السنة كلها تشريع / يحيى هاشم حسن فرغل

السنة كلــــــها تشريع

بقلم : د : يحيى هاشم حسن فرغل

موضوع السنة من الموضوعات القديمة الجديدة التي يحوم حولها أعداء الإسلام قديما ، وحديثا : يحاولون أن ينفذوا منها إلى هدم الشريعة ثم هدم الإسلام برمته ، والمقصود بالسنة هنا أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته
وهي تتضمن الأحكام الشرعية الخمسة من الفرضية مثل صوم رمضان ، أو الوجوب مثل صلاة الوتر عند الحنفية ، ومن السنية أو الندب أوالاستحباب مثل صوم ست من شعبان ، ومن التحريم مثل أكل الربا ، ومن الكراهية التحريمية أو التنزيهية مثل أكل الثوم عند صلاة الجمعة ، ومن الإباحة مثل البيع والشراء .
منذ زمن طويل أطلت برأسها فتنة الاكتفاء بالقرآن الكريم : قال رجل لعمران بن حصين لا تتحدث معنا إلا بالقرآن فقال له عمران : إنك لأحمق ، هل في القرآن بيان عدد ركعات الفرائض أو اجهروا في كذا دون كذا ؟ فقال الرجل لا ، فأفحم الرجل .
وروى البيهقي أيضا في باب صلاة المسافر من سننه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنه سئل عن قصر الصلاة في السفر وقيل له : إنا لنجد في الكتاب العزيز صلاة الخوف ولا نجد صلاة السفر فقال للسائل : يا أخي : إن الله تعالى أرسل إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا ، وإنما نفعل ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ، قصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) [1]
واليوم فإن من أظهر ما يدل على مدى التمزق والحيرة التي أصابت الساحة الثقافية – بفضل حركة التنوير – هو ما عليه المسلمون اليوم بالنسبة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم
وهم اليوم أربعة أصناف متناحرة .
صنف يتطرف برفض السنة كلها وهؤلاء خارجون عن الملة بالكلية
وصنف يأخذون بها جميعا ولكنه يتطرف فلا يفرق بين ما هو فرض ومندوب ، وحرام ومكروه من الأحكام الخمسة .
وصنف يزعم أن فيها ما هو للتشريع فيأخذ به وما ليس في التشريع فلا يأخذ به .
وصنف يأخذ بالسنة كلها وأنها كلها تشريع يتفاوت حكمه بين الفرض والمندوب والتحريم والكراهة والإباحة .
أما الصنف الأول الذي يزعم أنه يكتفي بالقرآن ولا يتقيد بالسنة فأمره واضح بين ، إذ هو لا يلتزم بالسنة ولا بالقرآن معا ، لأنه لوا التزم بالقرآن لالتزم بالسنة نزولا عند قوله تعالى :
{ مَنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفيظاً } 80 النساء
[65] {فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْليماً }
{ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يوحى } النجم 3 – 4
وفي سنن ابي داود بسنده عنِ المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: «ألاَ إنّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ألاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرّمُوهُ. ألاَ لاَ يَحِلّ لَكُم الْحِمَارُ الأهْلِيّ وَلاَ كُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبُعٍ وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إلاّ أنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أنْ يَعْقُبَهُمْ بِمِثْلَ قِرَاهُ».
هؤلاء أمرهم بين ، ينتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا .
يقول الإمام الشعراني : ( سمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : لولا أن السنة بينت لنا ما أجمل في القرآن ما قدر أحد أن يستخرج أحكام المياه والطهارة ، ولا عرف كيف يكون الصبح ركعتين والظهر والعصر والعشاء أربعا ، ولا كون المغرب ثلاثا ، ولا كان أحد يعرف ما يقال في دعاء التوجه والافتتاح ، ولا عرف صفة التكبير ، ولا أذكار الركوع والسجود ، والاعتدالين ، ولا ما يقال في جلوس التشهدين ولا كان يعرف كيفية صلاة العيدين والكسوفين ، ولا غيرهما من الصلوات كصلاة الجنازة ، والاستسقاء ، ولا كان يعرف الزكاة ولا أركان الصيام والحج ، والبيع والنكاح والجراح والأقضية وسائر أبواب الفقه . )

الصنف الثاني : وهو من يذهب إلى الطرف الآخر من القضية في أقصاه ، فيلتزم بالسنة التي هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته ، ولكنه لا يفرق فيها بين الأحكام الشرعية الخمسة التي قدمناها فيخلط بين الفرض والمندوب ، فيراه فرضا كله والمكروه والمحرم فيراه محرما كله ، ويدخل المباح تارة هنا وتارة هناك
فهؤلاء – مثلا – يستمعون إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في لعق الأصابع عند الأكل فيأخذون بذلك في جميع الأحوال كأنه فرض .
ويستمعون إلى سنته صلى الله عليه وسلم في التوضؤ بحفنة من الماء فيأخذون بذلك في جميع الأحوال كأنه فرض كذلك .
لابد من النظر في ضوء أصول الفقه في تحديد معنى الأمر ومعنى النهي ومعنى الوجوب ومعنى الإباحة إلخ .
وفي ضوء أسباب الواقعة ، التي تفسر معناها ولا تحبسه.
يقول أستاذنا الدكتور موسى شاهين لاشين في بحثه القيم الذي اعتمدنا عليه في هذه المقال :
نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد أي بحفنة من الماء ، وكان يغتسل بأربع حفنات فهذا تشريع ولكنه ليس للوجوب بالذات ، وإنما هو يدور بين الوجوب والندب والإباحة بحسب الظروف ، والملابسات . ولو عاش صلى الله عليه وسلم على ضفاف نهر مثلا لتوضأ بأكثر من حفنة ماء ، ولاغتسل بأكثر من أربع حفنات .
وكان صلى الله عليه وسلم يعد سلاحه لملاقاة الأعداء بالسيف والرمح والنبل ، فهذا تشريع ولكنه ليس للوجوب بالذات ، ولكنه يدور بين أحكام الشريعة الخمس ، بحسب الملابسات ، ولو عاش في زماننا لما قصر صلى الله عليه وسلم عن الإعداد بأقصى مظاهر القوة العسكرية الحديثة .
إن بعض مشكلات الإسلام اليوم هي في بعض أهله ممن يفرِّطون ، أو يفرُطون ، فليس من الإسلام في شيء ما نسمع عنه اليوم من أن بعض الدعاة يذهب إلى أوربا أو أمريكا ليدعو إلى الإسلام فيأكل على الأرض ، وبالأصابع ، فالحق أن هذا تنفير من الإسلام وليس دعوة إليه ولا فهما له .
إن مشكلة الإسلام مع هؤلاء في أنهم يدخلون جميع أفعاله صلى الله عليه وسلم في باب الوجوب أو الإلزام ، بينما هي قد تكون من التشريع بالندب ، أو من التشريع بالإباحة ، أو غير ذلك من أحكام التشريع .
والصنفان السابقان – من يرفضون السنة جملة وتفصيلا ، ومن ياخذون بها دون تفرقة بين الأحكام الشرعية الخمسة – أمرهما هين في كشف خطرهما أو انحرافهما ، فالأول الذي ينكر السنة في باب التشريع إجمالا ، كافر غير مسلم ، والثاني الذي لا يميز فيها بين الفرض والمندوب والمحرم والمكروه والمباح أمره خطير ولكنه أقل خطرا من أولئكم .فهم مسلمون متشددون فيما لا موضع للتشديد فيه ، ويمكن كشف خطرهما بشيء من الفقه والتعليم .
وهناك صنف ثالث برز في العقود الأخيرة يزعم أن منها ما هو للتشريع فيؤخذ به ، ومنها ما هو لغير التشريع فلا يؤخذ به ، وهذه مقولة بالغة الخطر ، وخطرها من نعومتها وشدة التلبيس فيها .
يقول الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين ردا على هؤلاء مبينا أن السنة كلها تشريع : ( ولم يخالف في ذلك أحد من علماء المسلمين طوال أربعة عشر قرنا ) حتى كان النصف الثاني للقرن الرابع عشر للهجرة ، فكان أول من قسم السنة إلى تشريع وغير تشريع فضيلة الشيخ محمود شلتوت في كتابه ” الإسلام عقيدة وشريعة ”
يذهب الشيخ شلتوت : إلى أن ما ورد من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته قد يأتي بعضه : على ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب والمشي والتزاور والمصالحة بين شخصين. وما سبيله التجارب والعادة الشخصية ، أو الاجتماعية كالذي ورد في شئون الزراعة والطب وطول اللباس أو قصره . وما سبيله التدبير الإنساني في ظروف خاصة كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية . وكل هذه الأنواع ليس شرعا يتعلق به طلب الفعل أو تركه ، وإنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها صلى الله عليه وسلم ” تشريعا ولا مصدر تشريع ”
ويقول الشيخ موسى شاهين لاشين : وعن الشيخ شلتوت أخذ كثير من المعاصرين فيما كتبوه عن السنة وتقسيمها إلى تشريعية وغير تشريعية . والذين ساروا في ركاب الشيخ شلتوت هم حتى اليوم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة .وهؤلاء بحسن نية في بعض الأحيان يفتحون في الشريعة الإسلامية ثغرة يحسبونها هينة وهي منفذ خطير لأعداء الشريعة الإسلامية .
خصوصا وأن القضية بدأت أولا : بإخراج ما سبيله الحاجة البشرية كالأكل والشرب من التشريع ، ثم انتهت إلى إخراج كل ما يتعلق بالمعاملات التي لم ترد في القرآن الكريم ، فيذهبون إلى أن المعاملات في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست خاضعة للتشريع ، وإنما هي صادرة عن اجتهادات بشرية يجوز لمن يأتي بعده أن يجتهد مثله ، وأن يخالفه في أفعاله وتقريراته وأفعاله وبخاصة ما جاء منها في المعاملات التي لم ترد في القرآن الكريم ( ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم باجتهاده ) وفقا لعبارة الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه ” السنة والتشريع ص 46 ” ويحصر السنة التشريعية في دائرة ضيقة بقوله : ( نسارع فنقرر أن كل ما صدر عن الرسول من شئون الدين والعقيدة والعبادة والحلال والحرام والعقوبات والأخلاق والآداب لا شأن لنا به إلا من ناحية فهمه ) ثم يقول : ( لكن هناك أحاديث كثيرة تتصل بمعاملات الناس في الحياة من بيع وشراء ورهن وإجارة وقراض وسلم ) كل ذلك لا يراه من التشريع وإن جاء في السنة ، ثم يقرر أن المعاملات تخضع في الإسلام أولا وأخيرا لمبدأ المصلحة . وعلى هذا النحو جاءت كتابات العلمانيين من نحو نور فرحات ، ومحمد خلف الله أحمد ، وحسين أحمد [2]
وهو لم يكتف بما اكتفى به الشيخ شلتوت من إخراج ما سبيله الحاجة البشرية كالأكل والشرب ، وإنما أخرج المعاملات جميعا ، ولم يفرق في ذلك بين واجب ومندوب ، أو مباح ومحرم ، أو مكروه ، وحكم على ما يقرب من نصف السنة بأنه ليس من التشريع .

ومن الواضح ما يمثله هذا التوجه من خطر على الشريعة الإسلامية : ينسفها أولا في المعاملات ، ويبقيها في العبادات ليجهز بعد ذلك على المعاملات والعبادات جميعا .
وهذه هي الغاية التي تنتهي إليها العلمانية في أقصى حالاتها .
وهؤلاء يأتي الرد عليهم بعد نبذة سريعة عن الصنف الرابع
الصنف الرابع : وهم المسلمون منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قريب من عهدنا الحاضر ، فهؤلاء يؤمنون بأن السنة كلها تشريع : إيمانا بما جاء عن ذلك في القرآن الكريم :
{ وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسولٍ إِلّا ليُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَموا أَنْفُسَهُمْ جاءوكَ فاسْتَغْفَروا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسولُ لَوَجَدوا اللَّهَ تَوّاباً رَحيماً } 64 النساء
{ وَما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهوا واتَّقوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعِقابِ } 7 الحشر
{ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضى اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمْراً أَنْ يَكونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبيناً } 36 الأحزاب
{ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يوحى } النجم 3 – 4

يقول الأستاذ الدكتور عبد الغني عبد الخالق : ( كل ما تلفظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم – ما عدا القرآن – أو ظهر منه من ابتداء رسالته إلى نهاية حياته فهو من سنته ، سواء ما أثبت حكما عاما لسائر أفراد الأمة ، وهذا هو الأصل ، أو ما أثبت حكما خاصا به أو ببعض أصحابه ، وسواء أكان فعله جبليا أم كان غير جبلي ، من قول أو فعل يصدر عنه إلا ويثبت حكما شرعيا ، بقطع النظر عن كونه إيجابا أو ندبا أو تحريما أو كراهة أو إباحة .
يقول ابن تيمية رحمه الله : ( كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم – بعد النبوة – أو أقرعليه أو فعله ولم ينسخ فهو تشريع . والتشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة ، ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب ، فإنه يتضمن إباحة الدواء ، والانتفاع به فهو شرع لإباحته ، وقد يكون شرعا لاستحبابه ، والمقصود أن جميع أقواله يستفاد منه شرع .
لقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدل – على الأقل – على الإذن به ، مطلق الإذن الذي يشمل الوجوب والندب والإباحة ، ما لم يوجد دليل على تعيين واحد منها
وقال بعضهم : يفيد الوجوب ما لم توجد قرينة مانعة منه .
وقال بعضهم يفيد الاستحباب ما لم توجد قرينة مبينة للوجوب
ومن ذلك يتبين الإجماع على كونه تشريعا .

إن أظهر ما يستدل به القائلون بأن بعض السنة ليس تشريعا هو ما يذكرونه في باب الأكل والشرب
يقولون : إن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكل والشرب هي من باب الجبلة أو العادة والتجربة . فهي ليست تشريعا . وهو كلام منمق يتبين بطلانه بعد الفحص والنظر . فإذا ظهر بطلان دعواهم فيما جاء عن الأكل والشرب ظهر بطلان دعواهم في القضية كلها . وتبين رسوخ ما عليه جماعة المسلمين من كون السنة كلها تشريعا .
لقد حرم الله الميتة ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحر( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) فمن الذي أحل السمك الميت – وها نحن في قلب مسألة الأكل والشرب – ؟ أليس هذا تشريعا ؟
كيف يكون ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأكل والشرب صلى الله عليه وسلم في الأكل والشرب ليس تشريعا مع أن الله سبحانه وتعالى يقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) 157 الأعراف ، أليس فعله صلى الله عليه وسلم أو قوله أو تقريره يعطي حكما شرعيا أقله رفع الحرج عن فعله ؟ أكله صلى الله عليه وسلم للقثاء بالرطب ألا يفيد هذا إباحة هذا الفعل ؟ أو لا يفيد ؟ ألا يفيد هذا جواز الجمع بين لونين من الطعام ؟ أو لا يفيد ؟ وإليكم طائفة مما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأكل والشرب ، بعضها واجب وبعضها مندوب :
فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال : ( كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا غلام سم الله وكل بيمينك ، وكل مما يليك ) كيف لا يكون هذا تشريعا يدخل في أحد الأحكام الخمسة ؟
وفي ذم الشره والتنفير من الجشع في الأكل يقول صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) أخرجه البخاري ، كيف لا يكون هذا تشريعا يدخل في أحد الأحكام الخمسة ؟
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ” الكرع ” وهو الشرب منكفئا على الإناء وتناول الشراب بالفم كما تشرب البهائم ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها ” أخرجه ابن ماجة ، أليس هذا تشريعا يدخل في أحد الأحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن اختنات الأسقية – أي الشرب من الإناء الكبير – منعا من توارد الأفواه على المكان الواحد في الإناء ، فعن عائشة رضي الله عنها ( نهى صلى الله عليه وسلم أن يشرب من في السقاء – أي فم السقاء – لأن ذلك ينتنه ) أخرجه الحاكم بسند قوي ، أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن التنفس في الإناء عند الشرب فقال : ” إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الماء ” أخرجه البخاري . أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الشراب عند الشرب فقال رجل : القذاة أراها في الإناء ؟ قال : اهرقها . قال : فإني لا أروى من نفس واحد ؟ قال : فأبن القدح إذن عن فيك ) أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الشرب في آنية الذهب والفضة . أخرجه البخاري أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟

وأمر صلى الله عليه وسلم بتغطية أواني الطعام والشراب فقال : ( أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب ، وأوكوا الأسقية ، وخمروا الأطعمة والشراب ) أي غطوها . أخرجه البخاري ، أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الأكل من وسط الإناء فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافته ، ولا تأكلوا من وسطه ” أخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح . أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ورغب صلى الله عليه وسلم في المواساة بالطعام والمشاركة فيه والاجتماع عليه فقال : ( طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ) أخرجه مسلم أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
وحفاظا منه صلى الله عليه وسلم على أحاسيس الآخرين نجده صلى الله عليه وسلم : ما عاب طعاما قط ، كان إذا اشتهى شيئا أكله وإن كرهه تركه ) أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟ وقد اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا – في المسجد – لا يدخل عليهن بيوتهن – أخرجه البخاري أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
ولم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة له ولا خادما قط – أخرجه أحمد – أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ بحفنة من الماء وغيره يتوضأ بعشر حفنات – أخرجه البخاري أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟

وكان صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة – أخرجه البخاري – أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وكان صلى الله عليه وسلم يصوم في السفر وبعض أصحابه يفطر ، وكان يفطر وبعض أصحابه يصوم ، كما أخرجه البخاري أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتلحي في العمة – أي بتطويقها تحت الحنك – كما ذكره ابن قتيبة ، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟

وقد يحزن صلى الله عليه وسلم فيأتي في حزنه بما لا يعتبر واجبا ولكنه يعتبر تشريعا بالإباحة كالبكاء ودمع العينين
وقد يضحك فيأتي في ضحكه بما يعتبر تشريعا بالتبسم صلى الله عليه وسلم ،أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وقد يعبس صلى الله عليه وسلم أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وقد يغضب صلى الله عليه وسلم فيأتي في غضبه بما يعتبر تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وقد ينسى صلى الله عليه وسلم فيأتي بعد نسيانه بما يعتبر تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟

وإن ما يجري في الأكل والشرب يجري مثله في الأفعال الجبلية أو العادية الأخرى له صلى الله عليه وسلم كاللباس فلبسه صلى الله عليه وسلم للإزار ، والرداء ، والجبة الشامية ، والقميص ، والبرنس ، والسراويل والعمامة ، وتقنع ، ، وعصب رأسه بخرقة فوق العمامة ، ولبس على رأسه المغفر ، والعمامة السوداء ، والبردة النجرانية ، والحبرة ، والبردة اليمانية والشملة إلخ أفلا يعتبر ذلك تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟

وكان الصحابة رضي الله عنهم يؤمنون بذلك : أي بأن أفعاله تشريع : لبس نعله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فلبسوا نعالهم ، فلما خلع نعله – لسبب لا يعلمونه – خلعوا نعالهم
ولما رأوه صلى الله عليه وسلم يمتنع عن أكل الثوم امتنعوا حتى أباح لهم
ولما رأوه صلى الله عليه وسلم يمتنع عن أكل الضب – لسبب لا يعلمونه أيضا – أوشكوا أن يمتنعوا حتى أباح لهم .
وكانوا في الأفعال الجبلية يقضون حاجاتهم جماعات يرى بعضهم بعضا ويكلم بعضهم بعضا ، فعلمهم التواري والتستر وعدم الكلام ، وكان بعضهم يبول قائما فعلمهم الجلوس . أخرجه النسائي وابن ماجة .
وإذا كان بعض الصحابة لم يصبغوا شيبتهم – مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا إلى ذلك – مخالفة لليهود والنصارى – فليس معنى هذا أن سنته صلى الله عليه وسلم في ذلك ليست تشريعا بالمعنى العام ، ولكن معناه أنه ليس تشريعا بالوجوب ، ويظل بعد ذلك داخلا في التشريع بالندب أو التشريع بالإباحة
أليس إذا اختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في فعل من الأفعال أنه محظور أو مباح ثم نقل الناقل في موضوع اختلافهم فعلا للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا يدل ذلك على حسم الخلاف ؟
وكانوا لا يؤاكلون الحائض ولا يأكلون مما عملت يداها ولا يخالطونها ولا يلامسونها فكان هو صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كله – كما أخرجه مسلم – تشريعا بالإباحة ؟

أليست الإباحة من أقسام الحكم الشرعي :
طبقا لتعريف الحكم الشرعي كما عرفه الأصوليون من أهل السنة بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا فإن الإباحة حكم شرعي ، وهو على كل حال شيء والحرية شيء آخر ، ومن الخطأ الاستدلال به على قيمة الحرية في اٌلإسلام كما وجدنا في مناقشة هذا الموضوع في حلقة الشريعة والحياة بقناة الجزيرة في 11\10\2003
المباح كما عرفه الآمدي : ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك ، فهو إذن تشريع ، وهو كما عرفه الجويني : ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك من غير اقتضاء ولا زجر ولا حكم عقلي قبل ورود الشرع ، فالإباحة حكم شرعي لم يخالف في ذلك إلا بعض المعتزلة
والمراد بالاقتضاء الطلب سواء كان طلبا بالإيجاب ، أو بالندب ، أو بالتحريم أو بالكراهة
والمراد بالتخيير ما كان تخييرا بين فعل الشيء أو تركه دون ترجيح لأحد الجانبين على الآخر ، والذي يترتب على هذا هو الإباحة ، فيصير المكلف مخيرا بين الفعل والترك ويسمى الفعل مباحا
وقد أطلق بعض الأصوليين اسم الحكم التكليفي على الحكم التخييري – كما هو على الحكم الاقتضائي – ويرجع ذلك فيما يرى الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور إلى عدة اعتبارات من بينها : أن المكلف ملزم باعتقاد إباحته ، ولأنه يرد بأسلوب الأمر أحيانا كما في نحو قوله تعالى (كلوا واشربوا ) ( ,إذا حللتم فاصطادوا ) وربما يرجع الأمر في هذا إلى ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور موسى شاهين لا شين من أن بعض أحكام الإباحة واجبة التناول في أصلها كالأكل والشرب لا يجوز الامتناع عنه بإطلاق ، ويرى الكعبي من الأصوليين أن المباح مطلوب ، بل واجب ، بناء على أنه به يحصل ترك الحرام ، وما يحصل به ترك الحرام فهو واجب .
ومن المعتزلة من ينفي أن الإباحة من الأحكام الشرعية – كما نقل عنهم الغزالي في المستصفى – إذ معنى المباح رفع الحرج عن الفعل والترك وذلك ثابت بالعقل قبل السمع ، وقد ناقشهم الغزالي بما يثبت كون الإباحة داخلة في أحكام الشرع باعتبار أو آخر . وموقفنا في هذا المقال يركن إلى عدم الدخول في هذا الخلاف ، لأن كلامنا في أن السنة كلها تشريع يتجه إلى ما جاء بالسنة لا إلى ما لم يأت بها ، وهذا الأخير ما نترك التوسع فيه للأصوليين . ومن هنا فإنه كما يرى الأستاذ الدكتور موسى شاهين لا شين في بحثه القيم في صميم هذا الموضوع [3]: لا خلاف لنا هنا مع المعتزلة فيما جاء من الإباحة على الأصل المعقول قبل مجيء الشرع ، وكلامنا فيما جاء فيه نص أو سنة ، فهو مما اجتمع عليه الدليلان العقلي والنقلي معا

إن الإباحة تعني تكليفا وتشريعا لا بأحد المباحات دون غيره ، ولكنه تكليف بالتحرك في دائرته ، يقول الإمام الشاطبي ( المباح وإن كان ظاهره الدخول تحت اختيار المكلف لكنه إنما دخل بإدخال الشارع له تحت اختياره ) أي إنه إنما كان مباحا بحكم الشارع لا بحكم المكلف .

وأليس المباح عندما يتناوله المسلم كما تناوله الرسول صلى الله عليه وسلم بنية الاقتداء به ومحبته ألا يعتبر عندئذ داخلا في حكم التشريع بالندب والاستحباب
وأليس المباح الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يظن البعض كالاكتحال وصبغ الشعر وتضفيره أفاد تشريعا بالإباحة لولاه لاجتهد مجتهدون بالتحريم أو الكراهة ؟

وأليس تناول المباح موجبا للأجر إذا تناوله المسلم باعتباره مما أباحه الشارع ، أو باعتباره مساعدا على البعد عن الحرام ؟ إذن فهو تشريع ، وهذا مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم بسنده عَنْ أَبِي ذَرَ أَنّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدّثُورِ بِالأُجُورِ. يُصَلّونَ كَمَا نُصَلّي. وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ. وَيَتَصَدّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: «أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللّهِ لَكُمْ مَا تَصّدّقُونَ؟ إِنّ بِكُلّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً. وَكُلّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ. وَكُلّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ. وَكُلّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ. وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ. وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ. وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ».

والمباح نفسه ألا يعني التكليف بوجه من الوجوه :
فالأكل والشرب واجب في أصله وجملته ، يحرم الامتناع عنه مدة تعرض النفس للهلاك ، والاختيار إنما هو في المأكول والبدائل والملابسات فيه .
واللباس واجب في أصله يحرم التجرد منه نهائيا ، والاختيار إنما هو في بدائل الملبوس وملابساته { يا بَني آدَمَ خُذوا زينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلوا واشْرَبوا وَلا تُسْرِفوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفينَ ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هيَ لِلَّذينَ آمَنوا في الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمونَ } 31 – 32 الأعراف .

أما إذا كان المقصود بأن بعض أفعاله صلى الله عليه وسلم ليست تشريعا يعني أنها غير ملزمة أي غير واجبة فهذا صحيح بشروطه ، ولا خلاف عليه إجمالا ، لكنه لا يعني أنه لا يفيد حكما شرعيا على الإطلاق سواء بالوجوب أو بالندب أو بالكراهة إلخ ، فهذا باب خطير من أبواب اختراق الشريعة الإسلامية بالاجتهاد المغلوط .
وكما يقول أستاذنا الدكتور موسى شاهين لاشين : ( إن باب الشر المغلق إذا كسر غلقه لم يؤمن انفتاحه على مصراعيه ، ومعظم النار من مستصغر الشرر ، وسلب التشريع عن عشرة من أفعاله صلى الله عليه وسلم يتيح الفرصة لآخرين : تسلبها عن عشرين ، ثم عن مائة ، ثم عن المعاملات كلها ، ثم عن الشريعة كلها .) جزاه الله خيرا

——————————————————————————–
[1] \ الميزان للشعراني ج1 ص 49
[2] \ أنظر بحث الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين السابق ص 33
[3] \ بحث بعنوان ” السنة كلها تشريع ” بمجلة كلية الشريعة بجامعة قطر العدد العاشر

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: