تقسيم السنة

تقسيم السنة 
 

كل ما نقل عن النبي: أي كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقله الرواة المعتبرون إلينا بالطرق المعروفة عند علماء الحديث، وتنقسم إلى سنة قولية وفعلية وتقريرية وشمائل، نوضحها فيما يلي :-

•  السنة القولية: والمقصود كل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه: من غير أن يكون مقترنا بفعل منه صلى الله عليه وسلم، ويسميه العلماء أيضا بالسنة القولية، ويجمع فيقال سنن الأقوال والذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه، قد يكون متضمنا للأمر بفعل نقوم به نحن، أو ليس متضمن لذلك، لكنه في الحالتين غير مقترن بفعل منه صلى الله عليه وسلم. فمثال القول النبوي غير المتضمن للأمر بفعل:

* قوله صلى الله عليه وسلم: ” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ”

* ومثل: ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ”

* ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ” من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ”

وقد تتضمن السنة القولية الأمر بفعل

* مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ” صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، ”

* ومثل قوله صلى الله عليه وسلم ” اجمعوا آخر صلاتكم بالليل وترا “.

وقد تتضمن السنة القولية أيضا النهى عن المعاصي،

* مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ” اجتنبوا السبع الموبقات “، قيل: وما هي يا رسول الله، قال: ” الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات “، فكل ما سبق داخل في السنة القولية.

•  السنة الفعلية: أو فعل، ويطلق عليه العلماء أيضا السنة العملية، ويجمع، فيقل: سنن الأفعال أو سنن الأعمال. والفعل هو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان هذا الفعل مقترنا بقول منه عليه الصلاة والسلام أم غير مقترن بقول، ونسميه في الحالتين سنة فعلية؛ لأن فيه فعلا من النبي صلى الله عليه وسلم، فمثال السنة الفعلية غير المتضمنة لقول،

* ما ذكرته السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس لم تخرج من حجرتها “،

* ومثل ما قاله أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، حكاية عن صفة صلاته صلى الله عليه وسلم: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها ”

* ومثل ما ذكره عبد الله بن عمر رضي الله تعالى، عنه، فقال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته “.

وقد يقترن الفعل منه صلى الله عليه وسلم، بقول كريم له مثل ما رواه البخاري، عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر. ثم خطب ثم ذبح، وقال ” من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله” .

ولقد قام النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بأداء مناسك الحج أمام أصحابه، مثل الطواف والسعي والوقوف بعرفة والرمي والحلق.. الخ، ثم قال لهم: ” لتأخذوا عني مناسككم “، ولقد قال لأصحابه بعد أن صلى مرة أمامهم: ” صلوا كما رأيتموني أصلي “، فهذه كلها من سنن الأفعال رغم اقترانها بالقول؛ لأن فيها فعلا منه صلى الله عليه وسلم.

•  السنة التقريرية الإقرار، أو التقرير، والإقرار في اللغة يحمل معنى الموافقة، يقال: أقره على كذا يعنى وافقه عليه، والإقرار أيضا يأتي بمعنى الاعتراف، قال تعالى ( أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) والإقرار أو التقرير هو ما كان من قول صحابي أو فعله وعلم به النبي صلى الله عليه وسلم ووافق عليه يعني أقره. فالإقرار في الاصطلاح له ثلاثة أركان.

* هو من قول الصحابي أو فعله.

* لابد أن يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم. لأنه لو لم يعلم به فلا يقال إنه أقره فكيف يقره وهو لم يعلم به. وليس شرطا أن يتم هذا القول أو الفعل من الصحابي أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الشرط أن يعلمه، سواء حدث أمامه أم حدث بعيدا عنه ثم بلغه بعد ذلك.

* من الضروري أن تتم الموافقة على قول الصحابي هذا أو فعله من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تتم هذه الموافقة بالكلام أو بالسكوت أو الاستحسان.

وقد يسأل سائل: – كيف يكون الإقرار من السنة، وهي واجبة الاتباع مع أنه ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعله ؟

والجواب أن الإقرار صار من السنة الشريفة بموافقة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم يوافق عليه فلا نعتبره أبدا من السنة، ومن المعلوم بداهة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يوافق على قول أو عمل إذا كان مخالفا لشرع الله، فإذا وافق عليه فمعنى ذلك أنه موافق لشرع الله تعالى، وأصبح جزءا من السنة الشريفة. ومن أمثلة الإقرار

* ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم القراءة ب ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “سلوه لأي شيء يصنع ذلك ؟ “، فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه. فنرى النبي صلى الله عليه وسلم قد وافق هذا الصحابي الجليل على فعله، واستحسن ذلك منه بل وأخبره أن الله تعالى يحبه، وصار ختم القراءة في الصلاة بسورة الإخلاص جملة من السنة النبوية الكريمة، وهذا الاستحسان قد تم بالقول.

* ومن أمثلة الإقرار أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أصحابه إلى قتال بني قريظة، وهم طائفة من اليهود، بعد غزوة الأحزاب. وقال لهم ” لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ” فسار الصحابة، فأدركهم العصر في الطريق. فقال بعضهم: نصلي العصر هنا، أي في الطريق، وقال بعض الآخر: لا نصلي إلا في بني قريظة، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يخطئ واحد من الفريقين بل أقرهما معا على صنيعهما، أي أقر الفريق الذي فهم اللفظ على ظاهره، فلم يصل إلا في بني قريظة، وأقر الفريق الآخر الذي فهم أن المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم الإسراع بالذهاب إلى بني قريظة، فصلى في الطريق.

* ومن أمثلة الإقرار أيضا، ما ذكرته كتب الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحبشة على اللعب بالحراب في مسجده، والرواية الواردة في ذلك هي: روى البخاري بسنده إلى عروة بن الزبير، أن عائشة، قالت: ” لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم ”

وهذا نموذج للإقرار بالسكوت بدون كلام، وقد علق الأستاذ الدكتور أديب صالح على ذلك قائلا: فهذا إقرار منه لا يجوز لأحد بعده أن يعتبر اللعب في المسجد بالسلاح، تمرينا على الحرب، واستعدادا للقتال إن احتيج إلى ذلك أمر مخالفا للسنة، هذا والإقرار له أمثلة أخرى كثيرة والذي يقرأ كتب السنة يرى منها الكثير.

•  الشمائل: أو صفة خلقية، أما صفته صلى الله عليه وسلم الخلقية فمثل ما رواه البخاري، وغيره، عن البراء بن عازب، قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير” ، ومثل سئل البراء: ” أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف ؟ قال: بل مثل القمر “، ومعنى السؤال والجواب أن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرق منير مثل القمر، وليس لامعا مثل السيف. ومن الأمثلة على ذلك أيضا:

* ما قاله أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: ” ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحا قط أطيب من ريح النبي صلى الله عليه وسلم ”

•  وصفاته الخلقية صلى الله عليه وسلم كثيرة يرجع إليها في السيرة، وقد يسأل سائل: كيف نعتبر الصفات الخلقية له صلى الله عليه وسلم من السنة، مع أنه لا يمكن الاقتداء بها؛ لأنها من قدر الله تعالى، ونحن لا نتعلم السنة إلا لكي نقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم ونتبعه في هديه كله. والجوانب من عدة وجوه:

•  لكي نعلم الصفات الخلقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعقل أن يكون هو رسولنا الذي هدانا الله تعالى به، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، ثم لا نعلم ما هي الهيئة الخلقية التي أوجده الله تعالى عليها، حتى يتأكد لنا أن الله تعالى قد خلقه على أحسن هيئة، وأكمل صورة بشرية، كما خلقه أيضا بريئا من العيوب الخلقية، حتى تجتمع القلوب حوله، وهذا يعتبر من الأدلة على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى قد برأ الأنبياء جميعا من أي عيب خلقي.

•  لكي يتأكد لنا أن الله تعالى قد أوجده على نفس الهيئة، وبنفس الصفات التي ذكرت له في الكتب السابقة، وفي هذا دليل واضح على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، ولعل ما ورد في كتب السيرة من قصة بحيرا الراهب أنه النبي المنتظر بجملة من العلامات ذكرت له في الكتب السابقة، ومن بينها خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم والخاتم هذا أمر خلقي عرف به بحيرا أنه صلى الله عليه وسلم هو النبي المنتظر. وقد ذكر القرآن الكريم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوبا في التوراة والإنجيل، فقال عز من قائل: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )

•  وقد نعى الله تعالى على أهل الكتاب عدم اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم مع تأكدهم من صدق رسالته، بل ومعرفتهم به كما يعرفون أبنائهم، ومع ذلك كتموا الحق الواضح الصريح وهم يعلمون، قال تعالى: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ). ويقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: يخبر الله أن أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم أولاده، ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقيق والإتقان العلمي ليكتمون الحق، أي ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون.

•  ومن الأسباب التي تجعلنا نعتبر الصفات الخلقية له صلى الله عليه وسلم من السنة أيضا، ما حاوله بعض أعداء الإسلام من إلصاق بعض الصفات غير الحقيقية به صلى الله عليه وسلم، ومعرفتنا بصفاته الخلقية يجعلنا ندافع عنه ونحن في موقف القوة والثبات؛ لأنه ثبت بكل الأدلة كمال خلقه صلى الله عليه وسلم.

•  نتعلم صفاته الخلقية ونعتبرها من السنة، حتى نقتدي بكل ما يمكن الاقتداء به منها، مثل صفة لحيته صلى الله عليه وسلم.

•  ولكي يحمد كل مسلم ربه سبحانه حين يرزقه الله تعالى مشابهة نبيه صلى الله عليه وسلم في واحدة من صفاته الخلقية، مثل ما رواه البخاري في فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما، من حديث أنس: ” لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي “.

أما الشمائل الخلقية , فهي صفاته الخلقية، فمثل ما قالته السيدة عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت للسائل: ” ألست تقرأ القرآن؟ قال بلى: قالت فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن “، ومعنى الحديث بإيجاز شديد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتمر بما أمر به القرآن الكريم، وانتهى عما نهى الله تعالى عنه في كتابه الحكيم. ومن أمثلة ذلك أيضا:

* ما ذكرته السيدة عائشة رضي الله عنها، فقالت: ” ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، مالم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها “.

* ومن ذلك ما قاله أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها “، ومن ذلك أيضا ما قاله عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: ” لم يكن النبي فاحشا ولا متفحشا “، وكان يقول: ” إن من خياركم أحسنكم أخلاقا “.

* وقد قام الصحابي الجليل أنس بن مالك بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم لمدة عشر سنوات، ويتحدث هو عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم معه خلال تلك المدة، فيقول: ” خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته لما فعلته ولا لشيء لم أفعله لما لم تفعله “.

هذه بعض أخلاقه صلى الله عليه وسلم، ولقد وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى درجة الكمال البشري، فاتصف بكل صفات هذا الكمال البشري، ووجد فيه كل صفة على أعلى درجاتها وكمال هيئتها، وامتدحه رب العزة قائلا (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

ومن المعلوم يقينا أننا مأمورين بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم، في كل ما اتصف به، وعلينا أن نقتفي أثره ونهتدي بهديه، وأن نتخلق بأخلاقه الرفيعة، ونتصف بصفاته الحميدة، ومن أجل ذلك كانت صفاته الخلقية من السنة، بل وهي اللباب في ذلك كله. حتى الحركات والسكنات، ولأننا أبناء مدرسة الحديث الشريف، معنيون بالاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإننا نتتبع كل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم حتى حركاته وسكناته، ويعتبر ذلك من السنة الشريفة، بل ونستخلص الدروس والعبر من تلك الحركات والسكنات. فمن أمثلة حركاته صلى الله عليه وسلم ما ورد أنه قال: ” التقوى ههنا “، وأشار إلى صدره الشريف. قد استفاد العلماء من ذلك، أن التقوى محلها القلب، وأنه يجوز للإنسان أن يستعمل وسائل الإيضاح حتى يبرز المعنى الذي يريد توضيحه. ومن أمثلة ذلك أيضا:

* ما ورد، أنه قال لأصحابه: ” ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ” الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور “، وما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.

* كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يحدثهم بذلك، كان متكئا فجلس. وقد استفاد العلماء من جلوسه بعد اتكائه، أنه يجوز للإنسان أن يغير من هيئته حتى يبين للسامعين والجالسين اهتمامه بما يتحدث عنه. كما قالوا أيضا: يجوز للأستاذ أن يتكئ بين تلاميذه، أخذا من اتكاء النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه. ونحن هنا نبرز الدروس المستفادة من حركاته وسكناته، حتى نثبت بالدليل العملي إنها جزء أصيل من السنة الشريفة، نستفيد منها في الدروس والعبر، كما نثبت أيضا أن المسلمين، من شدة حرصهم على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم يتتبعون كل ما صدر عنه، حتى حركاته وسكناته. في اليقظة والمنام، وأمر النبوة واضح فيما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم أثناء يقظته، أما ما قد يستشكل على البعض، فهو ما يراه صلى الله عليه وسلم في نومه، وكيف هو من الوحي ؟ بل كيف هو من السنة الواجبة الاتباع، خصوصا وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علمنا أن النائم غير مكلف في ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: ” رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يصح، وعن الصبي حتى يحتلم “.

إليك الجواب: قامت الأدلة العديدة من القرآن والسنة، على أن ما يراه الأنبياء في نومهم هو من وحي الله تعالى إليهم. فمن القرآن الكريم، ما ورد في قصة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، من أنه رأى في المنام أنه يذبح ولده، وعلم أن ذلك أمر من الله تعالى واجب النفاذ، فقال لابنه كما يحكي القرآن الكريم: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) والابن النجيب على حداثة سنه، قد علم أن ما رأى أبوه هو من وحي الله تعالى ولذلك قال لأبيه ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) أي ما أمرك الله تعالى به.

ومما يختص برسولنا صلى الله عليه وسلم من ذلك مما جاء في القرآن الكريم. قول الله تعالى في سورة الأنفال ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا…. ) الآية. فالآية واضحة الدلالة، في أن ما يراه النبي صلى الله عليه وسلم في نومه من رؤية إنما هو من عند الله تعالى، وليس من أي جهة أخرى ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ ). ومن الأدلة على ذلك أيضا قول الله تعالى في سورة الفتح: ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ… )

فإذا انتقلنا إلى السنة المطهرة فسنجد أدلة كثيرة على ذلك. من بينها ما جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى بسنده إلى أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ” أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا جاءت مثل ما فلق الصبح ” , فالحديث ينص صراحة على أن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي، وأنه كان لا يرى شيئا إلا جاء واضحا جليا مثل ضوء النهار. ولقد لفت نظري وأنا أتتبع ما أراه الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في نومه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ حديثه غالبا من الرؤيا يراها في نومه، بقوله: ” أريت كذا أو أريتكم…. الخ “، فالفعل في أول الحديث يأتي بالبناء للمجهول ليدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى من قبل نفسه، إنما هناك من يجعله يرى وهو الله تعالى. فمن أمثلة ذلك ما روته السيدة عائشة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مخاطبا السيدة عائشة: ” أريتك في المنام مرتين: إذا رجل يحملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك فاكشفها، فإذا هي أنت، فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه “، لقد كانت هذه الرؤيا، وغيرها، من عند الله تعالى، فأمضاها سبحانه، وكانت السيدة عائشة من أزواجه أمهات المؤمنين.

ومن أمثلة ذلك أيضا ما خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، قائلا فيما رواه البخاري، ومسلم من حديث ابن عمر: ” أريتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقي على وجه الأرض من هو اليوم أعظم أحد “، وزاد مسلم من حديث جابر، أن ذلك كان قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهر، فالحديث كما نلاحظ قد بدأ بقوله أريتكم بالبناء للمجهول، ولأن علماء الحديث وكل علماء الإسلام، يعلمون أن ما يراه الرسول صلى الله عليه وسلم في نومه من وحي الله تعالى إليه فقد أخذوا من الحديث المذكور درسا عظيما، وهو أن من بين الأدلة على إثبات الصحبة أن يكون الصحابي قد عاش قبل سنة عشرة ومائة للهجرة، فمن جاء بعدها وزعت أنه صحابي فإننا نرد قوله أخذا من هذا الحديث الشريف. على أنه صلى الله عليه وسلم قد يبدأ حديثه عما يراه في نومه، بقوله رأيت وذلك في القليل النادر. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في رؤيته عن هجرته إلى المدينة. “رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى الأرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر. فإذا هي المدينة يثرب “، ووهلي أي ظني.

ورغم التعبير بقوله رأيت إلا أن ذلك أيضا من عند الله تعالى، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم ما كان له أن يحيد عن المدينة كدار للهجرة، ويهاجر إلى غيرها؛ لأن المدينة هي المكان الذي اختار الله تعالى له فلا يتركه أبدا إلى غيره. وقد وردت هذه الرواية عند البيهقي مبتدئة بقوله صلى الله عليه وسلم ” أريت دار هجرتكم “، وهو بذلك تلتقي مع الأمثلة التي ذكرناها سلفا.

إن كل ما سبق يعطينا الدليل الأكيد على أن ما يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء جميعا أثناء النوم هو من الوحي الذي نلتزم به.

ومن الأدلة العقلية على ذلك أن ما يراه الناس في نومهم إما أن يكون من الله تعالى أو من الشيطان، كما ورد بذلك الحديث الصحيح الذي رواه أبو قتادة الأنصاري: الرؤيا الحسنة من الله والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه، فلينفث عن شماله ثلاثا، وليتعوذ من الشيطان، فإنها لا تضره ” ، والشيطان، كما نعلم، ليس له سلطان على الأنبياء؛ لأن الله تعالى قد عصمهم من كيده، فلن يأتيهم في نومهم. ولقد نزع الله تعالى حظ الشيطان من صدر نبينا صلى الله عليه وسلم في مرحلة مبكرة من عمره، وهو طفل رضيع في بادية بني سعد، فحفظه بذلك من وسوسة الشيطان. وقد روى مسلم بسنده إلى أنس بن مالك، ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره، فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس، وقد كنت أرى أثر ذلك المخطي في صدره”

فنحن نرى أن الله تعالى قد طهر قلب نبيه صلى الله عليه وسلم منذ صغره، فلم يكن للشيطان عليه سبيل، وما دام الأمر كذلك فإن ما يراه في نومه ليس من قبيل الشيطان أبدا، وإنما هو وحي من الله تعالى.

بقي من أمور السنة التي ذكرناها لك قبل البعثة وبعدها، أما بعد البعثة فقد أصبح رسولا، وصرنا مأمورين بالاقتداء به، امتثالا لقول الله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، أما قبل البعثة فلم يكن ينزل الوحي عليه، ولم يكن بعد رسولا، ولم نكن مأمورين بالاقتداء به، فكيف نعد أحواله قبل البعثة من السنة. والجواب: إن كثيرا من أحواله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وثيق الصلة جدا بأحواله بعد بعثته، من حيث إن هذه الأمور السابقة على البعثة تعطي الدليل الأكيد على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم. فاشتهاره بالصدق والأمانة مثلا، قبل بعثته، كان دليلا قويا على صدق رسالته، وجعل الكفار يعجزون عن اتهامه بضد هذه الصفات، ولقد قالوا عنه ساحر أو كاهن، أو مجنون ولكنهم لم يجرءوا أبدا على اتهامه بعكس الصدق والأمانة، وهذا ما اعتمد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه في إثبات صدق ثبوته، حينما نزل عليه الأمر الإلهي (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) صعد على الصفا، ونادى قبائل قريش جميعها، حتى إذا اجتمعوا، بدأ حديثه معهم قائلا: ” أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ ” قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد “….، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأ حديثه معهم بالإنذار مباشرة، وإنما أخذ منهم إقرار بصدقه صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، إذن فهو صادق اليوم في رسالته.

وهذا أيضا، هو الذي اعتمد عليه هرقل ملك الروم في إثباته لصدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، في قصة طويلة ذكرها البخاري وغيره، أثناء حديث هرقل مع أبي سفيان، حينما سأل أبا سفيان، الذي كان لا يزال حتى وقت سؤال هرقل له مشركا

لقد جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فأراد أن يعرف بعض أحوال هذا النبي الجديد، فجاءوا له بأبي سفيان، فسأله هرقل عن كثير من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، قبل البعثة، وأيضا سأل عن ما يدعو إليه بعد البعثة، وفي نهاية اللقاء، قال هرقل لأبي سفيان: فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه، ولقد صدقت توقعات هرقل، فبعد مضى ما لا يزيد على سبع سنوات فتح الله بلاد الشام للمسلمين، بعد أن كان يحكمها الروم، وخرج هرقل من حمص التي كان يقيم بها.

والمهم في ذلك كله أن كثيرا من أحواله صلى الله عليه وسلم تعطي الأدلة الواضحة على صدق رسالته بعد البعثة، وهذا ما جعل العلماء يعتبرونها جزءا من السنة.

وقبل أن نختم هذا المبحث ننبه إلى أنه قد وردت بعض الألفاظ عند المحدثين مثل الخبر والأثر. فما دلالة هاتين الكلمتين عند علماء الحديث.

الخبر في اللغة بمعنى النبأ. وهو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، ويجمع على أخبار. وعند علماء الحديث هو مرادف للحديث على المعنى الذي شرحناه لك آنفا، وهذا الرأي هو رأي جمهور علماء الحديث.

ولكن هناك من العلماء من فرق بينهما، فذهب إلى أن الحديث هو ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر ما جاء عن غير النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين.

أما فقهاء خراسان، فإنهم يسمون المرفوع خبرا، والموقوف أثرا، ويقول بعض العلماء: إن بين الحديث والخبر عموم وخصوص مطلق، فيشتركان في الحديث، وينفرد الخبر بغير الأحاديث من الأخبار، بمعنى أن كل حديث خبر ولا عكس، ولذلك يقال للمشتغل بعلم الحديث محدث، ويسمى المشتغل بالأخبار إخباري.

أما الأثر في اللغة، فهو بقية الشيء الباقية منه والتي تدل عليه، ويجمع على آثار، ويقال: أثرت الحديث بمعنى رويته ، وكما ذكرنا فإن الرأي الغالب الذي عليه جمهور المحدثين، هو أن الحديث والخبر والأثر بمعنى واحد في الاصطلاح. وقيل أيضا إن الأثر هو ما أضيف إلى الصحابة والتابعين. كما مر بك أن فقهاء خراسان يسمون المرفوع خبرا والموقوف أثرا، ويعقب الدكتور صبحي الصالح على الآراء المخالفة لرأي جمهور المحدثين، فيقول: فلا مسوغ خصيص الأثر بما أضيف للسلف من الصحابة والتابعين، إذ أن الموقوف والمقطوع، روايتان مأثورتان، فالمرفوع، إلا أن الموقوف يعزي إلى الصحابي، والمقطوع يعزي إلى التابعي، بينما ينتهي المرفوع إلى الرسول الكرم صلوات الله عليه

فإذا كان المنتهي إلى الصحابة له تعريفه المصطلح عليه عند المحدثين، فلا داعي إذن للتفريق بين الحديث من جهة، وبين كل من الخبر والأثر من جهة أخرى، فإن الجميع بمعنى واحد في اصطلاح جمهور المحدثين، وهو ما ذكرناه لك قبل، وبالله التوفيق.
 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: