مقدمات في علم مختلف الحديث

مقدمات في علم مختلف الحديث

علي العويشز

الحمد لله أحق حمداً وأوفاه، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خير خلقه ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه، واتبع سنته، واهتدى بهداه إلى يوم نلقاه.

أما بعد:

فهذه مقدمات في علم مختلف الحديث تشتمل على: (تعريف علم مختلف الحديث، ومشكله والفَـرْقُ بينهما، وأهميّة علم مختلف الحديث، والمؤلفـات فيه، وبيان حقيقة الاختلاف الحقيقي، والظاهري، وأسبابه. وترتيب مسالك أهل العلم في دفع مختلف الحديث).

أسأل الله – تعالى -أن ينفع بها كاتبها ومن قرأ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيداً

أولاً: تعريف مختلف الحديث:

مختلف الحديث لغةً:

المختلِف والمختلَف بكسر اللام وفتحها، فعلى الأول يكون اسم فاعل، وعلى الثاني يكون اسم مفعول، وهو من اختلف الأمران إذا لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف، ومنه قول الله – تعالى -: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ (النحل: 69) وقوله – تعالى -: وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ (الأنعام: 141) أي: في حال اختلاف أُكُلِه(1). والخاء واللام والفاء تدور معانيها على ثلاثة أصول:

أحدها: (خَلَف): وهو أن يجئ شيء بعد شيء يقوم مقامه.

والثاني: (خَلْف) وهو غير قُدَّام.

والثالث: (خَلَف) وهو التغير(2).

وأما في الاصطلاح:

فمن ضبط كلمة (مختلف) على وزن اسم فاعل (مُختلِف) بكسر اللام، عرفه بأنه: الحديث الذي عارضه – ظاهراً – مثله(3).

ومن ضبطها بفتح اللام (مُختلَف) على وزن اسم مفعول قال في تعريفه: أَنْ يأْتي حديثان مُتَضادَّان في المعنى ظاهراً(4).

وعليه فيكون المراد بالتعريف على الضبط الأول الحديث نفسه. والمراد بالتعريف على الضبط الثاني نفس التضاد والتعارض والاختلاف.

ثانياً: مشكل الحديث:

المُشكل في اللغة: المُختلط والمُلتبس، يقال: (أشكل الأمر: التبس)(5) و (أشكل عليّ الأمر، إذا أختلط. وأشكلت عليًّ الأخبار وأحلكت: بمعنى واحد)(6)

وأما في اصطلاح أهل الحديث فيمكن تعريفه بأنه: الحديث الذي لم يظهر المراد منه لمعارضته مع دليل آخر صحيح(7).

ثالثاً: الفرق بين مختلف الحديث ومشكله:

عند التأمل في تعريف مختلف الحديث ومشكله يظهر لنا الفرق بينهما، وأوضح ذلك من خلال ما يلي:

1- الفرق اللغوي:

أ‌- فالمختلف لغة مشتق من الاختلاف.

ب‌- بينما المشكل لغة مشتق من الإشكال، وهو الالتباس.

2- الفرق في السبب:

أ‌- فالمختلف سببه معارضة حديث لحديث ظاهراً.

ب‌- بينما مشكل الحديث سبب الإشكال فيه قد يكون التعارض الظاهري بين آية و حديث، وقد يكون سببه التعارض الظاهري بين حديثين أو أكثر، وقد يكون سببه معارضة الحديث للإجماع، وقد يكون سببه معارضة الحديث للقياس، وقد يكون سببه مناقضة الحديث للعقل، وقد يكون سببه غموضاً في دلالة لفظ الحديث على المعنى لسبب في اللفظ، فيكون مفتقر إلى قرينة خارجية تزيل خفاءه كالألفاظ المشتركة.

3- الفرق في الحكم:

أ‌- فالمختلف حكمه محاولة المجتهد التوفيق بين الأحاديث المختلفة بإعمال القواعد المقررة عند أهل العلم في ذلك.

ب‌- وأما المشكل فحكمه النظر والتأمل في المعاني المحتملة للفظ وضبطها، والبحث عن القرائن التي تبين المراد من تلك المعاني(8).

رابعاً: أهمية علم مختلف الحديث، والمؤلفات فيه:

علم مختلف الحديث له أهمية كبيرة، أُبرزها من خلال الأمور التالية:

1) أنَّ فهم الحديث النبويّ الشريف فهماً سليماً، واستنباط الأحكام الشرعية من السنة النبويّة على- صاحبها أفضل الصلاة و أتم التسليم – استنباطاً صحيحاً لا يتم إلا بمعرفة مختلف الحديث. وما من عالم إلا وهو مضطرٌ إليه ومفتقر لمعرفته. ولذا فقد تنوعت عبارات الأئمة في بيان مكانة مختلف الحديث وعظيم منزلته. ومن ذلك قول ابن حزم الظاهري(9) – رحمه الله تعالى -: “وهذا من أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف النصوص وأغمضه وأصعبه”(10). وقال أبو زكريا النووي(11) – رحمه الله تعالى -: ” هذا فنٌ من أهمِّ الأنواع، ويضطرُّ إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف “(12). وقال ابن تيمية(13) – رحمه الله تعالى -: ” فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر خضم”(14).

2) أنَّ كثيراً من العلماء اعتنوا بمختلف الحديث عنايةً كبيرةً، من هؤلاء إمام الأئمة ابن خزيمة(15) – رحمه الله تعالى -فهو من أحسن الناس كلاماً فيه حتى قال عن نفسه: (لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما)(16).

ومن العلماء من صنف به مصنفات كالإمام محمد بن إدريس الشافعي(17) في كتابه “اختلاف الحديث” الذي ذكر فيه طرفاً من الأخبار المتعارضة، ولم يقصد الاستقصاء. قال النووي – رحمه الله تعالى -: (وصنف فيه الإمام الشافعي ولم يقصد – رحمه الله – استيفاؤه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه)(18).

وممن صنف فيه كذلك أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَري(19) – رحمه الله تعالى -في كتابه “تأويل مختلف الحديث” وكان غرضه من هذا الكتاب (الرد على من ادّعى على الحديث التناقض والاختلاف، واستحالة المعنى من المنتسبين إلى المسلمين)(20)، قال النووي – رحمه الله تعالى -: (ثم صنف فيه ابن قتيبة فأتى بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة لكون غيرها أقوى وأولى وترك معظم المختلف)(21).

ومنهم أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي(22) – رحمه الله تعالى -في كتابه”مشكل الآثار” وهو من أعظم ما صنف في هذا الباب، وقد بيّن في مطلع كتابه غرضه من تأليف الكتاب فقال: (وَإِنِّي نَظَرْتُ في الآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عنه – صلى الله عليه وسلم – بِالأَسَانِيدِ الْمَقْبُولَةِ التي نَقَلَهَا ذَوُو التَّثَبُّتِ فيها وَالأَمَانَةِ عليها وَحُسْنِ الأَدَاءِ لها فَوَجَدْت فيها أَشْيَاءَ مِمَّا يَسْقُطُ مَعْرِفَتُهَا وَالْعِلْمُ بما فيها عن أَكْثَرِ الناس، فَمَالَ قَلْبِي إلَى تَأَمُّلِهَا وَتِبْيَانِ ما قَدَرْت عليه من مُشْكِلِهَا وَمِنْ اسْتِخْرَاجِ الأَحْكَامِ التي فيها وَمِنْ نَفْيِ الإِحَالاَتِ عنها وَأَنْ أَجْعَلَ ذلك أَبْوَابًا أَذْكُرُ في كل بَابٍ منها ما يَهَبُ اللَّهُ – عز وجل – لي من ذلك منها حتى أتى فِيمَا قَدَرْت عليه منها كَذَلِكَ مُلْتَمِسًا ثَوَابَ اللهِ – عز وجل – عليه، وَاَللَّهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ وَالْمَعُونَةَ عليه، فإنه جَوَّادٌ كَرِيمٌ، وهو حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)(23).

ومنهم أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورَك(24) – رحمه الله تعالى -في كتابه “مشكل الحديث وبيانه” وهذا الكتاب جمع فيه مؤلفه جملة من أحاديث العقيدة التي رأي ابن فورك أن ظاهرها التشبية والتجسيم بناءً على مذهبه في الصفات، فيقوم بتأويلها وصرفها عن ظاهرها المراد منها(25) وغيرهم.

ومنهم من لم يفردوه بالتصنيف، لكنهم قد بثوه وفرقوه في كتبهم من هؤلاء حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر(26)، وشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وأبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب (27)، والحافظ أحمد بن علي العسقلاني(28)، و شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية) – رحمهم الله – جميعاً- وغيرهم. والأمر كما قال النووي – رحمه الله -: (وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغواصون على المعاني)(29).

3) أنَّ النظر في طرق العلماء ومناهجهم في دفع إيهام الاضطراب عن أحاديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم – يُنمّي لدى طالب العلم ملكة في التعامل مع النصوص الشرعية، وكذلك يربيه على تقديس وتعظيم وإجلال الوحي كتاباً وسنةً فلا يرد منها شيئاً، بل يجتهد في طلب التوفيق و الجمع بينها؛ وذلك لعلمه أن نصوص الوحي لا تتعارض بحال. قال ابن القيم – رحمه الله تعالى -: (فصلوات الله وسلامه على من يصدّق كلامه بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض، فالاختلاف والإشكال والاشتباه إنما هو في الأفهام، لا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام، والواجب على كل مؤمن أن يَكِلَ ما أشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم)(30)

4) أنَّ مختلف الحديث يكتسب أهميته من أهمية مُتعلقه وهو فقه الحديث، وقد بلغ من عناية أئمة الحديث بهذا الشأن مبلغاً عظيماً حيث عدَّه بعضهم نصف العلم. قال الإمام علي ابن المديني(31)- رحمه الله -: 0(التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم)(32).

خامساً: بيان حقيقة الاختلاف الحقيقي والظاهري:

أ‌- الاختلاف الحقيقي: هو التضاد التام بين حجتين متساويتين دلالةً وثبوتاً وعدداً، ومتحدتين زماناً ومحلاً(33). وهذا لا يمكن وقوعه في الأحاديث النبوية؛ لأنها وحي من الله – تعالى -قال الله – سبحانه -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم 3: 4) والوحي يستحل وقوع الاختلاف والتناقض فيه لقوله – تعالى -: ] وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً[(النساء: 82) قال الإمام محمد بن جرير الطبري(34) – رحمه الله تعالى -في تفسيره لهذه الآية: (وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضاً بالتصديق وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض)(35) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به)(36) وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى -: (وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخاً للآخر فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم – الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق)(37).

ب‌- الاختلاف الظاهري: وهو وهم يكون في ذهن الناظر، ولا وجود له في الواقع (38). قال إبراهيم بن موسى الشاطبي(39) – رحمه الله -: (كل من تحقق بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض كما أن كل من حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابه لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر فيلزم أن لا يكون عنده تعارض ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم)(40)

وهذا الاختلاف الظاهري له أسباب عديدة قد أوضح ابن القيم – رحمه الله تعالى -شيئاً منها فقال – رحمه الله تعالى -: (ونحن نقول لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض، فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه – صلى الله عليه وسلم -، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتاً، فالثقة يغلط، أو يكون أحد الحديثين ناسخاً للآخر، إذا كان مما يقبل النسخ، أو التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه – صلى الله عليه وسلم -، فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة. وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخاً للآخر فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يُوجد في كلام الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم – الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه و معلوله، أو من القصور في فهم مراده – صلى الله عليه وسلم -، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معاً، ومن ههنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع وبالله التوفيق)(41). وقال كذلك (وإن حصل تناقض فلابد من أحد أمرين: إما أن يكون أحد الحديثين ناسخاً للآخر، أو ليس من كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخاً فلا تناقض ولا تضاد هناك البتة، وإنما يُؤتى من يُؤتى هناك من قبل فهمه، وتحكيمه آراء الرجال، وقواعد المذهب على السنة، فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف)(42).

ومن خلال الكلام السابق لابن القيم يظهر أن أسباب التعارض والاختلاف ترجع إلى:

1) إما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه – صلى الله عليه وسلم -، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتاً، فالثقة يغلط.

2) وإما أن يكون أحد الحديثين ناسخاً للآخر، إذا كان مما يقبل النسخ.

3) وإما أن يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه – صلى الله عليه وسلم -.

4) وإما من جهة تقصير الناظر في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه و معلوله. أو من القصور في فهم مراده – صلى الله عليه وسلم -، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معاً.

5) أو تحكيم آراء الرجال، وقواعد مذهب من المذاهب على السنة النبوية على صاحبه أفصل الصلاة وأتم التسليم.

o سادساً: مسالك أهل العلم في دفع مختلف الحديث:

القول الذي عليه جماهير أهل العلم(43) في دفع التعارض الظاهري بين مختلف الحديث، هو أن يسلك المجتهد الطرق التالية:

1- الجمع بين الحديثين: لاحتمال أن يكون بينهما عموم وخصوص، أو إطلاق وتقييد، أو مجمل ومبين؛ لأن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن إعمال الكلام أولى من إهماله(44) قال الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى -: (ولا ينسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجها يمضيان معا إنما المختلف ما لم يمضي إلا بسقوط غيره مثل أن يكون الحديثان في الشيء الواحد هذا يحله وهذا يحرمه)(45) قال الخطابي (46) – رحمه الله تعالى -: (وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر، أن لا يحملا على المنافاة، ولا يضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث) (47).

2- النسخ: إن لم يمكن الجمع بين الحديثين، نُظِر في التاريخ؛ لمعرفة المتأخر من المتقدم، فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم، قال الشافعي – رحمه الله -: (فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام كان أحدهما ناسخا والآخر منسوخا) (48).

3- الترجيح: إن لم يمكن الجمع، ولم يقم دليل على النسخ، وجب المصير إلى الترجيح الذي هو تقوية أحد الحديثين على الآخر بدليل(49) لا بمجرد الهوى. قال الشافعي – رحمه الله تعالى -: (ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بمعنى سنن النبي – صلى الله عليه وسلم – مما سوى الحديثين المختلفين أو أشبه بالقياس فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه)(50). وقال الشوكاني(51) – رحمه الله – في مبحث وجوه الترجيح بين المتعارضين: (إنه متفق عليه، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح)(52).

4- التوقف: إذا تعذر كل ما تقدم من الجمع والنسخ والترجيح فإنه يجب التوقف حينئذ عن العمل بأحد الحديثين حتي يتبين وجه الترجيح. قال الشاطبي – رحمه الله تعالى -: (…التوقف عن القول بمقتضى أحدهما وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح… )(53). قال السّخاوي(54) – رحمه الله تعالى -: (ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفى عليه وفوق كل ذي علم عليم)(55).

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

————

(1) لسان العرب (9/91)، القاموس المحيط (1042-1043)، تاج العروس (23/240-281).

(2)مقاييس اللغة (2/210). بتصرف.

(3) شرح نخبة الفكر للقارئ (362).

(4) تدريب الراوي (2/175)، المنهل الروي لابن جماعة (60)، منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث (54)، مختلف الحديث بين المحدثين والأصوليين الفقهاء (25-26).

(5) القاموس المحيط (1317).

(6) لسان العرب (11/357).

(7) لم أجد من نص على تعريف المشكل في اصطلاح المحدثين، إلا بعض الباحثين المعاصرين، مثل د. نافذ حسين حمّاد في كتابه (مختلف الحديث)، و د. أسامة بن عبد الله خيّاط، وقد اعتمدا على تعريفهما للمشكل على قول الإمام أبي جعفر الطحاوي – رحمه الله – في كتابه شرح مشكل الآثار(1/6): (وإني نظرت في الآثار المروية عنه – صلى الله عليه وسلم – بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها، والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مُشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها).

(8) ينظر: مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين د. نافذ حسين (15)، مختلف الحديث بين المحدثين والأصوليين د. أسامة خياط (33-38)، منهج التوفيق بين مختلف الحديث د. عبد المجيد السوسوة (56-58) أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين د. سليمان الدبيخي(28-29).

(9) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، كان شافعياً ثم انتقل إلى القول بالظاهر ونفي القياس توفي سنة (456هـ). ينظر: تذكرة الحفاظ (3/1146).

(10)الإحكام في أصول الأحكام (2/163).

(11) هو أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الشافعي فقيه، حافظ، زاهد، آمر بالمعروف، ناه عن المنكر ولد بنوى سنة (631هـ) وتوفي سنة (676هـ) له مصنفات نافعة مباركة منها شرح صحيح مسلم، والمجموع في الفقه، ورياض الصالحين وغيرها. ينظر: تذكرة الحفاظ(4/1470).

(12) تدريب الراوي (2/175). و قريب منه كلام ابن جماعة في المنهل الروي (60)، وكذا السخاوي في فتح المغيث (3/470).

(13) تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني الإمام المجتهد الحافظ شيخ الإسلام، وعلم الزهاد، ونادرة العصر، وكان من الأذكياء المعدودين، ولد سنة (661هـ) وتوفي محبوساً بقلعة دمشق سنة (728هـ). التذكرة (4/1496).

(14)مجموع الفتاوى (20/ 246).

(15) الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، كان إماماً ثبتاً عديم النظير، ولد سنة (223هـ) وتوفي سنة (311هـ). التذكرة (2/720).

(16)تدريب الراوي (2/176)، المنهل الروي (1/60)، فتح المغيث (3/470).

(17) أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، صاحب المذهب الشهير، وكان مع ذا أديباً شاعراً بليغاً ومحدثاً إماماً وكان ذكياً شديد الذكاء، ولد سنة (150هـ)وتوفي سنة (204هـ). التذكرة (1/361).

(18) تدريب الراوي (2/196).

(19) النحوي، اللغوي، الأديب، كان ثقة ديناً فاضلاً وصاحب تصانيف مشهورة، ولد سنة (213هـ) وتوفي سنة (270هـ). سير أعلام النبلاء (13/296).

(20) تأويل مختلف الحديث (145).

(21) تدريب الراوي (2/196).

(22) الأزدي المصري، إمام حافظ ومحدث فقيه، تفقه على مذهب الشافعي ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة، توفي سنة (321هـ). الشذرات (2/288).

(23)شرح مشكل الاثار (1/6).

(24) بضم الفاء، وفتح الراء الأصبهاني المتكلم الأصولي، صاحب التصانيف في الأصول والعلم روى مسند الطيالسي، وكان ذا زهد وعبادة وتوسع في الأدب والكلام والوعظ والنحو، وكان أشعرياً، توفي سنة (406هـ). الشذرات(3/181).

(25) ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/558-569)، وأحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين(39-40).

(26) النَّمَري الأندلسي القرطبي المالكي صاحب التصانيف، ليس لأهل المغرب أحفظ منه، إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما توفي سنة (463هـ). الشذرات (3/314).

(27) البغدادي الدمشقي الحنبلي، عالم حافظ زاهد قدوة وهو أعرف أهل زمانه بالعلل، وكان لا يعرف شيئاً من أمور الناس ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات، وكان يسكن بالمدرسة السكرية، وله مصنفات جياد توفي سنة (795هـ). الشذرات (6/339).

(28) الكناني الشافعي أبو الفضل شهاب الدين الشهير بابن حجر نسبة إلى آل حجر قوم تسكن الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس، العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، اشتغل بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث فعلت شهرته فيه فقصده الناس للأخذ عنه، وأصبح حافظ الإسلام في عصره، وقد ولي القضاء وتوفي سنة (852هـ). الشذرات (7/270).

(29) تدريب الراوي (2/175). و قريب منه كلام ابن جماعة في المنهل الروي (60)، وكذا السخاوي في فتح المغيث (3/71).

(30) مفتاح دار السعادة (3 / 383).

(31)هو الإمام أحد الأعلام أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم البصري الحافظ صاحب التصانيف قال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند ابن المديني. وقال أبو داود: ابن المديني أعلم باختلاف الحديث من أحمد بن حنبل. وقال عبد الرحمن بن مهدي: علي بن المديني: أعلم الناس بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وخاصة بحديث سفيان بن عيينة توفي سنة(234هـ). الشذرات (2/81)

(32) المحدث الفاصل (320)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/211)، سير أعلام النبلاء (11/48).

(33) منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث(59).

(34) أبو جعفر الحافظ، كان إماماً في علوم كثيرة كالتفسير والحديث والفقه والتاريخ، وكان إماماً مجتهداً لم يقلد أحداً توفي سنة (310هـ)تذكرة الحفاظ(2/710).

(35)تفسير الطبري (5/179).

(36) المسودة (306).

(37)زاد المعاد(4/ 149)، وينظر: مفتاح دار السعادة (3 / 383).

(38) منهج التوفيق والترجيح(87).

(39) اللخمي الغرناطي، أصولي حافظ، من أئمة المالكية، توفي سنة (790هـ). الأعلام (1/75)

(40)الموافقات (4/294)

(41) زاد المعاد (4/149).

(42) إعلام الموقعين (2/425).

(43) ينظر: الرسالة للشافعي (341-342)، قواطع الأدلة في الأصول (1/404)، مجموع الفتاوى (20/247)، إعلام الموقعين (2/425)، الموافقات (4/294)، التقييد والايضاح (2/844)، تدريب الراوي (2/175)، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (3/474)، المنهل الروي (60)، منهج الاستدلال على مسائل الأعتقاد عند أهل السنة والجماعة (1/322)، معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (279)، منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث (113) مختلف الحديث د. نافذ حسين (125)، مختلف الحديث د. أسامة خياط (125-332).

(44) الإبهاج (2/129)، المنثور (1/183)، قواعد الفقه للمجددي (60)، شرح القواعد الفقهية للزرقا (321)، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (187).

(45)الرسالة (1/342).

(46) الإمام العلامة المفيد الحافظ اللغوي أبو سليمان حمْد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، صاحب التصانيف، توفي سنة (388هـ). التذكرة (3/1018).

(47) معالم السنن (3/68).

(48) اختلاف الحديث (487).

(49) المجموع (13/110-111-120-121).

(50) اختلاف الحديث (487).

(51) هو العلامة محمد بن علي محمد بن عبد الله الشوكاني فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، تولى القضاء، وكان محارباً للتقليد توفي سنة (1205هـ). الأعلام (6/298).

(52)إرشاد الفحول (460).

(53)الموافقات (4/154).

(54) العلامة محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السّخاوي الشافعي، صنف مصنفات عدة، لازم الحافظ ابن حجر ملازمة شديدة توفي سنة (902هـ). الأعلام (6/194).

(55)فتح المغيث (3/475).

15 / 4 / 1428

http://www.almoslim.net

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: