الرد عى تضعيف الالباني لحديث البخاري ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا

ليسمح لى الشيخ ابو محمد الالفى ان انقل كلامه فى رده على الشيخ الالبانى فى تضعيفه لحديث البخارى هذا

قال الشيخ محمد الالفى فى كتابه التعقب المتوانى على السلسلة الضعيفة للشيخ الالبانى_وهذا الكتاب موجود فى مكتبة صيد الفوائد- ومن نسختها نقلت
قال الشيخ ابو محمد الالفى

عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( قَالَ اللهُ : ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ )) .
رواه البخارى .
وذكره الشيخ الألبانى فى (( ضعيف الجامع ))(4054) وقال : (( هذا أول حديث للبخارى اضطررت لذكره هنا ، لأن فيه يحيى بن سليم . قال الحافظ : صدوق سيئ الحفظ )) اهـ .
قال أبو محمد الألفى : قال إمام المحدثين أبو عبد الله البخارى فى (( كتاب البيوع )) (2/28. سندى ) :
باب إثم من باع حراً
حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( قَالَ اللهُ : ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ )) .
وأعاد ذكره فى (( كتاب الاجارة ))(2/34. سندى ) :
باب إثم من منع أجر الأجير
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( قَالَ اللهُ : ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ )) .
وأخرجه أحمد (2/358) عن إسحق بن عيسى بن الطباع ، وابن ماجه (2442) ، وأبو يعلى (11/444/6571) كلاهما عن سويد بن سعيد الحدثانى ، وابن الجارود (579) عن محمود بن آدم ، والطحاوى (( مشكل الآثار ))(4/98/3273) عن نعيم بن حماد ، وابن حبان (7339) عن محمد بن أبى عمر العدنى ، والطبرانى (( الصغير ))(2/119/885) عن محمد ابن حاتم الجرجرائى ، وابن حزم (( الإحكام فى أصول الأحكام ))(5/13) عن بشر بن مرحوم والبيهقى (( الكبرى ))(6/121،14) عن هشام بن عمار ومحمد بن يوسف بن سابق والهيثم بن جناد ، عشرتهم عن يحيى بن سليم الطائفى قال ثنا إسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة به .
وفى رواية أكثرهم زيادة (( ومن كنت خصمه خصمته )) .
وخالف عشرتهم : أبو جعفر النفيلى ، فرواه عن يحيى بن سليم ، فقال (( عن سعيد بن أبى سعيد عن أبيه عن أبى هريرة )) . أخرجه البيهقى (( الكبرى ))(6/14) من طريق الفضل ابن محمد البيهقى ثنا أبو جعفر النفيلى به هكذا .
قال أبو بكر البيهقى : (( والمحفوظ قول الجماعة )) .
قلت : ما أروع هذا الحديث القدسى وما أبهاه ! ، وما أصدق راويه وأزكاه ! . فكل فقرةٍ من فقراته تشهد له بأنَّه خرج من مشكاة النبوِّة ، التى لا ينطق حامل نبراسها عن هوى (( إن هو إلا وحى يوحى )) . وقد أحسن إمام المحدثين صنعاً إذ أودعه (( صحيحه )) ، وزيَّنه به .
ولم يصب الشيخ الألبانى ـ عفا الله عنه ـ إذ ضعَّف هذا الحديث ، ولم يُسبق لمثل هذا الصنيع بواحدٍ من أئمة التحقيق الراسخين فى هذا العلم ، ولو أنَّه سكت ولم يعلِّق عليه بشئٍ ، لكان خيراً له ، وأجمل به !! .
والحديث بإسناد الجماعة ، وبرواية إمام المحدثين وأستاذ أهل المعرفة بعلل الحديث أبى عبد الله البخارى ، صحيح غريب ، ووجه غرابته ؛ أنه لم يرويه عن سعيد عن أبى هريرة غير إسماعيل بن أمية ، تفرد به عنه يحيى بن سليم الطائفى ، أبو محمد القرشى الحذاء .
وقد اختلفت أئمة الجرح والتعديل فى تعديله على أربعة أقوال :
( الأول ) توثيقه مطلقاً . فقد عدَّه الإمام الشافعى من ثقات شيوخه وصالحيهم ، فقال : كان يحيى بن سليم فاضلا ، كنا نعده من الأبدال .
وقال ابن سعد (( الطبقات ))(5/500) : (( ثقة كثير الحديث )) .
وقال ابن أبى حاتم (( الجرح والتعديل ))(9/156) : (( قرئ على العباس بن محمد الدوري قال : سألت يحيى بن معين عن يحيى بن سليم الطائفي فقال : ثقة )) . وقال ابن عدى (( الكامل ))(7/219) : (( ثنا ابن حماد حدثني عبد الله بن احمد عن أبيه قال : كان يحيى بن سليم قد أتقن حديث ابن خثيم ، وكانت عنده في كتاب ، فقلنا له : أعطنا كتابك ، فقال : أعطوني مصحفا رهنا ، فقلنا : نحن غرباء من أين لنا مصحف !! . ثنا ابن أبى عصمة ثنا ابن أبى بكر ثنا يحيى سمعت أحمد بن حنبل يقول : يحيى بن سليم ثقة ، وسمعت يحيى يقول : يحيى بن سليم الطائفي ليس به بأس . ثنا علان ثنا ابن أبى مريم سمعت يحيى بن معين يقول : يحيى بن سليم ليس به باس يكتب حديثه . ثنا محمد بن علي ثنا عثمان بن سعيد سألت يحيى بن معين عن يحيى بن سليم فقال : ليس به باس يكتب حديثه . ثنا محمد بن علي ثنا عثمان بن سعيد سألت يحيى بن معين عن يحيى بن سليم الطائفي فقال : ثقة . ثنا ابن أبى بكر ثنا عباس سألت يحيى بن معين عن يحيى بن سليم الطائفي فقال : ثقة

وقال ابن عدى : (( وليحيى بن سليم عن : إسماعيل بن أمية ، وعبيد الله بن عمر، وعبد الله ابن عثمان بن خثيم ، وسائر مشايخه أحاديث صالحة وأفراد وغرائب ، يتفرد بها عنهم ، وأحاديثه متقاربة ، وهو صدوق لا بأس به )) .

وقال أبو أحمد العجلى (( معرفة الثقات ))(2/353/1980) : (( يحيى بن سليم القرشي ثقة )) . وقال أبو حفص بن شاهين (( تاريخ أسماء الثقات ))(1/259/1591) : (( ثقة . قاله يحيى )) .
والخلاصة ، فهؤلاء جماعة من كبراء أئمة التزكية والتعديل قد وثقوا يحيى بن سليم بإطلاقٍ : الشافعى ، والزعفرانى ، وأحمد بن حنبل فى روايتين عنه ، وابن معين ، وابن سعد والعجلى ، وابن حبان ، وابن عدى ، وابن شاهين .
ولا يذهبنَّ عنك توثيق أحمد بن حنبل له فى رواية ابنه عبد الله عنه ، وقوله : (( كان قد أتقن حديث ابن خثيم )) ، إذ يفيدك هذا المقال لإمام الأئمة ثلاث فوائد عزيزة :
( الأولى ) وصفه بالإتقان والضبط لأحاديث عبد الله بن خثيمٍ المكى ، وفيه دلالة على إتقانه لأحاديث أهل بلده .
( الثانية ) تبرئته من الوصف بسوء الحفظ بإطلاقٍ ، وفيه رد على قول الدارقطنى والحاكم : كان سيئ الحفظ ، ولا يشك العارف المدقق أن الإمام أحمد أعرف منهما وممن أتى بعدهم بحاله ، سيما وقد التقى به وحمل عنه حديثاً واحداً .
( الثالثة ) توثيق الإمام أحمد له فى روايتين عنه ، خلافاً لمن زعم أن الإمام أحمد لم يوثقه .
وهذه الفوائد قد كانت تكفى لبيان حال يحيى بن سليم ، والرد على من ضعَّفه ، ولكننا :
نزيدك إيضاحاً وتبصيراً بمعانى هذه الفوائد الثلاث ، بذكر خمسة أحاديث من صحاح أحاديثه عن بلديه عبد الله بن عثمان بن خثيم المكى :
[ الحديث الأول ] قال الإمام الشافعي (( الأم ))(1/162) و(( المسند ))(ص279) : أخبرنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة الأنصاري عن أبيه عن جده رفاعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى : (( أيها الناس ! إِنَّ قُرَيْشًا أَهْلُ أَمَانَةٍ ، فَمَنْ بَغَى لَهَا الْعَوَاثِرَ أَكَبَّهُ اللهُ لِمِنْخَرَيْهِ فِي النَّارِ )) ، يقولها ثلاث مرات .
قلت : هذا الحديث من عيون أحاديث الطائفى وصحاح رواياته ، وقد تابعه عليه جماعة من الرفعاء الكبراء : الثورى ، ومعمر ، وإسماعيل بن علية ، وزهير بن معاوية ، وبشر بن المفضل . ولنقتصر منها ـ للإيجاز والتيسير ـ على متابعة الثورى :
قال الإمام أحمد (4/340) قال : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا ، فَقَالَ : (( هَلْ فِيكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ )) ، قَالُوا : لا إِلا ابْنُ أُخْتِنَا وَحَلِيفُنَا وَمَوْلانَا ، فَقَالَ : (( ابْنُ أُخْتِكُمْ مِنْكُمْ ، وَحَلِيفُكُمْ مِنْكُمْ ، وَمَوْلَاكُمْ مِنْكُمْ ، إِنَّ قُرَيْشًا أَهْلُ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ ، فَمَنْ بَغَى لَهَا الْعَوَاثِرَ أَكَبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ لِوَجْهِهِ )) .
[ الحديث الثانى ] قال ابن ماجه (2137) : حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسمعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده رفاعة قال : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ بُكْرَةً ، فَنَادَاهُمْ : (( يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ ! )) ، فَلَمَّا رَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ ، وَمَدُّوا أَعْنَاقَهُمْ ، قَالَ : (( إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إلا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ )) .
قلت : هذا الحديث كذلك من صحاح أحاديث الطائفى وجيادها ، ولا يضره رواية ابن كاسبٍ عنه ، فقد تابعه عليه جماعة من الأثبات الرفعاء : الثورى ، ومعمر ، وبشر بن المفضل ، وإسماعيل بن علية ، وإسماعيل بن زكريا ، وداود بن عبد الرحمن العطار . ولنقتصر منها على رواية الثورى :
قال الدارمى (2538) : أخبرنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن رفاعة عن أبيه عن جده قال : خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْبَقِيعِ فَقَالَ : (( يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ )) ، حَتَّى إِذَا اشْرَأَبُّوا ، قَالَ : (( التُّجَّارُ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إلا مَنِ اتَّقَى وَبَرَّ وَصَدَقَ )) .
[ الثالث ] قال الإمام الشافعى (( المسند ))(ص 364) : أخبرنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :
(( من خير ثيابكم البياض ، فليلبسها أحياؤكم ، وكفنوا فيها موتاكم )) .
قلت : هذا الحديث كذلك من صحاح أحاديث الطائفى وجيادها ، وقد تابعه عليه جماعة من الرفعاء الكبراء : الثورى ، وابن جريج ، وابن عيينة ، ومعمر ، وزهير ، وزائدة بن قدامة ، وحماد بن سلمة ، وأبو عوانة ، ووهيب بن خالد ، وبشر بن المفضل ، وعبد العزيز الداروردى ، وعبد الله بن رجاء المكى ، وعلى بن عاصم . ولنقتصر منها ـ للإيجاز والتيسيرـ على متابعة الثورى :
قال الإمام أحمد (1/274) : حدثنا أبو أحمد ـ يعنى الزبيرى ـ ثنا سفيان عن عبد الله بن عثمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( خَيْرُ أَكْحَالِكُمُ الإِثْمِدُ عِنْدَ النَّوْمِ ، يُنْبِتُ الشَّعْرَ وَيَجْلُو الْبَصَرَ ، وَخَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ فَالْبَسُوهَا ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ )) .
[ الحديث الرابع ] قال الإمام أحمد (5/155) : حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر قالت : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ ، قَالَتْ : بَكَيْتُ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ ، قَالَتْ : وَمَا لِي لا أَبْكِي وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ ، وَلا يَدَ لِي بِدَفْنِكَ ، وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ فَأُكَفِّنَكَ فِيهِ ؟ ، قَالَ : فَلا تَبْكِي وَأَبْشِرِي ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( لا يَمُوتُ بَيْنَ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَدَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ ، فَيَصْبِرَانِ أَوْ يَحْتَسِبَانِ ، فَيَرِدَانِ النَّارَ أَبَدًا )) ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ ، يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )) ، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ ، وَإِنِّي أَنَا الَّذِي أَمُوتُ بِفَلاةٍ ، وَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ .
قلت : هذا الحديث كذلك من صحاح أحاديث الطائفى وجيادها ، وقد رواه عنه على بن المدينى ، ومن طريقه صححه ابن حبان .
قال أبو حاتم بن حبان (6671) : أخبرنا أبو خليفة ثنا علي بن المديني ثنا يحيى بن سليم حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر قالت : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ ، قَالَتْ : بَكَيْتُ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ ، قَالَتْ : وَمَا لِي لا أَبْكِي وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ ، وَلا يَدَانِ لِي فى تَغِيْيبِكَ ، وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ كفناً ؟ ، فقَالَ : فَلا تَبْكِي وَأَبْشِرِي ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( لا يَمُوتُ بَيْنَ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَدَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ ، فَيَصْبِرَانِ أَوْ يَحْتَسِبَانِ ، فَيَرِدَانِ النَّارَ أَبَدًا )) ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لنفرٍ أنَا فيهم : (( لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنَ الْأَرْضِ ، يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )) ، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ ، فأنا ذلك الرجل ، وَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ ، فأبصري الطريق . وذكرت الحديث بتمامه بأطول من رواية أحمد .
[ الحديث الخامس ] قال الإمام مسلم (( كتاب الفضائل )) : حدثنا ابن أبي عمر حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أنه سمع عائشة تقول : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ : (( إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ ، أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ ، فَوَ اللهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ ، فَلأَقُولَنَّ : أَيْ رَبِّ مِنِّي ، وَمِنْ أُمَّتِي ، فَيَقُولُ : إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ )) .
وفى هذا البيان بذكر بعض صحاح أحاديث الطائفى ، تنبيه على أن قول ابن عدى عنه (( له عن مشايخه أفراد وغرائب )) ؛ لا ينبغى أن يحمل على كل مشايخه ، وإلا فالذى أكاد أجزم به أن أحاديثه خاصةً عن ابن خثيمٍ كلها محفوظة قد توبع عليها ، كما بيَّنا هاهنا .
وأما أحاديثه عن غيره ، فمنها غرائب وأفراد ، وأكثر ما يقع الاختلاف فى أحاديثه عن عبيد الله بن عمر ، وسيأتى بيان بعضها .
وأما حديثه عن إسماعيل بن كثير أبى هاشم المكى ، فقد روى منه أصحاب (( السنن الأربعة )) ، والصحاح : ابن خزيمة ، وابن حبان حديثاً صحيحاً لا مرية فى صحته .
قال الترمذى (887) : حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم البغدادي الوراق وأبو عمار الحسين بن حريث قالا حدثنا يحيى بن سليم حدثني إسمعيل بن كثير سمعت عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ ، قَالَ : (( أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا )) .
قال أَبو عِيسَى : (( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ )) .
وأخرجه كذلك الشافعى (( المسند ))(ص15) ، وابن أبى شيبة (1/18/84) ، وأبو داود (2019،123) ، والنسائى (( المجتبى ))(1/66) و(( الكبرى ))(1/89/117) ، وابن ماجه (442،401) ، وابن الجارود (80) ، وابن خزيمة (168،150) ، وابن حبان (4510،1087،1054) ، والحاكم (4/123) ، والبيهقى (1/76 و7/303) من طرق عن يحيى بن سليم عن أبى هاشم إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط عن لقيط بن صبرة به ، وفى رواية أكثرهم ذكر وفادة لقيط بن صبرة على النبى صلَّى الله عليه وسلَّم وضيافته له .
وأما أحاديثه عن إسماعيل بن أمية ، فأكثرها مستقيمة متقاربة وفى بعضها نكارة . ومما أنكروه منها :
ما أخرجه أبو داود (3319) ، وابن ماجه (3238) ، وابن عدى (7/219) ، والطبرانى (( الأوسط ))(3/181/2859) ، والدارقطنى(4/268/8) ، والبيهقى (( الكبرى )) (9/255) ، وابن عبد البر (( التمهيد ))(16/225) ، وابن الجوزى (( التحقيق فى أحاديث الخلاف ))(1945) من طرق عن يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ ثنا إِسْمَعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ ، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلا تَأْكُلُوهُ )) .
قلت : هكذا رواه يحيى بن سليم فرفعه ووهم فى ذلك ، شأنه شأن الثقات الذين تعد أوهامهم فى روايتهم عن خواص شيوخهم . ورواه أيوب السختيانى ، وعبيد الله بن عمر ، وابن جريج ، وحماد بن سلمة ، والثورى جميعا عن أبى الزبير فأوقفوه ، إلا أن أبا أحمد الزبيرى رواه عن الثورى فرفعه بنحو رواية الطائفى ، وكلاهما خطأ ، والصحيح الموقوف كما قاله البخارى ، وأبو زرعة ، وأبو داود ، والدارقطنى ، والبيهقى .
وقد روى الحديث مرفوعاً من وجوهٍ عن جابر بن عبد الله لا يحتج بمثلها ، نجتزئ منها ما ذكره ابن أبى حاتم (( العلل ))(2/46/1620) : (( سألت أبا زرعة عن حديث رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله عن جابر بن عبد الله عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال : (( ما حسر عنه البحر فكل ، وما ألقى البحر فكل ، وما طفا عن الماء فلا تأكل )) . قال أبو زرعة : هذا خطأ ، إنما هو موقوف عن جابر فقط ، وعبد العزيز بن عبد الله واهى الحديث )) اهـ .
وأما صحاح أحاديثه عن إسماعيل بن أمية الأموى ، فنذكر منها ثلاثة أحاديث :
[ الحديث الأول ] قال أبو يعلى (4/96/2127) : حدثنا إسحاق حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عبيد بن عمير أن عبد الرحمن بن أبي عمار أخبره قال سألت جابر بن عبد الله : أيؤكل الضبع ؟ ، قال : نعم ، قلت : أصيد هي ؟ ، قال : نعم ، قلت : سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم .
قلت : وهذا من عيون أحاديث يحيى بن سليم وصحاحها ، وقد تابعه عليه : الثورى ، ويحيى بن أيوب ، وسعيد بن مسلمة . ولنجتزئ منها بذكر متابعة الثورى :
قال الدارقطنى (2/246/46) : حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا نا أبو كريب نا قبيصة عن سفيان عن إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار قال : سألت جابر بن عبد الله عن الضبع ، فقلت : صيد هي ؟ ، قال : نعم ، قال : آكلها ؟ ، قال : نعم ، قلت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم .
قلت : وهذا الحديث مستفيض مشهور يرويه (( عن عبد الله بن عبيد بن عمير المكى )) : إسماعيل بن أمية ، وابن جريج ، وجرير بن حازم ، وهو أشهر وأشيع برواية ابن جريج .
قال الترمذى (1791) : حدثنا أحمد بن منيع ثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرٍ : الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ ؟ ، قَالَ : نَعَمْ قُلْتُ : آكُلُهَا ؟ ، قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ لَهُ : أَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ أَبو عِيسَى : (( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا ، وَلَمْ يَرَوْا بِأَكْلِ الضَّبُعِ بَأْسًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ فِي كَرَاهِيَةِ أَكْلِ الضَّبُعِ ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ )) .
[ الحديث الثانى ] أخرجه الخطيب (( التاريخ ))(7/144) من طريق محمد بن خلاد الباهلي حدثني يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ ، فليقلْ سُبْحَانَكَ اللَّهْمَّ وبِحَمْدِكَ ، اللَّهُمَّ بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي ، وَبِكَ أَرْفَعُهُ ، فإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا ، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ )) .
قلت : وهذا الحديث من صحاح أحاديث سعيد المقبرى عن أبى هريرة ، يرويه عنه كذلك : مالك ، وعبيد الله بن عمر ، وابن عجلان . وتفرد يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية ليس بمؤثرٍ مع ثبوت صحته عن المقبرى عن أبى هريرة .
والخلاصة ، فإن توثيق يحيى بن سليم فى رواياته عن أهل بلده خاصةً : عبد الله بن عثمان بن خثيم ، وإسماعيل بن أمية مما لا يرتاب فيه أهل التحقيق . ولهذا اقتصر عليهما مسلم لما ترجم له فى (( الكنى والأسماء ))(1/336) فقال : (( أبو زكريا يحيى بن سليم الطائفي ، ويقال أبو محمد . سمع : إسماعيل بن أمية ، وابن خثيمٍ )) ، واحتجَّ وخرَّج فى (( صحيحه )) روايته عن ابن خثيم . وأما البخارى فقد احتج بروايته عن إسماعيل بن أمية .
( القول الثانى ) توثيقه مع توهين روايته عن عبيد الله بن عمر . قال العقيلى (( الضعفاء )) (4/406) : (( حدثنا عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول : وقفت على يحيى بن سليم وهو يحدث عن عبيد الله أحاديث مناكير ، فتركته ولم أحمل عنه إلا حديثا ، وسألت أبي عن يحيى ابن سليم فقال : كذا وكذا ، ليس حديثه فيه شيء ، وكأنه لم يحمده ، وقال : قد أتقن حديث ابن خيثم كان عنده في كتاب )) .
قال أبو جعفر : (( ومن حديثه ما حدثناه محمد بن زكريا ثنا محمد بن عباد ثنا يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال لأبي بكر : (( متى توتر ؟ )) ، قال : أوتر ثم أنام ، قال : (( بالحزم أخذت )) ، ثم قال لعمر ، فقال : أنام ثم أقوم من الليل فأوتر ، قال : (( فعل القوم فعلت )) . ولا يتابع عليه من حديث عبيد الله بن عمر ، وقد روى بغير هذا الإسناد من وجه آخر )) اهـ .
وفى (( تهذيب الكمال ))(31/368/6841) للمزى ، و(( الكاشف ))(2/367) للذهبى ، و(( تهذيب التهذيب ))(11/198) لابن حجر ثلاثتهم : (( قال النسائى : ليس به بأس ، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر )) .
وأما الذى فى (( الضعفاء )) للنسائى : (( ليس بالقوى )) .
قلت : قد احتج به النسائى فى غير روايته عن عبيد الله بن عمر ، ومما أخرج له :
قال النسائى (( المجتبى ))(1/66) : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ ح وَأَنْبَأَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ ؟ ، قَالَ : (( أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا )) .
وذكره ابن حبان فى (( كتاب الثقات ))(7/615/11731) وقال : (( يخطئ ))
قلت : وهذا محمول على الخطأ فى روايته عن عبيد الله بن عمر خاصةً ، فقد خرَّج له فى (( صحيحه )) عن : إسماعيل بن أمية ، وعبد الله بن عثمان بن خثيم ، وإسماعيل بن كثير .
والخلاصة ، فهؤلاء أربعة من أئمة التعديل والتزكية : أحمد ، والساجى ،
والنسائى ، وابن حبان استنكروا فقط روايته عن عبيد الله بن عمر ، ولا يشك المدقق الحصيف أن أعرفهم بحاله هو أحمد بن حنبل ، ولا يذهبن عنك

قوله فى رواية ابنه عبد الله عنه الآنفة الذكر : (( وقفت على يحيى بن سليم وهو يحدث عن عبيد الله أحاديث مناكير ، فتركته ولم أحمل عنه إلا حديثا )) . وربما انضاف إلى أربعتهم : يعقوب بن سفيان الفسوى ، فقد قال عنه : (( سني رجل صالح وكتابه لا بأس به ، وإذا حدث من كتابه فحديثه حسن ، وإذا حدث حفظا فيُعرف ويُنكر )) ، لما علم أن الذى أطبقوا على إنكاره إنما هو حديث عبيد الله بن عمر .

ولهذا قال الحافظ ابن حجر (( الفتح ))(4/418) : (( والتحقيق أن الكلام فيه ـ يعنى ابن سليم ـ إنما وقع في روايته عن عبيد الله بن عمر خاصة )) .
قلت : وهذا الذى اختاره الحافظ غاية فى الإنصاف والإحاطة بحال يحيى بن سليم الطائفى .
أما قول الشيخ الألبانى (( إرواء الغليل ))(5/1489) : (( إن التحقيق الذى حكاه إنما هو بالنسبة لرأى بعض الأئمة ، وهو الساجى ، وأما الأخرون من المضعفين فقد أطلقوا التضعيف ولم يقيدوه كما فعل الساجى ، وهو الذى ينبغى الاعتماد عليه ، لأن تضعيفه مفسر بسوء الحفظ عند جماعة منهم : الدارقطنى ، فهو جرح مفسر يجب تقديمه على التوثيق باتفاق علماء الحديث . ثم هو مطلق يشمل روايته عن عبيد الله وغيره ، وهو ظاهر كلام البخارى .
هذا هو التحقيق الذى ينتهى إليه الباحث فى أقوال العلماء فى الرجل ، وقد لخصه الحافظ أحسن تلخيص كما عادته فى (( التقريب )) فقال : صدوق سيئ الحفظ ، فأطلق تجريحه كما فعل الجماعة ، ولم يقيد كما فعل الساجى )) اهـ .
ثم قوله : (( وأما القول بأن من روى له البخارى فقد جاوز القنطرة ، فهو مما لا يلفت إليه أهل التحقيق كأمثال الحافظ ابن حجر العسقلانى ، ومن له إطلاع على كتابه (( التقريب )) يعلم صدق ما نقول )) اهـ بلفظه .
أقول : فى ثنايا كلام الألبانى ـ رحمه الله ـ الذى زعم أنه التحقيق المنصف مغالطات كثيرة ، أوقعه فيها اكتفاؤه بترجمة مقتضبة نقلها من (( تهذيب التهذيب )) و (( مقدمة الفتح )) :
( أولها ) قوله (( أطلق الحافظ فى (( التقريب )) تجريحه كما فعل الجماعة )) أبعد شئٍ عن التحقيق ! ، فمَنْ الجماعة بعد : الشافعى ، والزعفرانى ، وأحمد بن حنبل ، وابن معين ، والبخارى ، وابن سعد ، والعجلى ، وابن عدى ، وابن شاهين أهم الساجى ، والدارقطنى ، والحاكم أبو أحمد وحدهم ؟! . بل الجماعة هم موثقوه كما بيَّناه بياناً شافياً قاطعا للعذر.
ثمَّ أليس ينبغى أن يحمل قول الحافظ (( صدوق سيئ الحفظ )) على ما فصَّله فى معرض الاحتجاج للبخارى فى روايته لحديث يحيى بن سليم بقوله (( والتحقيق : أن الكلام فيه إنما وقع في روايته عن عبيد الله ابن عمر خاصة ، وهذا الحديث من غير روايته )) ، من باب حمل المطلق على المقيد !! .
ثانيها ) قوله إن الساجى وحده هو الذى قيَّد ضعفه بعبيد الله بن عمر خطأ ، وأخطئ منه ما بُنى عليه من حكمٍ فى حقِّ الرجل ، فقد علمت أن مقيدى ضعفه بعبيد الله أربعة من الأئمة : رأسهم أحمد بن حنبل ، ثم الساجى ، والنسائى ، وابن حبان .
ولا تنسى ما ذكرناه آنفاً بقولنا : ولا يشك العارف المدقق أن الإمام أحمد أعرف الأئمة بحاله ، سيما وقد التقى به وحمل عنه حديثاً واحداً ، وأسند عن جماعة من شيوخه أحاديثهم عنه فى (( مسنده )) ، ومنها حديثه الذى فى (( صحيح البخارى )) .
( ثالثها ) قوله (( ظاهر كلام البخارى تجريحه بإطلاق )) لا يحتاج إلى دليل لبيان خطئه ، إذ يكفى تخريج البخارى حديثاً واحداً له فى (( صحيحه )) للدلالة على توثيقه إياه ، وهو القائل : (( ما أدخلت في كتابي الجامع الا ما صحَّ )) .
( رابعها ) قوله (( قولهم أن من روى له البخارى فقد جاز القنطرة مما لا يلتفت إليه أهل التحقيق كالحافظ )) من أعجب الأغلاط فى حق الحافظ ابن حجر .
فهو المقرر والمؤكد لهذا الذى زعم الألبانى أنه لم يلتفت إليه ، وذلك قوله فى (( مقدمة الفتح ))(1/384) : (( ينبغي لكل مصنف أن يعلم أن تخريج صاحب (( الصحيح )) لأي راو كان مقتض لعدالته عنده ، وصحة ضبطه ، وعدم غفلته ، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بـ(( الصحيحين )) . وهذا معنى لم يحصل لغير من خرجا عنه في (( الصحيحين )) ، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما . هذا إذا خرج له في الأصول ، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق ، فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره ، مع حصول اسم الصدق لهم ، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا ، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا ، أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة ، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج له في (( الصحيح )) : هذا جاز القنطرة ، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه . قال الشيخ أبو الفتح القشيري في (( مختصره )) : وهكذا نعتقد وبه نقول ، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة ، وبيان شاف ، يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بـ(( الصحيحين )) ، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما )) اهـ .
وفى كلام الحافظ هذا الموفى لشيخى المحدثين حقهما من التقدير والإكبار ، أبلغ رد على غلط الشيخ الألبانى فى حق رواة (( الصحيح )) ، لا سيما قوله (( إن إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بـ(( الصحيحين )) ، هو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما )) . وهل استهان المتهوكون بالـ(( الصحيحين )) وتجرأوا على الطعن فيهما إلا بمثل هذا الغلط والتجنى على إمام المحدثين !!

وما مثل إمام المحدثين وجامعه (( الصحيح )) إلا كما قال القائل ـ ولله دره ـ :

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالكل أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغيا إنَّه لدميم
وترى اللبيب مشتما لم يجترم عرض الرجال وعرضه مشتوم
ولله در القائل :
صحيح البخاري لو أنصفوه لما خُطَّ إلا بماء الذهبْ
هو الفرق بين الهدى والعمى هو السد بين الفتى والعطبْ
أسانيد مثل نجوم السماء أمام متون كمثل الشهبْ
به قام ميزان دين الرسول ودان به العجمُ بعد العربْ
وأقول : بل الحق الذى لا مرية فيه ، أن من لا يجزم بأن رواة الصحيح قد جازوا القنطرة فليس من أهل التحقيق ، فلله در شيخ الإسلام ابن دقيق العيد المصرى حيث أسلم قياده لهذا المقال ، وقال : (( هكذا نعتقد ، وبه نقول )) ، وكذلك نقول وبه ندين .
( القول الثالث ) وصفه بالضعف وسوء الحفظ . قال أبو أحمد الحاكم : ليس بالحافظ عندهم . وقال الدارقطني : سيء الحفظ ، ذكره عنهما الحافظ فى (( تهذيب التهذيب ))(11/198) .
قلت : وفى البيان السالف رد على قوليهما ، وكن على ذكر بما قلناه آنفاً : أن قول إمام الأئمة أحمد بن حنبل (( كان قد أتقن حديث ابن خثيم )) يفيدك ثلاث فوائد عزيزة :
( الأولى ) وصفه بالإتقان والضبط لأحاديث عبد الله بن خثيمٍ المكى ، وفيه دلالة على إتقانه لأحاديث أهل بلده .
( الثانية ) تبرئته من الوصف بسوء الحفظ بإطلاقٍ ، وفيه رد على قول الدارقطنى والحاكم أبى أحمد : كان سيئ الحفظ . ولا يشك العارف المدقق أن الإمام أحمد أعرف منهما ، وممن أتى بعدهم بحاله ، سيما وقد التقى به وحمل عنه حديثاً واحداً .
( الثالثة ) توثيق الإمام أحمد له فى روايتين عنه ، خلافاً لمن زعم أن الإمام أحمد لم يوثقه .

البخاري رحمه الله صنف صحيحه على طريقة الانتقاء
فقد تقرر في علم العلل أن الضعيف أو سيء الحفظ قد يصيب وله أحاديث صحيحة صالحة كما تقرر أن الثقة قد يخطيء وله أحاديث سقيمة شاذة
فهذا أمر يغفل عنه كثير من منتقدي الصحيحين
فالشيخان ينظران إلى الحديث هل هو صحيح أم لا ؟
فإذا كان صحيحا خرجاه وإن كان في بعض إسناده ضعفا أو اختلافا
لأنهما بعد البحث والتنقيب توصلا إلى صحة هذا الحديث بعينه
فإنهم قد عاينوا الأصول وعايشوا الرواة فهما يعلمان صحيح حديث كل راو من ضعيفه
فلو سلمنا أن يحيى بن سليم ضعيف مطلقا فهذا غير مؤثر هنا لأن البخاري يعلم ذلك كما سيأتي وإنما أخرج له هذا الحديث بعينه لأنه علم أن ابن سليم أصاب فيه ولم يخطيء
فمن حكم على هذا الحديث بالضعف من أجل سوء حفظ راويه فقد حكم حكما عاما ظاهرا خالفه حكم خاص دقيق من البخاري
فيقدم الخاص على العام أو يقدم من كان معه زيادة علم على غيره
فالبخاري معه زيادة علم في هذا الحديث بعينه لا يوجد عند منتقديه
قال البخاري في تاريخه في ترجمة عبدالرحمن بن نافع ما حدث الحميدى عن يحيى بن سليم فهو صحيح
وقال في موضع آخر: ” يحيى بن سليم رجل صالح صاحب عبادة يهم الكثير في حديثه إلا أحاديث كان يسأل عنها فأما غير ذلك فيهم الكثير روى عن عبيدالله بن عمر أحاديث يهم فيها

وقال كما في علل الترمذي الكبير: يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد الله يهم فيها

وقال أيضا “…وكل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه لا أروي عنه ولا أكتب حديثه”
وقال أيضا في بعض الرواة: ذاهب الحديث لا يدري صحيح حديثه من سقيمه أنا لا أروي عنه وكل من كان مثل هذا فأنا لا أروي عنه

وقال ابن حجر في اللسان في ترجمة الأعدل بن محمد: وكان البخاري حسن الرأي فيه إلا أنه كان كثير التخليط والبخاري يعرف صحيح حديثه من سقيمه فلا يغتر بروايته عنه

ولذك نجد البخاري عندما يضعف بعض الرواة في تواريخه يقول ولا يعرف صحيح حديثه من غيره

فعلم مما تقدم أن البخاري لا يروي إلا عمن عرف صحيح حديث من سقيمه فما بالك إذا احتج به في الصحيح
وعلم أنه قد علم صحيح حديث ابن سليم من سقيمه
وينظر كلام المعلمي في تأييد هذا الكلام عن البخاري وأنه لا يروي إلا عمن عرف صحيح حديث من غيره في التنكيل (1/123)

__________________

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: