نشأت علم المصطلح وتطوره

نشأت علم المصطلح وتطوره 
 

لقد بدأت البواكير الأولى لهذا العلم منذ مرحلة مبكرة جدا منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وبأمر من القرآن الكريم الذي طلب منا التثبت من نقل الرواة، وعدم إقامة الأحكام قبل التأكد من صدقها، فقال عز من قائل: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا، أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )، وتثبت الصحابة رضوان الله عليهم واشتدوا في أمر الرواية صيانة للدين، وحفظا للشريعة الغراء، وكانوا يطلبون من الراوي أن يأتي لهم بشاهد على ما يرويه، فعل ذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه حينما جاءته الجدة تطلب حقها في الميراث، فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لك بشيء، ارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك ؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر وكذلك فعل عمر رضي الله تعالى عنه مع أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، حينما استأذن على عمر ثلاثا، فلم يأذن له فرجع، فأرسل عمر في إثره، وسأله لم رجعت ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فينصرف “، فقال له عمر: لتأتني على هذا ببينة وإلا أوسعتك ضربا، فذهب إلى ملأ من الصحابة: فذكر ما قاله عمر. فقالوا: كلنا سمعه. فقام أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك.

ولم يكن موقف أبي بكر وعمرشكا في صدق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، كلا وحاشا، وإنما أرادوا أن يؤسسوا المنهج الدقيق هو ضرورة التثبت في أمر رواية الأحاديث؛ لأنها دين الله المتين.

ولما قامت الفتنة بعد مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه اشتدوا أكثر في أمر الرواية، حتى لا تؤدي الفتنة إلى إفشاء الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكلم من الصحابة كثير في أمر الرواية والجرح والتعديل، فتكلم أنس بن مالك، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، والسيدة عائشة، وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.

ثم توالت حلقات هذا العلم، فتكلم عن بعض قواعده، من التابعين سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وابن سيرين، وغيرهم أيضا كثير. وتكلم من بعد ذلك أناس غيرهم، كالإمام مالك بن أنس والزهري، وسليمان التيمي، وغيرهم أيضا كثير. وتجد قواعد هذا العلم مبثوثة بين ثنايا أقوالهم، التي نقلت عنهم وحفظتها لنا بطون الكتب الموجودة بين أيدينا الآن.

•  علم المصطلح في القرنين الثاني والثالث

وجاءت مرحلة أخرى تلي ذلك دخل فيها علم أصول الحديث طورا جديدا من أطوار تكوينه وتطوره، وذلك بتدوين بعض مباحثه بين طيات كتب العلماء، فممن كتب في بعض موضوعاته في ثنايا مؤلفاته الإمام الشافعي المتوفي سنة 204 هـ، رضي الله تعالى عنه، حيث تكلم في كتابيه الرسالة والأم عن بيان السنة والقرآن الكريم، وعن الاحتجاج بالسنة وعن حجية خبر الواحد، وشرط الحفظ في الراوي، وقبول رواية المدلس إذا صرح بالسماع وغير ذلك وتكلم البخاري سنة 256 هـ في صحيحه وتواريخه عن بعض مباحث هذا العلم، كما تعرض الإمام مسلم رحمه الله تعالى المتوفي سنة 261 هـ في مقدمة صحيحه لبعض مباحث هذا الفن، ونقل تلاميذ الإمام أحمد عنه كثيرا من آرائه المتعلقة بموضوعات علم المصطلح، وسنن الترمذي المتوفي سنة 279 هـ بها أيضا حديث عن بعض قواعد علوم الحديث، ثم تلت ذلك حقبة أخرى دخل فيها هذا العلم مرحلة المصنفات المستقلة التي ألفت خصيصا لعلم مصطلح الحديث.

•  علم المصطلح بعد القرن الثالث

ويستعرض الحافظ ابن حجر العسقلاني تلك المرحلة فيقول: أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ت سنة 405 هـ، لكنه يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني ت سنة 430 هـ، فعمل على كتابه مستخرجا وأبقى أشياء للمتعقب، وجاء بعدها الخطيب أبو بكر البغدادي ت سنة 463 هـ، فألف في قوانين الرواية كتابا أسماه الكفاية، وفي آداب الرواية كتابا سماه الجامع لآداب الشيخ والسامع، وقل فن من فنون الحديث إلا وصَنَّفَ فيه كتابا مفردا، فكان كما قال الحافظ ابن نقطة ت سنة 629 هـ: كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه، ثم جاءه بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي ت سنة 544 هـ كتابا سماه الإلماع، وأبو حفص الميانجي جزءا سماه ما لا يسع المحدث جهله، إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرورزي المتوفي سنة 643 هـ، فجمع لما تولى تدريس الحديث بالمدرسة الأشرافية كتابه المشهور: علوم الحديث، الشهير بمقدمة ابن الصلاح، فهذب فنونه، وأملاه شيئا بعد شيء، فهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره فلا يحصي كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر.

هذا هو استعراض العلامة ابن حجر لتاريخ التدوين في هذا الفن.

وممن علق على مقدمة ابن الصلاح البدر الزركشي م 794 هـ، والزين العراقي م 806 هـ، في كتابه التقييد والإيضاح لما أطلق وإنهم من مقدمة ابن الصلاح، والحافظ ابن حجر العسقلاني بكتاب أسماه، الإفصاح بتكميل النكت على ابن الصلاح. وممن اختصر مقدمة ابن الصلاح الإمام النووي المتوفي 676 هـ في كتابه الإرشاد، الذي اختصره بعد ذلك في كتاب اشتهر باسم التقريب، واسمه الكامل: التقريب والتيسير في سنن البشير النذير، وقد شرحه الإمام السيوطي في كتاب سماه تدريب الروي، واختصره الحافظ ابن كثير في كتاب أسماه: اختصار علوم الحديث، وشرحه شرحا جيدا بعد ذلك العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر، في كتاب سمي باسم: الباعث الحثيث، شرح اختصار علوم الحديث. هذا ذكر بعض من علق أو اختصر أو شرح مقدمة ابن الصلاح.

ولم يتوقف التأليف في هذا الفن عند ابن الصلاح، بل ألف فيه بعده جمع من العلماء، منهم على سبيل المثال لا الحصر الاقتراح لابن دقيق العبد، ووضع العراقي فيه الفية، ثم شرحها في كتاب له اسمه فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. وممن شرحها أيضا السخاوي في كتاب أسماه: فتح المغيث، بنفس تسمية العراقي لشرحه. وألف ابن حجر في هذا الفن كتابا مختصرا ممتعا أسماه: نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، ثم شرحها بإيجاز بعد ذلك في نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر.

ووضع السيوطي ألفية أيضا كان يعتز بها جدا، ثم شرحها في كتاب سماه البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر. وقد ألف جمع من المحدثين تأليف طيبة في هذا العلم، وعلى رأسهم العلامة جمال الدين القاسمي في كتاب بديع اسمه: قواعد التحديث. ولا يزال التأليف يتوالى في هذا الفن. والمجال متسع لكل متخصص لكي يدلي بدلوه مساهمة منه في خدمة هذا العلم الطيب ونشره، والذود عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا وينبغي النظر إلى هذا العلم على أنه نظرية نقدية متكاملة، تمثل منهجا عظيما في دراسة أحوال السند والمتن. فإذا كانت ركيزة هذا العلم الأساسية تقوم على أنه به يعرف أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد. فإن هذا الحديث المروي إذا توافرت فيه شروط الصحة يكون صحيحا، وإذا قل فيه ضبط الرواة بدرجة محتملة يكون حسنا، فإذا فقد شروط الصحة والحسن يكون ضعيفا، والضعيف يتنوع حسب الشرط الذي فقده من شروط الصحة والحسن ومن هنا تعددت أنواع الضعيف، فمنها على سبيل المثال، المعلق، والمعضل، والمدلس، والمنقطع، والمقطوع، والشاذ، والمنكر، والمتروك، وغير ذلك مما سيأتي الحديث عنه. وهناك أنواع تشترك بين الصحيح، والحسن، والضعيف مثل المشهور، والعزيز، والغريب. فإذا انتقلنا إلى أحوال الرواة وهي الشق الثاني لهذا العلم فإننا نجد مباحث العدالة وشروط الراوي، وقواعد التعديل والتجريح من أهم مباحث علوم الحديث. وإذا كانت الرواية في جوهرها ترتكز على عنصرين أساسيين، وهما شيخ يؤدي إلى تلاميذه، وتلميذ أو تلاميذ يتحملون عن هذا الشيخ، فإننا نجد أنفسنا أمام مبحث مهم جدا، وهو التحمل والأداء ووسائل ذلك. وهكذا نجد أنفسنا في النهاية كما قلنا أمام علم عظيم يمثل منهجا نقديا متكاملا توزن به رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتميز صحيحها من سقيمها، حتى يتم الاحتياط لشرع الله الحنيف، فلله در قرائح عظيمة استنبطت قواعد هذا العلم واستخرجت كنوزه فابتكرت بذلك علما تفخر به على سائر الأمم، والآن إلى مباحث هذا الفن.
 
 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: