لكتبهم فلا يجوز لهم الإعتراض وأما بنو علمان فإنهم يستفيدون عقائدهم من نظريات! ويحتجون علينا بأخبار الأفّاقين والملفّقين والكذّابين!

ونعود الآن الى صاحبنا المقرِّ بوجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فأقول له هل تعلم ما معنى خبر الآحاد؟!
فلعله يقول كل ما سوى المتواتر، وهذا صحيح ولكن هل تأمّلت في معنى قولك؟
معناه أنّ الحديث لو وردنا يقينا متواتراً عن صحابيين أو ثلاثة أو أربعة أو حتى عشره فهو عندك آحاد ولا يورثك اليقين!!
دعني أضرب لك هذا المثال النظري:
لو وصلنا حديث متواتراً عن أبي بكر الصديق وعن عمر الفاروق، فالمنطق النظري المجرد يقول إن هذا الحدبث ظني الثبوت لانه من طريق رجلين ولكن عند النظر في حال هذين الإمامين الحافظين يصل المرء الى اليقين بثبوت هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، لأن الصديق إضافة الى تعديل الله ورسوله له حافظٌ من كبار حفاظ الصحابة وما غابت عنهم مسألة و إلا وتصدى لها وبينها عن رسول الله وما علمنا أنه أخطأ قط في حديث رواه، وهو خليل النبي وصاحب سره ورفيقه في الحل والترحال فلا ريب أنه قد سمع منه ما لم يسمع غيره، مع سعة علم الصديق في شريعة الإسلام ولغة العرب فلو لم يروِ هذا الحديث غيُره مع أقرار الصحابة له وعدم وجود الأحاديث أو النصوص القرآنية قطعية الدلالة المعارضة لوجدنا في أنفسنا اليقين بصحة ما نسبه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أنه قد توبع من قبل الفاروق عمر وهو من هو في تقواه وحفظه وذكائه مع شدّةِ تحرٍ عن السنة معروفة ، كل هذا يورثنا اليقين بصحة هذا الحديث ، أمّا عند أصحاب الهوى فالحديث ظني الدلالة ولا يؤخذ به في العقيدة، وقد ضربت هذا المثل واقتصرت فيه على أبي بكر لرجلٍ من حزب معروف بموقفه من حديث الآحاد فقال لا أخذ به في العقيدة لأنه ظني وهذا هو منتهى الضلال والتقليد الأعمى فإذا لم تستفد العلم من أبي بكرٍ وعمرٍ فممن تستفيده؟!!!

ولعلي ألخص المراد فقد أطلت عليكم:
1-ليس التواتر هو الطريق الوحيد لتيقن الخبر كما يزعم أهل المنطق بل إننا نصل الى اليقين في حياتنا اليومية عن طريق معرفة الناقل(السند) ونوعية الخبر(المتن)، وتختلف القرائن المرجحة بحسب اختلاف موضوع الخبر.
2-أما بالنسبة للحديث النبوي الشريف فإنَّ من له الحق في بيان تلك القرائن ومدى صلاحيتها هم أهل الحديث ولا يجوز لغريبٍ عن هذا العلم منازعتهم فيها لأنّ هذا هو عين الجهل والافتئات عليهم ولا يفتأت على أهل الفنون المختلفة إلا الجهّال الذّين لا يعرفون قدر أنفسهم.
3- يجب التفصيل وعدم إطلاق الأحكام الجزافية بردِّ الأحاديث الشريفة، لأنَّ أهل الحديث فصلّوا في نقدهم لكل حديث ، يقول الشيخُ ابنُ جبرين حفظه الله مبيّناً منهج المحدثين في قبول الأخبار:
والصواب أن يحكم على كل خبر بما يليق به من ظن أو يقين، مما قد تكفل به جهابذة العلماء من صدر هذه الأمة، حيث تتبعوا كل حديث مرفوع يدور على الألسنة أو يوجد في دواوين السنة ، فبينوا درجته، وحكموا عليه بما يستحقه من جزم أو تردد أو ظن غالب.
ولم يجعلوا مستندهم دائما عدالة الراوي أو ضعفه فقط ، بل أضافوا إلى ذلك ما يتصل بالخبر من قرائن تقوي أحد الاحتمالين. (كتاب أخبار الآحاد)
4-كما أحبُّ أن ألفت النظر الى أنّ السنة النبوية من قول وفعل وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم هي في طبيعتها غير قابلةٍ للتواتر فكيف يمكن لأمةٍ بكاملها أن تشهد كل أقواله أو أفعاله أو تقريراته؟!!
يقول الإمام ابن حبان رحمه الله: وأن من تنكَّبَ عن قبول أخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك السنن كلها، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد(مقدمة صحيحه: 156\1)وقد عَلِمِ الذي أرسله وأوجب طاعته ذلك، لذا فإن قبول خبر الآحاد الصحيح هو في حقيقته واجبٌ على كل مسلمٍ ومن زعم غير ذلك فقد طعنٌ في حكمة اللهِ وأمانةِ نبيه صلى الله عليه وسلّم.

الشُّبهةُ الثَّالثة

العَنعَنة[/ALIGN]

أحياناً أتفكر في حال القوم؛ من أين لهم بهذه الأفكار، من أين أتوا بها؟!! هل سأل أحدهم محدِّثاً أم قرأ كتاباً مفصّلاً؟!! لا أظنُ ذلك، وإلاّ لما كان هذا حالهم، ويغلب على ظني أنهم سمعوا عن الأسانيد من مدرس التربية الإسلامية أيّام الإبتدائية ، أو شاهدوها في مسلسلٍ ديني(كذا) تلفازي وربما فتح أحسنهم طريقةً صحيح البخاري على عجلٍ، فطالع في بعض صفحاته فوجد الراوي يقول عن فلانٍ عن فلانٍ ، فطار الى أخصر متن في المصطلح فقرأ فيه:
التدليس نوعان: الأول أن يسقط الشيخ ويروي عمن فوقه مستعملاً ” عن” و” أن” .أهـ
فركبه غروره وكتب مقالاً يكذّب الأحاديث ويزعمُ فيه أن الأحاديث مشكوكٌ في اتصال أسانيدها لوجود العنعنة فيها؛ فلانٌ عن فلانٍ ، ففضح المسكين نفسه وكشف عن حمقه وقلة صبره ، لو أطال نفَسَه وقرأ بقية ما في المختصر، أو استعان بالشروح المفصلة لهذا المختصر لفهمَ وعلمَ ، ولكن من لم يردِ الله أن يجعل له نوراً فما له من نورٍ ، ومن فاتته الأصول حرم الوصول؛ غاب عن بالهم أنّ لكل علمٍ أصولٌ وآدابٌ متبعة في سلوك مدارجه المرتفعة ، وربما أقرّوا بذلك لكل علمٍ وفنٍ حاشا العلوم الشرعية، فالكلُّ مجتهدٌ عندهم له حقُ النَّقد والتَّجديد!!
وقد حان آوانُ الشُّروع بالرد على هذه الشّبهة العرجاء:

[ALIGN=center]أولاً: العنعنة ليست من الرّاوي![/ALIGN]
نعم -ولا تعجب أيهاالقارئ الكريم- العنعنة غالباً ليست من لفظ الراوي بل هي من لفظ من بعده إختصاراً للسند كي لا يطول، فحق السند أن يكون هكذا مثلا:
حدثني فلانٌ، قال حدثني فلانٌ، قال حدثني فلانٌ، فيأتي الشيخ ويحذف قال وألفاظ التحمل(حدثني ، سمعت…الخ)
يقول الإمامُ الخطيب البغدادي رحمه الله وكلٌ من جاء بعده عيالٌ على كتبه:
وإنما استجاز كتبه الحديث الاقتصار على العنعنة لكثرة تكررها ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد فتكرار القول من المحدث ثنا فلان عن سماعه من فلان يشق ويصعب لأنه لو قال أحدثكم عن مساعي من فلان حتى يأتي على أسماء جميع مسند الخبر إلى أن يرفع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد لطال واضجر وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك وفيه إضرار بكتبة الحديث وخاصة المقلين منهم والحاملين لحديثهم في الأسفار ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان فساغ لهم الأجل هذه الضرورة استعمال عن فلان ) اهـ .

يقول العلامةُ المحدّث المعلمي اليماني رحمه الله:
اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة (( عن )) ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها بل هي لفظ من دونه وذلك كما لو قال همام (( حدثنا قتادة عن أنس )) فكلمة (( عن )) من لفظ همام لأنها متعلقة بكلمة (( حدثنا )) وهي من قول همام ، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ الشيخ فيقول (( فلان .. ))(أنظر كتابه الرائع :التنكيل)
ويقول الشيخ ناصر الفهد فكَّ اللهُ أسره:
فمن تتبع نقول العلماء وتصرفاتهم والنظر في الأسانيد يتضح أن العنعنة في الغالب تكون من تصرفات من دون المدلس ، وهذا الأمر يعتمد اعتماداً على جمع الطرق وعلى القرائن المحتفة بالأسانيد والرواة ونحو ذلك….
وذلك كأن تكون صيغة أداء المدلس ـ أو الراوي عموماً ـ هي ( حدثنا ) أو ( أخبرنا ) أو ( قال ) ونحوها مما فيه التصريح بالتحديث أو لا ، فيتصرف فيها الراوة عنه ويجعلونها بالعنعنة ، وهذا الأمر كثير جداً من فعل الثقات الحفاظ ومن دونهم(منهج المتقدمين في التدليس)

[ALIGN=center]ثانياً:العنعنة والتدليس[/ALIGN]
[ALIGN=center]ولم نعرف بالتدليس ببلدنا فيمن مضى ولا من أدركنا من أصحابنا الا حديثاً(الشافعي) [/ALIGN]

تقدم لك أيها القارئ الكريم في الحلقات السابقة بعض الإشارات عن منهج المحدثين ودقتهم ونقدهم لكل حديثٍ بنقد خاصٍ ، وهم في مسألة العنعنة يسيرون على نفس المنهج.
ولعله قد تقرر عندك الآن أيها القارئ الكريم أن العنعنة غالباً ليست من لفظ الراوة ، وكلمة غالباً تشير أن قلةً من الرواة من يستعملها عندما يروي عن شيخه ومن هؤلاء القلة من يستعمل هذه الصيغة من أجل التدليس ، فهم قلةٌ من قلةٍ، ولا تعجل عليّ وتقول كثيرٌ من الرواة مدلّسون!! ، فأقول ولكن ليس التدليس الذي يخطر في بالك وهو: استعمالُ عن مع حذف الراوي ، فهذا نوعٌ من أنواع التدليس التي يصل عددها الى عشرةٍ أو أكثر ،وهذا ليس محل الكلام عن هذه الأنواع، ولكن فقط أردت الإشارة الى أنَّ علاقة التدليس بالعنعنة ضعيفة على خلاف الشائع بين النِّاس.
يقول الشيخ ناصرالفهد فكَّ اللهُ أسره بعد أن سرد الكثير من الأمثلة وأقوال أهل العلم:
فيحصل مما سبق أن معظم ـ إن لم يكن كل ـ ما دلسه الرواة يكون بذكر ألفاظ ليس بها العنعنة ، وذلك بأن يقول ( قال فلان ) ونحوه ، فذكر العنعنة بين الراوي المدلس وشيخه لا يدل على أن المدلس هو الذي ذكرها ، فلا يبني حكم على مجرد وجود هذه العنعنة هنا(منهج المتقدمين في التدليس)

وقد ميّز المحدثون المدلّسين وطرق تدليسهم ، فليس كل من قرأنا أنه مدلسٌ رددنا حديثَه إذا ورد معنعناً ، بل لا نتوقف فيه بسبب عنعنته فقط ،فضلاً عن أن نرده، إلا إذا علمناه ممن يستعمل هذا النوع من تدليس صيغ التحمل والأداء ، ومع ذلك فإن من يدلس هذا النوع فإنه عادة يبينه إن سئل عنه وربما حدث به على وجه الصحيح في مجلسٍ أخرٍ وربما ظهر لنا أنه يرويه متصلاً(أنظر الأنوار الكاشفة للمعلمي اليماني) .
لذا كان لا بدّ من البحث والتنقيب في بقية الطرق المروية عن هذا الراوي ، فربما صرّح فيها بالتحديث أو بيّن السقط في السند ، ثم ينظر في القرائن؛ هل تصريحه بالتحديث مثلاً في أحد الطرق صحيح أم هو وَهمٌ من راوٍ أخر، يقول الشيخ ناصر الفهد فك الله أسره:
فالعنعنة في الغالب تكون ممن دون المدلس ، فالحكم بالتدليس بناءا على العنعنة فقط خطأ ، والحكم بالاتصال بناءا على وجود طريق فيه التصريح بالتحديث فقط ـ مع مخالفتها جميع الطرق ـ خطأ ، ومعرفة هذه الأمور تكون باستقراء الروايات مع معرفة حال الرواة بدقة .(منهج المتقدمين في التدليس)

الملخص:
1- العنعنة غالباً ليست من الراوي.
2-التدليس أنواع كثيرة.
3- إذا ورد الحديث من طريق مدلّسٍ يستعمل العنعنة في تدليسه، فإنه يتوقف وينظر في بقية الطرق على التفصيل المذكورأعلاه . وقد تقدم لك أنّ التدليس باستعمال صيغة ” عن” قليلٌ جداً.
4- ما يدندن حوله القوم من أنّ العنعنة تعني جهالة الراوي ، هو مجردُ فهمٍ خاطئ لطريقة استعمال هذه الصيغة عند المحدثين، ولعله قد تبين لك الآن أنّ الأصل في العنعنة السماع ، وقد استعملها بعض المدلّسون للتدليس وهؤلاء قلةٌ جداً ، قد ميزهم المحدثون وسبروا رواياتهم ، فما دلت القرائن على انقطاعه رُدََّ وما دلت على اتصاله قُبل.
والله أعلم وأحكم.

الشبهة الرابعة

نقد المتون[/align]

القسم الأول
الحمد لله الذي كرمنا بنعمة الإسلام ولم يجعلنا من الصمِّ البكم العمي الذين لا يعقلون .
وبعد،
فهذه شبهةٌ تلقفها قومٌ سفهاءُ الأحلام عن شياطين بني الأصفر، فزادوا عليها مئة كذبة ثم أخرجوها في مقالاتٍ وأبحاث! حالهم كحال كهّان العرب في الجاهلية الأولى إلا أن الكهان كان في كلامهم بصيص من حقٍ سمعته الجن من السماء ، وهؤلاء سمعوا باطلاً ثم زادوا عليه أساطير؛ ظلماتٌ بعضها فوق بعض !!
ملخص شبهتهم : أن المحدثين صرفوا كل جهودهم نحو الأسانيد ولم ينظروا في متون الأحاديث الشريفة ، لذا فمنهجهم قاصرٌ ومتخلفٌ !!
ذمّ الناقصُ كرامنا فوالله ما زادهم ذلك إلا بهاءاً ، وهل يضرُّ السماءَ ….؟!
لو فتح أحدهم أخصر كتابٍ في علم المصطلح لوجد تعريف الحديث الصحيح ” خبرٌ بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ “، كلماتٌ قلائلٌ فيها الجواب الكامل عن هذه الشبهة! فلمَ يصرُّ القومُ على تكرارها إذن؟!!
هل من المعقول أنهم لم يقرأوا هذا التعريف؟ أم أنهم قرأوه ولم يفقهوا معناه؟ أليس شفاء العي السؤال؟ فلمَ أعرضوا عن سؤال أهل الشأن؟ أم إنهم لا يبغون شفاءً؟

لنتأمل في كلمات هذا التعريف ملياً:

” خبرٌ بنقل عدل تام الضبط ” هذا هو الشرط الأول وهو عن رجال السند ، ومع ذلك فإن قوله ” تام الضبط” فيه إشارة في غاية الأهمية الى ضبطه للمتون والأسانيد، فلا يمكن أن نصنف راوياً على أنه تام الضبط إلا بدراسة متون الأحاديث التي رواها ومقارنتها برواية الثقات ليتبين لنا مدى ضبطه، ونقارن بالطبع مدى ضبطه لأسانيد هذا الحديث، قال علي ابن المدني سمعت يحيى بن سعيد يعنى القطان يقول ينبغي لصاحب الحديث ان تكون فيه خصال ينبغي ان يكون جيد الأخذ ويفهم ما يقال له ويبصر الرجال ويتعاهد ذلك من نفسه(التمهيد:30\1)
و يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
لا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يَجْمَعَ أُمورا:ً
منها أن يكون مَنْ حدَّثَ به ثِقَةً في دينه معروفاً بالصِّدق في حديثه عاقِلاَ لِمَا يُحَدِّثُ به عالمِاً بما يُحيل مَعَانِيَ الحديث مِنَ اللفظ وأن يكون ممن يُؤَدِّي الحديث بحروفه كما سَمِعَ لا يحدث به على المعنى لأنه إذا حدَّث على المعنى وهو غيرُ عالمٍ بما يُحِيلُ به معناه : لم يَدْرِ لَعَلَّهُ يُحِيل الحَلاَلَ إلى الحرام وإذا أدَّاه بحروفه فلم يَبْقَ وجهٌ يُخاف فيه إحالتُهُ الحديثَ حافظاً إن حدَّث به مِنْ حِفْظِه حافظاً لكتابه إن حدَّث مِنْ كتابه . إذا شَرِكَ أهلَ الحفظ في حديث وافَقَ حديثَهم.أهـ(الرسالة)
فأحوال الراوي – ضبطا وإتقانا أوضعفا – إنما تعرف بمدى موافقته الثقات، ومخالفته لهم، أو بتفرده بما له أصل، أو بما ليس له أصل(الحديث المعلول بتصرف يسير) ، ويؤيد هذا قول الإمام مسلم: “وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله”(مقدمة صحيح الإمام مسلم) .

” متصل السند” وهذا عن اتصال السند.

” غير معلل ولا شاذ ” وما هذا؟!!
هذا هو بيت القصيد يا أيها القارئ الكريم، فالعلة والشذوذ يكونان في السند والمتن ، يعرف هذا الطالب المبتدي ولا ينساه أبداً المحدث المنتهي، وإليك نبذةٌ مختصرةٌ جداً عن معنى الحديث المعلول وأنواعه حتى يتبين لك جهل القوم بما ينقدوه!

[align=center]العلة اصطلاحاً: [/align]
يقول الشيخ الدكتور حمزة المليباري:
من تتبع كتب العلل وأمعن النظر في محتواها وجد معنى العلة في هذه الكتب يدور على نقطة واحدة، وهي خطأ الراوي – سواء أكان ثقة أم ضعيفا ، سواء أكان الوهم فيما يتعلق بالإسناد أم في المتن – ، وذلك لأن هذه الكتب كانت مرتكزة على ذكر الأحاديث التي أخطأ فيها الثقة والضعيف غير الوضاع، سواء بسواء . وبالتالي يمكن تحديد معنى العلة في ضوء عمل النقاد بأنه عبارة عن خطأ الراوي، وأنه لا ينبغي حصر العلة في أحاديث الثقات وحدها، بل تنطبق العلة على ما رواه الضعيف أيضا .أهـ(الحديث المعلول)
ومن هذا يتبين لنا أن المحدثين النقاد انتبهوا الى أن الثقة قد يقع في الخطأ ، ويكون خطأه في السند أو المتن، وهذا يعرفه الطالب الصغير عند مراجعة كتب العلل ونقد المرويات، وهي كثيرة، ومنها: ((كتاب التمييز)) للإمام مسلم رحمه الله، وفيه نرى قوله في رواياته: (خطأ فلان في الإسناد)) ثم يقول: (خطأ فلان في المتن) فيذكر مسلمٌ رحمه الله أخطاء الرواة والأئمة إسنادًا ومتنًا، فهل بعد هذا من كلامٍ أو شبهةٍ؟!!
وسأركز إن شاء الله فيما يأتي على آلية معرفة النقاد لخطأ الثقة والضعيف في متون الحديث.

[align=center]نقطتي الإنطلاق لكشف العلة[/align]
المخالفة والتفرد تمثلان نقطتي انطلاق في كشف خطأ الراوي، و المخالفة ليست محصورة في أن تكون بين ثقة وأوثق، كما يوهم ذلك ما ورد في تعريف بعض المصطلحات المتصلة بالعلة؛ كالشاذ والمنكر، بل تأخذ المخالفة أبعادا أخرى، ويكون مجالها أوسع مما قد يتصوره بعضنا، ليشمل ذلك مخالفة الراوي الواقع العملي أو التاريخي أو ما ثبت عقليا، أو ما ثبت بالإجماع، غير أن عرض الحديث على ذلك كله يكون وفق منهجية منضبطة بمقتضى طبيعة الحديث وروايته، وليس على طريقة لا تقوم على توازن علمي، ولا على معرفة الواقع الحديثي والفقهي، كما يدعو بعض المفكرين إلى مقارنة كل ما يروى من الأحاديث، حتى وإن كانت مما تلقته الأمة بالقبول، مع خلفيات علمية عامة تتكون منها ثقافاتهم، أو عرضها على مقتضى عقولهم، دون مراعاة طبيعة الحديث وروايته.
وكذلك التفرد؛ فإن معناه أن يتفرد الراوي بما ليس له أصل، وليس على إطلاقه، ولذلك فاعلم – أخي الفاضل – أن كلا من هاتين النقطتين: المخالفة والتفرد، تشكلان في الواقع قاعدة عريضة لنقد المرويات من جميع زواياها، الأمر الذي يؤكد على دقة منهج المحدثين وشموليته في النقد، وأن المستشرقين لم يأتوا بشيء جديد ينبغي إملاؤه على الأمة الإسلامية لاستدراك ما فاتهم طوال هذه القرون الغابرة. (الحديث المعلول بتصرفٍ يسير)

ولنأخذ هذا المثال التطبيقي :

روى الإمام شعبة بن الحجاج عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين  فقال ’’آمين ‘‘وخفض بها صوته.
إسناد هذا الحديث ظاهره سليم، بل مكون من الثقات المعروفين، لا سيما أنه قد رواه شعبة بن الحجاج الذي عرف بتشدده وتحفظه ودقته في تلقي الحديث وروايته، حتى اشتهر بين المحدثين أنه لم يكن يحدث حديثا عن شيخ إلا بعد التأكد من أنه قد حفظه، ومع ذلك أطبق الحفاظ على أن شعبة أخطأ في مواضع من الحديث المذكور، ولم يدركوا ذلك إلا عن طريق حفظهم وفهمهم ومعرفتهم وممارستهم الحديثية الطويلة.
فهذا الحديث معلولٌ سنداً ومتناً ، وسأذكر نقد العلماء للمتن فقط لأنه موضوعنا:
يقول الإمام مسلم رحمه الله: ’’أخطأ شعبة في هذه الرواية، حين قال: وأخفى صوته‘‘، وكذا أعله الإمام البخاري وأبو زرعة الرازي وأبو عيسى الترمذي والدار قطني وغيرهم.
فمن مقارنتهم لإسناد هذا الحديث ومتنه مع بقية الروايات ، تبين للنقاد :
أ – أن شعبة قد خالف أصحاب سلمة بن كهيل ، ومن أثبتهم سفيان بن سعيد الثوري الذي اتفق النقاد على أنه أحفظ الناس لأحاديثه، فإذا وقع خلاف بينه وبين شعبة فإن قول سفيان هو الذي يترجح.
ب – كما أنه قد خالف السنة العملية التي تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أنه كان يجهر بآمين . (الحديث المعلول باختصار وتصرف)

وقد صنف المحدثون المخالفات التي يقع فيها الرواي ويكون الحديث معلولاً بسببها الى أنواع عديدة ودرسوا كل نوع دراسة عميقة ، وسأذكر إن شاء الله هذه الأنواع باختصار مع ذكر أمثلة لبعض الكتب المصنفة في كل نوعٍ حتى يتبين للقارئ الكريم مدى الجهد الذي بذله هؤلاء الأكارم في حفظ السنة:
ملاحظة: كل الأنواع الآتية تكون في السند وفي المتن، وسأقتصر على ذكر الجوانب الخاصة بالمتن فقط.
1-زيادة الثقة: وهو أن يزيد الراوي الثقة لفظاً في متن الحديث لم يروهِ غيرُه ، فينظر في هذه الحالة الى أمرين:
أ-عدد الرواة المخالفين.
ب- القرائن الخاصة.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:
“فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظا متقنا حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك ، فإن كانوا أكثر عددا منه أو كان فيهم من هو أحفظ منه أو كان غير حافظ ولو كان في الأصل صدوقا فإن زيادته لا تقبل”(النكت على مقدمة ابن الصلاح)
و يقول الشيخ حمزة المليباري بعد أن أذكر أمثلة كثيرة من كلام المحدثين النقاد:
وبعد فإن الذي يتلخص مما سبق أن قبول زيادة الثقة وردها عند نقاد الحديث متوقف على القرائن، وهي كثيرة ومتنوعة ، منها كون الراوي أحفظ الناس، ومنها كثرة عدد الرواة، ومنها سلوك الجادة ، ومنها رواية الحديث بالمعنى ، ومنها اعتماد الراوي على حفظه، ومنها تداخل الأحاديث، وغير ذلك، بل لكل حديث قرينة خاصة، فلا تكون الأحفظية سببا يعتمد دائما للترجيح، وكذا كثرة العدد، وكذا بقية القرائن، وبذلك يصبح الترجيح من أصعب المسائل التي لا يمكن القيام بها إلا لمن لديه ما يسمى فقه القرائن، ولذا قال الحاكم: الحجة عندنا الفهم والمعرفة والحفظ لا غير(الحديث المعلول)
مثاله:
“روى يحيى بن أبي كثير عن أبي عياش عن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) النهي عن بيع الرطب بالتمر نسيئة”
زاد يحيى في متن هذا الحديث كلمة” نسيئة”، فانتبه لذلك المحدثون عن طريق عملية المقارنة ببقية روايات الحديث، يقول الإمام الدارقطني رحمه الله:
’’قد رواه مالك وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد والضحاك بن عثمان عن أبي عياش ، فلم يقولوا : “نسيئة ” واجتماعهم على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم ووهمه ‘‘ اهـ

2-المدرج: وهو أن يزيد الراوي لفظاً في الحديث من كلامه أو من حديث أخر من غير أن يفصل بينهما فيتوهم من سمعه أنه من متن الحديث.
ولا يعرف خطأ الإدراج في الحديث إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة، إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية.
فإذا وجدت الروايات الأخرى الصحيحة متفقة على فصل القدر المدرج عن بقية الحديث، أو على تركه وإسقاطه منه ، أو على تصريح الصحابي بأنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو على تصريح الراوي الذي المدار عليه بأنه لم يسمعه من شيخه ، أو استحالة إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك من القرائن التي تدل على أن ذلك القدر من الحديث مدرج فيه فيحكم بالإدراج وخطإ الراوي ووهمه في جعله طرفا منه.(الحديث المعلول)

مثاله: عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم أَنَّهُ قَالَ : (( إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ )) . فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ .(متفق عليه)
فقوله” فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ ” مدرجٌ من كلام أبي هريرة رضي الله عنه ، وهم فيه نعيم وظنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ ابن حجرفي الفتح: أن ظاهره أنه بقية الحديث لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم وفي آخره قال نعيم لا أدري قوله من استطاع الخ من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه والله أعلم.
وينتقد شيخ الإسلام هذه الزيادة بقوله: ولا قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ من استطاع أن يطيل غرته فليفعل‏.‏ بل هذا من كلام أبى هريرة جاء مدرجًا فى بعض الأحاديث…. والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة فى الرأس.(مجموع الفتاوى)

من المؤلفات المصنفة في هذا النوع (فَصْلَ اَلْوَصْلِ, لِمَا أُدْرِجَ فِي اَلنَّقْلِ) للإمام الخطيب البغدادي رحمه الله.

3-المقلوب:
مثاله: ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة (رضي الله عنها) قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر .
قال الحافظ ابن حجر نقلاً عن ابن دقيق العيد: هذا مقلوب والصحيح من حديث عائشة ’’ ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم ، وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له : أصبحت أصبحت ، كما رواه الإمام البخاري ومسلم وغيرهما(النكت )

4- المُصَحَّف: تغيير بعض الفاظ الحديث عند النقل خطئاً ويحصل عادة عند الأخذ من الصحف.
مثاله حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي فيها ، فرواه ابن لهيعة وصحف فيه، وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في المسجد، وقيل له : مسجد في بيته ؟ قال: مسجد الرسول.
يقول الإمام مسلم: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعا، إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه.(التمييز)

وقد صنف الأئمة كتباًً في بيان ما تصحّف على الرواة ومن أجلها كتب الأمامين العسكري والدارقطني رحمهما الله.

5- المضطرب: هو الحديث الذي تختلف فيه الرواة مع اتحاد مصدرهم، ولم يستقم التوفيق بينهم ولا الترجيح على طريقة المحدثين النقاد، وإن كان ذلك ممكنا على التجويز العقلي المجرد(الحديث المعلول)
مثاله: حديث أبي حازم عن سهل بن سعد ( رضي الله عنه) قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني قد وهبت لك نفسي ، فقال رجل : زوجنيها، قال :قد زوجناكها بما معك من القرآن .
واختلف الرواة على أبي حازم؛ فقال مالك وجماعة : فقد زوجناكها
وقال ابن عيينة : أنكحتكها،
وقال ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن : ملكتكها،
وقال الثوري :أملكتكها ،
وقال أبو غسان :أمكناكها .
فصيغة العقد اضطرب فيها الرواة على أبي حازم، فذلك مما يقدح في تحديد الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الألفاظ، دون أن يؤثر ذلك في صحة المتن عموما، ولهذا رواه البخاري في مواضع من الصحيح معتمدا على ما لم يختلف فيه الرواة، كما هو ظاهر من أبواب الحديث.
يقول الحافظ ابن حجر: فالمقطوع به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفظا منها، وعبر عنه بقية الرواية بالمعنى (والله أعلم) اهـ.(الحديث المعلول ، وأنظر النكت على ابن الصلاح)

من الكتب المصنفة في هذا النوع ” المقترب في بيان المضطرب” للحافظ ابن حجر رحمه الله وللشيخ أحمد بن عمر بن سالم بازمول مصنفٌ فيه بنفس العنوان وهو مفيدٌ في بابه فليراجع.

6- المنكر : وهذا أهم الأنواع المذكورة، بل هي في حقيتها فروعٌ من هذا الباب، فغالب الأمثلة التي ضربتها هنالك تصلح أن تكون مثالاً عليه، وقد أخرته حتى يكون مسك الختام فبه إن شاء الله تزول الشبهة تماماً.
نقاد الحديث يطلقون المنكر على معنى أن الحديث غير معروف عن مصدره، سواء تفرد به راويه – ثقة كان أم ضعيفا – أو خالفه غيره من الثقات، يعني أنه خطأ أو وهم أو غير محفوظ أو غريب لا يتابعه عليه أحد .(الحديث المعلول)
ولعلك أيها القارئ النبيه لحظت عدة أمورٍ في هذا الكلام:
أ-قولهم ” ثقةً كان أم ضعيفاً” ، فلا تنتفي النكارةُ عن الحديث بمجرد كون الراوي عدلاً ضابطاً كما يظنه بعضُ المغفلين.
يقول الإمام مسلم رحمه الله:
وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها. (مقدمة الصحيح)
ب- الأحاديث الأفراد والغرائب غالباً ما تكون منكرة ، والتفرد المذكور ليس هو على وجه الإطلاق كما قد يتوهم بل يستنكرونه إذا لم يعرف ذلك المتن من مصادر أخرى ، إما برواية ما يشهد له من معنى الحديث، أو بالعمل بمقتضاه ، ومما يمكن الاستئناس به في هذا المجال قول الحافظ البرديجي:
إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حديثا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفا ولا يكون منكرا ولا معلولا، ويؤيده قول الإمام أحمد: شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها.(الحديث المعلول بتصرف)
فهنا يؤكدُ المحدثون أنّ الأحاديث التي ينفرد بها أحد الرواة ولو كان ثقة لا تكون صحيحةً إذا كانت غريبة تعارض صريح القرآن أو الأخبار الصحيحة أو تخالف ما جرى عليه العمل القديم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، والكلام عن الأحاديث الأفراد والغريبة يطول ومن أراد المزيد فليراجع كتاب الحديث المعلول ففيه فوائد جليلة.

جـ- المنكر يطلق على الأحاديث التي يقع فيها الخطأ والوهم، وغالب الأنواع السابقة التي ذكرتها مردها الى هذا.
7- الشاذ: وهو بمعنى المنكر على الراجح من أقوال المحققيين.
وبعد هذه الجولة الطيبة مع أهل الحديث نخلص الى أنّ للمحدثين الكرام منهجاً واضح المعالم تجاه نقد المتون الحديثية ، وهو يختلف اختلافاً تاماً عن منهج المستشرقين وتلاميذهم الذي يعتمدون في نقدهم على الهوى والعقل المجرد، أمّا منهج المحدثين فإنه يعتمد على دراسة الروايات والنظر في القرائن المتعلقة بالسند والمتن ، وهذا يتطلب كمّاً معرفياً هائلاً في علوم الحديث والفقه واللغة والتاريخ. والمتأمل في أحوال أولئك الأئمة يعلم هذا علم اليقين فقد كانوا أئمة في الحديث والفقه واللغة والتاريخ.
ولعلي أختم هذا المقال بذكر أمثلة على الكتب المصنفة في علم علل الحديث:
1-علل الحديث لعلي بن المديني رحمه الله وهو شيخ البخاري.
2-علل الحديث لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل الشيباني
3- علل الحديث لابن أبي حاتم
4- التمييز للإمام مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح
5- العلل الصغرى والعلل الكبرى للإمام أبي عيسى الترمذي صاحب السنن.
6- علل الإمام الدارقطني
7- الوهم والإيهام لابن القطان الفاسي
وغيرها كثير ولله الحمد.

القسم الثاني
قد أبدع وأجاد الإمام ابن القيم في بيان بعض ضوابط المحدثين في نقد المتون التي يمكن من خلالها تمييز الكذب المختلق المصنوع على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه نقاط من رأس القلم اختصرتها بتصرف من كتابه القيم” المنار المنيف”:

1- تكذيب الحس له كحديث الباذنجان لما أكل له!
2- سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه كحديث لو كان الأرز رجلا لكان حليما ما أكله جائع إلا أشبعه فهذا من السمج البارد الذي يصان عنه كلام العقلاء فضلا عن كلام سيد الأنبياء.
3- مناقصة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة، فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبث أو مدح باطل أو ذم حق أو نحو ذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم منه برئ.
ومن هذا الباب أحاديث مدح من اسمه محمد أو أحمد وأن كل من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار، وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه صلى الله عليه وسلم أن النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة.

4- أن يدعى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل أمرا ظاهرا بمحضر من الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه كما يزعم أكذب الطوائف أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع ثم قال هذا وصيي وأخي والخليفة من بعدي فأسمعوا له وأطيعوا ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته فلعنة الله على الكاذبين.
5- أن يكون الحديث باطلا في نفسه فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، كحديث المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش، وحديث إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية وإذا رضي أنزله بالعربية!!
6- أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلا عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو وحي يوحى كما قال الله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أي وما نطقه إلا وحي يوحى فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي بل لا يشبه كلام الصحابة كحديث ثلاثة تزيد في البصر النظر إلى الخضرة والماء الجاري والوجه الحسن.
وهذا الكلام مما يجل عنه أبو هريرة وابن عباس بل سعيد بن المسيب والحسن بل أحمد ومالك رحمهم الله.
وكل حديث فيه ذكر حسان الوجوه أو الثناء عليهم أو الأمر بالنظر إليهم أو التماس الحوائج منهم أو أن النار لا تمسهم فكذب مختلق وإفك مفترى.

7- أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت.
كقول الكذاب الأشر إذا انكسف القمر في المحرم كان الغلاء والقتال وشغل السلطان وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذا واستمر الكذاب في الشهور كلها وأحاديث هذا الباب كلها كذب مفترى.
8- أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق.
كحديث الهريسة تشد الظهر، وكحديث أكل السمك يوهن الجسد.
9- أحاديث العقل كلها كذب كقوله لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال ما خلقت خلقا أكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي.
9- الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد.
حجية السّنة
10- أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.
كحديث عوج بن عنق الطويل الذي قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء.
11- مخالفة الحديث صريح القرآن كحديث مقدار الدنيا وأنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة
وهذا من أبين الكذب لأنه لو كان صحيحا لكان كل أحد عالما أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة، والله تعالى يقول “يسألونك عن الساعة أيان مرساها قال إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة”
12- أحاديث صلوات الأيام والليالي كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد ويوم الإثنين وليلة الإثنين إلى آخر الأسبوع كل أحاديثها كذب وقد تقدم بعض ذلك وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان.
13- أحاديث ذم الحبشة والسودان كلها كذب و أحاديث ذم الترك وأحاديث ذم الخصيان وأحاديث ذم المماليك.
14- أن يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل.
مثل حديث وضع الجزية عن أهل خيبر وهذا كذب من عدة وجوه:
أحدها: أنه فيه شهادة سعد بن معاذ وسعد قد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق.
ثانيها :أن فيه وكتب معاوية بن أبي سفيان هكذا ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح وكان من الطلقاء.
ثالثها :أن الجزية لم تكن نزلت حينئذ ولا يعرفها الصحابة ولا العرب.
وإنما انزلت بعد عام تبوك وحينئذ وضعها النبي صلى الله عليه وسلم على نصارى نجران ويهود اليمن ولم تؤخذ من يهود المدينة لأنهم وادعوه قبل نزولهاثم قتل من قتل منهم وأجلى بقيتهم إلى خيبر و إلى الشام وصالحه أهل خيبر قبل فرض الجزية فلما نزلت آية الجزية استقر الأمر على ما كان عليه وابتدأ ضربها على من لم يتقدم له معه صلح فمن هاهنا وقعت الشبهة في أهل خيبر.
رابعها: أن فيه وضع عنهم الكلف والسخر ولم يكن في زمانه كلف ولا سخر ولا مكوس
خامسها :أنه لم يجعل لهم عهدا لازما بل قال نقركم ما شئنا فكيف يضع عنهم الجزية التي يصير لأهل الذمة بها عهد لازم مؤبد ثم لا يثبت لهم أمانا لازما مؤبدا
سادسها: أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف يكون قد وقع ولا يكون علمه عند حملة السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث وينفرد بعلمه ونقله اليهود
سابعها: أن أهل خيبر لم يتقدم لهم من الإحسان ما يوجب وضع الجزية.

15- ومنها ذكر فضائل السور وثواب من قرأ سورة كذا فله أجر كذا من أول القرآن إلى آخره، كما ذكر ذلك الثعلبي والواحدي في أول كل سورة والزمخشري في آخرها قال عبد الله بن المبارك : أظن الزنادقة وضعوها.
وقد ساق ابن القيم رحمه الله طائقة كثيرة من الأحاديث الموضوعة وبين مناقضتها لصريح القرآن والسنة والعقل فلتراجع.(ملخص بتصرفٍ يسير من المنار المنيف)

الشبهة الخامسة
الأحاديثُ فيها الصحيح ُوالحَسنُ والضعيفُ!

عش رجباً ..ترَ عجباً!!
هذه شبهةٌ جديدةٌ ..دارت على ألسنة بعض جهّال المنتديات هذه الأيام، ولولا علمي بمعرفة المستويات الثقافية لكثيرٍ من روّاد المنتديات لما ضيّعت حبر قلمي في الرد عليها، فهي من جنس السخفات التي يقال فيها((حكايتها تغني عن ردها))!!
يقولون: الآحاديث فيها الصحيح والحسن والضعيف، لذا وجب ردها !!

وإليك البيان يا أخا التوحيد:
1-تقدم أنَّ الاعتقاد في حفظ السُّنة من صميم عقيدة المسلم ؛ قال تعالى:” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” ، فالذكر هو القرآن والسنة ، إذ أنَّ الصراط المستقيم الموصل لفهم كلام الله على وجهه الصحيح المستلزم لحسن التدبر والذكر هو عن طريقه صلى الله عليه وسلم؛”وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” ، فكيف يصل المسلم الى مستوى التذكر والتدبر في تلك الآيات التي أمر الله نبيه ببيانها للناس؟!! وكيف يعمل بآيات القرآن إذا لم تُبين له معانيها؟وما الغاية من ذكر هذه الآية الشريفة ومثيلاتها في كتاب الله إذا لم نستطع العمل بمدلولها؟
فحفظ القرآن مستلزمٌ لحفظ السُّنة.
2- تقدم لك أيضاً أنًّ السنة الشريفة في طبيعتها أن تأتي من طريق آحاد ولا تروى بشكل متواتر، وعليه فمن الطبيعي أن تتفاوت درجات هذه الطرق فيوجد منها المقبول والمردود.(أنظر الشبهة الثانية في هذه السلسلة)

3- لو أنَّ الناس تركت الاعتناء بالسنة وقبلنا كل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألن يكون الاعتراض: كيف تقبلون بكل ما ورد مع أنه يحتمل الصحة والضعف؟!!
فهذا يا أُخيَّ مثالٌ على انتقائية الكافر وعدم إنصافه في الإعتراض على أهل الإسلام ؛ فهو معترضٌ عليك على أي حالٍ كنت عليه!!

4- إنَّ تقسيم ما وردنا من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم الى مقبول(صحيح وحسن) ومردود(الحديث الضعيف بأنواعه والموضوع) هو دليلٌ ذاتيٌ على وجود منهجٍ مميزٍ بين الصحيح والسقيم من الآثار وعدم القبول المطلق بكل ما روي بل لا بُدَّ من التمحيص والتدقيق ، ولا يجوز لأحدٍ أن ينكر على أهل الحديث من أجل ذلك؟!!
والسؤال: هل يلام أهل الحديث على وجود النفوس الضعيفة التي افترت الكذب على رسول الله أم هل يلامون على تفاوت الناس في حافظتهم وصحتهم؟!
أم هل يلامون على أنهم ميّزوا كل ذلك ؛ فأصلوا منهجاً شاملاً يمكنهم من خلاله الحكم على الآثار النبوية؟
إنَّ الافتراء والكذب على أنبياء الله سنة مستمرة للكافرين على مدى الدهور ، فهل وجود الكذب عليهم يدفعنا لتكذبيب أنبياء الله أم يدفعنا لتنقية الآثار عنهم ومعرفة الصحيح من الضعيف؟!
هل تفريقنا بين الحديث الصحيح والكذب المختلق المصنوع على الرسول صلى الله عليه وسلم أمر مذمومٌ يستلزم رد السّنة أم عمل عظيمٌ محمودٌ يستلزم النظر بعين الإجلال والإكبار لجهابذة أهل الحديث؟!! حقاً إنه لمنطقٌ عجيب ؛يحيل الفضيلة رذيلة والمعروف منكراً!
فمن زعمَ أنه يقرُّ بوجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ رد كل أوامره بسبب وجود الأحاديث الضعيفة فهو كذابٌ قد ناقض دعواه ، ولو صدق لأمضى ليله ونهاره دارساً الأحاديث الشريفة ومناهج المحدثين قبل أن يتجرأ بجهله ويدعو الى هذا الكفر البواح.

5- لو طبقنا قول هؤلاء الكفار الزاعمين أنهم يتبعون القرآن دون غيره للزمنا ردُّ القرآن أيضاً !! إذ توجد روايات ضعيفة وشاذة لبعض آيات القرآن ، قد ردها أهل الإسلام ولم يعتبروها من كتاب الله لأنها مخالفة للنص المتواتر الذّي روته أجيال الأمة جيلاً بعد جيل، فهل نقول إنَّ وجود هذه الروايات يدفعنا للتشكيك في القرآن ؟ أم أنَّ الواجب أن نقول أن النص المتواتر هو النص الصحيح الذي لا يجب أن يعدل عنه ولا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟

6- إنَّ الكلام العام الذّي لا يخوض في تفاصيل الموضوع هو سمة الجهّال الذّين لا يبغون الحق وإلاّ كيف جاز لأنسانٍ يزعم أنه الباحث عن الحقيقة أن يجازف فينقد علماً عظيماً أرساه جهابذة كبار من غير أن يدرس منهجهم دراسة وافية ويخبر طرقهم في التصحيح والتعليل؟
هل يجوز لجاهل أن يأتي وينقض علوم الطب مثلاً لمجردٍ فهم خاطئ دار في خلده؟ ولو فعلها أحدهم فهل تجد من يسمع له أو يتكلف بالرد عليه؟ وهل سيمسيه بنو قومنا مفكراً نابهاً أم مجنوناً موسوساً؟
إنَّ الجواب على هؤلاء ببساطة؛ ما قرأت يا هذا من مباحث علم الحديث؟ وكم سنةً أمضيتها في الدراسة ؟ وعلى يدِ مَن؟
وآخر دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

حياك الله أخى الكريم أبا مارية ، وجعله فى ميزان حسناتك ، لقد استفدت كثيراً مما كتبت.
وقد أحسنت جداً فى الرد على من سأل :هل التدوينُ هو العامل الأساسي لحفظ النصوص؟
جزاك الله خير

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وأرجو أن أكون قد وفقت في الرد على شبهات الزنادقة ، وتجدون الحلقات أعلاه منسقة على ملف ورد على هذا الرابط
http://www.eltwhed.com/vb/attachment…tachmentid=151

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: