أسد رستم مؤرخ الكنيسة الأنطاكيّة واستخدامه منهج مصطلح الحديث في بحث التاريخ

يقوم بعض الجهلاء في الخوض في امور لا يفهمون بها ويبدء بالتحدث عن السنة والاحاديث و التشكيك بها وكما هي
القاعدة العلمية المنطقية تقول : ( لا يصح قبول جرح الخصم لخصمه ، بخلاف المدح فإنه مقبول ) 
  ألف أحد علماء التاريخ في العصر الحاضر كتاباً في أصول الرواية التاريخية وهو كتاب مصطلح التاريخ لمؤلفه النصراني ” أسد رستم ” ، اعتمد فيه على قواعد علم الحديث ، واعترف بأنها طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات ، وقال بعد أن ذكر وجوب التحقق من عدالة الراوي ، والأمانة في خبره : ” ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب ، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم نورده بحرفه وحذافيره تنويهاً بتدقيقهم العلمي ، اعترافاً بفضلهم على التاريخ ” ثم أخذ ينقل نصوصاً عن بعض أئمة هذا الشأن .

تعريف بالمؤلف

أسد رستم مؤرخ الكنيسة الأنطاكيّة
  بقلم: د. لميا رستم شحاده

رسالة كنيسة أنطاكية الاتحاد بين جميع الكنائس
أربعون عاما ونيف على رحيل اسد رستم في الجسد ومائة وعشر سنوات على ولادته، وكان في هذه الحقبة مغتبطا لوجوده في تلك الايام التاريخية التي كانت كنيسة المسيح خلالها تنشد الوحدة “تائبة عما مضى من شقاق أليم طال امده” ولمشاركته في تحقيقها. فكان يسعى دائما في لقاءاته وكتاباته الى وحدة الكنيسة ويدعو الى المحبة. فحيث وُجدت المحبة وُجدت الوحدة وانعدم الشقاق، فجاء ايمانه “المحبة لا تسقط ابدا”. ونادى بواجبنا “ان نُقلع عن التشويق الى طقس معين ارثوذكسياً كان ام كاثوليكيا. فكنيسة المسيح غربية وشرقية في آن واحد. ويجب ان تبقى هكذا لأن السيد المخلص إله كامل في انسان كامل ولأن هذه الصفة الشاملة التي تضم الشرق والغرب صفة لازمة للكنيسة على مر العصور…: واذا ما تمت هذه المهادنة بيسوع وله وتابعنا الصلاة المخلصة الحارة من اجل ثبات كنائس الله المقدسة واتحاد الجميع زال من نفوسنا مركّب الشقاق والانشقاق. وحل مكانه مركب المحبة. وعندئذ نجلس معا ونتبادل الرأي بالهام الروح القدس الى ما فيه مشيئة الله وخير البشر”.
كان اسد رستم مؤمنا بالله، بالرغم من ثقافته العالية وتوسعه في العلوم اربعين سنة بعد شهادته في الفلسفة من جامعة شيكاغو بمرتبة العلي الاعلى summa cum laude في خريف عام 1923. وقد فسر ايمانه بأن “ليس كل معقول قابلا للاثبات. بحجج العقل، ولأن حقائق الوجود اعمق من ان يسبر غورها عقل محدود”. والدين المسيحي على حد قوله “لا يقتصر على ما يثبته العقل بدليل منه. ولو اقتصر على ذلك لما شعرنا بحاجة اليه. ولكنه لا يعلم ما يراه العقل محالا ولو فعل لكان ضربا من الضلال والتضليل، وحقائقه الوحي عندي كالشمس، تبهر ولكنها تنير السبيل. والاسرار الثلاثة الكبرى: سر الثالوث وسر التجسد وسر الفدى لا تثبت بدليل من عقلنا المحدود. ولو اثبتت بدليل من عقلنا البشري لما بقيت اسرارا. ومن السخف ان نشد بها الى اسفل، الى مستوى هذا العقل المحدود لنفهمها. ولكننا اذا تحلينا بنعمة الايمان والايمان نعمة من الله، ومارسنا الاسرار السبعة الصغرى، يرفعنا هذا الايمان وهذا التقديس بالاسرار الى مستوى عال نتمكن فيه من تقدير هذه الاسرار كلها والاتحاد بالله منذ الآن”.
بدأ رحلته الكنسية وطريقه مع المسيح في العام 1957 على اثر ذبحة قلبية ألمت به في كانون الاول من السنة 1956 كادت ان تودي بحياته لولا العناية الالهية وعناية اطباء مستشفى الجامعة الاميركية. فما ان عاد الى نشاطه حتى تخلى عن الابحاث التي كان يقوم بها سابقا وأكب على كتابة تاريخ كنيسة انطاكية من السنة 34 بعد الميلاد الى السنة 1928 ونشره في 3 اجزاء فجاء ولم يزل فريداً من نوعه والمرجع الاساس لأي بحث في كنيسة انطاكية. وأتبعه بعدة ابحاث كنسية ولاهوتية كان آخرها ترجمة كتاب افسابيوس في تاريخ الكنيسة من اليونانية الى العربية والقاموس من لغة الانجيل المقدس اليونانية الى العربية والذي لسوء الحظ لم ير النور ليومنا هذا.
ومع ان الذبحة القلبية كانت المفتاح لغزارة ابحاثه في الكنيسة الا انه كان مؤمنا منذ ولادته ومحبا للكنيسة الارثوذكسية مع ان اباه جبرائيل كان من اوائل الانجيليين في قريته، الشوير. ولكن والدته كانت ارثوذكسية ممارسة قد صلّت لمجيئه لهذه الدنيا العابرة ونذرته للنبي الياس شفيع القرية وللسيدة العذراء فاستجيبت صلواتها بعد عشرين عاماً في السنة 1897 فأسمته اسداً ليعيش ويقوى. وكانت قد فقدت ابنها البكر، “خليل” بعد ستة اشهر من ولادته ولم ترزق بعد ذلك سوى بناتها الثلاث. وكانت في صوم السيدة العذراء من كل عام تخلع نعليها وتمشي الحفاء حاملة قفّة بيدها تستعطي من باب الى آخر وموزعة ما تجمعه على ابناء القرية وفاءً لنذرها. وكانت تأخذ ابنها اسداً كل سنة في يوم عيد النبي الياس الى مقام القديس على بعد نصف ساعة من القرية حافية القدمين وتجعله يضع في صندوق الدير ريالاً مجيدياً او ما يوازي خمس الليرة العثمانية الذهبية. وبقيت على عادتها هذه حتى بلغ اسد السابعة من عمره حين امسكت عن التوسل في شوارع البلدة. وعندما بلغ اسد الرابعة عشرة انقطعت عن الدفع السنوي الى النبي الياس لانها اعتبرت ان ابنها بدأ يدفع مال الاعناق المتوجب على كل لبناني حينئذ الى السلطان العثماني.
إلتحق اسد في خريف السنة 1911 بالكلية السورية الانجيلية في بيروت (الجامعة الاميركية لاحقاً) ودرس التاريخ القديم على يد الاستاذ هارولد نيلسن وفي عام 1916 بدأ بالتعليم في الكلية. واول ما نشره كان مقالاً صدر عام 1922 في مجلة انكليزية في لندن وفيه اعلن لرجال الاختصاص وللمرة الاولى ان الغابة الرومانية في لبنان كانت ضعفي ما ظنها ارنيست رينان (اديب ومفكّر فرنسي زار لبنان في القرن التاسع عشر) وذلك بناءً على ما اكتشفه من نقوش كتابية في اللغة اللاتينية في قناة باكيش وصنين وعين القبو وضهور الشوير تعود جميعها الى الامبراطور ادريانوس. وفي السنة ذاتها التحق بجامعة شيكاغو لمتابعة دراساته العليا، وذلك على نفقة رئيس الجامعة الاميركية حينئذ، بايارد دودج. فدرس التاريخ الشرقي القديم واللغات السامية واللغتين اللاتينية واليونانية، وساهم مساهمة كبيرة في اعداد المجلد الاول من قاموس اللغة الاشورية الذي نشرته جامعة شيكاغو.
عاد اسد الى بيروت في خريف عام 1923 ليُدرّس التاريخ في الجامعة الاميركية ففوجئ بالطلب ان يُعلّم تاريخ العرب في السنوات الاربعمائة الاخيرة. وادرك رستم ان تاريخ العرب لا يمكن فهمه علمياً كاملاً الا بمعرفة القرآن الكريم وتفسيره والفقه واصوله فبدأ يدرس القرآن وحفظ عدداً كبيراً من آياته الكريمة اعانته كثيراً فيما بعد، على حد تعبيره، على فهم تاريخ العرب وتفهمه. وشعر في الوقت ذاته، باتساع في افقه السياسي اعانه كثيراً على فهم اخوانه المواطنين اللبنانيين المسلمين، فأحبهم واحترموه فأحبوه.
انتقى رستم لنفسه كموضوع للبحث “النهضة العربية الحديثة” ورأى ان محمد علي باشا كان اكبر شخصيات هذه النهضة فانكب على درسه وادرك ان مصادر هذه الفترة من تاريخ العرب مجهولة. فبدأ يبحث عن الآثار الباقية من عهد الحكومة المصرية في سورية ولبنان وفلسطين. وقد كان يردد دوماً “اذا ضاعت الاصول ضاع التاريخ معها”. وتمكن من نشر هذه الاصول التي جمعها بنفسه في خمسة مجلدات. فأُعجب بهذا العمل فؤاد الاول، ملك مصر، وطلب منه درس ونشر المحفوظات الملكية في قصر عابدين فنشر رستم في خمسة مجلدات اخرى المحفوظات المتعلقة بمحمد علي وبلاد الشام. ولكنه لم يكتف بهذا القدر من تأسيس لعلم التاريخ في لبنان، فكان الرائد في تأليف كتابه الشهير “مصطلح التاريخ” وكان قد استعار عنوانه من الحديث الشريف، كما كان أول من اصطلح ان يسمي “شتى الآثار التي تخلفت عن السلف” أصولا معمماً بذلك التعبير الفقهي الاسلامي.
ووصف رستم دراسته للتاريخ بأنها درس لمجرد فهم الماضي دون استعماله لمآرب فلسفية او ايديولوجية. وكان رائده دوما الحقيقة العارية او المجردة والكاملة. “اني لا أقول في عملي العلمي الاصل في براءة الذمة وانما أقول الاصل الأتهام. فكل ما خلفه السلف متهم الى ان تثبت براءته. وشك المؤرخ في نظري رائد حكمته”.
ولكن رستم في هذه الاثناء بالرغم عن أبحاثه وسفره وترؤسه دائرة التاريخ في الجامعة الاميركية وتأسيس غرفة المحفوظات فيها وترؤسه لها واغنائها بالمحفوظات القيمة، وبالرغم عن تعيينه على لجنة انشاء المتحف الوطني ومتحف قصر بيت الدين ولجان أخرى تعنى بالمحفوظات والنقوش والمخطوطات الوطنية وطلب البطريركية المارونية منه تولّيه أمر النشر العلمي للوثائق المارونية الموجودة في بكركي، ومع أنه كان المستشار الشرقي في السفارة الاميركية (1943 – 1951) ومستشار الجيش للشؤون التاريخية (1952 – 1962) فكتب تاريخ الجيش وقاموس الالفاظ العسكرية وأنشأ اذاعة الجندي اللبناني وأغنى مجلة الجندي لسنوات عدة، وبالرغم من تفانيه كأستاذ ومعلم ومرشد، فانه لم ينس يوما الكنيسة الارثوذكسية، فكان معنيا بأمورها الداخلية منذ عام 1934 فكان المسؤول والوسيط بين بطريركية انطاكية ومطرانية الروم في بيروت من جهة والجامعة الاميركية في بيروت بشخص رئيسها بايارد دودج من جهة أخرى، لقبول عدد من الطلاب اللاهوتيين الاكليريكيين كل سنة على نفقة الجامعة. وفي السنة 1935 طلب من غبطة البطريرك الكسندروس أن يكون عراب ابنه الوحيد صلاح الدين فلباه الطلب.
وكان رستم مؤمنا بأن عناية الله واسعة دقيقة لكل من يتكل عليه ويعمل مشيئته. ولم يضرع مرة الى العذراء بحق على حد قوله، إلا “واستجابت مسرعة متوسلة شافعة”. وكان يؤمن بشدة وحرارة بوحدة الكنيسة معتبرها أساس الامانة التي يجب ان نسلمها لأولادنا. فقال “اذا كنا أرثوذكسيين حقيقيين يتوجب علينا ان نصلي بحرارة لأجل زوال هذا الشقاق وأن نبتهل بقلب منكسر ونفس منسحقة لأجل التقارب والوحدة” وأن النعمة الالهية “لا تعسر الناس قسرا وانما تعمل في المؤمنين عمل النور في الهواء فتخترق نفوسهم لتعطيهم حرارة واشعاعا. وكان يؤمن بأن لأبناء كنيسة انطاكية رسالة خاصة عبر العصور، رسالة سلام ومحبة واتحاد بين جميع الكنائس فيذكر قول القديس الانطاكي يوحنا الذهبي الفم “ان الذي يشق كنيسة الله يعمل عملا أفظع من انكار الايمان لأن الذي ينكر الايمان يهلك نفسا واحدة، واما الذي يشق الكنيسة فانه يهلك نفوسا كثيرة”. وردا على هؤلاء الذين يطلبون التثبت أولا من اخلاص هذه الكنيسة او تلك، يقول ان المحبة التي أعطينا اياها من الرب الاله والمخلص كما وصفها بولس الرسول “تتأنى وترفق ولا تطلب ما لنفسها ولا تظن السوء. تتغاضى عن كل شيء لأجل المسيح وتصدق كل شيء من أجل المسيح وترجو كل شيء لأجل المسيح وتصبر على كل شيء لأجل المسيح”. وقال رستم ان ميزة دينه ومذهبه ان الكلمة صار جسدا فكان إلها كاملا في انسان كامل. وهذا يفسر فشل الشرقي الصوفي الذي أذعن الى الله دون أن يكون حرا فجاء اذعانه سلبيا ويفسر ايضا فشل اليوناني الغربي الذي نشط وتحرر وحاول جهد المستطاع ان يصل بالانسان الى درجة الكمال ولكنه كان يجهل الله فأخفق. ففي الايمان الشرقي “بالاله المولود” وبكلمة ممثل الغرب بيلاطس البنطي “هوذا الرجل” تلتقي حاجة الشرق بحاجة الغرب ولا يبقى مجال لثقافة غربية او ثقافة شرقية فالمولود الجديد أوجد ثقافة انسانية شاملة وحرر البشر أجمعين لينصرفوا لتطبيق مشيئة الله على أكمل وجه.
وشدد رستم على التجدد الداخلي الذي يتم بانكار الذات وهو الاعتراف الداخلي بالعيوب والنقص والتنازل الحقيقي عما نسميه الكرامة الشخصية. ويتطلب استعداداً للتعاون مع الغير في سبيل مبدأ صحيح عام كلّي المفعول. فالشرقيون اخطأوا بالتمادي في التأمل والتعبد والمحافظة على قدسية الايمان، بينما اخطأ الغربيون ايضاً في التشديد على نواح معينة من العمل واعطائها المرتبة الاولى. فعندما نصبح مسيحيين حقيقيين، يقول رستم، يزول الجفاء ويسود التعاون والاحترام. فجاء عيب الغربيين والشرقيين اغفال المحبة التي وصفها بولس الرسول بأنها تتأنى ولا تحسد ولا تتباهى.
وجاءت كتابات رستم في الكنيسة كسابقة كتاباته باحثة عن الحقيقة المجردة، فلم يكن فيها اثر لآرائه الشخصية بل اكتفى بسرد الحقيقة كما وجدها محققاً بذلك شعاره الدائم “الحقيقة العارية” (Nuda Veritas). وكان، كما ذكرنا سابقاً، يعنى عناية خاصة بأصول التاريخ لان التاريخ، على حد قوله، “لا يقوم الا على الاثار التي خلفتها عقول السلف او ايديهم. فإذا سطت محن الدهر او عوادي الزمن على بعض هذه الاثار وازالت معالمها فقدها التاريخ وكانت كأنها لم توجد. وبفقدها يجهل تاريخ عصرها ورجالها. اما اذا بقيت وحفظت فقد حفظ التاريخ فيها. بهذا يرى المؤرخون لزاماً في اعناقهم قبل كل شيء ان يتفرغوا للبحث والتفتيش عن شتى الآثار التي تخلّفت عند السلف والتي اصطلحنا ان نسميها اصولاً (مقدمة “لبنان في عهد الامراء الشهابيين”).
وبعد انتهائه من كتابة تاريخ كنيسة انطاكية، تنبّه لنقص في الاصول التابعة للكنيسة. اذ ان حوادث سنة 1860 قضت على محفوظات الكرسي البطريركي بأجمعها واقدم ما لدينا من آثار يرجع الى السنوات 1860 – 1959. فأخذ على نفسه المهمة التي اخذها سابقاً في دراسة تاريخ بلاد الشام في عصر محمد علي باشا بجمع الاصول. ولكن حالته الصحية وكثرة اعماله منعته من السفر للتنقيب عنها بنفسه كما فعل سابقاً. فاكتفى بالنداء لجميع المعنيين عبر المجلات الكنسية كمجلة النور والنعمة والمسرّة، للبحث عنه وارسال اية مستندات توجد عند العائلات الارثوذكسية او المحاكم الروحية والكنائس المحلية اليه كي يجمعها وينشرها. وكان من الطبيعي ان يرى رستم ضرورة ايجاد معجم من يونانية العهد الجديد الى العربية لقراءة ودرس الاصول بلغتها الاصلية لمعرفة الحقيقة. فمع ان السيد المسيح تكلم الارامية وعلّم بها، لكن معظم الاناجيل وكل الرسائل دُوّنت باللغة اليونانية التي كانت رائجة آنذاك في جميع انحاء حوض المتوسط. ورأى معه تجمّع كنائس الشرق العربي وجوب الاعتناء باللغة اليونانية، لغة الانجيل والرسائل، والسعي لتعليمها في جميع المدارس الاكليريكية. فتألفت لجنة كبرى تمثّل جميع هذه الكنائس لتشرف على هذا العمل العلمي الديني بتعضيد صندوق تعليم اللاهوت ومؤازرة مجلس الكنائس العالمي.
وليس هذا اول عمل من نوعه في العالم. ولكن اسد رستم رأى انه علينا ان نحيط بما توصلوا اليه ونفهمه فهماً علمياً كاملاً وننقله الى العربية معدلين في بعض الاحيان بعض ما ذهبوا اليه لاننا اقرب منهم لفهم دورة عقول الانجيليين والرسل الذين دوّنوا رسالة المسيحي باستعمال تعابير سامية اقرب بكثير الى تعابيرنا العربية من تعابير الاوروبيين. فقول الانجيلي مرقس (50:9) مثلاً “فليكن فيكم ملح وليسالم بعضكم بعضاً” يجب ان يُترجم حسب رستم، “فليكن بينكم ملح وليسالم بعضكم بعضاً”.
وكان هدف رستم الثاني لهذا القاموس الاتفاق على نص عربي واحد موحد للعهد الجديد يُتلى في جميع الكنائس. فقام لتحقيق هذه الرغبة بأعداد المعجم الاول من نوعه في آداب اللغة العربية، وهو الذي كان قد درس اللغتين اليونانية واللاتينية لفهم التاريخ الشرقي القديم، اختصاصه الاول. فكان عند انتهائه من ملزمة من الملازم يعرضها على سيادة الايكريساريوس المسكوني الارشمندريت كوزماس المتمكّن من اللغتين العربية واليونانية فيُنعم النظر بها ويُبدي ملاحظاته عليها فتصحح على ضوء هذه الملاحظات وتُرسل نسخاً عنها الى جميع اعضاء اللجنة الكبرى فيطلعون عليها ويعيدونها الى اللجنة المركزية مرفوقة بآرائهم وملاحظاتهم. واذا حصل تباين في الرأي تدعو اللجنة المركزية المتباينين الى جلسات تُعقد في المركز للمناقشة. وكأن رستم شعر بقرب رحيله، فأخذ يستيقظ يومياً في الساعة الثالثة صباحاً ليُنجز خمس او عشر كلمات في اليوم الواحد علّه يُنجز القاموس قبل مغادرته هذه الدنيا. وكان يشعر بأنه يساهم في انطلاق نهضة في علوم الكتاب المقدّس في الشرق فتعود كنائس الشرق في الاسكندرية وانطاكية وقيصرية فلسطين الى مكانتها الممتازة في علوم الكتاب في القرون السادسة والسابعة الاولى وتنجب الكنيسة العالمية معلمين عالميين كما فعلت آنئذ. وانجز رستم معظم هذا المعجم، اي من حرف الالفا الى السيغما وقسم من حرف التاو قبل ان يوافيه القدر في 23 حزيران سنة 1965. وكان يظن انه سوف ينتهي من العمل في المعجم في شهر ايلول من تلك السنة اذ لم يبق من انجازه سوى اربعة احرف. اما القدر فلم يكتف بمنعه من اكمال هذا العمل قبل رحيله بل قضى بأن تختفي مخطوطة المعجم بعدما سلمتها زوجة اسد رستم في 12/6/1966 الى ممثلين عن مجلس الكنائس وهما جون لاوري وجان ميشال هورن في حضور الاسقف (حينئذ) اغناطيوس هزيم الذي اكد لها مرة ثانية في مناسبة الحفلة التذكارية التي اقيمت لرستم في الاونيسكو برغبته الاكيدة بنشر المخطوطة. ولم تزل عائلة رستم تبحث عنها لوقتنا هذا راجية ان تحصل عليها فيكتمل انجاز المعجم ويتم نشره.
ولم يكتف رستم بهذا الكم من الانتاج فقد قضّ مضجعه فقر مكتبة الكنيسة العربية. فانبرى يكتب في شتى المواضيع المتعلقة بها والتي تهم الاكليريكي والعلماني معاً. فكتب عن تاريخ الانشقاق ووجوب الاتحاد وحرب الايقونات ومخطوطات البحر الميت وتاريخ اليونان وعصر اوغسطس قيصر وعشرات المقالات في مواضيع شتى تهم الكنيسة.
وأخيراً احب رستم لبنان منذ نعومة اظفاره، فعاد اليه وبقي فيه في وقت غادره الكثيرون الى مراع اكثر اخضراراً. وكتب في العربية عوض الانكليزية لان على حد قوله هناك الكثيرون لاغناء المكتبة الغربية بينما المكتبة العربية شبه خالية تتوق الى تجهيزها من قبل ابنائها البررة. وحبه للبنان دفعه للاستقالة من عمله في الجامعة الاميركية ليلتحق بالمفوضية الاميركية في السنة 1943 كمستشار شرقي لخدمة لبنان في استقلاله. ولكن عندما رأى ان خدمته للبنان في هذا المركز شحّت، استقال في السنة 1951 ليصبح مستشاراً في الجيش يخدم لبنان واستقلاله.
وازدانت سيرة رستم بأربع حقائق: الكلمة الذي صار جسداً وعاش بيننا ومات كي نحيا، وحرية وكرامة الانسان و”الحقيقة العارية” كما وصفها، وأهمية الاصول في دراسة التاريخ، ولبنان، في ربوعه الخضراء وجباله الشمخاء. عقيدة وايمان باستقلاله وحريته وسيادته. كما تكحّلت بتفانيه وحبه لوطنه الذي بذل عصارة حياته لخدمته وصيانة استقلاله وحريته وسيادته.
نقلاً عن مقال:
أسد رستم مؤرخ الكرسي الأنطاكي
 “النهار”، 1 تموز 2007-07-02، مذاهب واديان

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: