منهج الصحابة في تلقي الحديث و روايته

منهج الصحابة في تلقي الحديث وروايته
 
 

حرص الصحابة الكرام على المحافظة على نص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وبعد مماته، وكيف لا وقد سمعوا التحذير الصريح والوعيد الأكيد الذي ألقاه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ” من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار “، ولكنهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا أشكل عليهم شيء سألوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت حياته صلى الله عليه وسلم خير حارس لكلامه، فلما لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، اجتهد الصحابة رضي الله عنهم في الحفاظ على حديثه، وفق منهج علمي محدد المعالم، تمثل في القواعد الآتية :

1- الرواية على قدر الحاجة، وعدم الميل إلى الإكثار منها.

2. التثبت من صحة الرواية .

3. نقد الروايات .

4. منهج المحدثين في تلقي الحديث وروايته.

5. التوسع في الجمع، والتشدد في الرواية.
 
 الرواية على قدر الحاجة، وعدم الميل إلى الإكثار منها
 
 

أخرج ابن ماجه والحاكم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر: ” إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال عليَّ فليقل حقًّا – أو صدقًا – ومن تقول عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار”.

* قال الشيخ محمد محمد أبو زهو – رحمه الله تعالى -: ” فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه على كثرة سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلل من رواية الحديث، وهذا عمران بن حصين، وهذا أبو عبيدة، وهذا العباس بن عبد المطلب، وغيرهم، وكلهم يقلون الرواية”.

* قال الدكتور علي نايف بقاعي: ” ولا يضر هذا المنهج وجود السبعة المكثرين من الصحابة، الذين روى كل واحد منهم أكثر من ألف حديث – بل إن أبا هريرة رضي الله عنه – قد روى وحده أكثر من خمسة الآف حديث – لأن عدد هؤلاء قليل جدًا، بل نادرٌ إذا ما قيس بعدد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومن جهة ثانية فإن روايات هؤلاء المكثرين قد احتيج إليها، فلا تكون روايتها خرقًا لمنهج عدم الميل إلى الإكثار”.

* وقال أيضًا: “إنهم عدوا مكثرين بالنسبة إلى غيرهم، وإلا فإنهم في الحقيقة مقلون، فأنس بن مالك – رضي الله عنه – خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ثم لم تتجاوز أحاديثه (2286) حديثًا، أي أنه روى حوالي خمسة أحاديث عن كل أسبوع خدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة – رضي الله عنه – لزم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ثلاث سنين، ولم تتجاوز أحاديثه (5374) حديثًا، وهذا لا يزيد عن كتاب أو كتابين يستحفظهما طالب الجامعة في شهر أو شهرين “69.

التثبت من صحة الرواية
 
 

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ” إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد: ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم”. وأخرج أصحاب السنن الأربعة: ” جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله عن ميراثها، فقال: ما لكِ في كتاب الله تعالى شيءٌ، وما علمت لك في سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، ارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال: أبو بكر هل معك غيرك ؟ فقام محمد بن مسلمة فقال: مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر”. والآثار كثيرة جدًا عن الصحابة في تثبتهم فيما يروونه.

 نقد الروايات
 
 

كان الصحابة رضي الله عنهم يعرضون ما يسمعونه من بعضهم من الحديث على ما يحفظونه من الكتاب والسنة، وما رسخ في أذهانهم من قواعد الشرع الشريف، فإن وجدوا شيئًا مرويًا مخالفًا لذلك توقفوا فيه حتى يتثبتوا منه، أو يزول الإشكال، ومن ذلك :

* حديث عبد الله بن ابي مليكة المتفق عليه قال: ” توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة، قال: فجئنا لنشهدها. قال: فحضرها ابن عمر وابن عباس. قال: وإني لجالس بينهما. قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر مجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان – وهو مواجهه -: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ” فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك. ثم حدث فقال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل شجرة. فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت فإذا هو صهيب، قال: فأخبرته فقال: ادعه لي، قال: فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أن أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: وأخاه! واصحباه! فقال عمر: ياصهيب! أتبكي عليَّ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه “؟! فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: ” إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه ” وقالت عائشة حسبكم القرآن: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)70. وحديث عذاب الميت ببكاء أهله عليه صحيح أيضا متفق عليه، وهذا يوجب أنه يعذب في حالة ما إذا أوصى بالنياحة عليه، أو عُلم منه الرضا بهذا الفعل، خصوصا وأن هذا الأمر كان منتشرا في الجاهلية، وكانت النساء تستأجر للنياحة على الموتى، وكانوا يسمونه إسعاد أهل الميت، وكان واجبا يستلزم أن يرده بعضهم لبعض.
 
 
منهج المحدثين في تلقي الحديث وروايته
 
 

مما يدل على شدة عناية المحدثين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، اعتناؤهم بكيفية تحمل الحديث وكيفية روايته، وقد وضعوا القواعد الآتية في سبيل ذلك :

* التدرج في تحمل الحديث: سن العلماء أخذ العلم مرحلة مرحلة، حتى لا تختلط مرويات الراوي عليه، ويضطرب عند أدائها، ولذا نجد الإمام الزهري يقول: “من طلب العلم جملة، فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديث، وحديثان”. وقال أيضًا: “إن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة له غلبك، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذًا رفيقًا تظفر به”.

* ويقول الخطيب البغدادي “ولا يأخذ الطالب نفسه بما لا يطيقه، بل يقتصر على اليسير الذي يضبطه، ويحكم حفظه ويتقنه”، وقال ابن علية: “كنت أسمع من أيوب خمسة أحاديث، ولو حدثني بأكثر من ذلك ما أردت”.

* وقال سفيان: ” كنت آتي الأعمش ومنصورًا، فأسمع أربعة أحاديث أو خمسة ثم أنصرف، كراهة أن تكثر وتفلت “.

* وقال شعبة: ” كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين فيحدثني، ثم يقول: أزيدك ؟ فأقول: لا، حتى أحفظهما وأتقنهما “.

* وقال خالد الحذاء: ” كنا نأتي أبا قلابة، فإذا حدثنا بثلاثة أحاديث قال: قد أكثرت”.

* وقال عبد الله بن داود: ” كنت آتي الأعمش من فرسخ، ولم أسمع منه في مجلس قط أربعة أحاديث إلا مرة واحدة”.
 
 

 التوسع في الجمع، والتشدد في الرواية
 
.

وهذه النقطة من النكات الدقيقة في منهج المحدثين التي تدل على بلوغ علماء الجرح والتعديل القمة في المنهج الاستقرائي، وسبق علماء المسلمين جميع المناهج الأخرى في المنهج الاستقرائي، حيث إنهم عمدوا إلى جمع كل ما يقابلهم من حديث، ثم تمييز ما يصح وما لا يصح، إذ أن جمع الطرق يفيد في الآتي:

* سبر مرويات الرواة، وبيان مدى اختلافهم واتفاقهم، وبالتالي معرفة الثقة من الضعيف، ومن يَهِمُ ممن لا يَهِم، ومن يُدَلِّسُ ممن لا يدلس، وفوائد إسنادية لا تحصى، ولولا جمع الطرق ما عرف الخطأ من الصواب.

* بيان اختلاف الرواة واتفاقهم على الألفاظ، وبالتالي معرفة من يروي بالمعنى ممن يروي باللفظ.

* بيان الناسخ والمنسوخ من الحديث.

* بيان العام والخاص.

* بيان المجمل والمبين.

* بيان علل الحديث، إذ ربما يكون حديثًا ظاهر إسناده الصحة، ثم لما تجمع طرقه يتبين ضعفه، وهذه غاية عظمى من غايات جمع الطرق.

* بيان المزيد في متصل الأسانيد.

* بيان المتواتر والمشهور والآحاد.

* بيان الشذوذ والنكارة في المتن والإسناد.

* الجمع بين الأحاديث المتعارضة.

* ترجيح رواية راوٍ على آخر.

* ترجيح راوٍ في راوٍ معين، وتضعيفه في آخر.

وما ذكرنا قليل من كثير من فوائد جمع الطرق، ثم تمييزها، إذ لولا الخطأ ما عرف الصواب، قال: “الحديث إذا لم تجمع طرقه، لم يتبين صوابه من خطئه”:

* وقال أبو حاتم الرازي: “إذا كتبت فَقَمِّش، وإذا حدثت ففتش”71.

* قال يحيى بن معين: “صاحب الانتخاب يندم، وصاحب المشج لا يندم”.

* وقال عفان: ” حضرت أبا عوانة، وعنده قومٌ يسألونه ينتخبون، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: ننتخب. قال: لا تتركوا شيئًا، فإنه ليس شيء إلا أريد به شيء”، وكلمة الإمام البحر عفان بن مسلم غاية في الدقة والبيان لما بيناه من بلوغ علماء الجرح والتعديل القمة ؛ إذ أنه يبين أنه ما يملي شيئًا إلا لغرض ما يريده كما بينا، فمثلا قد يملي الإمام الأحاديث الضعيفة في الباب للدلالة على ضعفها، وهذا بابٌ دقيق عند المحدثين، كما يفعل الإمام مسلم إذ أنه قد يورد الحديث الضعيف في المتابعات والشواهد للدلالة على علة فيه، لا للدلالة على صحته، إذ أنه يستدل بإيراده الصحيح على علة ما أورده في المتابعات والشواهد أوجبت انحطاطه عنده عن رتبة الاحتجاج به في الأصول.

* وقال أبو الزناد: “كنا نكتب الحلال والحرام، وكان الزهري يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس”.

* وأخرج الخطيب بسنده إلى الوليد بن أبان الكرابيسي قال: “قلت ليزيد بن هارون: يا أبا خالد، هذه المشيخة الضعفاء الذين تحدث عنهم، قال: أدركت الناس يكتبون عن كل أحد، فإذا وقعت المناظرة خصلوا – أي: بينوا في روايتهم ما يصح وما لا يصح”.

علق الدكتور أحمد نور سيف على قول يزيد بن هارون: “فقد ميز يزيد بن هارون بين ثلاث حالات:

* في حال السماع والأخذ.

* في حال الإملاء والتحديث.

* في حال المناظرة، ويندرج تحتها الاحتجاج والتصنيف.

وقد أدرك من قبله من المحدثين، وهم يتوسعون في الحالة الأولى والثانية، لأنها لغرض الجمع والتحصيل، أما الحالة الثالثة، فهو يرى أن المحدث لا يسعه فيها إلا البحث والتنقيب ومعرفة المقبول من المردود، وغالب المحدثين ينهجون المنهج الذي ذكره يزيد بن هارون، فيتوسعون في الأخذ والتحديث والإملاء، ويتشددون في التصنيف والمناظرة والاحتجاج”،72.
 
 

 

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: