جواب هل القرآن يغني عن السنة ؟ و مقتطفات من كتاب الرسالة الشافعي

هل القرآن يغني عن السنة ؟

بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

هناك من يقول في هذا العصر، بل في هذه السنوات الأخيرة بالذات: إن القرآن يغني عن السنة. فينبغي أن نطرح الثانية ونكتفي بالقرآن وحده.
وقبل أن نتهم هذه المقولة وأصحابها بالشرود عن الحقيقة وعن ميزان المنطق، ينبغي أن نتبين وجهة نظرهم والمعنى الذي يقصدون إليه من وراء هذه الأطروحة.

إنهم يقصدون أن يؤكدوا لنا أن القرآن حوى كل شيء، وأن يذكرونا بقوله عز وجل : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء) [الأنعام: 38]، وإذا كان القرآن قد حوى فعلاً كل شيء، وكان تبياناً لكل شيء، فما الحاجة إذن إلى إضافة شيء مّا إليه؟ .. ما الحاجة إلى السنة مادام الانضباط بكتاب الله سبحانه وتعالى يبصرنا بكل شيء؟ .. هذا بالإضافة إلى أن القرآن كله منزل من عند الله يقيناً، ولا مجال للريب في شيء منه. أما السنة فقد اختلط فيها الصحيح بالموضوع بالضعيف بالمنكر، وأصبح تمييز الصحيح فيها عن غيره أمراً عسيراً.
ولذلك فخير لنا أن نريح وأن نستريح، وأن نعتمد على القرآن وحده، لاسيما وإن القرآن فيه كل ما نتطلبه، وفيه كل ما نبحث عنه.
هذه باختصار هي وجهة نظر أرباب هذه المقولة، فما موقفنا منها؟ وما هي النقاط التي نأخذها على هذه الأطروحة؟
سنضع هذه الأطروحة الأخرى في ميزان المنطق العلمي ذاته الذي وضعنا فيه المقولات أو الأطروحات السابقة، فإن وجدنا أن هذا الميزان قد أثبت صحتها، أخذنا بها، ودافعنا عنها، وإلا فلابد أن نكشف عن عوارها وأن نحذر منها، وأن نبين الخلفيات الكامنة وراءها.
بادئ ذي بدء، أقول إننا إذا تأملنا في كتاب الله سبحانه وتعالى الذي ندعى إلى الأخذ به وحده، سنجد أن الأخذ بهذه الأطروحة، أو بهذه المقولة، يستلزم الإعراض عن القرآن ذاته، بل أقول لكم: إنه يستلزم تخطئة القرآن.
و فاتني أن أبين لكم أولاً المعنى الشرعي للسنة، وهو: كل ما أُثر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قول أو فعل أو تقرير، على أن يصل ذلك إلينا بطريقة صحيحة، طبق المنهج المرسوم عند علماء مصطلح الحديث، تلك هي السنة.
إذن أعود فأقول بادئ ذي بدء، إننا إن أخذنا بهذه الأطروحة القائلة: القرآن يغني عن السنة، فلسوف نجد أنفسنا نعرض عن القرآن ذاته، الذي نزعم أننا نريد أن نتمسك به ولا نتمسك بغيره، بل لسوف نجد أنفسنا نخطئ القرآن فيما يقول.
وآية ذلك أننا عندما نصغي إلى كتاب الله عز وجل لا نجده يقول: اكتفوا في فهم دينكم وإسلامكم بهذا الكتاب، بكلامي وحده، بل هو يقول لنا: اجعلوا من سنة محمد (صلى الله عليه وسلم) بياناً لكل ما استغلق عليكم من كلامي، اجعلوا من سنة محمد (صلى الله عليه وسلم) المقتدى الثاني بعد هذا الكتاب.
لو رأينا القرآن يقول لنا لا تتمسكوا إلا بهذا الكتاب، إذن فذلك يكفي دليلاً على صحة هذه الأطروحة، ولكنا نظرنا فرأيناه يأمرنا أمراً جازماً باتباع السنة إلى جانب القرآن، وبتحكيم كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى جانب القرآن، أليس الإلحاح على اطّراح السنة بعد هذا إعراضاً بيِّناً صريحاً عن القرآن ذاته.
وماذا يقول القرآن، في هذا، بصريح العبارة والنص؟
إنه يقول : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )[النساء : 64].
ويقول : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) [النساء : 80]، ويقول ( وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )[الحشر: 7]، ويقول: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )[النساء : 59]، ويقول ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )[النحل: 44].
هل أزيدكم فأضعكم أمام آيات أجلى و اصرح مقرونة بالتحذير والتهديد. حسناً، يقول جل جلاله فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً )[النساء : 65].
فهذه آيات صريحة واضحة قاطعة في الأمر باتباع رسول الله فيما يقول ويفعل من أمور الدين وفيما يشرح ويبين به نصوص القرآن، وبأن نطيع الرسول كما نطيع القرآن وبأن نجعل من كلام محمد (صلى الله عليه وسلم) بياناً لما استغلق علينا من كلام الله.
وأحب أن أنبه إلى أن قول الله سبحانه وتعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً )[النساء: 65]إنما نزل في خصومة وقعت بين رجلين من المسلمين، وجاءا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليقضي بينهما، وقضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بعد أن سمع وحقق، لأحدهما، فقال له الآخر: ألأجل أنه ابن عمتك، أو لأنه قريبك، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)[النساء: 65].
ومعلوم أن هذا الذي قضى به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يكن تنفيذاً لآية موجودة في القرآن، وإنما كان بحكم من عنده، ومع ذلك فقد أعلن القرآن أن الإنسان لا يعدّ، أياً كان، مؤمناً بالله إلا إن قبل حكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخضع له، ثم لم يجد في نفسه أي حرج تجاهه. فها هو القرآن ينفي سمة الإيمان عمن لم يُحكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما يقوله ويقضي به من أمور، حتى ولو كان القرآن ساكتاً عنه.
فإذا جاء بعد هذا من يقول: لا، بل القرآن يغني عن السنة، ولا داعي إلى تحكيم السنة، أليس موقفه هذا معارضة صريحة للقرآن ذاته؟؟
بل أليس هذا الموقف ينطوي على تخطئة للقرآن ذاته؟
وكيف يكون هذا الموقف تحكيماً للقرآن، إذا كان صاحبه يخطئ القرآن، ويعرض عن أوامره، أو عن كثير من أوامره(صلى الله عليه وسلم)؟
ويبدوا أن رسول الله أُخبر من قبل ربه عز وجل أن في الناس من سيعمدون إلى سنة رسول الله فيمزقونها ويبعدونها عن مجال الأخذ بها والاعتماد عليها في فهم القرآن، بسلاح بهلواني كاذب من القرآن ذاته فنبه صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وحذر منه.
من ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم)، فيما رواه العرباص بن سارية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعظ أصحابه موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقال له أحد الصحابة : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: ” أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ” والحديث حسن صحيح، رواه أبو داود، الترمذي وابن ماجة وأحمد.
كذلك يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه أبو داود والترمذي ” يوشك رجل متكئاًَ على أريكته يحدث بحديث عني فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال حلّلناه وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه. ألا وإن الذي حرّمه رسول الله مثل الذي حرّمه الله سبحانه وتعالى ” .
وإن في تصوير رسول الله لحال هؤلاء الناس، ما يكشف عن استكبارهم على السنة وصاحبها تحت غطاء التحاكم إلى القرآن. ولعمري إن في من كانت هذه هي حاله لا يمكن أن يكون وفياً للقرآن الذي لم يصلنا إلا عن طريق رسول الله، ولا أن يكون صادقاً في الالتزام به!..
قد يقول هؤلاء: عذرنا الذي يدفعنا إلى إبعاد السنة لا يتمثل في أننا نكذّب كلام محمد (صلى الله عليه وسلم)، أو في أننا نستهين بسنته، بل إننا بدافع من الغير عليها والحماية لها نطالب في هذا العصر بالإعراض عنها، إذ قد اختلط الصحيح منها في هذا العصر بالضعيف والمنكر والموضوع، والتبس على الباحث هذا بهذا بذاك، وإنما سبيل الحفظ لكرامة رسول الله وسنته في هذه الحال أن نبعدها عن التحكيم خوفاً من أن نقع في الزيف، ومن أن ننسب إلى رسول الله ما هو منه بريء.. هذا ما قد يقوله بعض منهم، فما هو جوابنا عن هذه المعذرة؟
جوابنا أن هذا الكلام فيه ما يدل على أن هؤلاء الناس أعرف بما قد آلت إليه السنة من الله سبحانه وتعالى!! إنهم يتهمون الله بالجهل، ويتهمونه بأنه لا يعلم مآل هذه السنة النبوية، في حين أنهم هم الذين عرفوا وتبينوا هذا المآل.
لقد قال الله عز وجل خطاباً للناس في سائر العصور والأحقاب ( من يطع الرسول فقد أطاع الله )[النساء : 80].
وقال ( وما آتاكم الرسول فخذوه )[الحشر: 8] وقال: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )[النحل: 44] دون أن يعلم أن الأوامر الصحيحة التي نطق بها رسول الله ستمتزج بالمزيفة والموضوعة والضعيفة، ومن ثم فلن يتأتى للناس الطاعة المطلوبة منهم لرسول الله، في حين أن هؤلاء الناس هم الذين عرفوا ذلك من دون الله عز وجل!!!
أفهذا هو كلام من يؤمن بالله ؟؟؟
أم هل هذا كلام من يؤمن بأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى ويصرّ على تحكيمه والأخذ به ؟
وكيف يحكّم القرآن ويأخذ به من يخطّئه في قراراته وتعليماته؟ !
على أننا نقول: من هذا الذي قال لكم إن سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) امتزج فيها الصحيح بالباطل بالزيف بالضعيف، ولم يعد يستبين للباحث هذا من ذالك ؟ من قال هذا الكلام؟
السنة النبوية المطهرة أول كتاب، أو أول موضوع ومصدر من مصادر الشريعة الإسلامية بعد القرآن وُقي من الزيف، وإليكم بيان ذلك:
كلنا نعلم أن هنالك وضاعين، وضعوا أحاديث مكذوبة على لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهنالك أحاديث ضعيفة وهنالك أحاديث منكرة، لاشك في هذا ولا ريب، ولكن مَن مِن المثقفين لا يعلم أن الله عز وجل قيض لهذه السنة علماً من أعجب العلوم التي تكاد ترقى إلى درجة الإعجاز، قيضه الله لحماية الحديث الصحيح من الدخيل ومن الزيف ومن الموضوع ونحوه.
أما سمع أصحاب هذه الأطروحة بعلم يسمى علم مصطلح الحديث؟
أما سمعوا بعلم يسمى علم الجرح والتعديل؟ أو ما بلغهم السبب الذي من أجله ظهر علم الجرح والتعديل وعلم مصطلح الحديث؟
من المعلوم أن الذي دفع العلماء، في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني، إلى إيجاد هذين العلمين إنما هو حماية حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
فعلم مصطلح الحديث صنف الأحاديث وقسمها إلى أحاديث آحاد وأحاديث متواترة، وقسم حديث الآحاد إلى أحاديث صحيحة وحسنة وضعيفة وموضوعة، والضعيفة قسمت أيضاً إلى أقسام، ووضعت ضوابط محددة لكل من هذه الأقسام. ولسنا الآن بصدد الحديث عن تفصيلات قواعد هذا العلم، ولقد وجدت مؤلفات كثيرة تحوي الأحاديث الموضوعة، ولكن وجودها أكبر شاهد ودليل على نقيضها أي على أن الأحاديث الموضوعة، إنما هو الوجه الآخر لاهتمامهم بتصفية الأحاديث الصحيحة من الزغل ومن الزيف.
وإذا أردنا أن نتساءل عن العهد الذي كاد أن يختلط فيه الحديث الصحيح بالضعيف بالموضوع فإنه على كل حال ليس هذا العهد، وإنما هو القرن الأول والثاني من عصر الهجرة النبوية المشرفة، في ذلك الوقت حاول الدساسون، وحاول الوضاعون أن يسربوا الأحاديث الباطلة إلى كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وسرعان ما قام علماء الحديث فتداركوا .. وفرزوا .. وصنفوا.. وميزوا الأحاديث الصحيحة عن الأحاديث الباطلة والموضوعة.
أما اليوم فالأمر لا يحتاج إلى جهد، ولا يحتاج إلى فرز، لأن أولئك العلماء أتعبوا أنفسكم و بذلوا الجهد الذي بذلوه، ثم صنفوا المصنفات المختلفة وأوضحوا لنا قائمة الأحاديث الآحاد، والأحاديث المتواترة، الأحاديث الآحاد الصحيحة والضعيفة وغيرها، وبوسع أي باحث إذا أراد أن يستدل بحديث ذكره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يرجع إلى المراجع الخاصة بهذا العلم، فيتبين الحديث الصحيح من الحديث الضعيف.
فيا عجباً لمن يأتي في هذا العصر، تماماً كما قال رسول الله، في مظهر من الكسل المستكبر الذي يأتي سمجاً ثقيلاً على النفس والعقل معاً، متكئاً على أريكته ليقول لنا: نحن لا نستطيع أن نستبين الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة، لنعمل بالأولى ونتجنب الثانية، فلنستعض عن السنة كلها بالقرآن.
ونقول له: تلك هي مصنفات الأحاديث المختلفة مفروزة منسقة مبينة أمامك، وما عليك إلا أن تمد يدك ثم تفتح عينيك وعقلك لتقرأ ! ولكن ماذا كنت تقول يا ترى لو أنك كنت تعيش في القرن الأول أو الثاني من الهجرة ؟ إذن لمزقت السنة النبوية كلها، و لخنقت الإسلام كله في ضباب كسلك!!!
هذا ما نقوله في الرد على من يتثاءب تثاؤب الكسول الثقيل، ثم المستكبر فوق ذلك كله على كتاب الله وسنة رسوله، ليتأفف قائلاً: إنه لمن الصعوبة بمكان أن نلتقط الأحاديث الصحيحة المميزة عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
تلك هي المعذرة الأولى التي تصطنع اليوم لإبعاد السنة النبوية عن مجال الاحتجاج بها، وللتفريق الذي حذر القرآن منه بين الله ورسوله.
فما المعذرة الأخرى؟
المعذرة الأخرى هي دعوى أن في أحاديث رسول الله ما لا يتفق مع أعراف العصر، أو لا ينسجم مع مقتضى الحضارة والمدينة الحديثة.
وربما ساقوا مثالاً على ذلك حديث رسول الله الذي رواه البخاري في صحيحه وابن ماجة في سننه أنه (ص) قال: ( إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم ليلقه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه داء )وربما استشهد على ذلك أيضاً بحديث جابر الذي يرويه مسلم في صحيحه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر بلعق الأصابع والصحفة، أي وعاء الطعام. وقال: ( إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة )وربما أضافوا إلى هذين الحديثين أمثالهما.
فأصحاب هذه الأطروحة يقولون: كيف يمكن أن ينسجم مع المدينة الحديثة حديث يأمر إذا وقع الذباب في شراب أحدنا أن يغمسه كاملاً ثم يلقيه، مع ما يبعث ذلك في التقزز في النفس!!
أم كيف يتفق مع المدينة الحديثة أن نأخذ أنفسنا بهذه الوصية الثانية: إذا أكل أحدنا ثم قام من طعامه أن يلعق أصابعه التي أكل بها، وأن يمسح الوعاء الذي كان فيه الطعام حتى لا يبقى في قعره شيء.
تلك هي الحجة الأخرى، فما موقفنا من هذا الكلام.؟
أقول قبل كل شيء: ما هو مقياس المدنية التي ينبغي أن نأخذ أنفسنا بها، وأن نخضع لإيحاءاتها؟
الجواب المنطقي هو أن مقياس المدينة الحديثة: كل ما يتفق مع المنطق والعلم، وكل ما يتفق مع الفطرة الإنسانية والحاجات الأصلية لبني الإنسان.. لا شك أن مدينة تستوحي قوانينها من المنطق والعقل ومن الحاجات الأساسية لبني الإنسان يجب أن نتبعها.
أما المدنية الشاردة وراء هذين الضابطين فلا أعتقد أن الإنسان العاقل ملزم باتباعها، بل هو ملزم بالتحرر منها، بل على المسلمين أن يقفوا في وجه هذه المدنية، وأن يبذلوا ما يملكون لتصحيحها وتقويم عوجها. إذ إنهم أصحاب رسالة، وأمّة تخطيط وإبداع، وليست مهمتهم أن يكونوا ذيولاً إمّعات، يسيرون وراء تقليد الناس، إن أحسنوا يحسنون، وإن أساؤوا يسيئون.
هذا هو موقفنا من المدنيات والحضارات كلها.
على ضوء هذا الميزان، أقول: ما هي مشكلة حديث الذبابة الذي يقوم ويقعد به طائفة من الناس انتقاصاً لسنة رسول الله وتكريهاً للناس بها؟!
تعالوا نفهم معنى الحديث أولاً: يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ” إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ” أي إذا وقع فعلاً ولم تُجد الوقاية ” فليغمسه ثم ليلقه “أي لا يلقين الذباب خارج الشراب حتى يغمسه كله فيه. وهو حرّ بعد ذلك في أن يتلف الشراب أو أن يستبقيه. وهذا الأمر سببه أن ” في أحد جناحي الذبابة داء وفي الآخر شفاء وأنها تتقي بجناحها الذي فيه داء ” فاقتضت الحيطة أن يلاحق الداء بالدواء، خوفاً من أن يبقى من ذلك الشراب شيء فيشربه من لا يعلم شيئاً عن هذا الذي وقع فيه، فيؤذيه الداء المتسبب عن ذلك.
ومعنى قوله ” وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه داء ” أن الذباب إذا اتجه ساقطاً، اتجه إلى حيث يسقط، مائلاً بجناحه الذي فيه أذى وداء، تماماً كأي حيوان يلدغ، من شأنه أن يتجه إلى الجهة التي يسقط نحوها بالإبرة التي يدافع بها عن نفسه. ومعنى كلام رسول الله أن في الطرف الآخر من الذباب نقيض الداء الذي يتقي به عند السقوط، فليقض على الداء بنقيضه بغمس الذباب كلياً ثم طرحها في الخارج.
فهذا هو أولاً معنى الحديث!!
نقول بعد هذا: أفنتهم محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه مخطئ جاهل؟ إذن فلماذا لا نتهمه بالجهل والخطأ ذاته عندما أخبرنا بالوحي الذي يأتيه من الله عن أمور الغيب.؟ أليس حديثه وحياً عن أحداث ما بعد الموت أغرب وأعجب من حديثه عن الذبابة وكيفية تخليص الشراب منها؟!
وأنا أشهد أن الذي يرتاب في كلام رسول الله عن الذبابة أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، لابّد أن يرتاب في كلامه إذ يتحدث عن عذاب القبر، أو عن سؤال الملكين، أو عن قيام الناس لرب العالمين، لكنه قد يغص باستنكار تلك الإخبارات الأخرى خوفاً من أن يتهم بالكفر، في حين أنه لا يغص بهذا الكلام محتجاً بأنه لا يتفق مع معطيات المدينة الحديثة، بل ربما قال لا يتفق مع العلم!!
والآن تعالوا نعرض كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا على موازين العلم وحقائقه: أولاً أنا أعلن أنني لست مختصاً بشيء مما يتعلق بالجراثيم ونقائضها، ولست طبيباً، ولست ممن يحلل خصائص الحيوانات، ويستبين ما فيها من أضرار وما فيها من منافع، ولكني بدون أن أطلع على شيء من هذا، وبدون أن أصغي السمع إلى أصحاب هذا الاختصاص، يكفيني لقبول هذا الكلام واليقين به أن أعلم بأن محمداً (صلى الله عليه وسلم) قد قاله، وأتبّين أنه قد وصلني بسند متصل صحيح ليس فيه شذوذ ولا علة.
إنني قد وثقت به في كلام أعجب وأخطر من هذا، أفلا أثق به عندما يحدثني عن الضرر الكامن في أحد جناحي الذبابة وعن المصل الواقي لهذا الضرر في الجناح الثاني؟ وكيف لا أصدقه وقد صدقت أنه رسول من عند الله، وأن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه، وأن الله عصمه من الخطأ، وإن أخطأ فيما بينه الله فإن الله سبحانه وتعالى يصحح له علمه وإدراكه.
ولكن أقول للإخوة الذين لم تتكامل الثقة برسول الله في نفوسهم، تعالوا نتساءل ماذا يقول العلم الحديث عن هذا الذي قاله رسول الله (ص) عن الذبابة؟
أجل: العلم الحديث.. وإني لأتمنى أن لا يستعجل الذين يشمئزون من كلام رسول الله، ممن لم تتشبع عقولهم بنبوته وبالوحي الذي كان يتلقاه من الله عز وجل، فيسيئوا إلى العلم من حيث يتبجحون باحترامه والأخذ به.
تعالوا نضع ما قاله علماء هذا العصر عن الذبابة وما تحمله في داخلها:
تنقل جريدة تشرين الدمشقية في العدد الصادر يوم 16/6/1987 خبراً عن جريدة شنغهاي الصادرة عام 1987، يقول: ( اكتشف علماء صينيون مؤخراً أنه يوجد في جسم حشرة الذبابة نوع من البروتينات النشطة التي تملك قدرة كبيرة على إبادة الجراثيم الكامنة فيها والمسببة للأمراض.
ونقلت (شينخوا) عن صحيفة ( شينمين ) الصينية قولها : إن هذه الحشرة المقززة للنفس تملك بروتينات قوية قادرة على إبادة الفيروسات والجراثيم بشكل قاطع، إذا بلغت كثافتها حداً معيناً، وأضافت الصحيفة أنه يؤكد أن في جسم الذباب أيضا ً مادة الدهن، وخاصة في اليرقات التي تحتوي على نسبة كبيرة من المغنيزيوم والكاليسوم والفوسفور. ويفكر العلماء باستخراج هذه المواد من جسم الذبابة، ليكون مصدراً جديداً لمركبات قاتلة للجراثيم ).
ثم نشرت الصحيفة ذاتها، صحيفة تشرين الدمشقية في تاريخ 20/6/1987 الخبر التالي عن ” شنغهاي “: ( اكتشف العلماء أنه توجد في جسم الذبابة بروتينات نشطة تقاوم الجراثيم، والمعروف أن هذا النوع من البروتينات النشطة له قدرة كبيرة على إبادة الجراثيم المسببة للأمراض .
و ذكرت جريدة الشعب الصينية الصادرة في (( شنغهاي )) التي نشرت هذا النبأ أن البروتينات النشطة التي يمتلكها الذباب تقدر على إبادة جميع الجراثيم و الفيروسات التي تحملها الذبابة إبادة تامة، إذا بلغت كثافتها واحداً في العشرة ألاف، و قال النبأ: إنه سوف يصبح للبشر مضاد جديد للجراثيم له قدرة جبارة لا مثيل لها، إذا تم استخراج هذه البروتينات الغريبة من جسم الذبابة ).
أليس هذا الكلام الذي تقوله صحيفة صينية بل صحف صينية، نقلاً عن علماء و أطباء لا علاقة لهم بالدين، و لم يسمعوا شيئاً عن حديث الذبابة، و لم يقفوا وقفة تساؤل، لا إيمان و لا استنكار عن شخص محمد عليه الصلاة و السلام، أليس هذا الكلام يسجد لنبوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟
من ذا الذي يتلجج في الجواب عن هذا السؤال؟.
أليس موقفاً مقززاً أكثر من تقززنا من الذبابة، أن يقف أحدنا من كلام سينا محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الموقف العاجل، قبل أن يتبين العلم، و قبل أن يصغي إلى كلام العلماء والأطباء، وأصحاب الاختصاص.
أليس مما يبعث على الاشمئزاز أن أتخذ هذا الموقف المستعجل من كلام رسول الله، و أن أتباهى بالعلم، و أنا بأمس الحاجة إلى شيء من العلم؟ أعتقد أن هذا الموقف يبعث على الاشمئزاز أكثر من الاشمئزاز الذي تنبعث به نفوسنا عندما نجد ذبابة وقعت في شراب.
و في هذه المناسبة أذكر لكم حواراً، جرى بيني و بين العالم و الطبيب الفرنسي المرحوم “موريس بوكاي” لنتبين الفرق بين موقف بعض المسلمين التقليديين الذين جمعوا بين مشكلتين اثنتين: مشكلة عدم الثقة برسولهم محمد عليه الصلاة و السلام، و مشكلة عدم استيعاب العلوم الحديثة و سبل التعامل معها، فوقفوا مستكبرين بين جهالتين سمجتين، و بين عالم أوروبي غير مسلم في الظاهر (( لم يعلن موريس بوكاي إسلامه، و لكنه أخبرني أنه مسلم يمارس الإسلام و يلتزم بأحكامه في منزله و حياته الشخصية، و هو شأن كثير من الأوروبيين المشهورين أو ذوي الوظائف الحساسة اليوم. ((
أعطاني كتابه الذي كان قد أصدره ذلك العام و عنوانه : ” القرآن و الكتب السماوية و العلم الحديث” ، قلبته فوجدته يستشهد فيه على أن القرآن كلام الله عز و جل بالفرق الذي يتصوره بين القرآن و الحديث، و يقول: لا يمكن أن نعثر في شيء من القرآن على كلام يتعارض مع العلم، و هو دليل على أن القرآن كلام الله، في حين أن محمداً إذا نطق من عنده ربما قال كلاماً لا يؤيده العلم، و رأيته يستشهد في هذا بحديث الذبابة، قلت له إنك طبيب، فهل درست كل ما يوجد في جسم الذبابة من خصائص ضارة و مفيدة، و هل انتهيت إلى أن كلام رسول الله يناقض العلم، أم إنك جاهل بخصائص الذبابة و ما فيها، لأنه ليس من اختصاصك، فكان الرجل منصفاً في الجواب، و قال: بل أنا جاهل، إنني طبيب، و لكني لست أعلم عن خصائص الذباب شيئاً، و هذا يحتاج إلى دراسة مستوعبة.
قلت له: فأعتقد أن العلماء الذين لهم اختصاص دقيق في هذا الجانب، اكتشفوا هذا الذي يقوله رسول الله و أكدوا أن في الذبابة آفات خطيرة جداً جداً، لا يقضي عليها إلا نقيض لها في داخل جسم الذبابة.
ثم قلت له: أرجو أن لا تنسى الفرق بين عدم اكتشاف العلم لما قاله رسول الله و اكتشاف العلم لنقيض ما قاله رسول الله، و أعتقد أن حالنا اليوم يتخذ الموقف الأول، لا الثاني.
فأصغى باهتمام بالغ و قال لي: سأعدك أن أزيل الاستشهاد بهذا الحديث من كتابي هذا في الطبعات التالية.
دعوني أضعكم من هذا المثال أمام أناس هم في الظاهر غير مسلمين، لكنهم يحترمون العلم، و البحث العلمي، و في وقفة سريعة من أحدهم، و تنبيه بسيط من إنسان مثلي، يتخلى عن رأيه معتقداً أن تصحيح الخطأ من أقدس الواجبات.
بينما ننظر إلى أناس من أبناء جلدتنا مسلمين، لم يصلوا إلى شيء من العلوم التي وصل إليها أمثال (موريس بوكاي) الطبيب المشهور في فرنسا، و لكنهم في الوقت ذاته لم يتشبعوا بالإيمان و أركانه و لا هم تشبعوا بالعلوم الحديثة و حقائقها. و إنما أصروا على أن يقفوا – كما قلت لكم – بين جهالتين، مستكبرين بهذا الموقف الذي اتخذوه !!..
فهذا هو جوابنا عن المستنكرين لحديث الذبابة، و هنالك وثائق أخرى تتضمن كلمات لأطباء و علماء آخرين من الغرب تؤكد هذا الذي نقلته صحيفة تشرين، و لربما أجمعها و أنشرها في كتيب خاص إن شاء الله.
أما حديث رسول الله فيما يرويه جابر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يأمر بلعق الأصابع بعد الانتهاء من الطعام، و لعق الصحفة، أي الوعاء الذي فيه الطعام، فأنا أسأل: ماذا ترون في هذا الأمر النبوي مما يتناقض مع الإنسانية السامية، و مع الوفاء مع نعم الله عز و جل و عطائه؟ أما أنا فلا أجد في ذلك إلا صورة للوفاء السامي للنعمة و الشكر الواجب للمنعم!..
كان العرب يأكلون بأصابعهم، و لم تكن هذه الأشواك و الملاعق موجودة، فماذا تريد أن يقول رسول الله لمن قام عن الطعام و أصابعه مغموسة ببقايا منه؟..
هل تريد أن يقول: لا عليه أن يغسل يده من بقايا هذا الطعام، و أن يجعلها تذهب إلى المصارف، فتمتزج مع القاذورات ؟!..
هل هذا هو المتفق مع مدنيتك التي تعتز بها؟ و هل هذا هو الذي يتفق مع مقتضى الشكر على نعمة أسداها الله عز و جل إليك؟ أم هل تريد من رسول الله أن يقول لك: إذا رأيت أنك قد تركت بقايا طعام في أطراف الإناء فما عليك إلا أن تقوم مشمئزاً منها معرضاً عنها، و لا عليك، و قد أشعرك الشبع بالقرف منها، أن تلقي فوقها من رماد دخينتك، و ما قد مسحت به فمك و أنفك من قطع المحارم الورقية!!.. أغلب الظن أن رسول الله لو علمك أن تفعل هذا لهللت و استبشرت و كبرت، و انتشيت لهذه التعليمات التي تتفق مع مدنيتك.
و لكن تعالوا نضع هذه المدنية الحديثة في الميزان، ميزان الذوق الإنساني الرفيع، ميزان الوفاء للمنعم عز و جل، أي عاقل يقول: إن هذا الميزان يقضي بأن يترك الإنسان بقايا الطعام بهذا الشكل بعد أن يشبع، بل يقضي بأن يتعمد ترك شيء منه في الطبق و أن يقوم عنه قيام المشمئز منه و المترفع فوقه ؟!..
إن الذي يفعل هذا إنسان لئيم بغير شك!..
و لكي تعلم صدق ما أقول قارن بين حالتك و أنت جائع شديد الجوع حتى لكدت أن تقع في مسبغة مهلكة، ( و كلنا معرضون لهذا ) و بين حالتك و أنت تتقلب في النعم التي أنت فيها، ماذا كنت تصنع لو ألمت بك الحالة الأولى ( و مرة أخرى أقول: كلنا معرضون لها ) و رأيت هذه البقايا من الطعام في قعر إناء.
ستقبل إليها و تلتهمها بالملعقة ثم بأصابعك، بل بلسانك أيضاً، ستلعق كل ما يوجد من آثار لهذا الطعام في الإناء، لأنك جائع، و لا أحد يعتب على الجائع فيما يصنع، لأننا كلنا هذا الرجل عندما ينتابنا الجوع..
ترى هل علي أن أمثل من نفسي حالة المستغني عن الله و عطائه، عندما يعطيني فأشبع، ناسياً ما أنا معرّض له في كل ساعة، فأترفع عن بقايا الطعام المتفرق في أطراف الطبق، و أجعل من ترفعي هذا لسان استغناء و كبرياء أمام الآخرين، ثم لا أبالي أن تذهب هذه البقايا في المجاري مع القاذورات، و أنا أعلم أن الله لو زجني في حرمان مطبق مجيع، فلسوف أبحث عن هذه البقايا و أمثالها بين القمامة و على ” المزابل ” و لربما أزاحم في ذلك الحيوانات؟!..
أما منطق اللؤم فيقول نعم، لك أن تسكر بالعطاء و تنسى المعطي. و لا تشغل بالك باحتمالات الحرمان، فلكل حادث حديث!!..
و أما منطق الشكر و الوفاء فيقول: يجب أن يكون لسان الناطق بحمد الله في الشبع، هو ذاته لسانك الناطق بحمده في الجوع. إذ أنت عبده الضعيف في كلا الحالين، و أنت المحتاج إليه عند إقبال النعمة كما أنت محتاج إليه عند إدبارها..
و يقول منطق الوفاء: إن جوهر الشكر لله لا يستبين لدى التهامك الطعام و التقاطك لنثراته وأنت جائع، إذ أنت إنما تتعامل في هذه الحال، مع مشاعر جوعك و حاجتك .. و إنما يستبين جوهر الشكر عندما يشبعني الله و يغنيني، ثم أقبل إلى الطعام بالطريقة ذاتها، ألتقط نثاره، و أتعقب بقاياه، أينما كانت على أصابعي أو داخل طبقي أو ما تساقط منه حولي.. أحفل بذلك كله و أنا أتمتع بنعيم العطاء، كما كنت أحفل به أيام الجوع و البأساء..
و يقول منطق الشكر و الوفاء: من حمد الله على نعمته في السراء وقاه الله بذلك من الضراء.
إذن فحديث مسلم عن جابر الذي يأمر فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بلعق الأصابع ومسح الطبق من بقايا الطعام، دعوة إلى الشكر و الوفاء و تحذير من اللؤم و الاستكبار.
و أشهد أنه لا يشمئز من هذا الحديث و يتسامى على إتباعه، إلا من يشمئز من الشكر والوفاء، و يجنح إلى اللؤم و الكبرياء.
تلك هي المعذرة الثانية التي تُصطنع اليوم لإبعاد السنة عن مجال الحجية بها، و للتفريق الذي حذر القرآن منه بين الله و رسوله.. فهل هناك من معذرة أخرى؟
ربما كانت معذرتهم الأخرى، أن في أحاديث رسول الله و تصرفاته، ما يبدو لكل متأمل و ناظر أنه لا ينطلق إليها من قرار ديني بعث به، و لكنه يمارسها كأي منا بحكم بشريته و إنسانيته، و بحكم تعامله مع الدنيا كسائر الناس الآخرين.
و نقول في الجواب عن هذا: مع يقيننا بأن سنة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) مصدر من مصادر الشريعة الإسلامية فعلاً، بنص من كلام الله سبحانه و تعالى، و بقرار من القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، نقول: هل كل تصرفات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تعد سنة نافذة، و من ثم فهي مصدر ثان من مصادر الشريعة الإسلامية؟
لا .. هناك تصرفات داخلة في الأعمال الجبلية، التي تصدر من المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بوصف كونه بشراً من الناس، يأكل كما يأكلون، يشرب كما يشربون، ينعس فينام، يتعب فيستريح، يتصرف التصرفات الجبلية التي يتعرض لها الناس بحكم بشريتهم، يناقش في أمر الأطعمة و تحضيرها مثلاً، أو الآبار وحفرها، أو التكتيكات العسكرية و اختيار أجداها.
هذه الأمور لا تدخل في نطاق السنة، التي هي مصدر من مصادر التشريع، أي الحرام و الواجب و الحلال و المكروه و نحو ذلك.
من المعلوم أن أمهات الكتب التي تعنى بأصول الفقه تحفل ببيان هذا الأمر و تفصيل القول فيه. و من خير من كتب فيه الإمام الشاطبي في كتابه “الموافقات”.
حتى الأقوال و الأفعال التي تدخل في معنى السنة، التي هي المصدر الثاني للتشريع، إنما تأخذ حجيتها من إقرار القرآن لرسول الله عليها ببيان مؤكد، أو بسكوت ينبئ عن الإقرار بها و عدم المعارضة لها. فمصدر انقيادنا لهذه السنة يقيننا بأنه رسول من عند الله، فهو لا يأمرنا أو ينهانا إلا بالذي يأمرنا به أو ينهانا عنه الله.. و عندما يخطّئ الله رسوله في أمر ما، فإننا في كل الأحوال إنما نتلقى تعاليمنا من عند رسول الله.. و كل ما يخبرنا به أو يجتهد فيه من أمور الدين، فهو بالنسبة إلينا حق يجب الانقياد له و الأخذ به، و عندما يأتيه تصحيح من عند الله، فإنما نأخذه نحن من عند رسول الله لأنه هو واسطتنا في الانقياد لأوامر الله.. و هذا هو معنى قول الله تعالى ( و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )[النساء : 64].
إذن فحيثما أقر القرآن تصرف المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بسكوت أو بتأكيد فقد ترسخت حجية السنة التي نطق بها أو فعلها رسول الله و تأكد وجوب انقيادنا له. و حيثما استدرك القرآن على شيء قاله المصطفى (صلى الله عليه وسلم)،أو على أمر اجتهادي اجتهده النبي فالحجة تستقر بما قد نطق به كتاب الله سبحانه و تعالى، و لكن عن طريق خبر رسول الله و بيانه. و لعل هؤلاء الذين يقولون: القرآن يغني عن السنة، لم يدرسوا هذه القواعد و الأحكام العلمية عن السنة و لو يدركوا حقيقتها و أبعادها.
و إذن فنحن في كلا الاحتمالين المتوقعين لنتيجة اجتهاده مكلفون بأتباعه وطاعته.
فمثلاً، جاءت زوجة أوس بن الصامت إلى رسول الله تشكو إليه أن زوجها قال لها: أنت مني كظهر أمي، و أخذت تسأله عن معنى هذا الكلام، فقال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه، قاله اجتهاداً من عنده.. أي الذي أراه أن هذا كناية طلاق، لذا فينبغي أن تكوني قد حرمت عليه.. و يبدو أنها أدركت أنه قال ذلك اجتهاداً لا عن وحي، فناقشته قائلة: لعله لم يرد طلاقاً، و لكنه (صلى الله عليه وسلم) عاد فقال لها: ما أراك إلا حرمت عليه، فقالت له يا رسول الله: إن لي منه صبية إن ضممتهم إلي جاعوا، و إن تركتهم إليه ضاعوا، و لكنه عاد فقال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه!.. فقامت تقول: أشكو إلى الله أمري!..
و سرعان ما نزل على رسول الله قوله تعالى: ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي إلى الله و الله يسمع تحاوركما ) [المجادلة : 1]. إلى أن قال تعالى : ( و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) [المجادلة : 3] إلى آخر الآيات . فأوضحت الآيات أن كلام أوس ليس طلاقاً، كما قد اجتهد رسول الله، و إنما هو ظهار، و من ثم فبوسعه أن يعود إلى زوجته بعد الكفارة التي يجب عليه أن ينفذها. فأرسل النبي وراء زوجة أوس بن الصامت، و تلا عليها الآيات التي أنزلها الله سبحانه و تعالى عليه، وبين لها الحكم الذي أوحى به إليه الله عز و جل..
والمهم أن نعلم بأن امرأة أوس إنما تلقت الحكم الذي يجب عليها أن تأخذ نفسها به ، في كلا الحالتين من رسول الله (ص). فعندما اجتهد في الحالة الأولى و أنبأها بأنها قد حرمت عليه، كان واجباً عليها الانقياد لبيانه و طاعته في حكمه لأن الله قد أمرها و المسلمين جميعاً بطاعة رسول الله. و عندما تنزل عليه التصحيح و أنبأها به، وجب عليها أن تطيعه (صلى الله عليه وسلم) وتنقاد لبيانه الثاني هذا. و هذا هو معنى قولنا: إن الله يملك أن يصحح اجتهاد رسول الله و أن يدله على ما هو الحق في علمه، و لكن أحداً من غير الله لا يملك أن يخطئه في اجتهاده و يعصيه في ذلك بهذه الحجة.
و بعد فتلك هي حجج هؤلاء الذين يطرحون هذه المقولة و ينشرونها و يذيعونها، و ربما ألفوا فيها الكتب، و كتبوا فيها المقالات، و نشروا الدوريات، و عادوا و كرروا بإلحاح أن القرآن يغني، في هذا العصر، عن السنة. و قد تبين لنا أنها أعذار وهمية، لا ظل لها من الدلالة العلمية و البرهان المنطقي.
إذن، فلا بد أن نصنفها في قائمة الأغلوطات.
و قد آن لنا الآن، و قد تبين لنا بطلانها في ميزان الدراية العلمية و المنطقية أن نلفت النظر إلى بعض الخطط الخارجية المرسومة لإقصاء هذه الأمة عن إسلامها من حيث لا تشعر، و إلى أن الدعوة إلى نبذ السنة ليست إلا استجابة لأوامر صادرة من أصحاب تلك الخطط.
وليم كليفورد مدير معهد علم الإجرام في استراليا، أوفدته هيئة الأمم المتحدة ممثلاً لها لحضور سلسلة مؤتمرات “المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة” و المنبثقة عن جامعة الدول العربية، بصفة مراقب، كان ذلك في أواخر السبعينات.
عاد كليفورد هذا بانطباعات و اقتراحات ضمنها تقريراً مطولاً، أودعه بعض أروقة الأمم المتحدة، ثم قدمه إلى دوائر أميركية خاصة تعنى بأحوال الشرق الأوسط.
و قد شاء الله أن يصل هذا التقرير المطول إلي.. و قد كتبت عنه دراسة مفصلة في كتابي “على طريق العودة إلى الإسلام” و ها أنا ألفت النظر هنا إلى أهم النقاط التي فيه.
أولاً: يقرن الكاتب بين ما يسميه “حركة انبعاث إسلامية قوية تغذيها ولية مضادة للاستعمار و بين ما يراه انهياراً بصورة ملحوظة لتلك الهيبة التي كانت تنبع سابقاً من اقتباس النماذج المثلي من المجتمعات الحضارية الغربية التي هي أكثر تفوقاً من الناحية الفنية و الأكثر تقدماً و غنى”.
ثانياً: يحمل الكاتب الغرب من خلال هذه المقارنة مسؤولية النتائج التي قد تنجم من ذلك الانبعاث الإسلامي الحثيث الذي بات ينذر بتجاوز الحدود التقليدية للممارسات الإسلامية، حيث يبرز على أنه نوع من السعي الحثيث إلى استعادة تحقيق الذات.
ثالثاً: يتوقع كاتب التقرير، بقدر كبير من الخوف و القلق أن يحقق هذا الانبعاث النجاح المطلوب في المرافق الاجتماعية و السياسية، بحيث يتسبب عن هذا النجاح ما يضاعف حماس الشعوب الإسلامية في دعم انبعاثها الإسلامي و استعادة نظمه و أحكامه.. لذا فالمتوقع من النجاح الدنيوي و الحماس الديني أن ينفخ أحدهما القوة في الآخر، على حد تعبيره.
رابعاً: يربط الكاتب مخاوفه هذه بالقوة المادية الأولى التي يتمتع بها الشرق العربي، ألا و هي النفط.. و يكرر بشدة أن حركة انبعاث إسلامية جادة، تدعمها الطاقة المادية التي يتمتع بها أصحاب ينابيع النفط، كفيلة بقلب موازين الحضارة كلها، و القضاء على ما تبقى للغرب من هيبة و نفوذ، على حد تعبيره.
خامساً: يؤكد الكاتب أهمية القضاء على هاتين القوتين: المادية و الدينية، و يوصي باتباع السبل الكفيلة بوضع الغرب يده على ينابيع النفط!..
و فيما يتعلق بالخوف من الرجوع إلى ينابيع الشريعة الإسلامية يوصي بالعمل على ما يلي:
أولاً: فصل القرآن عن السنة و إقناع المسلمين بأن ما يسمى سنة ليس إلا اجتهادات شخصية من النبي عليه الصلاة و السلام.
ثانياً: إخضاع القرآن للاجتهادات و التأويلات المفتوحة و الكفيلة بمسايرة الإسلام للحضارة الغربية و اندماجها في سياسة الغرب.
هذا تلخيص لتقرير مطول يبلغ 30 صفحة، و أعتقد أن بوسع كل مثقف أن يلاحظ كيف طبق الشطر الأول من توصية ” كليفورد ” ذلك الشطر الداعي إلى بسط الغرب سلطانه على ينابيع النفط، كأدق ما يكون التطبيق. كما أن بوسع أي مثقف أن يلاحظ أنشطة الجنود المكلفين بتنفيذ الشطر الثاني منها، و الداعي إلى فصل القرآن عن السنة و تسليط الاجتهادات الكيفية على القرآن..
فالدعوة إلى نبذ السنة و الاكتفاء بالقرآن ناشطة في كل البلاد العربية، و ما وراءها من الأقطار الإسلامية، الأسلوب واحد و المبررات واحدة..
و القصد من هذه الخطة إخراج القرآن من حصنه الذي يحرسه و يحميه ألا و هو السنة، حتى إذا تهاوت من حوله رقابة السنة و ضوابطها، و ظهر القرآن أمام جمهرة العابثين به في العراء، سهل عليهم أن يفرغوه مما لا يريدون و أن يملؤوه بعد ذلك بما يريدون، و أن يجعلوا أخيراً من القرآن مخلاة لما توحي به الدوائر الغربية من الأفكار و الفلسفات التي تضمن بقاء هيمنة الغرب على هذا الشرق الإسلامي، و تقضي على الأخطار التي يحذر منها ( بهلع شديد) وليم كليفورد.
و انظروا كيف تسير الدعوة المهتاجة إلى نبذ السنة جنباً إلى جنب مع الدعوة إلى ما يسمى ب “القراءة المعاصرة” ..
أجل، القراءة المعاصرة هي البديل الذي ينبغي أن تحل محل السنة!.. أن يشرح رسول الله القرآن الذي تنزل عليه، لا، ليس هذا من حقه!.. أما أن يحل محله من يصرون اليوم على أن يخضعوه من خلال القراءة المعاصرة، لما يشتهون و يهوون و لما يمليه عليهم منفذو توصيات وليم كليفورد، فذلك حق ثابت لهم!!..
و ما هي “القراءة المعاصرة”.
هي البديل المقترح عن قواعد تفسير النصوص التي تخضع لها اللغة العربية منذ عمر هذه اللغة إلى يومنا هذا، و التي يتم التخاطب على أساسها بين المتحاورين، مثل قاعدة: الأصل في الكلام الحقيقة، و لا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، و قاعدة اللفظ العام يجري على عمومه، و قاعدة العام يجري على عمومه، و قاعدة اللفظ المطلق يحمل على الفرد الكامل، يحمل المطلق على المقيد و ليس العكس، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.. الخ.
و العجيب الذي يفضح هذه الخطة من مصدرها المرسوم إلى عملائها المنفذين، أن هذه “القراءة المعاصرة” لا تستدعى لتسلط على النصوص القانونية، و لا على النصوص الفلسفية، ولا على نصوص التاريخ، و لا على الأدب الجاهلي و لا القصة القديمة.. و إنما يلاحق بها القرآن حصراً.. فمن هو ذاك الغبي الذي يجهل معنى هذه الدعوة و ما وراءها؟..
وبوسعك أن تجد هذه الشنشنة بالطابع ذاته أينما حللت و اتجهت من البلاد الإسلامية العربية و غيرها.
في تركيا دعوة ملحة إلى إخضاع القرآن للقراءة المعاصرة.
في مصر.. في الباكستان، في البلاد الإسلامية من جنوب شرق أسيا، و إنك لتنظر فتجد المعزوفة هي هي، و اللحن هنا وهناك هو هو ..
ولا بد أن نستجيب للعقل فنلاحق دعاة القراءة المعاصرة بالسؤال التالي: إن كان مبدأ القراءة المعاصرة هو الحق في دراسة القرآن و فهمه، و القواعد العربية التي كان التخاطب يتم بها مع العرب الذين تنزل القرآن بينهم و في عصرهم، باطلة و غير صحيحة، فلماذا لا تطبق القراءة المعاصرة هذه على كل الكلام العربي الذي وجد في عصر نزول القرآن أو من قبله أو من بعده؟ و لماذا لا يتم تحريره هو الآخر من ربقة تلك القواعد العربية المعتمدة في أصول التخاطب؟!.. لماذا لا يخضعون مراجع الفلسفة القديمة للقراءة المعاصرة.؟ لماذا لا يخضعون الأدب الجاهلي و المعلقات العشر، كمعلقة امرئ القيس و غيرها للقراءة المعاصرة؟!..
لماذا القرآن وحده، دون غيره من هذه الكتب القديمة كلها، هو الذي يراد بإلحاح إخضاعها للقراءة المعاصرة؟!..
الجواب الواضح هو أنه لا مصلحة لدى أصحاب هذه الدعوة و ملقنيهم بالتلاعب بشعر امرئ القيس أو النابغة الذبياني أو التاريخ أو الأدب أو غيرها.. إذ الهدف المطلوب هو تغيير الإسلام و تبديد مبادئه و أحكامه و بتر صلة ما بينه و بين المسلمين الذين يأبون إلا انقياداً لأوامره و أحكامه، كما ألح على ذلك وليم كليفورد في نهاية تقريره.. و إنما يتم هذا الهدف بتسليط القراءة المعاصرة على القرآن ، لا على كتب التاريخ و الأدب و نحوها.
غير أن سلطان القراءة المعاصرة لا يمكن أن يهيمن على القرآن، ما دامت السنة النبوية تحرسه و تحمي معانيه و أحكامه. لذا فقد كان لا بد من إقصاء السنة و القضاء عليها أولاً.
أخيراً أذكركم بالوصية التي أوصى بها الزعيم الشيوعي الإيطالي ( تولياني ) قبل موته عام 1963 فلقد كان من وصيته أن لا يحارب الإسلام من خارج سلطانه و دائرته، لأن ذلك يثير ردود فعل كثيرة عند المسلمين، و إنما النهج الأمثل هو التسرب إلى داخل الإسلام، و القضاء عليه من داخله، باسم الاهتمام به و تجديده و الغيرة عليه.
غبي جداً من يتصور– بعد هذا – أن هؤلاء الذين يسعون اليوم إلى القضاء على الإسلام من داخله، أنصار و جنود له.. و لكن الأغبى منه من يسعى هذا السعي للعبث بالإسلام و القضاء عليه، و هو يظن أن في المسلمين الصادقين في إسلامهم من ينطلي عليه خداعه و يؤخذ بألاعيبه و دجله..

المصدر:مقتبس من كتاب يغالطونك إذ يقولون؟!! بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

http://www.55a.net/firas/arabic/inde…select_page=17

سنبدأ بذكر الأدلة الواردة في القرآن على وجوب اتباع السنة قبل أن نفند شبهات القرآنيين لا حقا ..

الدليل الأول :

قال تعالى { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم }
ففي هذه الآية الكريمة نص صريح أن النبي صلى الله عليه وسلم انزل عليه القرآن وكلف بوظيفة البيان لهذا القرآن،
يقول الشيخ الألباني :
وقد يستغرب البعض حين نقول: إنه لا يستطيع أحد أن ينفرد أو أن يستقل بفهم القرآن، ولو كان أعرب العرب، وأفهمهم، وألسنهم، وأكثرهم بيانا، ومن يكون أعرب وأفهم للغة العربية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، الذين انزل القرآن بلغتهم؟
ومع ذلك فقد أشكلت عليهم بعض الآيات فتوجهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عنها.
من ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في ” صحيحه ” والإمام أحمد في ” مسنده ” عن عبدا لله بن مسعود رضي الله عنه؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا على أصحابه قوله تبارك وتعالى { والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وأولئك هم المهتدون } شقت هذه الآية على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! وآينا لم يظلم؟
وآينا لم يظلم: يعنون بذلك، أنهم فهموا الظلم في هذه الآية الكريمة أنها تعني أي ظلم كان سواء كان ظلم العبد لنفسه، أوكأن ظلم العبد
لصاحبه، أو لأهله أو نحو ذلك، فبين لهم صلى الله عليه وسلم أن الأمر ليس كما تبادر لأذهانهم، وأن الظلم هنا: إنما هو الظلم الأكبر، وهو الإشراك بالله عز وجل. وذكرهم بقول العبد الصالح لقمان (إذ قال لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ).
فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم العرب الأقحاح أشكل عليهم هذا اللفظ من هذه الآية الكريمة، ولم يزل الإشكال عنهم إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذا هو الذي أشار إليه الله عز وجل في الآية السابقة (وأنزلنا إليك الذكر لتبتن للناس ما نزل إليهم ) ولذلك فيجب أن يستقر في أذهاننا، وأن نعتقد في عقائدنا أنه لا مجال لأحد أن يستقل بفهم القرآن دون الإستعانة بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام.
فلا جرم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( تركت فيكم أمرين أو شيئين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنتي ” وفي رواية ” وعترتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض )[سلسلة الاحاديت الصحيحة (4/ 330)] تركت فيكم أمرين ليس أمرا واحدا، وحيين ليس وحيا واحدا، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي.
ومفهوم هذا الحديث: أن كل طائفة تمسكوا بأحد الأمرين، فإنما هم ضالون، خارجون عن الكتاب والسنة معا، فالذي يتمسك بالقرآن فقط دون السنة شأنه شأن من يتمسك بالسنة فقط دون القرآن، كلاهما على ضلال مبين، والهدى والنور أن يتمسك بالنورين، بكتاب الله تبارك وتعالى، وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد بشرنا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الصحيح، أننا لن نضل أبدأ ما تمسكنا بكتاب ربنا، وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم .

الدليل الثاني :

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) النساء: 59
أمر الله سبحانه بطاعة : ( الله تعالى / ورسوله / و أولي الأمر من المسلمين )
بينما أمر برد النزاع إلى ( الله تعالى / و رسوله ) فقط
و في ذلك دليل قاطع أن أوامر الرسول ليست إلا شرعا ملزما يجب الرجوع إليها عند التنازع ، و أنها تستوي مع أوامر الله في الحكم ، بعكس أوامر ولاة الأمر التي لا يؤخذ منها حكما شرعيا يحكم التنازع .

الدليل الثالث :
قوله تعالى (( من يطع الرسول فقد أطاع الله )) النساء: 80 ،
فدل ذلك أن أوامر الرسول ليست إلا وحيا من الله ، لأن طاعة الرسول تعني طاعة الله .

الدليل الرابع :
( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) الحشر: 7
و الأمر صريح بالانتهاء عما نهى الرسول عنه .

الدليل الخامس :
( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ) النور: 56
فالآية أوضحت أن الأمر بطاعة الرسول يستوي مع الأمر بالصلاة والزكاة و هو سبيل نيل رحمة الله

الدليل السادس :
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) النساء: 75
و الخطاب في الآية موجه للرسول ، و في الآية نفى الله الإيمان عمن يرفض التحاكم إلى الرسول .

الدليل السابع :
وقوله سبحانه : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) الأحزاب: 86 .
و هنا أوضحت الآية أن ما يقضيه الرسول من أمور هي ملزمة لأي مؤمن أو مؤمنة .

الدليل الثامن :
( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) النور
و هذا تحذير مباشر من مخالفة أمر الرسول .

هذه أبرز الأدلة من القرآن على وجوب اتباع السنة

 

 

اقتباس من مقال للشيخ عبدالله بن بيه

القرآن والسنة من مشكاة واحدة هي مشكاة النبوة ?مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ?
اختلفتْ أنظارُ العلماءِ في التعامل مع خبر الآحاد إذا خالفَ القواعدَ أوِ القياسَ أو عملَ أهل المدينة إلى آخر ما يعلمه فضيلتكم في المباحث الأصولية. وعندما دوَّن الشافعي أصولَ الفقه ووضعَ اللبناتِ الأولى لقواعد الاستنباط وترتيبِ الأدلة ؛ جعلَ القرآنَ والسنَّةَ في مرتبةٍ واحدةٍ ؛ مستدلاً بالآيات التي جعلتْ طاعةَ رسولِ اللهِ r طاعةً للهِ، إلا أنَّه أشارَ إلى أن السنة مبيِّنةٌ للقرآن،

وفي رأيي أنَّ نصوصَ القرآنِ والسُّنة تتضامنُ وتتكاملُ، وأنَّ كلياتِ القرآنِ هي نفسُها الكلياتُ التي أكدَّتْ عليها السُّنة وزادتها بياناً، ? ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً? فكلُّ ذلك مِن عندِ الله إلاَّ أنَّ بعضَ الكلياتِ يعتريهِ التخصيصُ، وأحياناً تظهر فروعٌ تتجاذبها كلياتُ فتترجَّح بينها وبعض الكليات الأخرى لا يعتريه تخصيصٌ . وقد أشار الشاطبي إلى ذلك في العام حيث يقول: :”المسألة السابعة”: العمومات إذا اتَّحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكرَّرت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص؛ فهي مُجراة على عمومها على كل حال، وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل.
والدليل على ذلك الاستقراءُ؛ فإنَّ الشريعةَ قرَّرتْ أنْ لا حرجَ علينا في الدين في مواضعَ كثيرة، ولم تستثنِ منهُ موضعاً ولا حالاً، فعدَّه علماءُ الملَّة أصلاً مطِّرداً وعموماً مرجوعاً إليه ؛ من غير استثناء، ولا طلبِ مخصِّص، ولا احتشام من إلزام الحكم به، ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام.

=======

اقتباس من كتاب الرسالة للشافعي عن القرآن وتبيان السنة

باب البيان الاول (73) قال الله تبارك وتعالى في المتمتع * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) * (74) فكان بينا عند خوطب بهذه الآية أن صوم الثلاثة في الحج والسبع في المرجع عشرة أيام كاملة (75) قال الله * (تلك عشرة كاملة) * فاحتملت أن تكون زيادة في التبيين واحتملت أن يكون أعلمهم أن ثلاثة إذا جمعت إلى سبع كانت عشرة كاملة
——————————————————————————–
[ 27 ]
(76) وقال الله * (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة) * (77) فكان بينا عند من خوطب بهذه الآية أن ثلاثين وعشرا أربعون ليلة (78) وقوله * (أربعين ليلة) * يحتمل ما احتملت الآية قبلها من أن تكون إذا جمعت ثلاثون إلى عشر كانت أربعين وأن تكون زيادة في التبيين (79) وقال الله * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * (80) وقال * (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * (81) فافترض عليهم الصوم ثم بين أنه شهر والشهر
——————————————————————————–
[ 28 ]
ما بين الهلالين وقد يكون ثلاثين وتسعا وعشرين (82) فكانت الدلالة في هذا كالدلالة في الآيتين وكان في الآيتين قبله في بن جماعة زيادة تبين جماع العدد (83) واشبه الامور بزيادة تبيين جملة العدد في السبع والثلاث وفي الثلاثين والعشر أن تكون زيادة في التبيين لانهم لم يزالوا يعرفون هذين العددين وجماعة كما لم يزالوا يعرفون شهر رمضان باب البيان الثاني (84) قال الله تبارك وتعالى * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا) * (85) وقال * (ولا جنبا إلا عابري سبيل) *
——————————————————————————–
[ 29 ]
(86) فأتى كتاب الله على البيان في الوضوء دون الاستنجاء بالحجارة وفي الغسل من الجنابة (87) ثم كان أقل غسل الوجه والاعضاء مرة مرة واحتمل ما هو أكثر منها فبين رسول الله الوضوء مرة وتوضأ ثلاثا ودل على أن أقل غسل الاعضاء يجزئ وان أقل عدد الغسل واحدة وإذا أجزأت واحدة فالثلاث اختيار (88) ودلت السنة على أنه يجزئ في الاستنجاء ثلاثة أحجار ودل النبي على ما يكون منه الوضوء وما يكون منه الغسل ودل على أن الكعبين والمرفقين مما يغسل لان الآية تحتمل أن يكونا حدين للغسل وان يكونا داخلين في الغسل ولما قال رسول الله ويل للاعقاب من النار دل على انه غسل لا مسح (89) قال الله * (ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث
——————————————————————————–
[ 30 ]
فان كان له أخوة فلامه السدس) * (90) وقال * (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم) * (91) فاستغنى بالتنزيل في هذا عن خبر غيره ثم كان لله فيه شرط أن يكون بعد الوصية والدين فدل الخبر على ان لا يجاوز بالوصية الثلث
——————————————————————————–
[ 31 ]
باب البيان الثالث (92) قال الله تبارك وتعالى * (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) * (93) وقال * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (94) وقال * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (95) ثم بين على لسان رسوله عدد ما فرض من الصلوات ومواقيتها وسننها وعدد الزكاة ومواقيتها وكيف عمل الحج والعمرة وحيث يزول هذا ويثبت وتختلف سننه وتتفق ولهذا أشباه كثيرة في القرآن والسنة
——————————————————————————–
[ 32 ]
باب البيان الرابع (96) قال الشافعي كل ما سن رسول الله مما ليس فيه كتاب وفيما كتبنا في كتابنا من ذكر ما من الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة دليل على ان الحكمة سنة رسول الله (97) مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله وبين من موضعه الذي وضعه الله به من دينه الدليل على ان البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه (98) منها ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره (99) ومنها ما أتى على غاية البيان في فرضه وافترض طاعة رسوله فبين رسول الله عن الله كيف فرضه وعلى من فرضه ومتى يزول بعضه ويثبت ويجب
——————————————————————————–
[ 33 ]
(100) ومنها ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب (101) وكل شئ منها بيان في الكتاب الله (102) فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه قبل عن رسول الله سنتة بفرض الله طاعة رسول له على خلقه وأن ينتهوا إلى حكمه ومن قبل عن رسول الله فمن الله قبل لما افترض الله من طاعته (103) فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله وان تفرقت فروع الاسباب التي قبل بها عنهما كما أحل وحرم وفرض وحد بأسباب متفرقة كما شاء جل ثناؤه لا يسئل عما يفعل وهم يسألون
——————————————————————————–
[ 34 ]
باب البيان الخامس (104) قال الله تبارك وتعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (105) فرض عليهم حيث ما كانوا أن يولوا وجوههم شطره وشطره جهته في كلام العرب إذا قلت أقصد شطر كذا معروف أنك تقول اقصد فصد عين كذا يعني قصد نفس كذا وكذلك تلقاءه جهته أي أستقبل تلقاءه وجهته وإن كلها معنى واحد وان كانت وان كانت بألفاظ مختلفة

================================================== ======
بيان فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه (236) قال الشافعي وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه انه جعله علما لدينه بما افترض من طاعته وحرم من معصيته وأبان من فضيلته بما قرن من الايمان برسوله مع الايمان به (237) فقال تبارك وتعالى * (فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ان يكون له ولد) *
——————————————————————————–
[ 75 ]
238 – وقال * (إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) * 239 فجعل كما ابتداء الايمان الذي ما سواه تبع له الايمان بالله ورسوله 240 فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله لم يقع عليه اسم كمال الايمان أبدا حتى يؤمن برسوله معه (241) وهكذا سن رسوله في كل من امتحنه للايمان 242 أخبرنا مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم قال ” أتيت رسول الله بجارية فقلت يا رسول على رقبة أفأعتقها فقال لها رسول الله أين الله فقالت في السماء فقال ومن أنا قالت أنت رسول الله قال فأعتقها
——————————————————————————–
[ 76 ]
243 قال الشافعي ” معاوية بن الحكم ” وكذلك رواه غير مالك وأظن مالك لم يحفظ اسمه (244) قال الشافعي ففرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله (245) فقال في كتابه * (ربنا ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) * 46 (2) وقال جل ثناؤه * (كما أرسلنا فيكم رسول منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) *
——————————————————————————–
[ 77 ]
(247) وقال * (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) * (248) وقال جل ثناؤه * (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) * (249) وقال * (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) * (250) وقال * (وانزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) * (251) وقال * (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات
——————————————————————————–
[ 78 ]
الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) * (252) فذكر الله الكتاب وهو القرآن وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول الحكمة سنة رسول الله (253) وهذا يشبه ما قال والله أعلم 254 – لان القرآن ذكر وأتبعته الحكمة وذكر الله منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة فلم يجز الله والله اعلم أن يقال الحكمة ها هنا إلا سنة رسول الله (255) وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله وأن الله افترض طاعة رسوله وحتم على الناس اتباع امره فلا يجوز أن يقال لقوله فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله (256) صلى الله عليه وسلم لما وصفنا من أن الله جعل الايمان برسوله مقرونا بالايمان به
——————————————————————————–
[ 79 ]
(257) وسنة رسول الله مبينة عن الله معنى ما أراد دليلا على خاصة وعامة ثم قرن الحكمة بها بكتابه فاتبعها إياه ولم يجعل هذا لاحد من خلقه غير رسوله باب فرض الله طاعة رسول الله مقرونة بطاعة الله ومذكورة وحدها (258) قال الله * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (259) وقال * (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) * (260) فقال بعض أهل العلم اولوا الامر أمراء سرايا رسول الله والله أعلم وهكذا أخبرنا
——————————————————————————–
[ 80 ]
(261) وهو يشبه ما قال والله أعلم لن كل من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف غمارة وكانت تأنف ان يعطي بعضها بعضا طاعة الامارة (262) رضي الله تعالى عنهما فلما دانت لرسول الله بالطاعة لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله (263) فأمر ان أطيعوا أولي الامر الذين أمرهم رسول الله لا طاعة مطلقة بل طاعة مستثناة فيما لهم وعليهم فقال * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله) * يعني إن اختلفتم في شئ (264) وهذا إن شاء الله كما قال في أولي الامر إلا انه يقول * (فإن تنازعتم) * يعني والله أعلم هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم * (فردوه إلى الله والرسول) * يعني والله اعلم إلى مال قال الله
——————————————————————————–
[ 81 ]
والرسول إن عرفتموه فإن لم تعرفوه سألتم الرسول عنه إذا وصلتم أو من وصل منكم إليه (265) لان ذلك الفرض الذي لا منازعة لكم فيه لقول الله * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) * (266) ومن يتنازع ممن بعد رسول الله رد الامر إلى قضاء الله ثم قضاء رسوله فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا فيهما ولا في واحد منهما ردوه قياسا على أحدهما كما وصفت من ذكر القبلة والعدل والمثل مع ما قال الله في غير أية مثل هذا المعنى (267) وقال * (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) *
——————————————————————————–
[ 82 ]
(268) وقال * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله) * باب ما أمر الله من طاعة رسول الله (269) قال الله جل ثناؤه: (غن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) (270) وقال: (ومن يطع الرسول فقد اطاع الله) (271) فاعلمهم أن بيعتهم رسوله بيعته وكذلك أعلمهم أن طاعتهم طاعته (272) وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)
——————————————————————————–
[ 83 ]
(273) نزلت هذه الآية فيما بلغنا والله أعلم في رجل خاصم الزبير في أرض فقضى النبي بها للزبير (274) وهذا القضاء سنة من رسول الله لا حكم منصوص في القرآن (275) والقرآن يدل والله أعلم على ما وصفت لانه لو كان قضاء بالقرآن كان حكما منصوصا بكتاب الله وأشبه أن يكونوا إذا لم يسلموا لحكم كتاب الله نصا غير مشكل الامر انهم ليسوا بمؤمنين إذا ردوا حكم التنزيل إذا لم يسلموا له (276) وقال تبارك وتعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا
——————————————————————————–
[ 84 ]
فليحذر الذين يخالفون عن أمره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (277) وقال: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون ان يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا وأطعنا واولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) (278) فأعلم الله الناس في هذه الآية ان دعاءهم إلى رسول الله ليحكم بينهم دعاء إلى حكم الله لان الحاكم بينهم رسول الله وإذا سلموا لحكم رسول الله فإنما سلموا لحكمه بفرض الله (279) وانه أعلمهم ان حكمه حكمه على معنى افتراضه حكمه وما سبق في علمه جل ثناؤه من إسعاده بعصمته وتوفيقه وما شهد له به من هدايته واتباعه أمره
——————————————————————————–
[ 85 ]
(280) فاحكم فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله وإعلامهم أنها طاعته (281) فجمع لهم أن أعلمهم أن الفرض عليهم اتباع امره وأمر رسوله وأن طاعة رسوله طاعته ثم أعلمهم أنه فرض على رسوله اتباع أمره جل ثناؤه باب ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحي إليه وما شهد له به من اتباع ما أمر به ومن هداه وأنه هاد لمن اتبعه (282) قال الشافعي قال الله جل ثناؤه لنبيه (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا) (283) الله عز وجلوقال * (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين)
——————————————————————————–
[ 86 ]
(284) وقال: (ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) (285) فأعلم الله رسوله منه عليه بما سبق في علمه من عصمته إياه من خلقه فقال: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (286) وشهد له جل ثناؤه باستمساكه بما امره به والهدى في نفسه وهداية من اتبعه فقال: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) (287) وقال: (لو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ
——————————————————————————–
[ 87 ]
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) (289) فأبان الله أن قد فرض على نبيه اتباع امره وشهد له بالبلاغ عنه وشهد به لنفسه ونحن نشهد له به تقربا إلى الله بالايمان به وتوسلا إليه بتصديق كلماته (289) أخبرنا عبد العزيز عن عمرو بن أب يعمرو مولى المطلب عن المطلب بن حنطب ان رسول الله قال ” ما تركت شيئا مما امركم الله به إلا وقد امرتكم به ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه ” (290) قال الشافعي وما أعلمنا الله مما سبق في علمه وحتم قضائه الذي لا يرد من فضله عليه ونعمته انه منعه من ان يهموا به ان يضلوه وأعلمه انهم لا يضرونه من شئ
——————————————————————————–
[ 88 ]
291 – وفي شهادته بأنه يهدي إلى صراط مستقيم صراط الله والشهادة بتأديبه رسالته واتباع أمره وفيما وصفت مت فرضه طاعته وتأكيده إياه في الآي ذكرت ما اقدم الله به الحجة على خلقه بالتسليم لحكم رسول الله واتباع أمره (292) قال الشافعي وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم فبحكم الله سنة وكذلك أخبرنا الله في قوله (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله) (293) وقد سن رسول الله مع كتاب الله وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب (294) وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه وجعل في اتباعه طاعته وفي العنود عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقا
——————————————————————————–
[ 89 ]
ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجا لما وصفت وما قال رسول الله (295) أخبرنا سفيان عن سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله سمع عبيد الله بن أبي رافع يحدث عن أبيه أن رسول الله قال ” لا الفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ”
——————————————————————————–
[ 90 ]
(296) قال سفيان وحدثنيه محمد بن المنكدر عن النبي مرسلا
——————————————————————————–
[ 91 ]
(297) قال الشافعي الاريكة السرير (298) وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان أحدهما نص كتاب فاتبعه رسول الله كما انزل الله والآخر جملة بين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة وأوضح كيف فرضها عاما أو خاصا وكيف أراد ان يأتي به العباد وكلاهما اتبع فيه كتاب الله (299) قال فلم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه فاجتمعوا منها على وجهين (300) والوجهان يجتمعان ويتفرعان أحدهما ما أنزل الله
——————————————————————————–
[ 92 ]
فيه نص كتاب فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب والآخر مما أنزل الله فيه جملة كتاب فبين عن الله معنى ما أراد وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما (301) والوجه الثالث ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب (302) فمنهم من قال جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب (303) ومنهم من قال لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع لان الله قال: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقال: (وأحل الله البيع وحرم الربا) فما أحل وحرم فإنما بين فيه عن الله كما بين الصلاة (204) ومنهم من قال بل جاءته به رسالة الله فأثبتت سنته بفرض الله
——————————————————————————–
[ 93 ]
(305) ومنهم من قال ألقي في روعه كل ما سن وسنته الحكمة الذي القي في روعه عن الله فكان ما ألقي في روعه سنته (306) أخبرنا عبد العزيز عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب قال قال رسول الله ” إن الروح الامين قد ألقي في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فاجملوا في الطلب ”
——————————————————————————–
[ 103 ]
(307) فكان مما ألقي في روعه سنته وهي الحكمة التي ذكر الله وما أنزل به عليه كتاب فهو كتاب الله وكل جاءه من نعم الله كما أراد الله وكما جاءته النعم تجمعها النعمة وتتفرق بأنها في أمرو بعضها غير بعض ونسأل الله العصمة والتوفيق
——————————————————————————–
[ 104 ]
(308) وأي هذا كان فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله ولم يجعل لاحد من خلقه عذرا بخلاف أمر عرفه من أمر رسول الله وان قد جعل الله بالناس الحاجة إليه في دينهم وأقام عليهم حجته بما دلهم عليه من سنن رسول الله معاني ما أراد الله بفرائضه في كتابه ليعلم من عرف منها ما وصفنا أن سنته صلى الله عليه إذا كانت سنة مبينة عن الله معنى ما أراد من مفروضه فيما فيه كتاب يتلونه وفيما ليس فيه نص كتاب أخرى فهي كذلك أين كانت لا يختلف حكم الله ثم حكم
——————————————————————————–
[ 105 ]
رسوله بل هو لازم بكل حال (309) وكذلك قال رسول الله في حديث أبي رافع الذي كتبنا قبل هذا (310) وسأذكر مما وصفنا من السنة مع كتاب الله والسنة فيما ليس فيه نص كتاب بعض ما يدل على جملة ما وصفنا منه إن شاء الله (311) رضي الله تعالى عنه فأول ما نبدأ به من ذكر سنة رسول الله مع كتاب الله ذكر الاستدلال بسنته على الناسخ والمنسوخ من كتاب الله ثم ذكر الفرائض المنصوصة التي سن رسول الله معها ثم ذكر الفرائض الجمل التي أبان رسول الله عن الله كيف هي ومواقيتها ثم ذكر العام من أمر الله الذي أراد به العام والعام الذي أراد به الخاص ثم ذكر سنته فيما ليس فيه نص كتاب
——————————————————————————–
[ 106 ]
ابتداء الناسخ والمنسوخ (312) قال الشافعي إن الله خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (313) وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وفرض فيهم فرائض أثبتها وأخرى نسخها رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ فله الحمد على نعمه (314) وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب وان السنة لا ناسخة للكتاب وإنما هي تبع للكتاب يمثل ما نزل نصا ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملا (315) قال الله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن
——————————————————————————–
[ 107 ]
ابدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) * (316) فأخبر الله أنه فرض على نبيه اتباع ما يوحى إليه ولم يجعل له تبديله نفسه (317) وفي قوله (ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) * بيان ما وصفت من أنه لا ينسخ كتاب الله إلا بكتابه كما كان المبتدئ لفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لاحد من خلقه (318) وكذلك قال: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (319) وقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية والله أعلم دلالة على أن الله جعل لرسوله أن يقول من تلقاء نفسه بتوفيقه فيما لم ينزل فيه كتابا والله أعلم (320) وقيل في قوه (يمحو الله ما يشاء) يمحو فرض ما يشاء ويثبت ما يشاء وهذا يشبه ما قيل والله أعلم
——————————————————————————–
[ 108 ]
(321) وفي كتاب الله دلالة عليه قال الله (ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) (322) فأخبر الله أن ننسخ القرآن وتأخير انزاله لا يكون إلا بقران مثله (323) وقال: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) (324) وهكذا سنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة لرسول الله ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها وهذا مذكور في سنته صلى الله عليه وسلم (325) فإن قال قائل فقد وجدنا الدلالة على أن القرآن ينسخ القرآن لا أنه لا مثل للقرآن فأوجدنا ذلك في السنة (326) قال الشافعي فيما وصفت من فرض الله على الناس
——————————————————————————–
[ 109 ]
اتباع أمر رسول الله دليل على أن سنة رسول الله إنما قبلت عن الله فمن اتبعها فبكتاب الله تبعها ولا نجد خبرا ألزمه الله خلقه نصا بينا إلا كتابه ثم سنة نبيه فإذا كانت السنة كما وصفت لا شبه لها من قول خلق من خلق الله لم يجز أن ينسخها إلا مثلها ولا مثل لها غير سنة رسول لان الله لم يجعل لآدمي بعده ما جعل له بل فرض على خلقه اتباعه فألزمهم أمره فالخلق كلهم له تبع ولا يكون للتابع أن يخالف ما فرض عليه اتباعه ومن وجب عليه اتباع سنة رسول الله لم يكن له خلافها ولم يقم مقام ان ينسخ شيئا منها (327) فإن قال أفيحتمل أن تكون له سنة مأثورة قد نسخت ولا تؤثر السنة التي نسختها (328) فلا يحتمل هذا وكيف يحتمل أن يؤثر ما وضع فرضه ويترك ما يلزم فرضه ولو جاز هذا خرج عامة السنن من أيدي الناس بأن يقولوا لعلها منسوخة وليس ينسخ فرض أبدا إلا ثبت مكانه فرض كما نسخت نسخت قبله بيت المقدس فاثبت
——————————————————————————–
[ 110 ]
مكانها الكعبة وكل منسوخ في كتاب وسنة هكذا (329) فإن قال قائل هل ننسخ السنة بالقرآن (330) قيل لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي فيه سنة تبين أن سنته الاولى منسوخة بسنته الآخرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشئ ينسخ بمثله
——————————————————————————–
[ 111 ]
(331) فإن قال ما الدليل على ما تقول (332) فما وصفت من موضعه من الابانة عن الله معنى ما أراد بفرائضه خاصا وعاما مما وصفت في كتابي هذا وأنه لا يقول أبدا لشئ إلا بحكم الله ولو نسخ الله مما قال حكما لسن رسول الله فيما نسخه سنة (333) ولو جاز أن يقال قد سن رسول الله ثم نسخ سنته بالقرآن ولا يؤثر عن رسول الله السنة الناسخة جاز أن يقال فيما حرم رسول الله من البيوع كلها قد يحتمل ان يكون حرمها قبل أن ينزل عليه (أحل الله البيع وحرم الربا) وفيمن رجم من الزناة قد يحتمل ا يكون الرجم منسوخا لقول الله (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وفي المسح على
——————————————————————————–
[ 112 ]
الخفين نسخت آية الوضوء المسح وجاز أن يقال لا يدرأ عن سارق سرق من غير حرز وسرقته أقل من ربع دينار لقول الله (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) لان اسم السرقة يلزم من سرق قليلا وكثيرا ومن حرز ومن غير حرز ولجاز رد كل حديث عن رسول الله بأن يقال لم يقله إذا لم يجده مثل التنزيل وجاز رد السنن بهذين الوجهين فتركت كل سنة معها كتاب جملة تحتمل سنته أن توافقه وهي لا تكون ابدا
——————————————————————————–
[ 113 ]
إلا موافقة له إذا احتمل اللفظ فيما روي عنه خلاف اللفظ في التنزيل بوجه أو احتمل أن يكون في اللفظ عنه أكثر مما في اللفظ في التنزيل وإن كان محتملا أن يخالفه من وجه (334) وكتاب الله وسنة رسوله تدل على خلاف هذا القول وموافقة ما قلنا (335) وكتاب الله البيان الذي يشفي به من العمى وفيه الدلالة على موضع رسول الله من كتاب الله ودينه واتباعه له وقيامه بتبيينه عن الله الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه (336) قال الشافعي مما نقل بعض من سمعت منه من أهل العلم أن الله أنزل فرضا في الصلاة قبل فرض الصلوات الخمس
——————————————————————————–

[ 114 ]
فقال (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا) ثم نسخ هذه في السورة معه فقال (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرض وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (337) ولما ذكر الله بعد أمره بقيام الله نصفه إلا قليلا أو لزيادة عليه فقال: (أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك) فخفف فقال: (علم أن سيكون منكم مرضى) قرأ إلى (فاقرؤا ما تيسر منه) (338) قال الشافعي فكان بينا في كتاب الله نسخ
——————————————————————————–
[ 115 ]
قيام الليل ونصفه والنقصان من النصف والزيادة عليه بقول الله (فاقرؤا ما تيسر منه) (339) فاحتمل قول الله (فاقرؤا ما تيسر منه) معنيين (340) أحدهما أن يكون فرضا ثابتا أنه أزيل به فرض غيره (341) والآخر أن يكون فرضا منسوخا أزيل بغيره كما أزيل به غيره وذلك لقول الله (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فاحتمل قوله (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) أن يتهجد بغير الذي فرض عليه مما تيسر منه (342) قال فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين فوجدنا سنة رسول الله تدل على ألا واجب من الصلاة إلا الخمس فصرنا إلى أن الواجب الخمس وأن ما سواها من واجب
——————————————————————————–
[ 116 ]
من صلاة قبلها منسوخ بها استدلالا بقول الله (فتهجد به نافلة لك) وأنها ناسخة لقيام الليل ونصفه وثلثه وما تيسر (343) ولسنا نحب لاحد ترك أن يتهجد بما يسره الله عليه من كتابه مصليا به وكيف ما أكثر فهو احب إلينا (344) أخبرنا مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول جاء أعرابي من أهل نجد ثائر الراس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاسلام فقال النبي خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل علي غيرها فقال لا إلا أت تطوع قال وذكر له رسول الله صيام شهر رمضان فقال هل علي غيره قال لا إلا أن تطوع فأدبر الرجل وهو يقول لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله أفلح غن صدق ”
——————————————————————————–
[ 117 ]
(345) ورواه عبادة بن الصامت عن النبي أنه قال ” خمس صلوات كتبهن الله على خلقه فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهدا أن يدخله الجنة ” باب فرض الصلاة الذي دل الكتاب ثم السنة عن من تزول عنه بالعذر وعلى من لا تكتب صلاته بالمعصية (346) قال الله تبارك وتعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (347) قال الشافعي افترض الله الطهارة على المصلي في الوضوء والغسل من الجنابة فلم تكن لغير طاهر صلاة ولما
——————————————————————————–
[ 118 ]
ذكر الله المحيض فأمر باعتزال النساء حتى يطهرن فإذا تطهرن أتين استدللنا على أن تطهرن بالماء بعد زوال المحيض لان الماء موجود في الحالات كلها في الحضر فلا يكون للحائض طهارة بالماء لان الله إنما ذكر التطهر بعد أن يطهرن وتطهرهن زوال المحيض في كتاب الله ثم سنة رسوله (348) أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة وذكرت احرامها مع النبي وأنها حاضت فأمرها ان تقضي ما يقضي الحاج ” غير أن لا تطو في بالبيت حتى تطهري ”
——————————————————————————–
[ 119 ]
(349) فاستدللنا على أن الله إنما أراد بفرض الصلاة من إذا توضأ واغتسل طهر فأما الحائض فلا تطهر بواحد منهما وكان الحيض شيئا خلق فيها لم تجتلبه على نفسها فتكون عاصية به فزال عنها فرض الصلاة أيام حيضها فلم يكن عليها قضاء ما تركت منها في الوقت الذي يزول عنها فيه فرضها (350) وقلنا في المغمي عليه والمغلوب على عقله بالعارض من أمر الله الذي لا جناية له فيه قياسا على الحائض إن الصلاة عنه مرفوعة لانه لا يعقلها ما دام في الحال التي لا يعقل فيها (351) وكان عاما في أهل العلم أن النبي لم يأمر الحائض بقضاء الصلاة وعاما أنها أمرت بقضاء الصوم ففرقنا بين الفرضين استدلالا بما وصفت من نقل أهل العلم وإجماعهم
——————————————————————————–
[ 120 ]
(352) وكان الصوم مفارق الصلاة في أن للمسافر تأخيره عن شهر رمضان وليس له ترك يوم لا يصلي فيه صلاة السفر كان الصوم شهرا من اثنى عشر شهرا وكان في أحد عشر شهرا خليا من فرض الصوم ولم يكن أحد من الرجال مطيقا بالفعل للصلاة خليا من الصلاة (353) قال الله: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (354) فقال بعض أهل العلم نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر (355) فدل القرآن والله أعلم على ألا صلاة لسكران حتى يعلم ما يقول إذ بدا بنهيه عن الصلاة وذكر معه الجنب فلم يختلف أهل العلم الا صلاة لجنب حتى يتطهر
——————————————————————————–
[ 121 ]
(356) وإن كان نهي السكران عن الصلاة قبل تحريم الخمر فهو حين حرم الخمر أولى ان يكون منهيا بأنه عاص من وجهين أحدهما ان يصلي في الحال التي هو فيها منهي والآخر أن يشرب الخمر (357) والصلاة قول وعمل وإمساك فإذا لم يعقل القول والعمل والامساك فلم يأت بالصلاة كما أمر فلا تجزئ عنه وعليه إذا أفاق القضاء (358) ويفارق المغلوب على عقله بأمر الله الذي لا حيلة له فيه السكران لانه أدخل نفسه في السكر فيكون على السكران القضاء دون المغلوب على عقله بالعارض الذي لم يجتلبه على نفسه فيكون عاصيا باجتلابه (359) ووجه الله رسوله للقبلة في الصلاة إلى بيت المقدس فكانت القبلة التي لا يحل قبل نسخها استقبال غيرها ثم نسخ
——————————————————————————–
[ 122 ]
الله قبلة بيت المقدس ووجهه إلى البيت فلا يحل لاحد استقبال بيت المقدس أبدا لمكتوبة ولا يحل أن يستقبل غير البيت الحرام (360) قال وكل كان حقا في وقته فكان التوجه إلى بيت المقدس يام وجه الله إليه نبيه حقا ثم نسخه فصار الحق في التوجه إلى البيت الحرام لا يحل استقبال غيره في مكتوبه إلا في بعض الخوف أو نافلة في سفر استدلالا بالكتاب والسنة (361) وهكذا كل ما نسخ الله ومعنى ” نسخ ” ترك فرضه كان حقا في وقته وتركه حقا غذا نسخه الله فيكون من
——————————————————————————–
[ 123 ]
أدرك فرضه مطيعا به وبتركه ومن لم يرك فرضه مطيعا باتباع الفرض الناسخ له (362) قال الله لنبيه (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (363) فإن قال قائل فأين الدلالة على أنهم حولوا إلى قبلة بعد قبلة (364) ففي قول الله: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) * (365) مالك عن عبد الله بن دينار عن بن عمر
——————————————————————————–
[ 124 ]
قال ” بينما الناس بقباء في صلاة الصبح غذ جاءهم آت فقال إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستدركوا إلى الكعبة ” (366) مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب
——————————————————————————–
[ 125 ]
أنه كان يقول ” صلى رسول الله ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين ” (367) قال والاستدلال بالكتاب في صلاة الخوف قول الله (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) وليس لمصلي المكتوبة أن يصلي راكبا إلا في خوف ولم يذكر الله أن يتوجه القبلة
——————————————————————————–
[ 126 ]
(368) وروى بن عمر عن رسول الله صلاة الخوف فقال في روايته ” فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ” (369) وصلى رسول الله النافلة في السفر على راحلته أين توجهت به حفظ ذلك عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وغيرهما وكان لا يصلي المكتوبة مسافرا إلا بالارض متوجها للقبلة (370) بن أبي فديك عن بن أبي ذئب عن عثمان بن عبد الله بن سراقة عن جابر بن عبد الله ” أن النبي كان يصلي على راحلته موجهة به قبل المشرق في غزوة بني أنمار ”
——————————————————————————–
[ 127 ]
(371) قال الله (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بانهم قوم لا يفقهون) (372) ثم أبان في كتابه انه وضع عنهم ان يقوم الواحد بقتال العشرة واثبت عليهم أن يقوم الواحد بقتال الاثنين فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) (373) أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن بن عباس قال ” لما نزلت هذه الآية * إن يكن منكم عشرون صابرون
——————————————————————————–
[ 128 ]
يغلبوا مائتين) كتب عليهم ألا يفر العشرين من المائتين فأنزل الله (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) إلى (يغلبوا مائتين) فكتب ان لا يفر المائة من المائتين ” (374) قال وهذا كما قال بن عباس إن شاء الله وقد بين الله هذا في الآية وليست تحتاج إلى تفسير (375) قال: (واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فغن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا
——————————————————————————–
[ 129 ]
واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) (376) ثم نسخ الله الحبس والاذى في كتابه فقال (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (377) فدلت السنة على أن جلد المائة للزانيين البكرين (378) أخبرنا عبد الوهاب عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال ” خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ” (379) أخبرنا الثقة من أهل العلم عن يونس بن عبيد
——————————————————————————–
[ 130 ]
عن الحسن عن حطان الرقاشي عن عبادة بن الصامت عن النبي مثله
——————————————————————————–
[ 131 ]
(380) قال فدلت سنة رسول الله أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرين ومنسوخ عن الثبتين وأن الرجم ثابت على الثبتين الحرين (381) لان قول رسول الله ” خذوا عني قد جعل الله
——————————————————————————–
[ 132 ]
لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ” أول نزل فنسخ به الحبس والاذي عن الزانيين (382) فلما رجم النبي ماعزا ولم يجلده وأمر أنيسا أن يغدوا على امرأة الاسلمي فإن اعترفت رجمها دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين وثبت الرجم عليهما لان كل شئ أبدا بعد أول فهو آخر
——————————————————————————–
[ 133 ]
(383) فدل كتاب الله ثم سنة نبيه على أن الزانيين المملوكين خارجان من هذا المعنى (384) قال الله تبارك وتعالى في المملوكات (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) (385) والنصف لا يكون إلا من الجلد الذي يتبعض فأما الرجم الذي هو قتل فلا نصف له لان المرجوم قد
——————————————————————————–
[ 134 ]
يموت في أول حجر يرمي به فلا يزاد عليه ويرمي بالف وأكثر فيزاد عليه حتى يموت فلا يكون لهذا نصف محدود أبدا والحدود موقتة باتلاف نفس والاتلاف موقت بعدد ضرب أو تحديد قطع وكل هذا معروف ولا نصف للرجم معروف
——————————————————————————–
[ 135 ]
(386) وقال رسول الله ” إذا زنت امة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ” ولم يقل ” يرجمها ” ولم يختلف المسلمون في ألا رجم على مملوك في الزنا 87 (3) وإحصان الامة إسلامها (388) وإنما قلنا هذا استدلالا بالسنة وإجماع أكثر أهل العلم (389) ولما قال رسول الله إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ولم يقل محصنة كانت أو غير محصنة استدللنا
——————————————————————————–
[ 136 ]
على أن قول الله في الاماء (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) إذا اسلمن لا إذا نكحن فأصبن بالنكاح ولا إذا اعتقن وإن لم يصبن (390) فإن قال قائل أراك توقع الاحصان على معاني مختلفة (391) قيل نعم جماع الاحصان أن يكون دون التحصين مانع من تناول المحرم فالاسلام مانع وكذلك الحرية مانعة وكذلك الزوج والاصابة مانع وكذلك الحبس في البيوت مانع وكل ما منع أحصن قال الله (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم) وقال: (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة) يعني ممنوعة (392) قال وآخر الكلام وأوله يدلان على أن معنى الاحصان المذكور عاما في موضع دون غيره أن الاحصان
——————————————————————————–
[ 137 ]
ها هنا الاسلام دون النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف وهذه الاسماء التي يجمعها اسم الاحصان الناسخ والمنسوخ الذي تدل عليه السنة والاجماع (393) قال الله تبارك وتعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين) (394) قال الله: (والذين يتوفون منكم ويذرون
——————————————————————————–
[ 138 ]
أزواجا وصية لازواجهم متاع إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم) (395) فأنزل الله ميراث الوالدين ومن ورث بعدهما ومعهما من الاقربين وميراث الزوج من زوجته والزوجة من زوجها (396) فكانت الآيتان محتملتين لان تثبتا الوصية للوالدين والاقربين والوصية للزوج والميراث مع الوصايا فيأخذون بالميراث والوصايا ومحتملة بأن تكون المواريث ناسخة للوصايا (397) فما احتملت الآيتان ما وصفنا كان على أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله فما لم يجدوه نصا في كتاب الله طلبوه
——————————————————————————–
[ 139 ]
في سنة رسول الله فإن وجدوه فما قبلوا عن رسول الله فعن الله قبلوه بما افترض من طاعته (398) ووجدنا أهل الفتيا ومكن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي قال عام الفتح لا وصية لوارث ولا يقتل مؤمن كافر ويأثرونه عن من حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي (399) فكان هذا نقل عامة عن عامة وكان أقوى في بعض الامر من نقل واحد عن واحد وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجتمعين (400) قال وروى بعض الشاميين حديثا ليس مما يثبته أهل الحديث فيه أن بعض رجال مجهولون فرويناه عن النبي منقطعا
——————————————————————————–
[ 140 ]
(401) وإنما قبلناه بما وصفت من نقل أهل المغازي وإجماع العامة عليه وإن كنا قد ذكرنا الحديث فيه واعتمدنا على حديث أهل المغازي عاما وإجماع الناس (402) أخبرنا سفيان عن سليمان الاحول عن مجاهد أن رسول الله قال ” لا وصية لوارث ”
——————————————————————————–
[ 142 ]
(403) فاستدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازي عن النبي أن لا وصية لوارث ” على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المنقطع عن النبي وإجماع العامة على القول به (404) وكذلك قال أكثر العامة إن الوصية للاقربين
——————————————————————————–
[ 143 ]
منسوخة زائل فرضها إذا كانوا وارثين فبالميراث وإن كانوا غير وارثين فليس بفرض أن يوصى لهم (405) إلا أن طاوسا وقليلا معه قالوا نسخت الوصية للوالدين وثبتت للقرابة غير الوارثين فمن أوصى لغير قرابة لم يجز (406) فلما احتملت الآية ما ذهب إليه طاوس من أن الوصية للقرابة ثابتة إذ لم يكن في خبر أهل العلم بالمغازي إلا أن النبي قال ” لا وصية لوارث ” وجب عندنا على أهل العلم طلب الدلالة على خلاف ما قال طاوس أو موافقته (407) فوجدنا رسول الله حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم عند الموت فجزأهم النبي ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة
——————————————————————————–
[ 144 ]
(4) عزوجل أخبرنا بذلك عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين عن النبي (409) قال فكانت دلالة السنة في حديث عمران بن حصين بينة بأن رسول الله أنزل عتقهم في المرض وصية
——————————————————————————–
[ 145 ]
(410) والذي أعتقهم رجل من العرب والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبينه من العجم فأجاز النبي لهم الوصية (411) فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين لانهم ليسوا بقرابة للمعتق (412) ودل ذلك على أن لا وصية لميت إلا في ثلث ماله ودل ذلك على أن يرد ما جاوز الثلث في الوصية وعلى ابطال الاستسعاء وإثبات القسم والقرعة (413) وبطلت وصية الوالدين لانهما وارثان وثبت ميراثهما (414) رضي الله تعالى عنه ومن أوصى له الميت من قرابة وغيرهم جازت الوصية إذا لم يكن وارثا (415) وأحب إلي لو أوصى لقرابة (416) وفي القرآن ناسخ ومنسوخ غير هذا مفرق في مواضعه في كتاب (أحكام القرآن) (417) وإنما وصفت منه جملا يستدل بها على ما كان في
——————————————————————————–
[ 146 ]
معناها ورأيت أنها كافية في الاصل سكنت عنه وأسأل الله العصمة والتوفيق (418) وأتبعت ما كتبت منها علم الفرائض التي أنزلها الله مفسرات وجملا وسنن رسول الله معها وفيها ليعلم من علم هذا من علم (الكتاب) الموضع الذي وضع الله به نبيه من كتابه ودينه وأهل دينه (419) ويعلمون أن أتباع أمره وطاعة الله وأن سنته تبع لكتاب الله فيما أنزل وأنها لا تخالف كتاب الله أبدا (420) ويعلم من فهم الكتاب (هذا الكتاب) أن البيان يكون من وجوه لا من وجه واحد يجمعها أنها عند أهل العلم بينه ومشتبهة البيان وعند من يقصر علمه مختلفة البيان
——————————————————————————–
[ 147 ]
باب الفرائض التي أنزل الله نصا (421) قال الله جل ثناؤه (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) (422) قال الشافعي فالمحصنات ها هنا البوالغ الحراير وهذا يدل على أن الاحصان اسم جامع لمعاني مختلفة (423) وقال: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربعة شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين)
——————————————————————————–
[ 148 ]
(424) فلما فرق الله بين حكم الزوج والقاذف سواه فحد القاذف سواه إلا أن يأتي بأربعة شهداء على ما قال وأخرج الزوج باللعان من الحد دل ذلك على ان قذفه المحصنات الذين أريدوا بالجلد قذفة الحرائر البوالغ غير الازواج (425) وفي هذا الدليل على ما وصفت من القرآن عربي يكون منه ظاهره عاما وهو يراد به الخاص لا أن واحدة من الآيتين نسخت الاخرى ولكن كل واحدة منهما على ما حكم الله به فيفرق بينهما حيث فرق الله ويجمعان حيث مع الله (426) فإذا التعن الزوج خرج من الحد كما يخرج الاجنبيون بالشهود وإذا لم يلتعن وزوجته حرة بالغة حد (427) قال وفي العجلاني وزوجته أنزلت آية اللعان ولا عن النبي بينهما فحكى اللعان بينهما سهل بن سعد الساعدي
——————————————————————————–
[ 149 ]
وحكاه بن عباس وحكى بن عمر حضور لعان عند النبي فما حكى منهم واحد كيف لفظ النبي في أمرهما باللعان (428) وقد حكوا معا أحكاما لرسول الله ليست نصا في القرآن منها تفريقه بين المتلاعنين ونفيه الولد وقوله ” إن جاءت به هكذا فهو للذي يتهمه ” فجاءت به على الصفة وقال ” إن أمره لبين لو لا ما حكى الله ” وحكى بن عباس أن النبي قال عند الخامسة ” قفوه فإنها موجبة ” (429) فاستدللنا على أنهم لا يحكون بعض ما يحتاج إليه من الحديث ويدعون بعض ما يحتاج إليه منه وأولاه أن يحكى من ذلك كيف لا عن النبي بينهما إلا علما بأن أحدا قرأ كتاب
——————————————————————————–
[ 150 ]
الله يعلم أن رسول الله إنما لاعن كما أنزل الله (430) فاكتفوا بإبانة الله اللعان بالعدد والشهادة لكل واحد منهما دون حكاية لفظ رسول الله حين لاعن بينهما (431) قال الشافعي في كتاب الله غاية الكفاية من اللعان وعدده (432) ثم حكى بعضهم عن النبي في الفرقة بينهما كما وصفت (433) وقد وصفنا سنن رسول الله مع كتاب الله قبل هذا
——————————————————————————–
[ 157 ]
(434) قال الله * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات) (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا) (435) ثم بين أي شهر هو فقال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (436) قال الشافعي فما علمت أحدا من أهل العلم بالحديث
——————————————————————————–
[ 158 ]
قبلنا تكلف أن يروي عن النبي أن الشهر المفروض صومه شهر رمضان الذي بين شعبان وشوال لمعرفتهم بشهر رمضان من الشهور واكتفاء منهم بأن الله فرضه (437) وقد تكلفوا حفظ صومه في السفر وفطره وتكلفوا كيف قضاؤه وما أشبه هذا مما ليس فيه نص كتاب (438) ولا علمت أحدا من غير أهل العلم احتاج في المسألة عن شهر رمضان أي شهر هو ولا هل هو واجب أم لا (439) وهكذا ما أنزل الله من جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا من أطاقه وتحريم الزنا والقتل وما أشبه هذا (440) قال وقد كانت لرسول الله في هذا سننا ليست
——————————————————————————–
[ 159 ]
نصا في القرآن أبان رسول الله عن الله معنى ما أراد بها وتكلم المسلمون في أشياء من فروعها لم يسن رسول الله فيها سنة منصوصة (441) فمنها قول الله (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوج غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) (442) فاحتمل قول الله (حتى تنكح زوجا غيره) أن يتزوجها زوج غيره وكان هذا المعنى الذي يسبق إلى من خوطب به أنها إذا عقدت عليها عقدة النكاح فقد نكحت (443) واحتمل حتى يصيبها زوج غيره لان اسم النكاح ” يقع بالاصابة ويقع بالعقد (444) فلما قال رسول الله لامرأة طلقها زوجها ثلاثا ونكحها بعده رجل ” لا تحلين حتى تذوقي عسيلته

[ 160 ]
ويذوق عسيلتك ” يعني يصيبك زوج غيره والاصابة النكاح (445) فإن قال قائل فاذكر الخبر عن رسول الله بما ذكرت (446) قيل أخبرنا سفيان عن بن شهاب عن عروة عن عائشة ” أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي فقالت إن رفاعة
——————————————————————————–
[ 161 ]
طلقني فبت طلاقي وأن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإنما معه مثل هدبة الثوب فقال رسول الله أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ” (447) قال الشافعي فبين رسول الله أن إحلال الله إياها للزوج المطلق ثلاثا بعد زوج بالنكاح إذا كان مع النكاح إصابة من الزوج الفرائض المنصوصة التي سن رسول الله معها (448) قال الله تبارك وتعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم
——————————————————————————–
[ 162 ]
وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا) (449) وقال: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (450) فأبان أن طهارة الجنب الغسل دون الوضوء (451) وسن رسول الله الوضوء كما أنزل الله فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه وغسل رجليه إلى الكعبين (452) أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن بن عباس عن النبي ” أنه توضأ مرة مرة ” (453) أخبرنا مالك بن عمرو بن يحيى عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى ” هل تستطيع أن
——————————————————————————–
[ 163 ]
تريني كيف كان رسول الله يتوضأ فقال عبد الله نعم فدعا بوضوء فافرغ على يديه فغسل يديه مرتين ثم مضمض واستنشق ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح براسه بيديه فاقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه ”
——————————————————————————–
[ 164 ]
(454) فكان ظاهر قول الله (فاغسلوا وجوهكم) أقل ما وقع عليه اسم الغسل وذلك مرة واحتمل أكثر (455) فسن رسول الله الوضوء مرة فوافق ذلك ظاهر القرآن وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل واحتمل أكثر وسنه مرتين وثلاثا (456) فلما سنه مرة استدللنا على أنه لو كانت مرة لا تجزئ لم يتوضأ مرة ويصلي وأن ما جاوز مرة اختيار لا فرض في الرضوء لا يجزئ أقل منه
——————————————————————————–
[ 165 ]
(457) وهذا مثل ما ذكرت من الفرائض قبله لو ترك الحديث فيه استغنى فيه بالكتاب وحين حكي الحديث فيه دل على اتباع الحديث كتاب الله (458) ولعلهم إنما حكوا الحديث فيه لن أكثر ما توضأ رسول الله ثلاثا فارادوا ان الوضوء ثلاثا اختيار لا أنه واجب لا يجزئ أقل منه ولما ذكر منه في أن ” من توضأ وضوء هذا وكان ثلاثا ثم وصل لا يحدث نفسه فيما غفر له ” فأرادوا طلب الفضل في الزيادة في الوضوء وكانت الزيادة فيه نافلة (459) وغسل رسول الله في الوضوء المرفقين والكعبين وكانت الآية محتملة أن يكونا مغسولين وأن يكون مغسولا إليهما ولا يكونان مغسولين ولعلهم حكوا الحديث إبانة لهذا أيضا (460) وأشبه الامرين بظاهر الآية أن يكونا مغسولين
——————————————————————————–
[ 166 ]
(461) وهذا بيان السنة مع بيان القرآن (462) وسواء البيان في هذا وفيما قبله ومستغنى بفرضه بالقرآن عند أهل العلم ومختلفان عند غيرهم (463) وسن رسول الله في الغسل من الجنابة غسل الفرج والوضوء كوضوء الصلاة ثم الغسل فكذلك أحببنا أن نفعل (464) ولم أعلم مخالفا حفظت عنده من أهل العلم في أنه كيف ما جاء بغسل وأتى على الاسباغ أجزأه وإن اختاروا غيره لان الفرض الغسل فيه ولم يحدد تحديد الوضوء (465) وسن رسول الله فيما يجب منه الوضوء وما الجنابة التي يجب منه الوضوء وما الجنابة التي يجب بها الغسل إذ لم يكن بعض ذلك منصوصا في الكتاب
——————————————————————————–
[ 167 ]
الفرض المنصوص الذي دلت السنة على أنه إنما أراد الخاص 466 – قال الله تبارك وتعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) (467) وقال: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (468) عز وجلوقال (ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فإن كان له اخوة فلامه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة
——————————————————————————–
[ 168 ]
من الله إن الله كان عليما حكيما ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين) (469) وقال: (ولهن الربع) مع أي المواريث كلها (470) فدلت السنة على أن الله إنما أراد أراد ممن سمى له المواريث من الاخوة والاخوات والولد والاقارب والوالدين والازواج وجميع من سمى له فريضة في كتابه خاصا مما سمى (471) وذلك ان يجتمه دين الوارث والموروث فلا يختلفان ويكونان من أهل دار المسلمين ومن له عقد من المسلمين يأمن به على ماله ودمه أو يكونان من المشركين فيتوارثان بالشرك (472) أخبرنا سفيان عن الزهري عن علي بن حسين
——————————————————————————–
[ 169 ]
عن عمرو بن عثمان بن زيد أن رسول الله قال ” لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ”
——————————————————————————–
[ 170 ]
(473) وأن يكون الوارث والموروث حرين في الاسلام (474) أخبرنا بن عيينة عن بن شهاب عن سالم عن أبيه أن رسول الله قال ” من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا ان يشترطه المبتاع ” (475) قال فلما كان بينا في سنة رسول الله أن العبد لا يملك مالا وأن ما ملك العبد فإنما يملكه لسيده وأن اسم المال له إنما هو إضافة إليه لانه في يديه لا أنه مالك له ولا يكون مالكا له وهو لا يملك نفسه وهو مملوك يباع ويوهب ويورث
——————————————————————————–
[ 171 ]
وكان الله إنما نقل ملك الموتى إلى الاحياء فملكوا منها ما كان الموتى مالكين وإن كان العبد أبا أو غيره ممن سميت له فريضة فكان لو أعطيها ملكها سيده عليه لم يكن السيد بأبي الميت ولا وارثا سميت له فريضة فكنا لو أعطينا العبد بأنه اب إنما أعطينا السيد الذي لا فريضة له فورثنا غير من ورثه الله فلم نورث عبدا لما وصفت ولا أحدا لم تجتمع فيه الحرية والاسلام والبراءة من القتل حتى لا يكون قاتلا (476) وذلك أنه روى مالك عن يحيى بن سعيد بن عمرو بن شعيب ان رسول الله قال ” ليس لقاتل شئ ”
——————————————————————————–
[ 172 ]
(477) فلم نورث قاتلا ممن قتل وكان أخف حال القاتل عمدا أن يمنع الميراث عقوبة مع تعرض سخط الله أن يمنع ميراث من عصى الله بالقتل (478) وما وصفت من ألا يرث المسلم إلا المسلم حر غير قاتل عمدا ما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم حفظت عنه ببلدنا ولا غيره (479) وفي اجتماعهم على ما وصفنا من هذا حجة تلزمهم
——————————————————————————–
[ 173 ]
ألا يتفرقوا في شئ من سنن رسول الله بأن سنن رسول الله إذا قامت هذا المقام فيما لله فيه فرض منصوص فدلت على أنه على بعض من لزمه اسم ذلك الفرض دون بعض كانت فيما كان مثله من القرآن هكذا وكانت فيما سن النبي فيما ليس فيه لله حكم منصوص هكذا (480) وأولى أن لا يشك عالم في لزومها وأن يعلم أن أحكام الله ثم أحكام رسوله لا تختلف وأنها تجري على مثال واحد (481) قال الله تبارك وتعالى (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (482) وقال (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا) (483) ونهى رسول الله عن بيوع تراضى بها المتبايعان
——————————————————————————–
[ 174 ]
فحرمت مثل الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ومثل الذهب بالورق وأحدهما نقد والآخر نسيه وما كان في معنى هذا مما ليس بالتبايع به مخاطرة ولا أمر يجهله البائع ولا المشتري (484) فدلت السنة على أن الله جل ثناؤه أراد بإحلال البيع ما لم يحرم منه دون ما حرم على لسان نبيه (485) ثم كانت لرسول الله في بيوع سوى هذا سننا منها
——————————————————————————–
[ 175 ]
العبد يباع وقد دلس البائع المشتري بعيب فللمشتري رده وله الخراج بضمانه ومنها أن من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ومنها من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع لزم الناس الاخذ بها بما ألزمهم الله من الانتهاء إلى أمره
——————————————————————————–
[ 176 ]
جمل الفرائض (486) قال الله تبارك وتعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (487) وقال (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (488) وقال لنبيه (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (489) وقال (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (490) قال الشافعي أحكم الله فرضه في كتابه
——————————————————————————–
[ 177 ]
في الصلاة والزكاة والحج وبين كيف فرضه على لسان نبيه (491) فأخبر رسول الله أن عدد الصلوات المفروضات خمس وأخبر أن عدد الظهر والعصر والعشاء في الحضر أربع أربع وعدد المغرب ثلاث وعدد الصبح ركعتان (492) وسن فيها كلها قراءة وسن أن الجهر منها بالقراءة في المغرب والعشاء والصبح وأن المخافتة بالقراءة في الظهر والعصر (493) وسن أن الفرض في الدخول في كل صلاة بتكبير والخروج منها بتسليم وأنه يؤتى فيها بتكبير ثم قراءة ثم ركوع ثم سجدتين بعد الركوع وما سوى هذا من حدودها (494) وسن في صلاة السفر كلما كان أربعا من الصلوات إن شاء المسافر وإثبات المغرب والصبح على حالها في الحضر (495) وأنها كلها في القبلة مسافر كان أو مقيما إلا في حال من الخوف واحدة
——————————————————————————–
[ 178 ]
(496) وسن أن النوافل في مثل حالها لا تحل إلا بطهور ولا تجوز إلا بقراءة وما تجوز به المكتوبات من السجود والركوع واستقبال القبلة في الحض وفي الارض وفي السفر وأن للراكب أن يصلي في النافلة حيث توجهت به دابته (497) أخبرنا بن أبي فديك عن بن أبي ذئب عن عثمان بن عبد الله بن سراقة عن جابر بن عبد الله ” أن رسول الله في غزوة بني أنمار كان يصلي على راحلته متوجها قبل المشرق ” (498) أخبرنا مسلم عن بن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي مثل معناه لا أدري أسمى بني أنمار أولا أو قال ” صلى في السفر ”
——————————————————————————–
[ 179 ]
(499) وسن رسول الله في صلاة الاعياد والاستسقاء سنة الصلوات في عدد الركوع والسجود وسن في صلاة الكسوف فزاد فيها ركعة على ركوع الصلوات فجعل في كل ركعة ركعتين (500) قال أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد بن عمرة عن عائشة عن النبي (501) وأخبرنا مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة عن النبي (502) قال مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن بن عباس عن النبي مثله (503) قال فحكى عن عائشة وابن عباس في هذه الاحاديث صلاة النبي بلفظ مختلف واجتمع في حديثهما معا على أنه صلى صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ركعتين
——————————————————————————–
[ 180 ]
(504) رضي الله تعالى عنها وقال الله في الصلاة (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (505) فبين رسول الله عن الله تلك المواقيت وصلى الصلوات لوقتها فحوصر يوم الاحزاب فلم يقدر على الصلاة في وقتها فأخرها للعذر حتى صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء في مقام واحد 506 – أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن بن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال ” حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله (وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) فدعا رسول الله بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها
——————————————————————————–
[ 181 ]
فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها هكذا ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضا قال وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف (فرجالا أو ركبانا) ” (507) قال فبين أبو سعيد أن ذلك قبل أن ينزل الله على النبي الآية التي ذكرت فيها صلاة الخوف (508) والآية التي ذكر فيها صلاة الخوف قول الله (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا
——————————————————————————–
[ 182 ]
لكم عدوا مبينا) وقال: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) (509) أخبرنا مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن من صلى مع رسول الله صلاة الخوف يوم ذات الرقاع ” أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لانفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاء الطائفة الاخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا وأتموا لانفسهم ثم سلم بهم ”
——————————————————————————–
[ 183 ]
(510) أخبرني من سمع عبد الله بن عمر بن حفص يذكر عن أخيه عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه خوات بن جبير عن النبي مثل حديث يزيد بن رومان (511) وفي هذا دلالة على ما وصفت قبل هذا في (هذا الكتاب) من أن رسول الله إذا سن سنة فأحدث الله إليه
——————————————————————————–
[ 184 ]
في تلك السنة نسخها أو مخرجا إلى سعة منها سن رسول الله سنة تقوم الحجة على الناس بها حتى يكونوا إنما صاروا من سنته إلى سنته التي بعدها (512) فنسخ الله تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف إلى أن يصلوها كما أنزل الله وسن رسوله في وقتها ونسخ رسول الله سنته في تأخيرها بفرض الله في كتابه ثم بسنته صلاها رسول الله في وقتها كما وصفت (513) أخبرنا مالك عن نافع عن بن عمر أراه عن النبي
——————————————————————————–
[ 185 ]
فذكر صلاة الخوف فقال ” إن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا وركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها ” (514) أخبرنا رجل عن بن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي مثل معناه ولم يشك أه عن أبيه وأنه مرفوع إلى النبي
——————————————————————————–
[ 186 ]
(515) قال فدلت سنة رسول الله على ما وصفت من أن القبلة في المكتوبة على فرضها أبدا إلا في الموضع الذي لا يمكن فيه الصلاة إليها وذلك عند المسايفة والهرب وما كان في المعنى الذي لا يمكن فيه الصلاة إليها (516) رضي الله تعالى عنهما وثبتت السنة في هذا ألا تترك الصلاة في وقتها كيف ما أمكنت المصلي في الزكاة (517) قال الله (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)
——————————————————————————–
[ 187 ]
وقال: (والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة) وقال (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون) (518) فقال بعض أهل العلم هي الزكاة المفروضة (519) قال الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكنا لهم والله سميع عليم) (520) فكان مخرج الآية عاما على الاموال وكان يحتمل أن تكون على بعض الاموال دون بعض فدلت السنة على أن الزكاة في بعض الاموال دون بعض (521) فلما كان المال أصنافا منه الماشية فأخذ رسول الله
——————————————————————————–
[ 188 ]
من الابل والغنم وأمر فيما بلغنا بالاخذ من البقر خاصة دون الماشية سواها ثم أخذ منها بعدد مختلف كما قضى الله على لسان نبيه وكان للناس ماشية من خيل حمر وبغال وغيرها فلما لم يأخذ رسول الله منها شيئا وسن أن ليس في الخيل صدقة استدللنا على أن الصدقة فيما اخذ منها وأمر بالاخذ منه دون غيره (522) وكان للناس زرع وغراس فأخذ رسول الله من النخل والعنب الزكاة بخرص غير مختلف ما أخذ منهما
——————————————————————————–
[ 189 ]
وأخذ منهما معا العشر إذا سقيا بسماء أو عين ونصف العشر إذا سقيا بغرب (223) وقد أخذ بعض أهل العلم من الزيتون قياسا على النخل والعنب (224) ولم يزل للناس غراس غير النخل والعنب والزيتون كثير من الجوز واللوز والتين وغيره فلما لم يأخذ رسول الله منه شيئا ولم يأمر بالاخذ منه استدللنا على أن فرض الله الصدقة فيما كان من غراس في بعض الغراس دون بعض (525) وزرع الناس الحنطة والشعير والذرة وأصنافا سواها فحفظنا عن رسول الله الاخذ من الحنطة والشعير والذرة وأخذ من قبلنا من الدخن والسلت
——————————————————————————–
[ 190 ]
والعلس والارز وكل ما نبته الناس وجعلوه قوتا خبزا وعصيدة وسويقا وأدما مثل الحمص والقطاني
——————————————————————————–
[ 191 ]
فهي تصلح خبزا وسويقا وأدما اتباعا لمن مضى وقياسا على ما ثبت أن رسول الله أخذ منه الصدقة وكان في معنى ما أخذ النبي لان الناس نبتوه ليقتاتوا (526) وكان للناس نبات غيره فلم يأخذ منه رسول الله ولا من بعد رسول الله علمناه ولم يكن في معنى ما أخذ منه ومثل ذلك الثفاء
——————————————————————————–
[ 192 ]
والاسبيوش والكسبرة وحب العصفر وما أشبهه فلم تكن فيه زكاة فدل ذلك على أن الزكاة في بعض الزرع دون بعض (527) وفرض رسول الله في الورق صدقة وأخذ المسلمون في الذهب بعده صدقة إما بخبر عن النبي لم يبلغنا
——————————————————————————–
[ 193 ]
وإما قياسا على أن الذهب والورق نقد الناس الذي اكتنزوه وأجازوه
——————————————————————————–
[ 194 ]
أثمانا على ما تبايعوا في البلدان قبل الاسلام وبعده (528) وللناس تبر غيره من نحاس وحديد ورصاص فلما لم يأخذ منه رسول الله ولا أحد بعده زكاة تركناه اتباعا بتركه وأنه لا يجوز أن يقاس بالذهب والورق الذين هما الثمن عاما في البلدان على غيرهما لانه في غير معناهما لا زكاة فيه ويصلح أن يشترى بالذهب والورق غيرهما من التبر إلى أجل معلوم وبوزن معلوم (529) وكان الياقوت والزبرجد أكثر ثمنا من الذهب والورق فلما لم يأخذ منهما رسول الله ولم يأمر بالاخذ ولا من بعده علمناه وكان مال الخاصة وما لا يقوم به على أحد في شئ استهلكه الناس لانه غير نقد لم يأخذ منهما
——————————————————————————–
[ 195 ]
(530) ثم كان ما نقلت العامة عن رسول الله في زكاة الماشية والنقد أنه أخذها في كل سنة مرة (531) وقال الله (وآتوا حقه يوم حصاده) فسن رسول الله أن يؤخذ مما فيه زكاة من نبات الارض الغراس وغيره على حكم الله جل ثناؤه يوم يحصد لا وقت له غيره (532) وسن في الركاز الخمس فدل على أنه يوم يوجد لا في وقت غيره
——————————————————————————–
[ 196 ]
(533) أخبرنا سفيان عن الزهري عن بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله قال ” وفي الركاز الخمس ” (534) عز وجل ولو لا دلالة السنة كان ظاهر القرآن أن الاموال كلها سواء وأن الزكاة في جميعها دون بعض
——————————————————————————–
[ 197 ]
في الحج (535) وفرض الله الحج على من يجد السبيل فذكر عن النبي أن السبيل الزاد والمركب وأخبر رسول الله بمواقيت الحج وكيف التلبية فيه وما سن وما يتقي المحرم من لبس الثياب والطيب وأعمال الحج سواها من عرفة والمزدلفة والرمي والحلاق والطواف وما سوى ذلك (536) فلو أن امرأ لم يعلم لرسول الله سنة مع كتاب الله إلا ما وصلنا مما سن رسول الله يه معنى ما أنزله الله جملة وأنه إنما
——————————————————————————–
[ 198 ]
استدرك ما وصت من فرض الله الاعمال وما يحرم وما يحل ويدخل به يه ويخرج منه ومواقيته وما سكت عنه سوى ذلك من أعماله قامت الحجة عليه بأن سنة رسول الله إذا قامت هذا المقام مع فرض الله في كتابه مرة أو أكثر قامت كذلك أبدا (537) واستدل أنه لا تخالف له سنة أبدا كتاب الله وأن سنته وإن لم يكن فيها نص كتاب لازمه بما وصفت من هذا مع ما ذكرت سواه مما فرض الله من طاعة رسوله (538) ووجب عليه أن يعلم أن الله لم يجعل هذا لخلق غير رسوله (539) وأن يجعل قول كل أحد وفعله أبدا تبعا لكتاب الله ثم سنة رسوله (540) وأن يعلم أن عالما إن روي عنه قول يخالف فيه شيئا
——————————————————————————–
[ 199 ]
سن فيه رسول الله سنة لو علم سنة رسول الله لم يخالفها وانتقل عن وقوله إلى سنة النبي إن شاء الله وإن لم يفعل كان غير موسع له (541) فكيف والحجج في مثل هذا لله قائمة على خلقه بما افترض من طاعة النبي وأبان من موضعه الذي وضعه به من وحيه ودينه وأهل دينه [ في العدد (7) ] (542) قال الله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وقال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرؤ (543) وقال والائي يئسن من المحيض من نسائكم
——————————————————————————–
[ 200 ]
إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن (544) فقال بعض أهل العلم قد أوجب الله على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا وذكر أن أجل الحامل أمن تضع فإذا جمعت أن تكون حاملا متوفى عنها أتت بالعدتين معا كما اجدها في كل فرضين جعلا عليها أتت بهما معا (545) قال فلما قال رسول الله لسبيعة بنت الحرث ووضعت بعد وفاة زوجها بأيام قد حللت فتزوجني دل هذا على أن العدة في الوفاة والعدة في الطلاق بالاقراء والشهور إنما أريد به من لا حمل به من النساء وأن الحمل إذا كان فالعدة سواه ساقطة
——————————————————————————–
[ 201 ]
في محرمات النساء (546) قال الله (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبناءكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما والمحصنا ت من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما) (547) فاحتملت الآية معيين أحدهما أن ما سمى الله من نساء محرما محرم وما سكت عنه حلال بالصمت عنه وبقول الله
——————————————————————————–
[ 202 ]
(واحل لكم ما وراء ذلكم) وكان هذا المعنى هو الظاهر من الآية (548) وكان بينا في الآية تحريم الجمع بمعنى غير تحريم الامهات فكان ما سمى حلال حلال وما سمى حراما حرام وما نهى عن الجمع بينه من الاختين كما نهى عنه (549) وكان في نهيه عن الجمع بينهما دليل على أنه إنما حرم الجمع وأن كل واحدة منهما على الانفراد حلال في الاصل
——————————————————————————–
[ 203 ]
وما سواهن من الامهات والبنات والعمات والخالات محرمات في الاصل (550) وكان معنى قوله (وأحل لكم ما وراء ذلكم) من سمى تحريمه في الاصل ومن هو في مثل حاله بالرضاع أن ينكحوهن بالوجه الذي حل به النكاح

[ 210 ]
(567) فلما سن رسول الله على المعتدة من الوفاة الامساك عن الطيب وغيره كان عليها الامساك عن الطيب وغيره بفرض السنة والامساك عن الازواج والسكنى في بيت زوجها بالكتاب ثم السنة (568) واحتملت السنة في هذا الموضع ما احتملت في غيره من أن تكون السنة بينت عن الله كيف إمساكها كما بينت الصلاة والزكاة والحج واحتملت أن يكون رسول الله سن فيما ليس فيه نص حكم لله باب العلل في الاحاديث 569 – قال الشافعي قال لي قائل فإنا نجد من الاحاديث عن رسول الله لاحاديث في القرآن مثلها نصا وأخرى في القرآن مثلها
——————————————————————————–
[ 211 ]
جملة وفي الاحاديث منها أكثر مما في القرآن وأخرى ليس منها شئ في القرآن وأخرى موتفقة وأخرى مختلفة ناسخة ومنسوخة وأخرى مختلفة ليس فيها دلالة على ناسخ ولا منسوخ وأخرى فيها نهي لرسول الله فتقولون ما نهى عنه حرام وأخرى لرسول الله فيها نهي فتقولون نهيه وأمره على الاختيار لا على التحريم ثم نجدكم تذهبون إلى بعض المختلفة من
——————————————————————————–
[ 212 ]
الاحاديث دون بعض ونجدكم تقيسون على بعض حديثه ثم يختلف قياسكم عليها وتتركون بعضا فلا تقيسون عليه فما حجتكم في القياس وتركه ثم تفترقون بعد فمنكم من يترك من حديثه الشئ ويأخذ بمثل الذي ترك وأضعف إسنادا منه (570) قال الشافعي فقلت له كل ما سن رسول الله مع كتاب الله من سنة فهي موافقة كتاب الله في النص بمثله وفي الجملة بالتبيين عن الله والتبيين يكون أكثر تفسيرا من الجملة (571) وما سن مما ليس فيه نص كتاب الله فيفرض الله طاعته عامة في أمره تبعناه (572) وأما الناسخة والمنسوخة من حديثه فهي كما نسخ الله الحكم في كتابة عامة في امره وكذلك سنة رسول الله تنسخ بسنته
——————————————————————————–

==========

396 ]
(1091) عبد العزي ز عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله قال ” من قال على ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ” (1092) يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن أبي بكر بن سالم عن سالم عن بن عمر أن النبي قال ” إن الذي يكذب علي يبني له بيت في النار ”
——————————————————————————–
[ 397 ]
(1093) حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن عبد العزيز بن محمد عن أسيد بن أبي أسيد عن أمه قالت قلت لابي قتادة مالك لا تحدث عن رسول الله كما يحدث الناس عنه قالت فقال أبو قتادة سمعت رسول الله يقول من كذب علي فليتلمس لجنبه مضجعا من النار فجعل رسول الله يقول ذلك ويمسح الارض بيده (1094) سفيان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله قال ” حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج
——————————————————————————–
[ 398 ]
وحدثوا عني ولا تكذبوا علي ” (1095) وهذا أشد حديث روي عن رسول الله في هذا وعليه اعتمدنا مع غيره في أن لا نقبل حديثا إلا من ثقة ونعرف صدق من حمل الحديث من حين ابتدئ إلى أن يبلغ به منتهاه (1096) فإن قال قائل وما في هذا الحديث من الدلالة على ما وصفت (1097) قيل قد أحاط العلم أن النبي لا يأمر أحدا بحال أبدا أن يكذب على بني إسرائيل ولا على غيرهم فإذا أباح الحديث
——————————————————————————–
[ 399 ]
عن بني إسرائيل أن يقبلوا الكذب على بني إسرائيل أباح وإنما أباح قبول ذلك عن من حدث به ممن يجهل صدقه وكذبه (1098) ولم يبحه أيضا عن من يعرف كذبه لانه يروي عنه أنه ” من حدث بحديث وهو يراه كذبا فهو أحد الكاذبين ” ومن حدث عن كذاب لم يبرأ من الكذب لانه يرى الكذاب في حديثه كاذبا (1099) ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه غلا بصدق المخبر وكذبه إلا في الخاص القليل من الحديث وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه
——————————————————————————–
[ 400 ]
(1100) وإذا فرق رسول الله بين الحديث عنه والحديث عن بني إسرائيل فقال ” حدثوا عني ولا تكذبوا علي ” فالعلم إن شاء الله يحيط ان الكذب الذي نهاهم عنه هو الكذب الخفي وذلك الحديث عمن لا يعرف صدقه لان الكذب إذا كان منهيا عنه على كل حال فلا كذب أعظم من كذب على رسول الله صلى الله عليه
——————————————————————————–
[ 401 ]
الحجة في تثبيت خبر الواحد (1101) قال الشافعي فإن قال قائل اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر أو دلالة فيه أو إجماع (1102) فقلت له أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي قال ” نصر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل
——————————————————————————–
[ 402 ]
عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من روائهم ” (1103) فلما ندب رسول الله إلى استمع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها والامرء واحد دل على انه لا يأمر
——————————————————————————–
[ 403 ]
أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه لانه إنما يؤدي عنه حلال وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين ودنيا (1104) الله عز وجل ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظا ولا يكون فيه فقيها (1105) وأمر رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين إن شاء الله لازم (1106) أخبرنا سفيان قال أخبرني سالم أبو النضر انه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال قال النبي ” لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما نهيت عنه
——————————————————————————–
[ 404 ]
أو أمرت به فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ” (1107) قال بن عيينة وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي بمثله مرسلا (1108) وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله وإعلامهم أنه لازم لهم وإن لم يجدوا له نص حكم في كتاب الله وهو موضوع في غير هذا الموضع (1109) أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ” أن رجلا قبل امرأته وهو صائم فوجد من ذلك وجدا شديدا فأرسل امرأته تسأل عن ذلك فدخلت على أم سلمة أم المؤمنين فأخبرتها فقالت أم سلمة إن رسول الله يقبل وهو صائم فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شرا وقال لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء فرجعت المرأة إلى
——————————————————————————–
[ 405 ]
أم سلمة فوجدت رسول الله عندها فقال رسول الله ما بال هذه المرأة فأخبرته أم سلمة فقال ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك فقالت أم سلمة قد اخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاد ذلك شرا وقلا لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء فغضب رسول الله ثم قال والله إني لاتقاكم لله ولاعلمكم بحدوده (1110) وقد سمعت من يصل هذا الحديث ولا يحضرني ذكر من وصله
——————————————————————————–
[ 406 ]
(1111) قال الشافعي في ذكر قول النبي صلى الله عليه ” الا أخبرتيها أني أفعل ذلك ” دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله لانه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لمن أخبرته (1112) وهكذا خبر امرأته إن كانت من أهل الصدق عنده (1113) أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن بن عمر قال ” بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت فقال إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ” (1114) وأهل قباء أهل سابقة من الانصار وفقه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالا
——————————————————————————–
[ 407 ]
(1115) الله عز وجل ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة ولم يلقوا رسول الله ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعا من رسول الله ولا بخبر عامة وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي انه حدث عليهم من تحويل القبلة (1116) ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق
——————————————————————————–
[ 408 ]
(1117) رضي الله تعالى عنها ولا ليحدثوا أيضا مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثه (1118) ولا يدعون أن يخبروا رسول الله بما صنعوا منه (1119) ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة وهو فرض مما يجوز لهم لقال لهم إن شاء الله رسول قد كنتم على قبلة ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني أو خبر عامة أو أكثر من خبر واحد عني (1120) أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة
——————————————————————————–
[ 409 ]
عن أنس بن مالك قال ” كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شرابا من فضيخ وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت ” (1121) وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتقدم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم (1122) وقد كان الشراب عندهم حلالا يشربونه فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر فأمر أبو طلحة وهو مالك
——————————————————————————–
[ 410 ]
الجرار بكسر الجرار ولم يقل هو ولاهم ولا واحد منهم نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا أو يأتينا خبر عامة (1123) وذلك انهم لا يهريقون حلالا إهراقه سرف وليسوا من أهله (1124) والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله ما فعلوا ولا يدع لو كان قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله (1125) وأمر رسول الله أنيسا أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زنت ” فإن اعترفت فارجمها ” فاعترفت فرجمها (1126) وأخبرنا بذلك مالك وسفيان عن الزهري
——————————————————————————–
[ 411 ]
عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وساقا عن النبي وزاد سفيان مع أبي هريرة وزيد بن خالد شبلا (1127) أخبرنا عبد العزيز عن بن الهاد عن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت ” بينما
——————————————————————————–
[ 412 ]
نحن بمنى إذ علي بن أبي طالب على جمل قول إن رسول الله يقول إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد فاتبع الناس وهو على جمله يصرخ فيهم بذلك (1128) ورسول الله لا يبعث بنهيه واحدا صادقا إلا لزم خبره عن النبي بصدقه عن المنهيين عن ما أخبرهم أن النبي نهى عنه (1129) ومع رسول الله الحاج وقد كان قادرا على أن يبعث إليهم فيشافههم أو يبعث إليهم عددا فبعث واحدا يعرفونه بالصدق (1130) الله تبارك وتعالى وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله
——————————————————————————–
[ 413 ]
(1131) فإذا كان هكذا مع ما وصفت من مقدرة النبي على بعثه جماعة إليهم كان ذلك إن شاء الله فيمن بعده ممن لا يمكنه ما أمكنهم وأمكن فيهم أولى ان يثبت به خبر الصادق (1132)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: