علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة

علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة 
 

لقد ذكرنا في مبحث سابق، أن الله تعالى قد أوكل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مهمة بيان ما في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) فالله تعالى قد فوض رسوله صلى الله عليه وسلم في بيان القرآن الكريم للناس، وذلك بنص الآية السابقة، ومن هنا نستطيع القول، بأن علاقة القرآن الكريم هي علاقة البيان، أي أن السنة الشريفة تبين للناس ما جاء في القرآن الكريم.

وهذا البيان له أنواع متعددة، ولكن قبل أن نذكرها بتفصيل نحب أن نشير أولا إلى كل أنواع العلاقة بين القرآن الكريم، ويمكن حصر هذه الأنواع في ثلاثة أقسام رئيسية:

•  أن تأتي السنة مؤكدة لما جاء في القرآن الكريم.

•  أن تأتي السنة مبينة لما في القرآن الكريم. على تفصيل في ذلك سنذكره بعد قليل.

•  أن تستقل السنة بتأسيس الأحكام، من غير أن يسبق لها ذكر في القرآن الكريم والأصل في ذلك ما ورد في القرآن الكريم من آيات توجب على المؤمنين طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

أولا: – تأكيد السنة للقرآن الكريم:

بمعنى أن يأتي ذكر الشيء في القرآن الكريم، ونفس الشيء أيضا تذكره السنة المطهرة، والعلاقة الجامعة بينهما، حينئذ، هو تأكيد السنة لما ورد في القرآن الكريم، فمن ذلك مثلا أن الله تعالى قال: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ونجد نفس المعنى تقريبا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته “. ومن ذلك أيضا قول الله تعالى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )، ونفس المعنى أيضا تردد في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم ” المسلم أخو المسلم “، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الأعضاء بالحمى والسهر “. والأمثلة على تأكيد السنة الشريفة للقرآن الكريم كثيرة جدا، منها ما جاء في الحث على بر الوالدين والنهي عن عقوقهما في كل من القرآن والسنة.

ثانيا: بيان السنة لما جاء في القرآن الكريم

ولهذا البيان أنواع منها:

•  تفصيل المجمل: بمعنى أن يأتي الشيء في القرآن الكريم مجملا وموجزا، لا نستطيع أن نفهم المراد منه إلا بعد تفصيله، فتتولى السنة ذلك التفصيل. من ذلك مثلا ما ورد في القرآن الكريم عن الصلاة، وهي ركن الإسلام الأول بعد الشهادة، وبها يتحدد الفرق بين المؤمنين وغيرهم. فماذا جاء عن الصلاة في القرآن الكريم ؟ لقد جاء الحديث عنها موجزا ومختصرا، مثال ذلك قوله تعالى: ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا )، وقوله عز وجل ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ )، وامتدح الله تعالى المؤمنين، فقال سبحانه: ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ )، إن هذه الآيات توضح أن الله تعالى قد أوجب الصلاة على المؤمنين من غير أن يبين لنا أوقاتها، والفرائض الواجبة علينا، وعدد ركعات كل فرض، وأركان الصلاة وشروطها، وغير ذلك مما يتعلق بالصلاة. فجاءت السنة الشريفة، وفصلت ذلك المجمل، وعلمت الناس الصلاة وكل ما يعلق بتفصيلاتها، ولولا السنة لما عرفنا كيف نصلي؟. ومثل ما قلناه عن الصلاة نقوله عن سائر العبادات، من زكاة وصيام وحج، فقد جاء ذكر كل ذلك مجملا في القرآن الكريم، وتولت السنة المطهرة تفصيله وبيان المراد منه. ههي أركان الإسلام الأساسية، التي بني عليها الإسلام، يتوقف القيام بها على السنة المطهرة، ونستطيع أن نقول: أولا السنة ما تمكن المسلمين من إقامة بنيان الإسلام، ولم يقتصر الأمر على العبادات فقط، بل هناك أمور كثيرة تتعلق بمعاملات الناس وتفصيلات حياتهم، جاء ذكرها مجملا في القرآن الكريم، وتولت السنة تفصيلاتها. مثل نظام الأسرة من نكاح وطلاق ورضاع وعدة وغير ذلك، ومثل معاملات الناس من البيع والشراء والرهن والربا والوكالة والإجازة والمزراعة، وغيرها كثير، وكثير، مما يضيق المقام عن حصره. فكيف تكون حياة الناس مستقيمة لو لم يأت تفصيل كل ذلك في السنة المطهرة. إن هذا النوع فقط من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، وهو تفصيل المجمل، يؤكد بجلاء ووضوح أن القرآن الكريم محتاج إلى السنة الشريفة، كما يثبت في يقين، أنه لولا السنة لضاع القرآن، بعدم فهمه، وهذا ما يهدف إليه أعداؤنا، حينما يشككون في السنة الشريفة، فما بالنا ببقية الأنواع التي سنوالي ذكرها ؟ !!

•  تقييد المطلق : أن يأتي الشيء مطلقا في القرآن الكريم وتقيده السنة، مثال ذلك قوله تعالى ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) والآية الكريمة لم تقيد قطع اليد بموضع محدد؛ لأن اليد تطلق على الأصابع والكف والرسغ والساعد والمرفق والعضد. ولكن السنة الشريفة بينت ذلك، وقيدت القطع بمقدار الكف فقط من يد واحدة. وذلك حينما ” أتى بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يده من مفصل الكف ” ، فلولا السنة لما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح .

•  تخصيص العام : أن يأتي اللفظ عاما ينطبق على كثيرين، فتأتي السنة الشريفة وتبين أن هذا العمل ليس مرادا، بل المراد به بعض أفراد ذلك العام فقط وليس الجميع، ويكون ذلك تخصيص من السنة لما ورد عاما في القرآن الكريم، من أمثلة ذلك أنه لما نزل قول الله تعالى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) خاف الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه ؟ وذلك لأنهم فهموا أن المراد من الظلم معناه العام وهو وضع الشيء في غير محله، فطمأنهم النبي صلى الله عليه وسلم وبين لهم أن الظلم المراد في الآية إنما هو الشرك، واستدل على ذلك بقول الله تعالى ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )، والحديث قد ورد في صحيح البخاري على الوجه التالي: روى البخاري بسنده إلى عبد الله بن مسعود، قال: لما نزلت ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ). قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه، قال: ” ليس كما تقولون لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) “. فالحديث قد خصص الآية، بأن بين أن المراد بعض أفراد هذا العام وهو الشرك وليس المراد كل ما ينطبق عليه لفظ الظلم. ومن أمثلة ذلك أيضا:

•  قوله تعالى ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) وهذا عام يثبت في كل أب وأم مورثين ويثبت أيضا في كل ابن وارث. فجاءت السنة فخصصت المورث بغير الأنبياء،، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا نورث ما تركناه صدقة “، وخصصت السنة الوارث أيضا بغير القاتل وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا يرث القاتل “، كما خصصت السنة الاثنين معا، بقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم “، فكأن معنى الآية بعد التخصيص هو أن كل مورث من أب وأم يرثه أبناؤه. إلا أن يكون المورث نبيا، فإن الأنبياء لا يورثون إلا أن يكون الوارث قاتلا لأصله المورث فإنه، في هذه الحالة، لا يرثه. وإلا أن يختلف الدين بين المورث والوارث. فإنه لا توارث عند اختلاف الدين.

•  توضيح المشكل: ويسميه بعض العلماء توضيح المبهم، وذلك بأن تكون هناك بعض الألفاظ في القرآن الكريم لا نفهم معناها فتوضحها لنا السنة الشريفة. ويصلح مثالا لذلك، ما ذكرناه آنفا من بيان المراد بالظلم، وتفسيره بالشرك ولا مانع أن يصلح المثال لنوعين معا. ومن أمثلة ذلك أيضا: بيان السنة للمراد من الخيط الأبيض والخيط الأسود، الوارد ذكرهما في قوله تعالى ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) وبأن المراد هو الليل والنهار، روى البخاري بسنده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه، قال نزلت ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ….. ) ولم ينزل من الفجر، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده ( مِنَ الْفَجْرِ ) فعلموا أنما يعني الليل والنهار.

•  ولا يقتصر دور السنة على بيان ما في القرآن الكريم فقط، فتؤكده تارة، أو تفصل مجمله، وتقيد مطلقه وتخصص عامة وتوضح مشكلة تارة أخرى، رغم أهمية هذا وخطورته، بل للسنة مهمة أخرى جليلة وعظيمة. وهي إنها تؤسس أحكاما على جهة الاستقلال، وهذا ما عنيناه بالمهمة الثالثة للسنة في تقسيمنا السابق، إذ أن في السنة أحكاما كثيرة جاءت بها السنة وشرعتها على سبيل الاستقلال من غير أن يسبق لها ذكر في القرآن الكريم، وليس بيانا له ولا تأكيدا لما جاء فيه، من ذلك مثلا في مجال الإلزام والفرض، ما أوجبته السنة الشريفة من زكاة الفطر، فقد روى البخاري بسنده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: – ” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر. أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة “. ومن أمثلة ذلك من مجال التحريم:

•  تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ، نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها “، كما بينت السنة أيضا أنه ” لا يقتل المسلم الكافر ”

إن الأحكام التي انفردت بها السنة كثيرة، وكلها تعطي الدليل الأكيد على أن السنة لها صلاحية تأسيس الأحكام على سبيل الاستقلال، فهي في ذلك مثل القرآن الكريم، وما شرعته السنة يجب العمل به مثل القرآن الكريم تماما، وعلى هذا انعقد إجماع من يعتد بهم من علماء الأمة قديما وحديثا. والذي يقبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما يقبل أيضا عن الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي أوجب طاعة رسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال سبحانه: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) يقول الإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي في كتابه الرائع، الرسالة، بأسلوبه الفصيح البليغ. فجماع ما أبان لخلقه في كتابه، مما تعبدهم به لما مضى من حكمه، جل ثناؤه، من وجوه فمنها: ما أبانه لخلقه نصا مثل، جعل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا وصوما، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وخص الزنا، والخمر، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، أو بين لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بين نصا.

•  ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان نبيه؟ مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه، ومنه ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس لله فيه نص حكيم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى حكمه، فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل، ومنه ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم.

تنبيه مهم: ليس معنى أن السنة تفصل مجمل القرآن الكريم، أو تقيد مطلقه، أو تخصص عامه، أو توضح مشكله، أن كل عام في القرآن يحتاج إلى تخصيص، وأن كل مطلق يحتاج إلى تقييد، وأن كل مجمل يحتاج إلى تفصيل ؟ كلا ليس المراد ذلك، فإن كثير من عام القرآن باق على عمومه؛ لأن عمومه مراد، وكثير من إطلاق القرآن باق على إطلاقه؛ لأن إطلاقه مراد، وهكذا أيضا في المجمل، وإنما المراد أن ما يحتاج إلى شيء من ذلك، فقط، هو الذي يتولى الرسول صلى الله عليه وسلم بيانه بواحد من أنواع البيان، كما ذكرنا سلفا…

وبعد فإن ما ذكرناه يوضح لنا احتياج القرآن الكريم للسنة الكريمة؛ لأنها هي التي تتولى بيانه على الأوجه المذكورة سابقا. وهي فوق ذلك تؤسس الأحكام استقلالا كما ذكرنا. ولعل ذلك يرد على هؤلاء القوم الذين يريدون عدم الاحتجاج بالسنة، أو يقولون، نكتفي بالقرآن الكريم، فإن القرآن لا يستغني عن السنة أبدا، فلو صدقناهم في كلامهم لتعطلت آيات كثيرة من القرآن الكريم يستحيل فهمها بدون السنة الكريمة، وهذا يوضح لنا الهدف الخبيث الذي يهدف إليه هؤلاء الماكرون، فإنه إذا لم نحتج بالسنة لتعطلت آيات كثيرة من القرآن الكريم، فماذا بقي لنا بعد ذلك من ديننا الإسلامي الحنيف. فدع عنك تحريفات هؤلاء الأعداء وتمسك بسنة خير خلق الله، فإنها صنو القرآن الكريم، وهما معا المصدران الأساسيان لشرع الله الحنيف.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: