الرد على منكري السنة الشبهة الرابعة: الرواية بالمعنى

الشبهة الرابعة: الرواية بالمعنى
 
 

يقول المشككون: إن بعض الصحابة والتابعين والرواة من بعدهم يروون الحديث بالمعنى، وهذا التناقل عبر الأجيال والقرون شابه التغيير، هذا من الرواة المخلصين، فكيف بالكذبة والمبتدعين الذين تعمدوا الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومنهم من اعترف أنه وضع المئات من الأحاديث، والنتيجة أن أصاب السنة الوضع والتحريف، فكيف نأمن على ديننا إذا اتبعنا السنة؟ ويضرب المشككون في السنة مثالا للاختلاف بصيغة التشهد في الصلاة التي وصلت إلى تسع صيغ مختلفة هي:

* تشهد عبد الله بن مسعود بصيغة أخرجها البخاري ومسلم يقول فيها: علمني رسول الله التشهد، وكفي بكفه كما يعلمني السورة من القرآن: “التحيات لله والصلوات والطيبات،،”.

* تشهد أبي موسى الأشعري: “التحيات الطيبات والصلوات والملك لله,,”. وفي النسائي: “التحيات الطيبات الصلوات لله”

* تشهد ابن عباس الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن، قال: كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السور من القرآن، فيقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله،،،”.

* تشهد جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار.

* تشهد عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: “التحيات الطيبات، الصلوات الزاكيات لله”,

* تشهد عمر بن الخطاب المروي في الموطأ: عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يقول: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله،،”.

* تشهد ابن عمر : “التحيات لله الصلوات الطيبات،،، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته”، قال ابن عمر: زدت فيها وبركاته.

* حديث سمرة بن جندب: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدءوا قبل التسليم فقولوا: “التحيات الطيبات والصلوات والملك لله، ثم سلموا على اليمين ثم سلموا على قارئكم، وعلى أنفسكم”.

الرد على شبهة الرواية بالمعنى

أولا: اختلاف ألفاظ الحديث ليس تحريفا للسنة:

* مناقشة ألفاظ حديث التشهد

يشن أحد المشككين في السنة هجوما عنيفا مستدلا بمثال عن اختلاف صيغ التشهد في الصلاة بين الصحابة، وكيف أنها وصلت إلى تسع صيغ مختلفة، وهؤلاء المشككون ليسوا أمناء على النقل، ويعتمدون أن أحدا لن يراجع المصادر التي نقلوا عنها، ولما رجعنا إلى الصيغ التي نسبها لكل صحابي وجدناهم يبدلون ويغيرون لتزيد هوة الاختلاف بين صيغ التشهد، ناسبا ما تعمده من خطأ إلى الصحابة ورواة الأحاديث:

* تشهد عبد الله بن مسعود : “التحيات لله، والصلوات والطيبات،”، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي, وهو عند أَهْل الْحَدِيث أَشَدُّ صِحَّة. وَإِنْ كَانَ تشهد ابن عباس وأبو موسى صَحِيحًا.

* تشهد أبي موسى الأشعري ليس كما أورده المتشكك في هجومه : “التحيات الطيبات والصلوات والملك لله,,”. بل إن الصيغة الثابتة عن تشهد أبي موسى الأشعري هي: “التحيات الطيبات والصلوات لله،،”، وهذه الصيغة فيها تقديم وتأخير، لا يؤثر على المعنى، وهذه الصيغة أخرجها مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، وسنن النسائي وأبو داود والدارمي: وليس فيها “والملك لله”، فلا ندري من أين أتى بلفظة: “والملك لله”.

* تشهد ابن عباس وهو من أفراد مسلم، وأصحاب السنن، ليس كما أورده المتشكك: “التحيات الصلوات الطيبات لله،،،”، وإنما “التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله”. والاختلاف في هذه الرواية في إضافة كلمة المباركات بعد التحيات. يقول النَّوَوِيُّ : تَقْدِيرُهُ وَالْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ كَمَا فِي حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ وَلَكِنْ حُذِفَتْ الْوَاوُ اِخْتِصَارًا وَهُوَ جَائِزٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ, ويرى الشَّافِعِيّ – رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى – وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك أَنَّ تَشَهُّد اِبْن عَبَّاس أَفْضَل لِزِيَادَةِ لَفْظَة الْمُبَارَكَات فِيهِ، وهي موافقة لقوله تعالى: { تَحِيَّة مِنْ عِنْد اللَّه مُبَارَكَة طَيِّبَة } وَلِأَنَّهُ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: يُعَلِّمنَا التَّشَهُّد كَمَا يُعَلِّمنَا السُّورَة مِنْ الْقُرْآن.

* أما تشهد عائشة فقد انفرد بروايته مالك في الموطأ: “التحيات الطيبات، الصلوات الزاكيات لله”, والمضاف في هذه الرواية كلمة الزاكيات بعد الصلوات.

* أما تشهد عمر بن الخطاب فقد انفرد بروايته مالك في الموطأ: “التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله،،” وليس التحيات الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله كما ذكر في دعواه. والاختلاف في هذه الرواية في إضافة الزاكيات لله بعد التحيات لله. وَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : تَشَهُّد عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أَفْضَل لِأَنَّهُ عَلَّمَهُ النَّاس عَلَى الْمِنْبَر، وَلَمْ يُنَازِعهُ أَحَد، فَدَلَّ عَلَى تَفْضِيله وَهُوَ : التَّحِيَّات لِلَّهِ الزَّاكِيَات لِلَّهِ الطَّيِّبَات الصَّلَوَات لِلَّهِ سَلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ إِلَى آخِره، وما يستفاد من هذا الحديث وهو موقوف لم يرفعه عمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم تكون الزيادة فيه من إضافة عمر بن الخطاب، ولو كانت صيغة التشهد لا تقبل أي إضافة، لبادر من سمع عمر من الصحابة – خاصة وهو على المنبر – إلى تصحيح الصيغة حسبما يحفظ هو، وعمر بن الخطاب كان معروفا عنه أنه رجَّاع إلى الحق، لذلك لم يبطش بالمرأة التي صححت له مقولته عن الصداق، بل إنه قال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، فما بال الصحابة سكتوا على عمر، ولم يراجعه أحد، هذا ما سنفسره بعد استعراض كل صور التشهد.

* أما تشهد ابن عمر : “التحيات لله الصلوات الطيبات،،، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته”، قال ابن عمر: زدت فيها وبركاته.

* أما تشهد جابر بن عبد الله فقد أخرجه النسائي من طريق أيمن بن نابل قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله وعلق النسائي على هذا الإسناد قائلا: ولا نعلم أحدا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ.

وقد بين هذا الخطأ الحافظ ابن حجر في التلخيص بقوله: وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وأَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ رَاوِيهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَخْطَأَ فِي إِسْنَادِهِ (أي إلى جابر بن عبد الله) وَخَالَفَهُ اللَّيْثُ وَهُوَ مِنْ أَوْثَقِ النَّاسِ فِي أَبِي الزُّبَيْرِ فَقَالَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ. وقَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ : “قَوْلُهُ عَنْ جَابِرٍ خَطَأٌ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي التَّشَهُّدِ بِسْمِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ إِلَّا أَيْمَنَ”. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أيمن لَيْسَ بِالْقَوِيِّ خَالَفَ النَّاسَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا حَدِيثَ التَّشَهُّدِ”. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْت الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: “خَطَأٌ”، وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ وَهُوَ أي: أيمن بن نابل لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ خَطَأٌ انتهى.

وبهذا يتبين في إسناد هذا الحديث إشكالان:

* الإشكال الأول: نسبة الحديث إلى جابر بن عبد الله، وهو خطأ من أيمن بن نابل، والصواب إسناده إلى ابن عباس، وهو ما حدا بالإمام أحمد بن حنبل أن يروي عن وكيع بن الجراح في المسند قائلا: حدثنا وكيع حدثنا أيمن بن نابل عن أبي الزبير عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، انتهى. والحديث بهذا السياق يبهم اسم الصحابي.

* الإشكال الثاني هو عبارة: بسم الله وبالله، التي انفرد بها أيمن بن نابل حيث أن جميع رواة الحديث عن ابن عباس لا يذكرونها، وبالتالي يتضح أنها من زيادات أيمن بن نابل على متن الحديث، ولم يتابعه أحد عليها حسب قول النسائي، وهذا يعرف بالشذوذ القادح في صحة الحديث، لأن هذه الزيادة مخالفة لكل من روى الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما.

* وإذا رجعنا إلى أقوال علماء الجرح والتعديل عن أيمن بن نابل: نجد وصفا أطلقه يحيى بن معين لأيمن بن نابل أنه: “ثقة، وكان لا يفصح”، ولعل هذا الوصف – والله تعالى أعلم – يفسر زيادة أيمن بن نابل، فهي زيادة ثقة خالف من هو أوثق منه وهو الليث بن سعد الذي يعد من أوثق الناس في روايته عن أبي الزبير، وبالتالي ليس لهذه الزيادة سوى تفسير واحد هو أنها من إدراج أيمن بن نابل قبل بداية الحديث، دون أن يفصح عن هذا الإدراج، وقد تكون على سبيل الدعاء الذي يستعين به أيمن بن نابل على تذكر متن الحديث، وبالتالي لا تحسب على ابن عباس أنه يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى فرض رفعها فإنها شاذة لمخالفتها لرواية الثقات ، فلا تكون حجة عند المحدثين الذين يشترطون خُلُوَّ الحديث الصحيح من الشذوذ ومن العلة الفادحة ، وإذا صح قولنا يكون تشهد جابر بن عبد الله كتشهد ابن مسعود وأبو موسى الأشعري.

* أما تشهد سمرة بن جندب الذي يقول فيه: “التحيات الطيبات والصلوات والملك لله”، فهو حديث ضعيف فقد انفرد به أبو داود، كما أن في إسناده ثلاثة مجاهيل هم جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب وابن عمه خبيب بن سليمان بن سمرة، وأبيه سليمان، علاوة على أن سمرة بن جندب لم يقصد أن يروي صيغة التشهد كاملة، وبالتالي لا يحتج بهذا الحديث.

ونصل من دراسة ألفاظ هذا الحديث إلى النتائج التالية:

1. أن السنة محفوظة بتوفيق الله تعالى، ويتبين من مرويات الصحابة صحة تشهد ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، مع وجود تقديم وتأخير لا يؤثر على المعنى، كما أن تشهد ابن عباس، وابن عمر وعائشة وعمر بن الخطاب، صحيح عند المحدثين، مع زيادة لفظة أو لفظتين لكل راواية، وسنطرح قضية اختلاف ألفاظ الحديث للمناقشة بعد قليل، أما تشهد سمرة بن جندب فإسناده ضعيف، كما أن تشهد جابر بن عبد الله خطأ والصواب أنه عن ابن عباس، وانفرد طريق واحد منها بعبارة” بسم الله وبالله”، وقد استعرضنا أقوال العلماء حولها.

2. لا يوجد اختلاف حقيقي بين صيغ التشهد الواردة عن سبع من الصحابة، وحتى إضافة “الزاكيات لله” في رواية عمر بن الخطاب، أو “المباركات” في رواية عائشة، لا تضيف معنى جديدا، فالطيبات والمباركات والزاكيات، ألفاظ مترادفة، ولا تغير من جوهر التشهد.

3. لا حرج على المسلم إذا تمسك بأي صيغة من هذه الصور، فأمر الدين يتسع، وليس أدل على ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم للناس في الحج الأكبر: افعل ولا حرج، وقد اجاز أصحاب المذاهب أي صيغة من هذه وإن كان بعضهم يرجح رواية على أخرى ، لكنه لا يرد الخرى ما دامت صحيحة.

4. إن من يريد أن يدرس الأمر ويختار أقرب الصيغ التي تشهد بها النبي صلى الله عليه وسلم، فله أن يختار صيغة ابن مسعود لسبقه إلى الإسلام كل من له رواية أخرى، أو له أن يتمسك برواية عائشة لكثرة سماعها تشهد النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه بالليل.

5. أمانة الصحابة في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فها هو عبد الله بن عمر يقول: زدت فيها وبركاته، موضحا أنه لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي إضافة من عنده، فمن شاء أن يتركها ويلتزم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فله ذلك، ومن أراد تقليده فلا بأس.

6. إن المتشككين ليسوا أمناء في النقل، ويريدون الهجوم بالباطل على السنة، دون أن يبذلوا جهدا علميا لدراسة اختلاف ألفاظ الحديث، وعمل إحصائيات توضح النسبة المئوية لمثل هذا الاختلاف، فالمثال الذي قدموه انقلب عليهم، فما ثمة اختلاف في الصيغ، ولسنا أمام تسعة صور للتشهد كما أرادوا تصوير الأمر.

ثانيا: هل يحق للصحابة تغيير ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم؟

لا شك أن المتشككين بعد أن يطالعوا دفوعنا هذه، ربما غير بعضهم موقفه، إلا أن أكابرهم سيقولون، لقد أثبت دور الصحابة في انحراف السنة، وهذا قول من لا يفقه السنة، ولا يحب أحبابها، وحقيقة الأمر أن الصحابة لا يملكون ولا يقبل منهم تغيير ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعصوم عند أهل السنة هو النبي صلى الله عليه وسلم، وكل من سواه يؤخذ من قوله ويرد، أما اختلاف صيغ التشهد، فهذا أمر لا يفهمه المتشككون على حقيقته، لكنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلعله صلى الله عليه وسلم قاله بصيغ متعددة توسعة عليهم وتيسيرا للحفظ وكل واحد منهم أدى ما حفظه وكله صحيح والله أعلم، وسبب وروده أن الصحابة تساءلوا كيف نسلم على الله؟ فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتشهد، وإن شئت قلت: أن هناك قصة وقعت مع رفاعة بن رافع الأنصاري يحكيها لنا قائلا: “كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة، قال: سمع الله لمن حمده، قال: رجل وراءه ربنا ولك الحمد، (وهي الصيغة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بها، إلا أن الرجل زاد عليها قائلا:) حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما انصرف قال النبي صلى الله عليه وسلم: من المتكلم؟ (فخاف الرجل أن يكون أخطأ بهذه الزيادة في الصيغة التي تلقاها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكرر النبي سؤاله ثلاث مرات، فلم يجد الرجل بدا من أن يصرح بما فعل) قال: أنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول” [ (تخريج 33) ].

إن هذه القصة مشهورة، ويعلمها القاصي والداني من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين زيادة التشهد في الصلاة، وإجابة المأموم للإمام حين يقول: سمع الله لمن حمده، ولو كان الاختلاف في صيغ التشهد خطأ، ما أعلن ابن عمر أنه زاد عليه كلمة: “وبركاته”، ولما سمح عمر بن الخطاب لنفسه أن يعلم الناس صيغة التشهد بعد أن أضاف إليها “والزاكيات لله”، وبخلاف هاتين الزيادتين فإن صيغة التشهد لم تنحرف أو تتبدل كما يزعم المتشككون.

ثالثا: الدقة العلمية في رواية الحديث النبوي

منذ فجر الإسلام، تعلقت أفئدة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم به وبدينه الحنيف، علموا بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان أنهم مكلفون ليس فقط بإبلاغ أشرف كتاب عن رب العالمين، وإنما عليهم الانشغال ببيان شرائع هذه الرسالة للناس أجمعين، فوضعوا نصب أعينهم بعد فهم القرآن وتدبر آياته أن يبلغوا عن الله آياته، ويحفظوا عن النبي الخاتم سنته، وتبليغ تعاليم رسالته الخاتمة للناس أجمعين.

إلا أن أعداء هذا الدين لم يبتلعوا حسرتهم في حلوقهم، بل راحوا يكيدون للكتاب والسنة، وتدور اعتراضاتهم في حلقة مفرغة، فإذا ألقمناهم الحجة، دخلوا الجحور، وغابوا في ظلمات الجهل والحقد، وتواروا وراء جحودهم وإنكارهم، ثم لا يلبثوا حتى يعيدوا الكرة مرة أخرى، وللمؤمنين أن يستشهدوا بقول الله تعالى: (وإن عدتم عدنا( [الإسراء -8]، واليوم ننشر بحثنا هذا لدحض شبهة يطيب لهم الدندنة حولها، فهم دائما يقولون: “إن السنة رويت بالمعنى، فليس من المعقول أن يتناقل أجيال من الرواة في مختلف الأزمنة والبلدان نفس الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلابد أن الخلل قد أصاب نظام الرواية من رجل إلى آخر، ولا يخفى أن الرواية بالمعنى ستأثر سلبا على دقة الرواية، وبالتالى لا يمكن التوثق من دقة النقل، وبالتالي تفقد السنة مصداقيتها، وليس أدل على ذلك من ظهور الأحاديث الضعيفة والموضوعة كذبا على النبي صلى الله عليه وسلم؟”

وكان دفاع أحباب هذا الدين قويا وفعالا خلال القرون المتعاقبة، أما اليوم ونحن في عصر انفجار المعرفة، وبعد أن وفقنا الله تبارك وتعالى إلى جمع السنة النبوية المطهرة في برنامج واحد، فقد توفرت لدينا ما لم يتوفر لجميع علماء الأمة وحفاظها عبر القرون الماضية، ولهذا ليس مقبولا منا أن ننقل دفوعاتهم وقد تجمع عندنا ما يحسم هذه القضية، ويقطع ألسنة الحاقدين أصحاب الفرق والأهواء، لذا سنختار مثالا واحدا من السنة، ونجري عليه دراسة غير مسبوقة، ثم نقول وبالله تعالى التوفيق:

من جواهر جوامع الكلم: تبين أن أكثر أحاديث السنة النبوية المطهرة تكرارا هو حديث (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار( صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل أن نعرض نتائج هذه الدراسة ينبغي التنويه للعديد من النقاط الجوهرية التالية:

* إن تعاليم أي دين يتم بثها بين أتباعه تحتاج إلى منهج تربوي، يضمن نسف المعتقدات القديمة، وتطهير الفكر منها، ثم زرع المفاهيم الواحد تلو الآخر، وحتى يتسنى نقل هذا المفهوم إلى جماعة المسلمين، فإن الأمر يحتاج البلاغ تلو البلاغ، وفي مناسبات مختلفة، وأوقات متباينة، حتى يصل الأمر لأكبر عدد من الأتباع، ، فتارة يتحدث بالحديث في جماعة قليلة، وتارة في خطبة الجمعة، وتارة يجيب على سائل، وتارة يتسائل من سمعه من غير النبي صلى الله عليه وسلم، فيؤكد المعنى مرات ومرات، فالتكرار إذن سنة اتبعها رسول صلى الله عليه وسلم في إبلاغة لأمته، وهذا التكرار يحقق توثيقا يماثل تقنيات التسجيل الحديثة، فالعرب حباهم الحق تبارك وتعالى بملكة الحفظ، فالعربي بفطرته يحفظ آلاف الأبيات الشعرية عن ظهر قلب، ومن المعروف أن موسيقى الشعر وأوزانه وبحوره لا تقبل من المستشهد بهذه الأشعار أن يلحن في تشكيل حرف واحد، وإلا انكسر بحر البيت وخرج عن سياق القصيدة، من أجل هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الموعظة، وربما في نفس المجلس، وفي تحذيره من خطورة شهادة الزور أوضح دليل على ما نقول، فقد استمر يكرر: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور حتى تمنى أصحابه قائلين يا ليته سكت.

* ليس من الضروري أن يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم أن بنفس ألفاظ الحديث كما أخبر به أول مرة، وبالتالي ليس كل اختلاف في لفظة واحدة تعني أن رواة الحديث يروونه بالمعنى.

* بعض الروايات الواردة ضمن مصادر الحديث، تروي أكثر من حديث في آن واحد، وسبب ذلك اتحاد الإسناد، فينقل الراوي الحديث ثم يقول: وقال: ويروي حديثا آخر، فيظن من لا دراية لديه في علم الحديث أن هذا السياق هو حديث مستقل، والصواب أنهما حديثين رويا معا.

إذا تأملنا المعاني الواردة في حديث من كذب علي نجدها تدور حول معاني ثلاث هي:

* الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم: وتعبر اللغة العربية عن الكذب بألفاظ متعددة، منها: “الكذب، والقول بما لم يقل، الحديث بما لم يقل”

* تعمد الكذب كأن يقال: “عامدا، متعمدا، افترى علي”

* النار عقوبة هذا الكذب، وتعبر اللغة عن ذلك: بدخول النار، “جهنم، عيني جهنم، يلج النار”.

إن دوران ألفاظ الحديث حول ما أشرنا إليه لا يعد رواية بالمعنى، فالأصل أن الحديث روي في العديد من المناسبات، ولا يعقل أن يحرص النبي صلى الله عليه وسلم على نفس الألفاظ، فهو هنا لا يبلغ قرآنا، ويبقى الأهم هو رواية الحديث بصورة تخرجه عن إطار المعاني المقصودة من ورائه، ومع هذا سندرس كل صورة ورد بها الحديث، بنفس الألفاظ حتى نتبين مدى الدقة في رواية السنة.

1. دراسة ألفاظ حديث في طرق تخريجه وشواهده:

* عدد الصحابة الذين رووا هذا الحديث =81 صحابي، بالإضافة إلى 52 حديثا مرسلا.

* وردت روايات حديث من كذب علي متعمدا في 1345 موضعا، موزعة على 1052 مصدرا من مصادر السنة .

* ثبوت لفظ التعمد في 1049 موضعا بنسبة 78 %

1. ورد مطلع الحديث فقط وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا في 16 موضعا (ملف 1).

2. ورد الحديث بلفظة: ]من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النارد[، في 931 موضعا بنفس الألفاظ ، منهم 140 حديث روي ومعه حديث آخر، (ملف 2).

3. ورد نفس الحديث مع اختلاف لفظ واحد فقط هو النار لتصبح جهنم، فتقول الرواية: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من جهنم، وذلك في 21 موضعا.

4. ورد نفس الحديث مع إضافة لفظ واحد هو عيني جهنم بدلا من جهنم، وذلك في الرواية التي تقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من بين عيني جهنم ، وبلغت جملة مواضعها 8 مواضع.

5. ورد نفس الحديث مع اختلاف لفظ واحد هو بيتا أو مضجعا بدلا من مقعده، وذلك في الرواية التي تقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ بيتا من جهنم ، وبلغت جملة مواضعها 22 موضعا.

6. ورد نفس الحديث مع بيان تعليل لدخول النار، بأن الكاذب سيؤدي بفعله هذا إلى إضلال الناس عن الدين، ولذلك أضيفت عبارة ليضل به أو ليضل به الناس إلى متن الحديث فأصبح سياق الحديث كالتالي: من كذب علي متعمدا ليضل به فليتبوأ مقعده من النار، وذلك في 29 موضعا.

7. ثم ورد الحديث مع التردد في إثبات كلمة متعمدا من بعض رواة الحديث في 22 موضعا، وفق السياق التالي: ومن كذب علي قال همام : أحسبه قال : متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.

* عدم إيراد لفظ التعمد في 290 موضعا أي بنسبة 21.5 %

1. ورد الحديث بنفس ألفاظه السابقة ما عدا لفظ التعمد بسياق: من كذب علي فليتبوء مقعده من النار في 63 موضعا.

2. ورد الحديث بلفظ: من يكذب علي يبن له بيت في النار وذلك في 24 موضعا، وفيه إثبات لفظة الكذب، ولم تثبت عنده لفظة متعمدا.

3. ورد الحديث بصيغة : من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، والاختلاف هنا في التعبير بمن قال علي بدلا من كذب علي، ولا اختلاف في المعنى، والحديث ليس فيه التعمد، وذلك في 127 موضعا.

4. ورد الحديث بلفظ: من كذب علي يلج في النار وذلك في 37 موضعا. واللطيف أنها جميعا من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

5. ورد الحديث بلفظ: وليتبوأ من كذب علي مقعدا من جهنم في 15 موضعا، والتغيير هنا هو لفظة جهنم بدلا من النار، بالإضافة إلى عدم ثبوت لفظة متعمدا.

6. وورد بلفظ : من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا من جهنم، في 16 موضعا.

7. وورد بلفظ من كذب علي فليسهل لجنبه مضجعا من النار في 3 مواضع

8. بهذا المتن: من كذب علي فهو في النار، في 8 مواضع

9. ورد حديثان في التحذير من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ آخر قد يعتبرا شاهدين للحديث ونسبتهما: 0.14% وهما: إن أفرى الفرى أن يقال علي ما لم أقل في موضع واحد، وكذلك الحال مع لفظ: من أكبر الكبائر أن يقول الرجل علي ما لم أقل.

* أحاديث وردت في كتب الضعفاء والموضوعات بنسبة: 0.14% وهما

1. وورد في كتاب الموضوعات الكبرى الحديث بهذا السياق في موضع واحد في جميع المصادر: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في النار.

2. وورد في كتاب الضعفاء الكبير لابن عدي الحديث: من حدث عني ما لم أقل أو قصر عني شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في النار، ولم يتكرر في أي مصدر آخر.

* ما يمكن اعتباره مرويا بالمعنى، فهما حديثان فقط بنسبة: 0.14% وهما

1. الحديث الأول: ورد في موضع واحد فقط وسياقه: من كذب علي في حديث جاء يوم القيامة من الخاسرين.

2. الحديث الثاني: الذي ورد في موضع واحد أيضا وسياقه: من يكذب على الله وعلى كتابه ورسله تبوأ مقعده من النار.

* الدقة العلمية لرواية الحديث

يمثل حديث من كذب علي متعمدا أفضل عينة تتم الدراسة على أساسها، فله أكبر عدد من الروايات، ونقل عن 81 صحابي، فبالتالي فإن له أكبر عدد من طرق الإسناد، وجاءت نتيجة الدراسة:

1. أن هناك اختلاف غير مؤثر في بعض روايات الحديث على جوهر معنى الحديث، فدخول النار هي بعينها دخول جهنم، وهي أيضا يتبوأ مقعدا أو بني له بيت، أو اضجع أن التمس طريقا إلى النار.

2. أن الاختلاف الكبير بين ألفاظ الحديث هو إثبات تعمد الكذب في 78 % من الأحاديث، في مقابل 21.5 % لم يرد في سياق الحديث لفظ التعمد.

كلا الحديثين مرويان عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك حرص من سمع لفظ التعمد على إيراده، ومن لم يسمعه لم يثبته، بينما تردد عدد من الرواة في إثباتها، للدلالة على أنه سمع الحديث بروايتيه، وعدم إيراد لفظ التعمد يلزم المسلمين بتحري النقل الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن نقل حديثا غير صحيح، وهو لا يعلم أنه كذلك، فهذا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يلزم الدعاة بعدم التساهل في رواية الأحاديث، ويلزمهم بمراجعة ما يعرفونه منها لضمان الصحة قبل الرواية، وهذا هو المقام الأكثر ورعا، أما إثبات لفظ التعمد في 78 % من الحديث ففيه تخفيف على الناس، وربما ناسب ذلك نقل العوام من الناس لما يسمعونه من أحاديث.

الأحاديث التي يمكن أن تكون رويت بالمعنى ليس فيها مضمون يخالف الأحاديث كلها، وإنما تتحدث بشكل إجمالي عن خطورة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي لا تتعدى نسبة: 0.14%، كما وردت أحاديث ضعيفة بنفس النسبة، وبالتالي نصل إلى أن نسبة الدقة في رواية الحديث تصل إلى 100 % – 0.14% – 0.14% = 99.72 % وفي هذه النسبة الكفاية
 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: