علم أصول الحديث، الذي يحقق لأمة الإسلام أن تفخر به وتعتز بقواعده

تعريفــــات
 

لكل أمة من أمم الأرض ما تفخر به في قديمها أو حديثها، سواء كان الذي تفخر به في الميدان العلمي أم في أي ميدان آخر. ولقد كان الميدان الذي تفوقت فيه أمة الإسلام، خلال عصرها الذهبي، واكتسحت فيه أمم الأرض قاطبة، هو الميدان العلمي. وتعددت آفاق التفوق لأمة الإسلام بتعدد العلوم والمعارف.

فهي قد تفوقت في ميدان العلوم الشرعية والتجريبية، والطب والفلك، وغيرها. ومن أرض الإسلام أشرقت شموس المعرفة على الأرض كلها فاستضاء بذلك النور العظيم أهل الأرض، واستيقظوا من سباتهم العميق، وخرجوا من جهالتهم المظلمة وضلالهم المبين، بفضل أمة الإسلام ومعارفها التي تفوقت فيها، وتلك حقيقة من حقائق التاريخ الثابتة، تواترت عليها الأدلة والبراهين، ولا يماري فيها إلا الذين أعماهم الهوى والتعصب والحقد ضد أمة الإسلام.

ومن أبرز الميادين الذي تفوقت فيه أمة الإسلام علم مصطلح الحديث، أو علم أصول الحديث، وآية ذلك أن هذه الأمة علمت أن الله أرسل إليهم رسولا لكي يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ويهديهم إلى صراط مستقيم، وأن الله تعالى قد أنزل على هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو القرآن الكريم، وأوكل الله تعالى بيان هذا الكتاب الكريم إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال عز من قائل: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ، لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ومنذ أن جاءت رسالة الإسلام، وابتدأ نزول القرآن الكريم، صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، فشرع يبين لهم في القرآن الكريم، فكانت السنة النبوية الشريفة المطهرة، وبهذين المصدرين معا القرآن الكريم والسنة النبوية قام بناء الإسلام وتأسست دولته، واستمدت منهجها من القرآن والسنة.

ولم يَقْصر الله تعالى دور السنة النبوية على بيان ما في القرآن الكريم فقط، بل أوكل إليها مهمة عظيمة أخرى. وهي أن تشرع للناس أحكاما على سبيل الاستقلال لم يسبق لها ذكر في القرآن الكريم، والسنة بهذه المهمة الكريمة أدت دورا مهما جدا في حياة المسلمين مع القرآن الكريم، وكما قلنا: على ذلك قام بناء الإسلام وتأسست دولته، وبدون القرآن الكريم والسنة النبوية لا يكون هناك إسلام ولا دولة إسلامية، واستقرت هذه الحقيقة المؤكدة في وجدان الأمة الإسلامية، فعرفت أن عليها واجبا مقدسا تجاه دينها، وهو الدفاع عن هذا الدين الحنيف، الذي جعله الله تعالى خاتم الأديان للناس جميعا، وجعل رسوله خاتم النبيين، وعلى أمة الإسلام أيضا تبليغ هذا الدين إلى أهل الأرض واضحا جليا خاليا من كل شبهة يزيفها أعداء الإسلام ضد هذا الدين العظيم.

واقتضت إرادة الله تعالى، أن يكون من هو غير مسلم عدوا للإسلام وللمسلمين يتربص بهذا الدين الدوائر، ويكيد لأهله ما وسعته إلى ذلك السبل.

في القديم كان الكفار، والمشركون، وأهل الملل الزائفة، ثم ظهر أصحاب الأهواء الباطلة، ممن ينتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا. وفى الحديث تكاتفت كل قوى الشر من الشيوعيين الملاحدة، والصليبين، والصهاينة، وغيرهم، ممن انضموا إلى معسكر العداء للإسلام وأهله. ولو تركنا أعداء الإسلام وشأنهم فلن يتركونا وشأننا، وتلك قضية مهمة جدا ينبغي أن نتعامل معها بوضوح، وأن تستقر في خلدنا على أنها حقيقة بديهية، فلا نؤمن إلا لمن تبع ديننا، هكذا أوصانا الله تعالى: ( وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) آل عمران 73، وينبغي أن نربي أجيالنا على ذلك، فينشئوا وفي نفوسهم حذر من أعدائهم، بل ويتهيئوا لدرء العدوان عن الإسلام وأهله.

ومن أبرز الميادين الذي اشتدت فيه عداوة الأعداء، قديما وحديثا، ميدان السنة النبوية، والسبب في ذلك أنهم يعلمون، كما قررنا آنفا، أن الإسلام عبارة عن قرآن وسنة. وأن القرآن محتاج إلى السنة؛ لأنها هي التي تتولى بيانه للناس. وبالتالي فإن الهجوم على السنة هو في الوقت ذاته هجوم على القرآن الكريم. بل على الإسلام كله، وأنهم إذا تمكنوا- لا قدر الله – من الكيد للسنة فقد كادوا للإسلام وأهله كيدا شديدا. وفي نفس الوقت يعلم الأعداء يقينا أنهم لن ينالوا من القرآن الكريم عن طريق التغيير والتبديل؛ لأن الله تعالى تعهد بحفظه، فصانه بذلك، عن أن تمتد إليه الأيادي بالتحريف والتبديل، فقال سبحانه : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .

ولما علم الأعداء ذلك، توجهت عنايتهم إلى الكيد له من طريق أخرى، حتى يعطلوه عن الفهم، وبالتالي يتعطل أيضا عن التطبيق والتنفيذ، وهذا الكيد إنما يتم عن طريق الهجوم على السنة الشريفة، والتشكيك فيها وفي رواتها وطريقة انتقالها إلينا عبر القرون الأولى، وإذا شككوا في السنة فإنهم أيضا قد شككوا في القرآن الكريم؛ لأن السنة هي المبينة له، والمبين دائما يتوقف فهمه على المبين.

وغرضهم النهائي الذي يسعون في سبيله هو الكيد للإسلام، والتشكيك في مصدريه الأساسين، القرآن الكريم والسنة الشريفة هذا هو هدف أعداء الإسلام، وهم يبذلون الجهد الحثيث المتواصل والمتنوع في سبيل الوصول إليه، ويتخذون إلى ذلك كل الوسائل التي يمكنهم الأخذ بها، وفي أحايين كثيرة يجندون كثيرا من أبناء الإسلام ليرددوا ما يقوله أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم. وهم بحول الله تعالى وقوته لن يصلوا إلى غايتهم أبدا، ما دام يوجد في أمة الإسلام علماء مخلصون يدافعون دائما عن الإسلام ومصادره.

ولقد تنبه سلف الأمة الصالح المبارك إلى هذا الكيد للسنة الشريفة، فتصدوا للدفاع عن هذا الدين. وكان من ثمرة هذا الجهد المبارك لعلماء المسلمين علم أصول الحديث، الذي يحقق لأمة الإسلام أن تفخر به وتعتز بقواعده. لقد اصطنعت أمة الإسلام هذا العلم الطيب. واستخرجت قواعده من القرآن والسنة، لكي تدافع به عن هذا الدين الحنيف. فما هو هذا العلم العظيم ؟، وكيف بدأ وتطور ؟

من المعلوم أن السنة الشريفة عبارة عن نصوص نبوية شريفة، نقلها لنا حملة هذا العلم، في حلقات متواصلة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم , والنص النبوي الكريم الذي وصل إلينا يسميه علماء الحديث: المتن، والرجال الذين نقلوا هذا المتن إلينا يسميهم العلماء: سند الحديث، أو إسناد الحديث، أو رجال السند.

إذا فنحن أمام علمين رئيسيين من علوم السنة، علم يدرس النص النبوي الكريم، ويفهمه ويستخرج ما فيه من كنوز، ويستنبط منه الأحكام والعقائد، وهو ما يعرف عند علماء الحديث بعلم الحديث رواية، أي الذي يهتم بالرواية من حيث هي نص نقل إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودراسة ذلك النص النبوي الكريم، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ليس عاديا، مثل كلام سائر البشر، وإنما كلامه دين يجب التزامه والعمل به.

وعلى ذلك فإنه يجب على الأمة شدة الاهتمام به، ليس من حيث فهمه فقط، وإنما من حيث توثيقه وإثبات صدق نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يثبت لدينا حقا أنه قاله فيجب العمل به. وهذا ما اهتم به العلم الرئيسي الثاني من علوم السنة الشريفة. وهو: علم الحديث دراية، أو علم أصول الحديث، أو علم مصطلح الحديث.

ويعرفه العلماء فيقولون: هو علم يعرف به أحوال سند الحديث ومتنه من حيث القبول أو الرد، أو هو علم يعرف به أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد بمعنى أننا ندرس أحوال الرواة الذين ينقلون كلام خير البشر صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الدراسة ننتهي إما إلى قبول ما ينقلون أو رفضه.

فهذا العلم، إذن يهتم بوضع القواعد التي في ضوئها يتم دراسة أحوال هؤلاء الرواة من حيث توفر صفات القبول فيهم أو عدم توفرها.

ولم يهتم هذا العلم بدراسة القواعد المنظمة لأحوال الرواة فقط، بل اهتم أيضا بدراسة المتن. فالنص النبوي الكريم له خصائص يختلف بها عن كلام سائر البشر، وهذه الخصائص لابد أن تتميز بدراسة دقيقة. وقواعد منضبطة حتى لا يضاف إلى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس منه. ومن هنا كان اهتمام هذا العلم الرائع بدراسة أحوال السند والمتن معا. وهذا شيء دقيق وعظيم، فهم لم يوجهوا همهم إلى دراسة السند فقط، فقد يصح السند ولا يصح المتن، والعكس أيضا صحيح، وإنما كان اهتمامهم بدراسة السند والمتن معا. لقد اصطنعت الأمة قواعد هذا العلم الجليل لتدافع به عن دين الله، وتنقل لنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضحا جليا خاليا من كل شبهة، نقيا من كل شائبة. فليطمئن المسلمون إلى سلامة مصادرهم، وليثقوا أنه قد توافرت على صيانة هذه المصادر جهود متواصلة لعلماء أفذاذ. هم جنود عظام أراد الله تعالى أن يحفظ بهم دينه، ويصون بهم شريعته، فكان هذا الجهد الخارق الذي تتميز به أمة الإسلام وتفخر به على سائر الأمم. ونقولها بحق وبدون أدنى عصبية، إن الله تعالى قد منح هذه الأمة علماء أجلاء نافحوا عن دينه، وردوا عنه كيد الحاقدين وزيغ الشائنين، وحينما ينظر المرء إلى هذا الجهد الخارق لا يستطيع إلا أن يستمطر الرحمة من الله عز وجل على أفاضل هذه الأمة. فجزاهم الله تعالى عن الإسلام والسنة الشريفة خير الجزاء.
 

أفق الإسلام
 http://www.offok.com/sonna/old.htm
 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: