مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 3-14

(3) الخياط:هو أبو الحسين،عبدالرحيم بن محمد بن عثمان،شيخ المعتزلة البغدادية من نظراء الجبائى،وله مكانة عند المعتزلة0 من آثاره:
الانتصار، والرد على من أثبت خير الواحد0له ترجمة فى : تاريخ بغداد 11 /87 رقم 5770،ولسان الميزان 4 /342 رقم 5156، وسير
أعلام النبلاء 14 /220 رقم 121، واللباب فى تـهذيب الأنساب 1 /475، وطبقات المعتزلة لابن المرتضى ص 85 0
(4) الانتصار ص 188، 189 0
(1) رسائل العدل والتوحيد 1 /76، 77، وانظر : الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية كلاهما للدكتور محمد عمارة ص 186، 187، 196 0
(1) فرق معاصرة2/823،824،832، وانظر: فتح البارى 13 /357، وانظر: شرح الأصول ص197، وفضل الاعتزال ص140-141،
وأدب المعتزلة ص135،136، ومقالات الإسلاميين 1 /235، والملل والنحل1/40، وموقف المعتزلة من السنة ومواطن انحرافهم عنها
للدكتور أبو لبابة ص33
(2) فرق معاصرة 2 /825 0
(3) فرق معاصرة 2 /834، وانظر : شرح الأصول ص 301، والملل والنحل 1 /41، والفصل فى الملل والنحل لابن حزم 3 /164 والمغنى
فى أبواب التوحيد والعدل 3 /8 0
(4) فرق معاصرة 2 /824، 825، وانظر : موقف المعتزلة من السنة للدكتور أبو لبابة ص 31 0
(5) جزء من الآية 8 من سورة الرعد0
(6) الآية 21 من سورة الحجر0
(1) الآية 49 من سورة القمر0
(2) شرح الأصول ص 134، وانظر : الملل والنحل 1 /42، والمعتزلة زهدى جار الله ص 51، 52، وفضل الاعتزال ص 154 0
(3) الآية 48 من سورة النساء0
(4) الآية 53 من سورة الزمر0
(5) الآية 48 من سورة البقرة0
(6) جزء من الآية 18 من سورة غافر0
(1) الفرق بين الفرق للبغدادى ص116، وانظر : الملل والنحل 1 /42، وشرح الأصول ص137، 697، وفضل الاعتزال 17، 64 0
(2) الآية 104 من سورة آل عمران، وانظر : شرح الأصول ص 141، 744 0
(3) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان … إلخ 1 /296، 297 رقم 49 من حديث أبى
سعيد الخدرى t 0
(1) فرق معاصرة 2 /849 – 851، وانظر : الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية ص 256، 261، والمعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل
السنة منها للأستاذ عواد عبد الله ص273، 276 0
(2) شرح العقيدة الطحاوية 2 /286 0
(3) رسائل العدل والتوحيد 1 /76، وانظر : رسائل الجاحظ 1 /287، وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 181، 182 0
(1) الانتصار ص 151 0
(2) أبو الهذيل العلاف : هو محمد بن الهذيل بن عبيد الله البصرى العلاف، من أئمة المعتزلة، له مقالات فى الاعتزال، وانفرد بآراء مات سنة
235هـ وقيل غير ذلك0 له ترجمة فى : طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص 44، وتاريخ بغداد 3/366 رقم 1482، ولسان الميزان 5/597
رقم 8222، ووفيات الأعيان 4/265 رقم 606، وشذرات الذهب 2/85، وسير أعلام النبلاء 10/542 رقم 173 0
(3) مقالات الإسلاميين 2/145 0
(4) الانتصار للخياط ص 152 0
(5) البلخى : هو محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدى، نسبة إلى ما تريد محله بسمرقند، من أئمة الكلام0 مات سنة 333هـ0
له ترجمة فى : الفوائد البهية فى تراجم الحنفية للكنوى ص335، ومفتاح السعادة لأحمد بن مصطفى 2/21 0
(6) شرح نـهج البلاغة لابن أبى الحديد 1/137، وانظر : ضحى الإسلام 3/177-180 0
(1) النَّظَّام : هو إبراهيم بن سار بن هانئ البصرى، أبو إسحاق النظام، شيخ المعتزلة، تبحر فى علوم الفلسفة، وانفرد بآراء تابعته فرقة من
المعتزلة سميت النظامية0 اتـهم بالزندقة، وكفره جماعة، مات سنة بضع وعشرين ومائتين0 وله كتب فى الفلسفة والاعتزال0 له ترجمة فى
: طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص49، تاريخ بغداد 6/97 رقم 3131، سير أعلام النبلاء 10 /541 رقم 172، لسان الميزان 1 /96 رقم
176، ومروج الذهب 6/371 0
(2) الفرق بين الفرق ص 137، وانظر : الانتصار للخياط ص 230، وآراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويماً للدكتور على بن سعد بن صالح
ص 347 0
(3) الفرق بين الفرق ص 137، 138، وانظر : الانتصار للخياط ص 232، والملل والنحل 1 /50، وتأويل مختلف الحديث ص 28 0
(4) الحازمى : هو أبو بكر، محمد بن موسى بن عثمان بن حازم، كان من الأئمة الحفاظ، العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ثقة نبيلاً
حجة زاهداً ورعاً عابداً، أدركه أجله شاباً، من مصنفاته، الناسخ والمنسوخ، وعجالة المبتدئ فى الأنساب، وشروط الأئمة الخمسة، مات سنة
584هـ0 له ترجمة فى : طبقات الحفاظ للسيوطى ص484 رقم 1071، وتذكرة الحفاظ 4 /1363 رقم 1106، وتـهذيب الأسماء واللغات
للنووى 2 /192، وشذرات الذهب 4 /282، والبداية والنهاية 12 /332، والنجوم الزاهرة لابن تغرى بردى 6 /109 0
(1) شروط الأئمة الخمسة ص 47، وأبو حاتم بن حبان : هو محمد بن حبان بن أحمد، أبو حاتم البستى التميمى، كان من أوعية العلم فى
الفقه، والحديث، واللغة، والوعظ، وفنون العلم، وولى قضاء سمرقند، من مصنفاته، المسند الصحيح، والتاريخ، والضعفاء، مات سنة 354هـ
له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ 3 /920 رقم 879، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص 375 رقم 847، والبداية والنهاية 11 /295، والرسالة
المستطرفة ص 20، وشذرات الذهب 3 /16، والوافى بالوفيات 2 /317 0
(2) جزء من الآية 65 من سورة الأنفال0
(3) الفرق بين الفرق ص 124، 125، وانظر : الملل والنحل 1 /47 0
(1) الكعبى : هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبى، البلخى، رأس طائفة من المعتزلة تسمى الكعبية، وله تصنيف فى الطعن على المحدثين،
يدل على كثرة إطلاعه وتعصبه0 مات سنة 319 هـ له ترجمة فى : لسان الميزان 3 /716 رقم 4054، وشذرات الذهب 2 /281 ووفيات
الأعيان 2 /248 رقم330، والبداية والنهاية11 /284، وطبقات المعتزلة لابن المرتضى ص 25، 49 0
(2) أبو الحسين : هو محمد بن على بن الطيب البصرى، أبو الحسين، أحد أئمة المعتزلة، قال الخطيب البغدادى : له تصانيف وشهرة بالذكاء
والديانة على بدعته، من آثاره : “المعتمد فى أصول الفقه، وتصفح الأدلة، وليس بأهل للرواية، مات سنة 436هـ0 له ترجمة فى : طبقات
المعتزلة لابن المرتضى ص 118، والكامل فى التاريخ 9 /27، ووفيات الأعيان 4 /271 رقم 609، وميزان الاعتدال 3 /654 رقم 7972،
والبداية والنهاية 12 /53 0
(3) الدقاق : هو محمد بن محمد بن جعفر الدقاق الشافعى، الفقيه الأصولى، القاضى كان عالماً فاضلاً، له كتاب فى أصول الفقه، مات سنة
392هـ0 له ترجمة فى:تاريخ بغداد3 /229 رقم 1294، والنجوم الزاهرة 4 /206، والوافى بالوفيات 1 /116 0
(4) الإحكام للآمدى 2 /27، وانظر : المسودة فى أصول الفقه آل تيمية ص 234 0
(5) الإحكام للآمدى 2 /39، والمسودة فى أصول الفقه ص 236، والبرهان 1 /217 0
(6) الإحكام لابن حزم 1 /110، وانظر : الاعتصام للشاطبى 1 /187 0
(7) تدريب الراوى 1 /70 0
(1) الحاكم : هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابورى يعرف بابن البيع، كان إمام عصره فى الحديث العارف به حق معرفته، صالحاً ثقة،
يميل إلى التشيع، صاحب المستدرك على الصحيحين، وتاريخ نيسابور، ومعرفة علوم الحديث، ومناقب الشافعى وغير ذلك، مات سنة405هـ0
له ترجمة فى : تذكرة الحفاظ 3 /1039 رقم 962، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص410 رقم 927، وشذرات الذهب 3 /175، وطبقات
الشافعية لابن السبكى 4 /155 رقم328، وتاريخ بغداد 5/473 رقم 3024، والبداية والنهاية 11 /355، والرسالة المستطرفة ص21،
وميزان الاعتدال 3 /608 رقم 7804، ووفيات الأعيان 4/280 رقم 615
(2) ابن الأثير : هو أبو الحسن على بن محمد بن عبد الكريم الجزرى، كان إماماً علامة بالسير وأيام الناس، حافظاً، لغوياً، من مصنفاته :
اسد الغابة فى معرفة الصحابة، واللباب فى تـهذيب الأنساب، مات سنة 630هـ0 له ترجمة فى تذكرة الحفاظ 4 /1399 رقم 1124،
وطبقات الحفاظ للسيوطى ص495 رقم 1090، والبداية والنهاية 13 /139، وشذرات الذهب 5 /137، ووفيات الأعيان 3 /348 رقم 460،
والعبر 5 /120 0
(3) تدريب الراوى 1 /71، وانظر : ص 124-127 0
(4) فتح البارى 13 /246 أرقام 7250 – 7257، وانظر : سؤالات مسعود بن على السجزى للحاكم ص 209 رقم 267 0
(5) الآمدى : هو على بن أبى على بن محمد بن سالم الثعلبى، المكنى بأبى الحسن، الملقب بسيف الدين، كان فقيهاً أصولياً منطقياً حسن
الأخلاق فصيح اللسان بارع البيان0 من مصنفاته : الإحكام فى أصول الأحكام، ودقائق الحقائق فى الحكمة، مات سنة 631هـ0 له ترجمة فى
: وفيات الأعيان 3/293 رقم 432، وطبقات الشافعية لابن السبكى 8 /306 رقم 1207، والبداية والنهاية 13 /140، وشذرات الذهب 5
/144 0
(6) الإحكام للآمدى 2 /68، 75، وانظر : المعتمد فى أصول الفقه 2 /106 0
(7) الجوينى: هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجوينى، المكنى بأبى المعالى، الملقب بإمام الحرمين،أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعى
t من مؤلفاته : البرهان فى أصول الفقه، والإرشاد فى علم الكلام0 مات سنة 478هـ0 له ترجمة فى : سير أعلام النبلاء 11 /137 رقم
4313، وشذرات الذهب 3 /360، وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير 2 /466-470 رقم 8 0
(1) البرهان فى أصول الفقه 1 /228، 231، وانظر : المسودة فى أصول الفقه لآل تيمية ص 238، والمعتمد فى أصول الفقه 2 /106 وما
بعدها0 وفضل الاعتزال ص 195 0
(2) الفرق بين الفرق ص 168 ، وانظر : الملل والنحل 1 /66 0
(3) انظر : تدريب الراوى 1 /72 0
(4) البرهان للجوينى 1 /231 0
(5) المسودة فى أصول الفقه لآل تيمية ص 236، 238 0
(6) ابن عُليّة : هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدى مولاهم، أبو بشر البصرى، المعروف بابن عُلّيه، ثقة حافظ في غير بدعته0 مات
سنة 193هـ له ترجمة فى : تقريب التهذيب 1 /90 رقم 417، والكاشف 1 /243 رقم 350، والثقات لابن حبان 6/44، ومشاهير علماء
الأمصار ص192 رقم 1277، ولسان الميزان 1 /50 رقم 65، والمغنى فى الضعفاء 1 /10 رقم 39 0
(6) تدريب الراوى1 /75، وانظر: آراء المعتزلة الأصولية دراسةوتقويماً للدكتور علىبن سعد بن ص333 .
(1) أعلام الموقعين 2 /275، 276 0
(2) انظر : الاعتصام باب فى مأخذ أهل البدع بالاستدلال 1 /199 0
(3) تأويل مختلف الحديث ص84 وما بعدها، وانظر: الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية ص210-212
(4) المعتمد فى أصول الفقه 2 /549، وانظر : شرح الأصول الخمسة ص 565 0
(5) انظر : المعتمد فى أصول الفقه 2 /102، وشرح الأصول ص 769 0
(6) الجاحظ : هو عمرو بن بحر بن محبوب الكنانى، مولاهم، أبو عثمان، المشهور بالجاحظ، البصرى، المعتزلى، كان متبحراً فى الأدب،
ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، ليس بثقة ولا مأمون، وكان من أئمة البدع، من مؤلفاته الحيوان، والبيان والتبيين، ومجموع رسائل
وغيرها0 مات سنة 255هـ0 له ترجمة فى : تاريخ بغداد 12/212 رقم 6669، ووفيات الأعيان 3 /470 رقم 506، وميزان الاعتدال 3
/247 رقم 6333، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزى2 /223 رقم 2545، والبداية والنهاية 11 /19، ولسان الميزان 5 /286 رقم
6300 0
(7) رسالة التربيع والتدوير، ضمن رسائل الجاحظ 3 /58 0
(8) كتاب المعلمين0 ضمن رسائل الجاحظ 3 /58 0
(1) القاضى عبد الجبار : هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذانى، أبو الحسين، قاضى، أصولى، كان شيخ المعتزلة فى عصره،
يلقبونه قاضى القضاة، ولا يطلقون ذلك على غيره، من مصنفاته: تنـزيه القرآن عن المطاعن، وشرح الأصول الخمسة، والمغنى فى أبواب
التوحيد والعدل0 وغير ذلك0 مات سنة 415هـ0 له ترجمة فى : تاريخ بغداد 11 /113 رقم 5806، وميزان الاعتدال 2 /533 رقم
4737، وطبقات الشافعية لابن السبكى 5 /97 رقم 443، وطبقات المعتزلة لابن المرتضى ص 7، 43، وطبقات المفسرين للداودى 1 /262
رقم 248، ولسان الميزان 4 /211 رقم 4939 0
(2) شرح الأصول ص 770، وانظر : فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 182، والمعتمد فى أصول الفقه 2/549 0
(3) الانتصار ص 152، 153 0
(1) الانتصار ص 152، 153 0
(2) ومن عجيب الأمر أن الخياط يعيب على المحدثين عدم أخذهم بأصل المعتزلة بالبراءة من معاوية، وعمرو بن العاص ومن فى شقهما،
فيقول [ولقد أفرطوا فى ذلك حتى تولوا من قامت الحجة بعدواته والبراءة منه] انظر : الانتصار ص 213 0
(3) راجع : ص 111 0
(4)الفرق بين الفرق ص117، وانظر: الملل والنحل للشهرستانى 1 /43، وميزان الاعتدال للذهبى 4 /329 .
(1) الفرق بين الفرق ص118، وانظر : الملل والنحل للشهرستانى 1 /43 0
(2) الفرق بين الفرق ص 140-142، وانظر : ضحى الإسلام 3 /86 0
(3) الفرق بين الفرق ص 143 0
(4) الشهرستانى : هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستانى، الملقب بالأفضل، كان إماماً فى علم الكلام، وأديان الأمم،
ومذاهب الفلاسفة، له معرفة بالأصول والأدب، من مصنفاته الملل والنحل، والإرشاد إلى عقائد العباد، وغير ذلك0 مات سنة 548هـ0 له
ترجمة فى : تذكرة الحفاظ 4 /1313 فى ترجمة السبحى رقم 1088، ووفيات الأعيان 4 /273 رقم611، وطبقات الشافعية لابن السبكى 6
/128 رقم 653، ولسان الميزان 6 /304 رقم7760، والوافى بالوفيات 3 /278 رقم 1319، وشذرات الذهب 4 /149 0
1) ابن قتيبة : هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى أو المروزى، أبو محمد وقيل أبو عبد الله، كان ثقة ديناً فاضلاً، عالماً باللغة، والنحو،
وغريب القرآن، ومعانيه، والشعر، والفقه، من مصنفاته : تأويل مشكل القرآن، وتأويل مختلف الحديث، والمعارف0 وغير ذلك0 مات سنة
276هـ0 له ترجمة فى : تاريخ بغداد 10 /170 رقم 5309، وميزان الاعتدال 2 /503 رقم 4601، والفهرست لابن النديم ص123،
والبداية والنهاية 11 /48، وتذكرة الحفاظ 2/633، ووفيات الأعيان 3 /42 رقم 328، وطبقات المفسرين للداودى 1 /251 رقم 234
(2) تأويل مختلف الحديث ص 33 – 44 0
(3) السنة ومكانتها فى التشريع ص6، وانظر : تأويل مختلف الحديث ص 54، وانظر : ما قاله الأئمة عن فساد دين رؤوس المعتزلة فى
تأويل مختلف الحديث ص 28، والفرق بين الفرق ص 143 0
(4) الاعتصام 1 /186 وما بعدها0
(1) انظر : موقف المعتزلة من السنة ومواطن انحرافهم عنها للدكتور أبو لبابة ص 43، 73، 97، والخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية للدكتور
محمد عمارة ص 212-215 0
(2) الإبانة للأشعرى ص 14 0
(3) الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير، ص 114، 115 0
(1) سيأتى بالبرهان الواضح أن القضية مع المعتزلة فى العقائد ليست قضية متواتر وآحاد، وإنما قضية أصولهم فهى الأصل، والقرآن والسنة
الفرع، بدليل تأويلهم لآيات القرآن المتواترة فى أحاديث العقائد لتعارضها مع أصولهم، ولو صدقوا فى دعواهم بأن الآحاد لا يؤخذ بـها فى
العقائد، فلماذا يؤولون تأويلاً أشبه بالرد، الآيات المتواترة فى العقائد؟ انظر : موقف المعتزلة من الســـنة ومواطن انحرافهم عنها للدكتور
أبو لبابة حسين ص 97، 98 0
(2) انظر:الحديث والمحدثون للدكتور محمد أبو زهو ص 332 بتصرف، والسنة ومكانتها فى التشريع ص142، والضوء اللامع المبين عن
مناهج المحدثين للدكتور أحمد محرم الشيخ1 /189-196 0
(3) انظر : العقيدة والشريعة لجولدتسيهر ص 100 – 102، 118 – 120، وانظر : تراث الإسلام لجوزيف شاخت ص 203، 218،
ودراسات فى حضارة الإسلام لهاملتون جب ص 268 – 269، 274، ودائرة المعارف الإسلامية ص 576، 580، 584 0
(4) ضحى الإسلام 3 /207 0
(5) انظر : منهج المدرسة العقلية الحديثة فى التفسير للدكتور فهد الرومى0
(6) انظر : موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية للأستاذ الأمين الصادق الأمين0
(1) انظر : أضواء على السنة محمود أبو رية ص377 وما بعدها، والأضواء القرآنية السيد صالح أبو بكر 1 /16، 36، وتبصير الأمة بحقيقة
السنة إسماعيل منصور ص 656، ومجلة روزاليوسف العدد 3586 ص 38 -40، والعدد 3559 ص 48-50، مقالات لأحمد صبحى
منصور0
(1) محمد بن سيرين : هو محمد بن سيرين الأنصارى، أبو بكر بن أبى عمرة البصرى، ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر، مات سنة 110هـ له
ترجمة فى تقريب التهذيب 2 /85 رقم 5966، والكاشف 2 /178 رقم 4898، والثقات للعجلى ص 450 رقم 1464، والثقات لابن حبان 5
/348، والجرح والتعديل 7 /280، ومشاهير علماء الأمصار ص 113 رقم 643 0
(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى المقدمة، باب بيان أن الإسناد من الدين 1 /84 0
(1) صون المنطق للسيوطى 3 183، نقلاً عن أبى المظفر فى كتابه الانتصار0
(2) انظر : طبقات الشافعية لابن السبكى 3 /260، وسير أعلام النبلاء 18 /474 0
(3) الكرابيسى هو : الوليد بن أبان الكَرَابيسى، بفتح أوله والراء، نسبة إلى بيع الثياب، انظر : اللباب فى تـهذيب الأنساب3 /88، أحد أئمة
الكلام،له ترجمة فى:تاريخ بغداد13 /446 رقم7317، وميزان الاعتدال 1 /414، وسير أعلام النبلاء 10 /548 رقم 1717 0
(1) شرف أصحاب الحديث ص 108، 109 رقم 105، وانظر: تاريخ بغداد13 /441، وسير أعلام النبلاء 10 /548 0
(2) المؤامرة على الإسلام للأستاذ أنور الجندى ص 229 : 234 بتصرف وتقديم وتأخير0====
الفصل الأول
شبهات حول حجية السنة النبوية الشريفةوينقسم إلى ثلاثة مباحث :
1- المبحث الأول : شبهات بنيت على آيات من القرآن الكريم0 ونذكرها فى مطلبين :
1- المطلب الأول : شبهة الاكتفاء بالقرآن الكريم وعدم الحاجة إلى السنة النبوية والرد عليها0
2- المطلب الثانى : شبهة أن السنة لو كانت حجة لتكفل الله  بحفظهــا والرد عليها0
2- المبحث الثانى : شبهات بنيت على أحاديث من السنة النبوية0 وينقسم إلى تمهيد وثلاثة مطالب :
1- المطلب الأول: شبهة عرض السنة على القرآن الكريم والرد عليها0
2- المطلب الثانى : شبهة عرض السنـة علـى العقـل والرد عليها0
3- المطلب الثالث : وفيه الشبه الآتية :
2- شبهة النهى عن كتابة السنة النبويـة والرد عليها0
2- شبهة التأخر فى تدوين السنة المطهرة والرد عليها0
3- شبهـة روايـة الحديـث بالمعنـى والرد عليهـا0
4- شبهة كثـرة الوضاعيـن للحديـث والرد عليهـا0
3- المبحث الثالث : أدلة حجية السنة النبوية0 وتحته خمسة مطالب :
1- المطلب الأول : العصمــــة0
2- المطلب الثانى : القرآن الكريـم0
3- المطلب الثالث : السنة النبويـة0
4- المطلب الرابع : إجماع الأمـة0
5- المطلب الخامس : العقل والنظر0

المبحـث الأول
شبهات بنيت على آيات من القرآن الكريم
تمهيـد :
إننا لو فتشنا عن المحاربين لسنة النبى ، لوجدنا أنهم يتظاهرون بإجلال القرآن واحترامه، وأنه الحجة التى ليس وراءها حجة،
فيقولون : علينا بالاكتفاء بالقرآن الكريم فقط؛ فهو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المصدر الأول للإسلام، وهو
الذى سلم من التغيير والتبديل … إلى آخر ما يقولونه تظاهراً بحبهم للإسلام، ودفاعاً عنه، وغيرة على ما فى كتاب الله  من شريعة وأحكام،
غير أنهم لا يريدون – مع ذلك – أن يضبطوا أنفسهم وعقولهم بهذا الذى أمر القرآن الكريم بضبط أنفسنا وعقولنا به، من اتباع سنة المصطفى
 مصطنعين لأنفسهم ما يشاءون من آيات القرآن الكريم، يستدلون بها على الاكتفاء بالقرآن وحده، وعدم حجية السنة والحاجة إليها0

وما استدلوا به من آيات قرآنية بنوا عليها شبهتين جعلوهما قاعدتين ينطلقون منهما تشكيكاً فى حجية السنة0 نذكرهما فى مطلبين :
1- المطلب الأول : شبهة الاكتفاء بالقرآن وعدم الحاجة إلى السنة النبوية والرد عليها0
2- المطلب الثانى : شبهة أن السنة لو كانت حجة لتكفـل الله بحفظهـا والرد عليها0

المطلب الأول
شبهة الاكتفاء بالقرآن الكريم وعدم الحاجة إلى السنة النبوية

واستدلوا على ذلك من القرآن الكريم بآيات عدة وهى :
1- قوله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ( )0
واستدل بهذه الآية الدكتور توفيق صدقى( )، ومحمود أبو ريه( )، ومحمد نجيب( )، وقاسم أحمد( )0
2- وقوله تعالى :  وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ( )0
3- وقوله تعالى : أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا( )
4- وقوله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا( )0

واستدل بهذه الآيات الكريمات وما فى معناها( ) عدد من أعداء السنة المطهرة المنكرين لحجيتها قديماً وحديثاً، الزاعمين أن
القرآن فى غنى عن السنة؛ لأن فيه بيان وتفصيل كل شئ؛ فقديماً على سبيل المثال لا الحصر : الطائفة التى ناظر الإمام الشافعى واحداً من
أتباعها واستدلوا بقوله تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ( )0
وحديثـاً : الدكتور توفيق صدقى( )، وأبو رية( )، ومحمد نجيب( )، ومصطفى كمال المهدوى( )، وأحمد صبحى منصور( )،
وقاسم أحمد( )، وجمال البنا( )، ورشاد خليفة( )0
5- وقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا( )0 واستدل بهذه الآية أبو رية( )، ومحمد نجيب(
)0
6- وقوله تعالى : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ( )0 واستدل بهذه الآية
الدكتور أحمد صبحى منصور( )، وإسماعيل منصور( )0
7- وقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ( ) واستدل بهذه الآية الدكتور إسماعيل منصور( )0
8- وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( )0 واستدل بهذه الآية محمد نجيب(
)، وإسماعيل منصور( )0

هذه الآيات الكريمات وما فى معناها؛ استدل بها دعاة الفتنة على عدم حجية السنة النبوية المطهرة، وشبهتهم فى هذه الآيات؛
أنها تبين أن القرآن تام قد حوى كل شئ، كما فى آية الأنعام “وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ”، والله  ما فرط فى الكتاب من شئ، كما فى آية الأنعام “مَا
فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ” فأتى بالعام ثم فصله تفصيلاً، كما فى آية الأنعام “وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا” وغيرها، وأتى بالمجمل ثم
بينه للناس تبيناً تاماً، كما فى أية النحل “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ” فهو لا يحتاج بعد هذا البيان إلى شئ آخر، وإلا لو احتاج إلى شئ
آخر لكان القرآن غير صادق فيما قال، وهذا أمر مستحيل على الله ، ومستحيل على كلامه0

هذه هى ناصية الشبهة الأولى وجماعها، وهم يذكرون لها حشداً عظيماً من الآيات التى تؤيدها سواء كان الدليل فى موضوعه
كما فى الآيات التى استشهدوا بها سابقاً، أو فى غير موضوعه كما فى باقى الآيات “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” “وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ
بِهِ” “وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ” “أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ”0

فهؤلاء المدلسون ما عليهم إلا أن يفتحوا المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وينقلوا منه الآيات التى يشوشون بها على
المسلمين، ويضعون أمام كل آية جملة تلائمها، ولا يهمهم بعد ذلك أبقيت وحدة الموضوع بين أيديهم أم لم تبق0

على أية حال فإن هذه هى الشبهة الأولى فى أصلها الأصيل وكلياتها التى لا تخرج عنها مهما علا الضجيج أو ارتفع الصياح( )0

ويقول الدكتور السباعى – رحمه الله تعالى – تتلخص حجة من يرد الأخبار كلها كما حكاه الشافعى فى قولهم : إن القرآن جاء
تبياناً لكل شئ، فإن جاءت الأخبار بأحكام جديدة لم ترد فى القرآن؛ كان ذلك معارضة من ظنى الثبوت وهى الأخبار، لقطعيه – وهو القرآن –
والظنى لا يقوى على معارضة القطعى، وإن جاءت مؤكدة لحكم القرآن؛ كان الاتباع للقرآن لا للسنة، وإن جاءت لبيان ما أجمله القرآن، كان
ذلك تبيناً للقطعى الذى يكفر منكر حرف منه، بظنى لا يكفر من أنكر ثبوته، وهذا غير جائز0

وربما يتبادر إلى الذهن أنهم على هذا يقبلون المتواتر من الأخبار؛ لأنها قطعية الثبوت، فكيف عمم الشافعى بقوله : “رد الأخبار
كلها”؟ والذى يظهر أنهم لا يعتبرون المتواتر قطعياً أيضاً بل هو عندهم ظنى؛ لأنه جاء من طرق آحادها ظنية، فاحتمال الكذب فى رواته لا يزال
قائماً ولو كانوا جمعاً عظيماً”( ) أ0هـ0

والجواب عن هذه الشبهة :
إن أعداء السنة المطهرة فهموا أن المراد من الكتاب فى قوله تعالى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ( ) القرآن، ولكن مجموع
الآيات ابتداء ونهاية، يفيد أن المراد بالكتاب هنا هو اللوح المحفوظ الذى حوى كل شئ، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها،
جليلها ودقيقها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على التفصيل التام كما جاء فى الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضى الله عنهما –
قال : سمعت رسول الله  يقول : “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة0 قال : وعرشه على الماء”(
)0

وهذا هو المناسب لذكر هذه الجملة عقب قوله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ( )0
والمثلية فى الآية ترشح هذا المعنى؛ لأن القرآن الكريم لم ينظم للطير حياة كما نظمها للبشر، وإنما الذى حوى كل شئ للطير والبشر، وتضمن
ابتداءً ونهاية للجميع هو اللوح المحفوظ0 يقول الحافظ ابن كثير : أى الجميع علمهم عند الله ، لا ينسى واحداً من جميعها، من رزقه وتدبيره
سواء كان برياً أو بحرياً؛ كقوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ( )0 أى
مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها وحاصر لحركاتها وسكناتها”( )0 والآية نظير قوله تعالى :  وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ( )0 وقوله تعالى : عَالِمِ
الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ( )0

وعلى هذا الأساس، ففهم أن المراد بالكتاب فى قوله تعالى : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ0 هو القرآن غير دقيق، ويأباه
السياق العام للآية وربطها بما قبلها، وبغيرها من الآيات التى فى معناها وسبق ذكرها0

ومن المعلوم بداهة أن الكلمة فى اللغة العربية يكون لها أكثر من معنى، ويتحدد المعنى المراد منها من خلال سياق الكلام الذى
وردت فيه، وكلمة “الكتاب” تجئ فى القرآن بمعنى الفرض، والحكم، والقدر( )0 فبمعنى القدر قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ
اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا( )0

يقول الحافظ ابن كثير : أى لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفى المدة التى ضربها الله له، ولهذا قال تعالى : كتاباً مؤجلاً0
وكقوله تعالى وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ( )0 وكقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى
عِنْدَهُ( )0

وبمعنى الفرض قوله تعالى : الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا( ) قال ابن عباس أى مفروضاً( )، والكتاب يأتى فى
القرآن الكريم تارة مراداً به اللوح المحفوظ كما سبق وأن بينا، وتارة أخرى يأتى مراداً به القرآن الكريم كما فى قوله تعالى : الر كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ( )0 إلى غير ذلك من الآيات الكريمة0

ومع هذا فنحن نسلم لكم أن المراد من الكتاب “القرآن”، ولكننا نقول لكم : إن هذا العموم غير تام، بل هو مخصص بقول الله
تعالى : وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( )0 والذى يجعلنا نذهب إلى تخصيص هذا العام
أمران :
1- لتتفق آيات القرآن ولا تتعارض فى ظاهرها؛ فإن القرآن ملئ بالآيات التى فوض الله نبيه  فى شرح أحكامها0
2- إن كثيراً من الأمور الجزئية فى حياة المجتمع تحتاج إلى حكم، وليس فى القرآن إلا قواعده الكلية العامة0 وعلى هذا فلا بأس أن يكون
الكتاب فى الآية الكريمة هو القرآن الكريم( )0

ونقول لكم : نعم لم يفرط ربنا  فى كتابه فى شئ من أمور الدين على سبيل الإجمال، ومن بين ما لم يفرط فى بيانه وتفصيله إجمالاً بيان
حجية السنة وجوب اتباعها والرجوع والتحاكم إليها؛ فالقرآن جامع – دون تفريط – كل القواعد الكبرى للشريعة التى تنظم للناس شئون دينهم
ودنياهم، والسنة النبوية هى المبينة لجزئياتها وتفاصيلها وهى المنيرة للناس طريق الحياة، وتنسجم هذه الآية مع الآيات الأخرى التى تؤكد
بالنص أهمية السنة تجاه ما فى الكتاب من القواعد التى تحتاج إلى تخصيص أو تقييد أو توضيح أو تبيين … إلخ( )0

وهنا نأتى للرد على الآيات الأخرى التى استدلوا بها على أن القرآن أنزل مفصلاً وتبياناً لكل شئ، فلا يحتاج بعد هذا البيان إلى
السنة المطهرة0 أما قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا( )0 وقوله تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ( )0

فالمراد بالتفصيل والبيان هنا : تفصيل وبيان كل شئ من أحكام هذا الدين كقواعد كلية مجملة، أما تفاصيل تلك القواعد وما أشكل
منها؛ فالبيان فيها راجع إلى السنة النبوية قال تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ( ) فقاعدة وجوب اتباع الرسول 
والتحاكم إلى سنته المطهرة من القواعد الكلية المجملة لهذا الدين، وفصلها ربنا  فى كتابه العزيز كما فى الآية السابقة0 وقوله تعالى : 
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ( ) يقول ابن كثير فى تفسير قوله تعالى  تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ عن ابن مسعود( )  قال :
قد بين لنا فى هذا القرآن كل علم وكل شئ وقال مجاهد( ) : كل حلال وحرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل على كل علم
نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتى، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون فى أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم – وقال
الأوزاعى : “تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ” أى بالسنة( )0

ولا تعارض بين القولين – ابن مسعود والأوزاعى – فابن مسعود يقصد العلم الإجمالى الشامل، والأوزاعى يقصد تفصيل وبيان
السنة لهذا العلم الإجمالى0

ومن هنا؛ فالقول بأن القرآن الكريم تبيانٌ لكل شئ قول صحيح فى ذاته بالمعنى الإجمالى السابق ولكن الفساد فيما بنوه عليه من
الاستغناء عن السنة والاكتفاء بالقرآن ليؤولوه حسب أهوائهم0 وإلا فرب العزة هو القائل فى نفس سورة النحل وقبل هذه الآية قال تعالى : 
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(38)لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ( )0

وقال تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( ) وقال تعالى : أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( ) فتلك ثلاث آيات كريمات فى نفس سورة النحل وسابقة لآية وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ
شَيْءٍ والثلاث آيات تسند صراحة مهمة البيان والتفصيل إلى النبى  صاحب السنة المطهرة، فهل يعقل بعد ذلك أن يسلب الله  هذه المهمة –
البيان، التى هى من مهام الرسل جميعاً كما قال  أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ( )0 وقال  : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ( )0 ويوقع التناقض بآية الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ0

إن كل الرافضين لحجية السنة، لابد أن يلتزموا بهذه النتيجة التى تعود بالنقض على الإيمان بالكتاب، وبمن أنزل الكتاب جل جلاله، سواء أقروا
بلسانهم بهذا النقض أم لا، وتنبهوا إلى ذلك أم لا؟!!

ويجدر بنا أن نشير إلى نصوص لبعض العلماء تؤكد الذى قلناه فى معنى البيان الوارد فى الآية التى استشهدوا بها يقول الإمام
الشاطبى( ): “تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلى لا جزئى، وحيث جاء جزئياً فمأخذه على الكلية، إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل، إلا ما
خصه الدليل مثل خصائص النبى 0 ويدل على هذا المعنى – بعد الاستقراء المعتبر – أنه محتاج إلى كثير من البيان، فإن السنة على كثرتها
وكثرة مسائلها إنما هى بيان للكتاب كما سيأتى شرحه إن شاء الله تعالى0
وقد قال الله تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( ) وإذا كان الأمر كذلك فالقرآن على اختصاره جامع، ولا
يكون جامعاً إلا والمجموع فيه أمور كليات لأن الشريعة تمت بتمام نزوله؛ لقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا( ) وأنت تعلم أن الصلاة والزكاة والجهاد وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها فى القرآن، إنما بينتها السنة، وكذا تفاصيل
الشريعة من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود، وغير ذلك0

فعلى هذا لا ينبغى فى الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر فى شرحه وبيانه وهو السنة؛ لأنه إذا كان كلياً وفيه أمور
كلية كما فى شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها فلا محيص عن النظر فى بيانه، وبعد ذلك ينظر فى تفسير السلف الصالح له إن
أعوزته السنة، فإنهم أعرف به من غيرهم، وإلا فمطلق الفهم العربى لمن حصله يكفى فيما أعوز من ذلك،فبيان الرسول بيان صحيح لا
إشكال فى صحته؛لأنه لذلك بعث،قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( )ولا خلاف فى هذا البيان النبوى( )0

ويقول الدكتور إبراهيم محمد الخولى : “التبيين” هنا غير “التبليغ” الذى هو الوظيفة الأولى للنبى  قال تعالى : يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ( )، و”التبيين” و “التبليغ” وظيفتان موضوعهما واحد هو “القرآن العظيم” عبر عنه فى آية
“التبليغ” بهذا اللفظ : “ما أنزل إليك” وعبر عنه فى آية التبيين بلفظ مختلف : “ما نزل إليهم” وبينهما فروق لها دلالتها، مردها إلى الفروق بين
الوظيفتين “فالتبليغ” تأدية النص؛ تأدية “ما أنزل” كما “أنزل” دون تغيير ما على الإطلاق، لا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير …
و “التبيين” إيضاح، وتفسير، وكشف لمراد الله من خطابه لعباده، كى يتسنى لهم إدراكه، وتطبيقه، والعمل به على وجه صحيح0
و “التبليغ” مسئولية “المبلغ” وهو المؤتمن عليها، وهذا سر التعبير : “وأنزلنا إليك” حيث عدى الفعل “أنزل” بـ “إلى” إلى ضمير
النبى ، المخاطب0

و “التبيين” : مهمة، فرضتها حاجة الناس لفهم ما خوطبوا به، وبُلَّغوه، وإدراك دلالته الصحيحة، ليطبقوه تطبيقاً صحيحاً0

ومن هنا كانت المخالفة فى العبارة … “ونزل إليهم” … حيث عدى الفعل “نزل” بـ (إلى) مضافاً إلى الضمير “هم” … أى
الناس، وعُدِّى الفعل “لتبين” إلى الناس بـ “اللام” أن كانت حاجتهم إلى “التبيين” هى السبب والحكمة من ورائه، وهى توحى بقوة أن
رسول الله ، ليس بحاجة إلى ما احتاج إليه الناس من هذا التبيين، ولعمرى إنه لكذلك…، فقد أوحى إليه بيانه وألهمه، فالتقى فى نفسه “البيان”
و “المبين” معاً، وأصبح مؤهلاً لأن يقوم بالوظيفتين : وظيفة البلاغ، ووظيفة التبيين على سواء …، واختلاف الناس فى فهم القرآن ما بين
مصيب ومخطئ واختلافهم فى فهم درجات الإصابة، ودركات الخطأ … برهان بين على حاجتهم إلى “تبيين” لكتاب ربهم، ينهض به إمام
الموقعين عن رب العالمين( )0

ويقول الإمام الشافعى : “والبيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعبة الفروع : فجماع ما أبان الله  لخلقه فى كتابه، مما
تعبدهم به، لما مضى من حكمه جل ثناؤه من وجوه :
1- منها ما أبانه لخلقه نصاً مثل إجمال فرائضه فى أن عليهم صلاة، وزكاة، وحجاً، وصوماً، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن،
ونص على الزنا، والخمر، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وبين لهم كيف فرض الوضوء،مع غير ذلك مما بين نصاً “إجمالياً”0
2- ومنها ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان نبيه مثل عدد الصلاة، والزكاة ووقتها، إلى غير ذلك من فرائضه التى أنزلها فى
كتابه عز وجل0
3- ومنها ما سن رسول الله  مما ليس لله فيه نص محكم، وقد فرض الله فى كتابه طاعة رسوله ، والانتهاء إلى حكمه فمن قبل عن رسول
الله فبفرض الله قبل( )0

تعليــق :
مما سبق من قول الإمامين الشاطبى والشافعى يتأكد ما ذكرناه فى أن المراد من معنى البيان والتفصيل الوارد فى الآيات التى
استشهد بها أعداء السنة المطهرة؛ بيان وتفصيل القرآن لكل شئ من أحكام هذا الدين كقواعد كلية مجملة، ومن بين تلك القواعد التى فصلها
وبينها ربنا ؛ وجوب اتباع نبيه ، والتحاكم إلى سنته المطهرة( )، ففى تلك السنة المطهرة إيضاح هذه القواعد وتفصيلها، فجاءت السنة
موافقة ومؤكدة للقرآن، ومخصصة لعامه، ومقيدة لمطلقه، ومفصله لمجمله، وموضحة لمشكله، ومستقلة بتشريع أحكام دون سابق ذكر لها
فى كتاب الله  كما سيأتى مفصلاً فى المبحث الثالث0

يقول الإمام الشاطبى : “القرآن فيه بيان كل شئ على ذلك الترتيب المتقدم؛ فالعالم به على التحقيق عالم بجملة الشريعة ولا
يعوزه منها شئ؛ فهو أساس التشريع، وإليه ترجع جميع أحكام الشريعة الإسلامية، والتى منها السنة النبوية، فهى حاصلة فيه فى الجملة،
والدليل على ذلك أمور :
1- منها : النصوص القرآنية، كقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا( ) وقوله تعالى : 
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ( ) وقوله تعالى : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ( ) وقوله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ
أَقْوَمُ( ) وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أنه هدى وشفاء لما فى الصدور،ولا يكون شفاء لجميع ما فى الصدور إلا وفيه تبيان كل
شئ( )0

2- ومنها : ما جاء فى الأحاديث والآثار المؤذنة بذلك كقوله  : “وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله”( )0 وعن ابن
عباس – رضى الله عنهما – قال : لما حضر رسول الله  – وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب؛ فقال النبى  : “هَلْمَّ أكتب لكم كتاباً لا
تضلون بعده”0 فقال عمر : إن رسول الله  قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن0 حسبنا كتاب الله( )، وأشباه هذا مما روى مرفوعاً وموقوفاً
بالاقتصار على القرآن فقط0

يقول الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – الاقتصار على الوصية بكتاب الله؛ لكونه أعظم وأهم؛ ولأن فيه تبيان كل شئ إما
بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبى  به لقوله تعالى : ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ( )0

وكلام الحافظ ابن حجر السابق نقله مبتوراً الأستاذ جمال البنا فقال : “التمسك بالقرآن والعمل بمقتضاه إشارة إلى قوله  : “تركت فيكم ما إن
تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله”0 وترك جمال البنا، بيان أن العمل بالقرآن الكريم يقتضى العمل بالسنة المطهرة كما صرح ابن حجر( )0

وهذا ما فعله أيضاً الدكتور أحمد صبحى منصور فى كتابه “حد الردة” نقل كلام الحافظ بن حجر الذى نقلناه، وبتر منه لفظة النبى  فصارت
العبارة : “فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به”( ) أ0هـ …

وفى هذا الجواب الأخير تعلم الجواب عن باقى الآيات التى استشهد بها أعداء السنة على الاكتفاء بالقرآن، وعدم حجية السنة، للاقتصار على
ذكر القرآن فقط، والوصية به كقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ( )0 وقوله تعالى:وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ( )0 وقوله تعالى : وَالَّذِينَ
يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ( )0 وقوله تعالى : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ( ) وقوله تعالى وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ(
)0 وأشباه هذه الآيات الكريمة التى ورد الاقتصار فيها على الوصية بكتاب الله ، وما ذلك إلا كما علمنا، أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه
فى الشرائع والأحكام واتباعه، والعمل بما فيه عمل بالسنة النبوية المستمدة حجيتها ومصدرتيها التشريعية منه0 فهى من الوحى الغير متلو،
والوحى ذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن فى قوله تعالى : نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( ) وهذا ما أنكره أعداء السنة … فإلى بيان
شبهتهم والرد عليها0

المطلب الثانى
شبهة أن السنة لو كانت حجة لتكفل الله بحفظها والرد عليها

زعم أعداء السنة المطهرة أن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن دون السنة، واحتجوا لذلك بقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ ( ) وقالوا : لو كانت السنة حجة ووحياً مثل القرآن؛ لتكفل الله عز وجل بحفظها؛ كما تكفل بحفظ القرآن الكريم0

وممن ذهب إلى ذلك؛ الدكتور توفيق صدقى( )، وإسماعيل منصور( )، وأيدهما جمال البنا( )، وذهب إلى ذلك أيضاً فرقة (أهل
القرآن) بالهند وباكستان( )0

الجــواب :
مما لا شك فيه أن منشأ هذه الشبهة فى كلمة (الذكر) حيث اقتصر فهم المنكرين لحجية السنة المطهرة على أن المراد بكلمة
الذكر فى الآية هو “القرآن الكريم” وحده دون السنة، وأن الضمير فى قوله تعالى “لـه” عائد على القرآن، وأن الآية فيها حصر بتقديم الجار
والمجرور وهذا الحصر يفيد عندهم قصر الحفظ على القرآن وحده دون ما عداه( )0

ونقول رداً على ذلك : إن رب العزة قد تكفل بحفظ ما صح من حديث رسوله ، ويدل على ذلك الكتاب الكريم، والسنة النبوية
الصحيحة، والعقل، والتاريخ( )0

أولاً : أما الدليل من كتاب الله  على تكفل الله بحفظ السنة كما تكفل بحفظ كتابه الكريم :
1- قوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( )، يقول فضيلة الأستاذ الدكتور محمد السيد ندا فى الآية الكريمة إخبار من
الله تعالى : بأن السنة مبينة للقرآن، وقد تكفل الله بحفظه فى قوله تعالى : نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( )0 فيلزم من هذا أن يكون قد
تكفل أيضاً بحفظ السنة؛ لأن حفظ المبين يستلزم حفظ البيان للترابط بينهما0
2- وقال تعالى : عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ( )0 فإنه نص صريح يدل على أن الله قد تكفل بحفظ السنة
على وجه الأصالة والاستقلال لا على طريق اللزوم والتتبع؛ لأنه تكفل فيه ببيان القرآن فى قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ0 أى بيان
القرآن، والبيان كما يكون للنبى  يكون لأمته من بعده0 وهو يكون للنبى  بالإيحاء به إليه ليبلغه للناس، وهو المراد فى الآية السابقة : 
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( ) وقوله تعالى : أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ( ) فالسنة النبوية على
هذا منزلة من عند الله  (بوحى غير متلو) وفى هذا رد على ما زعمه الدكتور إسماعيل منصور؛ بأن البيان للذكر لم ينزل مع الذكر (القرآن)
وإلا لكان النص على نحو : “وأنزلنا إليك الذكر وبيانه”( )0 ويكون البيان للأمة من بعده  بحفظ السنة التى بلغهم النبى  إياها0

ولو شغب مشاغب بأن هذا الخطاب:”عَلَيْنَا بَيَانَهُ” متوجه إلى الله  فقط دون الأمة وإلا قال :”عليكم بيانه” لما أمكنه هذا الشغب
فى قوله  : عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فمن الذى جمع القرآن الكريم؟! الله  بذاته المقدسة؟ أم قيض لذلك رجالاً من خلقه وعلى رأسهم من
أنزل عليه  وصحابته الكرام فمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؟!

فإن أجاب بالأولى، استغنى بجهله هذا عن مناظرته، وإن أجاب الثانية؛ بطل قوله بأن بيان الكتاب متوجه إلى الله  فى كتابه فقط وليس إلى
نبيه وإلى الأمة من بعده0 وفى ذلك رد على ما زعمه الدكتور إسماعيل منصور بأن حفظ الرجال للسنة يجعلهم يتساوون مع الله  فى القدرة
بحفظه كتابه ، فتستوى بذلك قدرة الله وقدرة المخلوقين( )0

يقول فضيلة الدكتور محمد السيد ندا : “فهذان دليلان على أن الله تكفل بحفظ السنة كما تكفل بحفظ القرآن، وتحقيقاً لهذا الوعد
الكريم من الله  هيأ الأسباب لحفظها، والذود عن حياضها؛ فأثار فى نفوس المسلمين عوامل المحافظة عليها، والدفاع عنها؛ فكانت موضع
اهتمامهم ومحل تقديرهم ورعايتهم منذ أن أشرقت شمسها إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها( )0
3- ويذكر الإمام ابن حزم دليلاً ثالثاً من كتاب الله على تكفله جل علاه بحفظ السنة فى قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( )0

يقول الإمام ابن حزم : “هذه الآية الكريمة جامعة لجميع الشرائع أولها عن آخرها، وذكرت أصولاً ثلاثة وهى قوله تعالى : 
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ0 فهذا أصل وهو القرآن،ثم قال تعالى:وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ0 فهذا ثان وهو الخبر عن رسول الله ، ثم قال
تعالى:وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ0 فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله  حكمه، وصح لنا بنص القرآن، أن الأخبار هى أحد الأصلين
المرجوع إليهما عند التنازع، قال تعالى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ0 والبرهان
على أن المراد بهذا الرد؛ إنما هو إلى القرآن،والخبر عن رسول الله ؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا، وإلى كل من يخلق
ويركب روحه فى جسده إلى يوم القيامة من الجنة والناس؛ كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله  وكل من أتى بعده عليه السلام وقبلنا
ولا فرق، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيل لنا إلى رسول الله  وحتى لو شغب مشاغب بأن هذا الخطاب إنما هو متوجه إلى من يمكنه لقاء
رسول الله ، لما أمكنه هذا الشغب فى الله ، إذ لا سبيل لأحد إلى مكالمته تعالى؛ فبطل هذا الظن، وصح أن المراد بالرد المذكور فى الآية التى
نصصنا إنما هو إلى كلام الله تعالى، وهو القرآن وإلى كلام نبيه  المنقول على مرور الدهر إلينا جيلاً بعد جيل، وأيضاً فليس فى الآية المذكورة
ذكر للقاء ولا مشافهة أصلاً، ولا دليل عليه، وإنما فيه الأمر بالرد فقط، ومعلوم بالضرورة؛ أن هذا الرد إنما هو تحكيم أوامر الله تعالى وأوامر
رسوله  دون تكلف تأويل ولا مخالفة ظاهر0

والقرآن والخبر الصحيح بعض من بعض وهما شئ واحد فى أنهما من عند الله تعالى، وحكمها حكم واحد فى باب وجوب الطاعة
لهما للآية المذكورة وقوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ(20)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا
وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ( )0

وكلام النبى  كله وحى لقوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى( )0 والوحى ذكر بإجماع الأمة كلها،
والذكر محفوظ بالنص قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( ) فصح أن كلام رسول الله  كله فى الدين وحى من عند الله ؛ لا
شك فى ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة فى أن كل وحى نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل0 فالوحى كله محفوظ بحفظ الله
تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه؛ فمضمون ألا يضيع منه، وألا يحرفٍ منه شئ، أبداً تحريفاً لا يتأتى البيان ببطلانه، إذ لو جاز غير ذلك؛
لكان كلام الله تعالى كذباً وضمانه خائساً، وهذا لا يخطر ببال ذى مسكة عقل، فوجب أن الدين الذى أتانا به محمد  محفوظ بتولى الله تعالى
حفظه، مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتى أبداً إلى انقضاء الدنيا قال تعالى : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ( ) فإذا كان ذلك كذلك؛ فبالضرورى
نتيقن أنه لا سبيل ألبته إلى ضياع شئ قاله رسول الله  فى الدين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطاً لا يتميز عند أحد
من الناس بيقين، إذ لو جاز ذلك؛ لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( )0كذباً ووعداً
مخلفاً،وهذا لا يقوله مسلم

فإن قال قائل : “إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده، فهو الذى ضمن تعالى حفظه دون سائر الوحى الذى ليس قرآناً0 قلنا له
وبالله تعالى التوفيق : “هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى : قُلْ هَاتُوا
بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ( ) فصح أنه لا برهان له على دعواه، فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه  من
قرآن أو من سنة وحياً يبين بها القرآن، وأيضاً فإن الله تعالى يقول : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ( ) فصح أنه عليه الصلاة
والسلام مأمور ببيان القرآن للناس0

وفى القرآن مجمل كثير؛ كالصلاة، والزكاة، والحج، وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، ولكن بين لنا رسول
الله ، فإذا كان بيانه – عليه الصلاة والسلام – لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه؛ فقد بطل الانتفاع بنص القرآن،
فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها، وما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من
هذا( )0

4- ويذكر الإمام ابن قيم الجوزية : دليلاً رابعاً من كتاب الله  على تكفله -جل جلاله- بحفظ السنة فى قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا( ) وقال تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ( )0 وقال تعالى : الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ
الْإِسْلَامُ ( )0

يقول ابن قيم الجوزية : فنقول لمن جوز أن يكون ما أمر الله به نبيه من بيان شرائع الإسلام غير محفوظ، وأنه يجوز فيه،
التبديل، وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطاً لا يتميز أبداً، أخبرونا عن إكمال الله تعالى لنا ديننا، ورضاه الإسلام لنا ديناً، ومنعه من قبول كل
دين سوى الإسلام0 أكل ذلك باق علينا ولنا وإلى يوم القيامة؟ أم إنما كان ذلك للصحابة  فقط؟ أولا للصحابة ولا لنا؟ ولابد من أحد هذه
الوجوه0

فإن قالوا : لا للصحابة ولا لنا؛ كان قائل هذا القول كافراً لتكذيبه الله جهاراً، وهذا لا يقوله مسلم0 وإن قالوا : بل كل ذلك لنا
وعلينا وإلى يوم القيامة؛ صاروا إلى قولنا ضرورةً، وصح أن شرائع الإسلام كلها كاملة والنعمة بذلك علينا تامة0

وهذا برهان ضرورى وقاطع على أن كل ما قاله رسول الله  فى الدين، وفى بيان ما يلزمنا محفوظ لا يختلط به ما ليس منه
أبداً0

وإن قالوا : بل كان ذلك للصحابة فقط، قالوا : الباطل، وخصصوا خطاب الله بدعوى كاذبة، إذ خطابه تعالى بالآيات الكريمة التى
ذكرها عموم لكل مسلم فى الأبد، ولزمهم مع هذه العظيمة أن دين الإسلام غير كامل عندنا، والله تعالى رضى لنا منه ما لم يحفظه علينا
وألزمنا منه ما لا ندرى أين نجده، وافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة0 ووضعوه على لسان رسوله ، أو وهم فيه الواهمون مما لم يقله
نبيهم  – وهذا بيقين ليس هو دين الإسلام، بل هو إبطال لدين الإسلام جهاراً، ولو كان هذا – ومعاذ الله أن يكون – لكان ديننا؛ كدين اليهود
والنصارى الذين أخبر الله تعالى أنهم كتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا : هذا من عند الله، وما هو من عند الله0

ونحن قد أيقنا بأن الله تعالى هو الصادق فى قوله : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ( ) وأنه تعالى قد
هدانا للحق، فصح يقيناً أن كل ما قاله رسول الله ، هدانا الله تعالى له، وأنه حق مقطوع به حفظه الله تعالى، وقد قال تعالى : فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ
اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ( )0

وقال تعالى : تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ( )0 فلو جاز أن يكون ما نقله الثقات الذين افترض الله علينا قبول نقلهم والعمل به والقول
بأنه سنة الله وبيان نبيه يمكن فى شئ منه التحويل أو التبديل؛ لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لها تبديل ولا تحويل كذباً، وهذا لا يجيزه
مسلم أصلاً؛ فصح يقيناً لا شك فيه أن كل سنة سنها الله  لرسوله، وسنها رسوله لأمته، لا يمكن فى شئ منها تبديل ولا تحويل أبداً، وهذا
يوجب أن نقل الثقات فى الدين؛ يوجب العلم بأنه حق كما هو من عند الله  ( ) أ0هـ0

ثانياً : أما الدليل من السنة النبوية الصحيحة على تكفل الله  بحفظ سنة نبيه  قوله  “أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً،
فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم
ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة”( ) وقوله  “تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما؛ كتاب الله وسنتى، ولن يتفرقا حتى
يردا على الحوض”( )0

ففى هذه الأحاديث وغيرها – مما سيأتى فى المبحث الثالث يخبر النبى ؛ أن له سنة مطهرة تركها لأمته، وحثهم على التمسك
بها، والعض عليها بالنواجذ؛ ففى اتباعها الهداية، وفى تركها الغواية، فلو كانت سنته المطهرة غير محفوظة، أو يمكن أن يلحقها التحريف
والتبديل؛ فلا يتميز صحيحها من سقيمها، ما طالب أمته بالتمسك بها من بعده، فيكون قوله مخالفٌ للواقع، وهذا محال فى حقه  فأمره
بالتمسك بها، يدل على أنها ستكون محفوظة تأكيداً لقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( )0 فدل ذلك على إخبار بالغيب
صادق فى الواقع0

ثالثاً : الدليل العقلى على تكفل رب العزة بحفظ سنة نبيه  :
يقول الدكتور رءوف شلبى : “ليس بلازم فى الاحتمالات العقلية أن يكون المراد من الذكر القرآن الكريم وحده، لأمرين :
1- أنه لو كان المراد من الذكر القرآن الكريم وحده؛ لصرح المولى  به باللفظ، كما صرح به فى كثير من الموضوعات كما فى قوله تعالى :
إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ( )0 وقوله تعالى : هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( ) وقوله تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ
( )0
2- لو كان المراد بالذكر القرآن لعبر عنه بالضمير إنا نحن نزلناه إذ افتتاح السورة فيه نص وذكر للقرآن تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْءَانٍ
مُبِينٍ ( ) والتعبير بالضمير فى نظر اللغة أجود؛ لأن العلم فى المرتبة الثانية من الضمير، إذ هو أعرف المعارف، وهو عمل يتفق مع منزلة
القرآن، وتعتمده الصناعة الإعرابية0

وإذن : فليس بالحتم أمام فهم العقل أن يكون المراد من الذكر هو القرآن فقط دون غيره، بل إن تفسير الذكر بالقرآن فقط احتمال
بعيد فى نظر العقل؛ لعدم وجود مرشح لهذا التفسير يقوى على مواجهة الأمرين السالفين اللذين يقويان بالمنزلة والعرف النحوى0

وإنه لأقرب من هذا التفسير أحد الاحتمالين :
الأول : أن يكون المراد من الذكر الرسالة والشرف الذى استحقه الرسول  واتصف به بنزول النبوة والقرآن عليه، ويقوى عندنا هذا الاحتمال
أمام نظر العقل افتتاحة سورة “الحجر” حيث صورت مقالات الكافرين المعتدين على النبوة بأوصاف مفتراه ذكرها رب العزة فى كتابه حكاية على
لسانهم وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ(6)لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(7)مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا
إِذًا مُنْظَرِينَ(8)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( )0

فالآيتان الأوليان تصوران اتهامات الكافرين الكاذبة، والآيتان التاليتان ترد على هذه الاتهامات، وتعد بحفظ الرسالة والشرف الذى
نزل على رسول الله 0

ويرشح لهذا الاحتمال قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ( ) فعود الضمير فى الآية “إنـه” على ما ذكر قبلاً
فى قوله تعالى : فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ( ) دليل على أن التصريح به مراد الشرف، لا سيما ومن قبل ذلك قال تعالى : وَقَالُوا لَوْلَا
نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( )0 فذكر القرآن بالنص أولاً، وذكره بالوحى ثانياً، ووصف ذلك بأنه ذكر للنبى  ولقومه،
مما يقوى الاحتمال العقلى، أن المراد من الذكر فى سورة الحجر هو الرسالة والشرف0

الثانى : أن يكون المراد من الذكر الشريعة مطلقاً، ويرشح لهذا الاحتمال ما تناولته السورة بعد الآية التى معنا فى ذكر موقف الأمم السابقة مع
رسلهم، يقول الله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ( )0

والأنبياء يكلفون الأمم بالشرائع، والشريعة : كتاب الله  وسنة نبيه ، والذى يستعرض حالات الأمم مع الأنبياء يقف أن محاجاة
الكافرين مع الرسل، تدور كلها حول التكليف الذى مصدره ما ينزله الله بالوحى المعبر عنهما بالكتاب والسنة؛ فالسنة ليست من المسائل
الخاصة بالنبى ، كما سنبينه فى المبحث الثالث إن شاء الله تعالى0

وتكون الآية التى معنا قد نبهت على أمر خطير : هو أنه إذا كان الأمر فى الأمم السالفة ينتهى إلى إلغاء الشريعة بعد معارك
عنيفة بين الرسل وأممهم؛ فإن هذه الشريعة قرآناً وسنة سيحفظها رب العزة إلى قيام الساعة من كيد أعدائه وأعداء دينه كما وعد فى قوله
تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( )0

وعلى ذلك فإن الذكر فى الآية مراد به الشريعة، ويكون الضمير فى قوله “لـه” عائد على الشريعة بمصدريها الأساسين القرآن
الكريم، والسنة المطهرة( )0
قلت : ومما يرشح لهذا الاحتمال الثانى : تفسير الإمام الشاطبى للحفظ المضمون فى الآية الكريمة؛ بأنه حفظ أصول الشريعة وفروعها فيقول :
“من العلم ما هو من صلب العلم، ومنه ما هو ملح العلم لا من صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه0 فهذه ثلاثة أقسام :
القسم الأول : هو الأصل والمعتمد، والذى عليه مدار الطلب، وإليه تنتهى مقاصد الراسخين وذلك ما كان قطيعاً أو راجعاً إلى أصل
قطعى0 والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة فى أصولها وفروعها؛ كما قال الله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( )؛ لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التى بها يكون صلاح الدارين : وهى الضروريات والحاجيات، والتحسينات وما هو
مكمل لها ومتمم لأطرافها وهى أصول الشريعة، وقد قام البرهان القطعى على اعتبارها، وسائر الفروع مستندة إليها، فلا إشكال فى أنها علم
أصل، راسخ الأساس، ثابت الأركان( )0

يقول الدكتور رءوف شلبى : “لكن بقى أن يقال : كيف يعود الضمير على القرآن والسنة معاً، ولم يذكر إلا القرآن وحده؟ ولكننا
نجد فى القرآن الكريم نفسه استعمالاً للضمير استناداً على ما يفهم من السياق، و مدلولات الحديث، يشهد لهذا قوله تعالى : إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ
إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا( )0 فتلك صفات الحور العين مع أنه لم يجر لهم ذكر فى قسم أصحاب اليمين فى سورة الواقعة، ولكن
السياق العام للسورة وما ذكر فى الأقسام السابقة يجعل الذهن يدرك أن الضمير عائد على أمر مفهوم الفحوى والسياق والأسلوب0

كذلك يقوى هذه الشهادة فى استعمال القرآن الضمير على ما يستند على الأسلوب النحوى، قوله تعالى : فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ
الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ( )0 ففى قوله : “تـوارت” ضمير فاعل يعود على الشمس مع أنه لم يجر لها ذكر فى السورة
بالنص، ولكن السياق العام يجعل الذهن يدرك أن الضمير عائد على الشمس0 وما معنا فى آية الحجر من هذا القبيل والكل استعمال قرآنى
تزكيه اللغة، ويقويه الإعراب القرآنى، فليس هناك وجه للاعتراض، وعليه يسلم تفسير الذكر بالشريعة قرآناً وسنة( )0

قلـت : وفيما سبق رد على ما زعمه كذباً الدكتور إسماعيل منصور بأنه : “لو كانت السنة من الذكر الذى نزله الله تعالى؛ للزم
بيان ذلك الحكم صراحة، ولما صح إبهامه حتى يأتى من باب التأويل “الفاسد” الذى لا يصح بأى حال! فضلاً عن أن الذكر قد ورد صراحة فى
القرآن الكريم، ليدل على أنه القرآن الكريم وحده دون منازع – كما فى قوله تعالى : وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( )0 وقوله
تعالى : ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( ) وغير ذلك من الآيات التى استدل بها على أن الذكر هو القرآن الكريم وحده( )0

ونسلم لكم أيها المعاندون لحجية السنة أن المراد بالذكر؛ هو القرآن الكريم وحده، وأن الضمير فى قوله تعالى : “لـه” عائد على القرآن المراد
منه الذكر، ولكن الحصر الذى تستدلون به على أن السنة النبوية لم تدخل فى دائرة الحفظ لقصره على القرآن فقط، وترتبون على هذا
الحصر عدم صحة الاحتجاج بالسنة، وأنها ليست مصدراً من مصادر التشريع0

هذا الحصر ليس حصراً حقيقياً؛ بل هو حصر إدعائى، والدليل على ذلك؛ أن رب العزة قد حفظ أشياء كثيرة مما عداه
منها :
1- حفظه جل جلاله للسماوات والأرض أن تزولا كما قال  إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ
بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ( )0
2- حفظه جل جلاله لنبيه  من القتل كما قال  : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ( )0 وإذا فسدت حقيقة القصر؛ فقد فسد المترتب عليها : وهو
عدم الاعتراف بحجية السنة المطهرة( )0

يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق( ) : “والحصر الإضافى بالنسبة إلى شئ مخصوص، يحتاج إلى دليل وقرينة على هذا الشئ
المخصوص، ولا دليل عليه سواء أكان سنة أم غيرها0

فتقديم الجار والمجرور ليس للحصر، وإنما هو لمناسبة رؤوس الآى0 بل:لو كان فى الآية حصر إضافى بالنسبة إلى شئ
مخصوص: لما جاز أن يكون هذا الشئ هو السنة؛ لأن حفظ القرآن متوقف على حفظها،ومستلزم له بما أنها حصنه الحصين،ودرعه المتين،
وحارسه الأمين، وشارحه المبين؛ تفصل مجمله، وتفسر مشكله، وتوضح مبهمه، وتقيد مطلقه، وتبسط مختصره، وتدفع عنه عبث العابثين،
ولهو اللاهين، وتأويلهم إ ياه على حسب أهوائهم وأغراضهم، وما يمليه عليهم رؤساؤهم وشياطينهم0 فحفظها من أسباب حفظه، وصيانتها
صيانة له0

ولقد حفظها الله تعالى كما حفظ القرآن فلم يذهب منها – ولله الحمد – شئ على الأمة؛ وإن لم يستوعبها كل فرد على حدة”( )0

رابعاً : الدليل التاريخى على تكفله جل جلاله بحفظ السنة كما تكفل بحفظ القرآن الكريم :
أنه لو تتبع أعداء الإسلام الحوادث والتاريخ، وتتبعوا السيرة النبوية العطرة؛ لظهر لهم بكل جلاء ووضوح وبما لا يدع مجالاً للشك؛ أن سنة
المصطفى  نالت من العناية والاهتمام لدى المسلمين ما لم تنله سيرة أى عظيم من العظماء، ولا بطل من الأبطال، ولا رئيس من
الرؤساء، ولا ملك من الملوك0 ذلك أن رسول الله  فى واقع الأمر ليس إنساناً عادياً، ولا رسولاً عادياً، ولا قائداً يشبه فى أخلاقه وصفاته
الإنسانية أحداً، “فهو أفق وحده لا يدانيه أفق” ولذلك كان هو الأسوة، وهو النبراس المضئ0

أدرك هذه الحقيقة أصحابه وتابعوهم، والمسلمون من بعدهم فعكفوا على نقل، وتدوين وحفظ، وتطبيق كل ما صدر عن رسول الله
 من قول، أو فعل، أو تقرير، حتى الحركات والسكنات، وبالجملـة0 نقلت حياته برمتها وكلياتها وجزئياتها فى عباداته ومعاملاته، فى سلمه
وحربه، وفى نومه ويقظته، فى أدق الأمور، وفيما نعده من أسرار حياتنا كمعاشرته، إلى غير ذلك بصورة لم تحظ بها سيرة أحد غيره من
البشر0

وهذا يمثل إشارة قوية إلى أن الله  تكفل بحفظ هذه السنة بما هيأ لها من رجال أفنوا أعمارهم فى ضبطها والسهر عليها،
وتدوينها، وحفظها، وشرحها، وتمييز صحيحها من سقيمها؛ فنقشوها فى صفحات قلوبهم الأمينة، وفى كتبهم الواعية، فكان تكفله  بحفظ كتابه
فى قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( )0 يشمل السنة النبوية حيث قيض الله لها من الرواة الثقات والأئمة الأعلام، ما
قيض لكتابه العزيز من ثقات كل قرن، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها0

ولولا إرادة المولى  بحفظها، لاندثرت مع تعاقب الدهور لكثرة ما وجه إليها من طعون، ولكثرة ما صادفت من أعداء أضمروا
لها شراً، وأرادوا بها سوءاً، فجعلهم الله الأخسرين بما قيض لها من الرجال الأوفياء فى كل عصر، وفى كل جيل، وفى كل مكان( )0

وأخيـراً فإننا لا نستطيع إلا أن نرتاب فى أمر هؤلاء الناس الذين قرروا إطلاق أنفسهم من ربقة القرآن الكريم وأحكامه، قبل أن
يقرروا إطلاقها من مقتضيات السنة وأحكامها0 ولكن شق عليهم أن يواجهوا الناس بخروجهم على القرآن الكريم وتعليماته، فأضافوا إلى
القرآن الكريم ما لا مضمون له إلا ما تهواه أنفسهم ويتفق مع رغائبهم وأغراضهم … وكان غرضهم الوحيد من ذلك هو أن يبعدوا السنة عن
طريقهم ويقطعوا ما بينها وبين القرآن الكريم من علاقة التفسير والتكامل والبيان0

وقد سبقهم إلى ذلك – فى عصور سالفة – بعض الزنادقة والمارقين0 فما كان حالهم فى الظهور والافتضاح إلا شراً ممن
جاهروا بالكفر والعصيان ومحاربة كتاب الله  وغدت الأمة الإسلامية تتقى شرهم أكثر مما تتقى مجاهرة الكافر بكفره، والفاسق بفسقه( )0

“نعـم” إن الاقتصار على الكتاب رأى قوم لا خلاق لهم، خارجين عن الطريقة المثلى، وخارجين عن السنة المطهرة، فأداهم ذلك
إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله فضلوا وأضلوا”( ) أ0هـ0

والله تبــارك وتعالـى
أعلى وأعلم

المبحـث الثالـث
أدلـة حجيـة السنـة النبويـة المطهـرة

وتحته خمس مطالب :
المطلب الأول : العصمــــة0
المطلب الثانى : القرآن الكريـم0
المطلب الثالث : السنـة النبويـة0
المطلب الرابع : إجمـاع الأمـة0
المطلب الخامس : العقل والنظر0
وفيه ما يلى :
أ- ذكر نماذج من المسائل العجيبة التى استنبطها أعداء السنة من القرآن الكريم بدون رجوعهم إلى بيان النبى ، واستعراض بدائلهم عن
السنة المطهرة0
ب- بيان علاقة القرآن الكريم بالسنة الشريفة0
ج- بيان رتبة السنة النبوية من القرآن الكريم0
د- الكلام عن استقلال السنة بتشريع الأحكام، وتحرير الخلاف فى ذلك، والرد على من اتخذ كلام الإمام الشاطبى فى مسألة استقلال السنة
بتشريع الأحكام ستاراً للتشكيك فى حجية السنة واستقلالها بتشريع أحكـام0
هـ- بيان مضار إنكار السنة النبوية0
و- حكـم منكـر السنـة النبويـة0

المطلــب الأول
العصمــة

السنة النبوية أصل من أصول الدين، وحجة على جميع المسلمين، وقد دل على ذلك : العصمة، والقرآن الكريم، والسنة النبوية
وإجماع الأمة، والعقل والنظر0

أولاً : العصمـة :
قبل أن أذكر تعريف العصمة، وبيان دلالتها على حجية السنة، بل وحجية القرآن الكريم أيضاً، ينبغى أن أنبه على أن الكلام عن
العصمة فى الحقيقة من مباحث علم الكلام( )؛ لأنه علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى، وذات رسله من حيث ما يجب لهم، وما يجوز، وما
يستحيل فى حقهم0

لكن علماء الأصول تناولوا العصمة بالحديث فى مباحث السنة، نظراً لشدة التصاقها بها، حيث تتوقف حجية السنة بل والقرآن
أيضاً على عصمة النبى ( )، إذا علم ذلك أقول وبالله التوفيق :
العصمة فى اللغة : المنع والحفظ والوقاية0 يقال عصمته فانعصم واعتصمت بالله : إذا امتـنعت بلطفه من المعصية، وهذا طعام
يعصم أى : يمنع من الجوع، ومنه قوله تعالى – على لسان ابن نوح عليه السلام – : سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ( ) أى
يمنعنى من تغريق الماء، ويقال دعى إلى مكروه فاستعصم0 أى امتنع وأبى وطلب العصمة منه، قال تعالى حكاية عن امرأة العزيز حين راودت
يوسف عليه السلام عن نفسه : وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ( ) أى تأبى عليها ولم يحبها إلى ما طلبت( )0

وفى الاصطلاح : حفظ الله للمكلف من الذنب، مع استحالة وقوعه من المحفوظ، والمراد عصمتهم – أى الأنبياء – من ذلك
ظاهراً وباطناً، فالله تعالى عصم ظاهرهم من الزنا، وشرب الخمر، والكذب، وغير ذلك، وعصم باطنهم من الحسد، والرياء وحب الدنيا إلى غير
ذلك من منهيات الباطن”( )0

وقيل فى تعريفها : هى خُلُق، مانع عن ارتكاب المعصية، غير ملجئ إلى تركها، فلا يكون مضطراً فى ترك المعصية( )0

دلالة العصمة على حجية القرآن والسنة :
يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق – رحمه الله – : “اعلم أنه تجب عصمة الأنبياء عن أى شئ يخل بالتبليغ : ككتمان الرسالة،
والكذب فى دعواها، والجهل بأى حكم أنزل عليهم، والشك فيه، والتقصير فى تبليغه، وتصور الشيطان لهم فى صورة الملك، وتلبيسه عليهم فى
أول الرسالة وفيما بعدها، وتسلطه على خواطرهم بالوساوس، وتعمد الكذب فى أى خبر أخبرو به عن الله تعالى، وتعمد بيان أى حكم شرعى،
على خلاف ما أنزل عليهم : سواء أكان ذلك البيان بالقول أم بالفعل، وسواء أكان ذلك القول خبراً أم غيره0 فذلك كله : قد انعقد الإجماع
من أهل الشرائع على وجوب عصمتهم منه لدلالة المعجزات التى أظهرها الله على أيديهم (القائمة مقام قوله تعالى : صدق رسلى فى كل ما
يبلغون عنى) وعليه فإنه لو جاز عليهم شئ من ذلك، لأدى إلى إبطال دلالتها0 وهو محال( )0

كما انعقد الإجماع على أنهم معصومون من السهو،والغلط فيما يخل بالتبليغ،والذاهبين إلى تجويز ذلك عليهم يجمعون على
اشتراط التنبيه فوراً من الله تعالى وعدم التقرير عليه( )

وذلك يستلزم : أن كل خبر بلاغى – بعد تقرير الله له عليه – صادق مطابق لما عند الله إجماعاً : فيجب التمسك به يدل على
ذلك قوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ( ) فكلمة “ينطق” فى لسان العرب تشمل كل ما يخرج من الشفتين من قول
أو لفظ( )، أى ما يخرج نطقه  عن رأيه، إنما هو بوحى من الله ( )0

ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه  محصوراً فى كونه وحياً لا
يتكلم إلا به، وليس بغيره( )0

فيثبت بذلك حجية قوله  فى حق القرآن : “هذا كلام الله ( )، وقوله فى الأحاديث القدسية : “قال رب العزة كذا”، أو نحو هذه
العبارة، وقوله : “ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، متكئ على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من
حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه0 ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا
لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه”( )0

فهذه كلها أخبار، معصوم عن الكذب : فتكون حججاً دالة على أن الوحى قسمان :
القسم الأول : الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته0
والقسم الثانى ما ليس بكتاب وهو قسمان :
1- حديث قدسى، وهو ما نزل لفظه( )0
2- وحديث نبوى وهو : ما نزل معناه، وعبر عنه النبى ، بلفظ من عنده( )0 وهذا القسم لقبه رب العزة بالحكمة( ) فى آيات كثيرة، منها
قوله تعالى : … وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (
)0

وقوله تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( )0
ومما هو جدير بالذكر أن رب العزة قد بين فى كتابه العزيز أن نوعى الوحى المعبر عنهما بالكتاب والسنة ليسا من المسائل
الخاصة بالنبى  وإنما هى سنة عامة فى الأنبياء جميعاً قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( ) ويقول رب
العزة فى حق آل إبراهيم : فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا( ) ويقول  فى حق عيسى عليه السلام : إِذْ قَالَ
اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ( )0

السنـة النبويـة وحى من الله تعالى :
ذهب العلماء إلى أن الوحى بالنسبة إلى السنة المطهرة ينقسم إلى قسمين :
1- القسم الأول : قسم أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسول الله ، وعبر عنه الرسول  بألفاظ من عنده0 وهذا القسم هو الأعم الأغلب من
السنة النبوية0
1- أما القسم الثانى : فهو ما قاله الرسول  باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى،
فالأمر كما أخبر به رسول الله ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح0 أوحى الله تعالى إلى نبيه  بذلك0

والقسم الثانى هذا هو الأقل فى السنة الشريفة( ) ويدخل فى هذا القسم ما صدر من رسول الله  على سبيل العادة والطبيعة وأقره الله عليها،
كشؤونه فى طعامه وشرابه ولباسه، وجلوسه ونومه وما ماثل ذلك، فإن ذلك كله بعد تقرير الله  له، يكون بمنزلة الوحى حجة على العباد ما
لم يقم دليل على خصوصيته بالنبى ( )0

ومن الأدلة على أن السنة النبوية وحى منزل من عند الله  قوله : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ عَظِيمًا( ) فهذه الآية-من سورة النساء-تدل على أن الحكمة نزلت من عند الله تعالى مثل القرآن الكريم، وفى سورة الإسراء يقول رب
العزة: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ( )0 والآية واضحة فى أن الحكمة وحى من الله تعالى مثل القرآن الكريم0
ومن دقة الأداء القرآنى فى التعبير عن هذين النوعين من الوحى (الكتاب والسنة)؛ أنه فصل بينهما بواو العطف إذا اجتمعا، ليبين
أن هذين النوعين مختلفان لضرورة التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، فالمنطق يقتضى أن الشئ لا يعطف على نفسه وصاحب العقل
الفصيح يلمح الإشارة فى قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( ) حيث فرق رب العزة، بين الكتاب والحكمة بحرف العطف ليدل على تغايرهما، وأفرد الضمير العائد عليهما، ليدل على وحدة
مصدرهما وأن المشكاة واحدة( )0

وأنت تستطيع أن تتأمل فى أية الأحزاب، كما تأملها الإمام الشافعى من قبل، يتضح لك أنها أوضح مما ذكر فى الدلالة على أن المراد بالحكمة
السنة المطهرة، قال تعالى : وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ( )0 فالتلاوة هنا المرة بعد المرة، والمتلو هنا شيئان،
أولهما : آيات الله فى كتابه، وثانيهما : الحكمة وهى صنف آخر من الوحى المتلو، ولا يكون ذلك إلا السنة النبوية المطهرة( )0

ولو شغب أعداء الإسلام على تفسير “الحكمة” بالسنة المطهرة، واعترضوا على ذلك( )0 قلنا لهم : ماذا تقولون فى آيات تحويل
القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، قال تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ( )0

فهذه الآيات الكريمات تدلنا على أن التوجه إلى بيت المقدس كان مشروعاً من قبل، وكان ذلك التوجه حقاً وصواباً واجباً عليهم
قبل التحول إلى الكعبة، فأين ذلك كله فى القرآن الكريم؟
ألا يدل ذلك على أن النبى  وأصحابه كانوا عاملين بحكم لم ينزل به القرآن، وأن عملهم هذا كان حقاً وواجباً عليهم؟!!

ولا يصح أن يقال : إن عملهم هذا كان بمحض عقولهم واجتهادهم0 إذ العقل لا يهتدى إلى وجوب التوجه إلى قبلة “ما” فى
الصلاة، فضلاً عن التوجه إلى قبلة معينة، وفضلاً عن أن النبىكان أثناء صلاته إلى بيت المقدس راغباً كل الرغبة فى التوجه إلى الكعبة
المشرفة

إذن : كان التوجه إلى بيت المقدس بوحى غير القرآن وهو السنة المطهرة( )0 ومن الأدلة على أن السنة النبوية وحى من
عند الله من السنة نفسها قوله  لوالد الزانى بامرأة الرجل الذى صالحه على الغنم والخادم، والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة
والغنم رد0 وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام”( )، وليس فى القرآن المتلوا إلا الجلد مائة، ومن ذلك أيضاً قوله  : “لا يستبطئن أحد منكم
رزقه”0 إن جبريل عليه السلام ألقى فى روعى أن أحداً منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيها الناس، وأجملوا فى الطلب،
فإن استبطأ أحد منكم رزقه؛ فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصية”( )0

وفى الصحيحين : أنه  قال : “إن مما أخاف عليكم بعدى، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها” فقال رجل : أو يأتى الخير
بالشر يا رسول الله؟ قال : فسكت عنه رسول الله  فقيل له ما شأنك؟ تكلم رسول الله  ولا يكلمك؟ قال : وَرَأَيْنَا أنه يُنْزَلُ عليه، فأفاق يَمْسَحُ
عَنْهُ الرُّحَضَاءَ0 وقال : “أين هذا السائل” (وكأنه حمده) فقال : “إنه لا يأتى الخير بالشر…الحديث”( )0فالحديث هنا صريح فى أنه  كان ينتظر
الوحى فيما يسأل عنه، فينزل عليه بما ليس بقرآن : “وهو دليل قطعى على أن السنة كانت تنزل كما ينزل القرآن”( )، ويستأنس لذلك بما روى
عن حسان بن عطية( )؛ أنه قال : “كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله  بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه
القران”( )0

هذا كله فضلاً عن أن الإجماع قد انعقد على أنه كان يوحى إليه غير القرآن الكريم( )0

وتأسيساً على ما سبق، فإننا نقول : إن السنة الشريفة وحى من الله تعالى ابتداءً وهذا هو الأغلب، أو اجتهاد من الرسول  وأقره ربه عليه
إما بالموافقة أو بالتصحيح، ويكون مرد ذلك إلى الوحى أيضاً بإقرار الله تعالى لرسوله ( )0 وهذا النوع من الوحى يسميه جمهور الحنفية
وحياً باطناً( )0

فتبين لك من هذا كله : أن جميع ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير حتى الحركات، والسكنات فهى وحى من عند الله تعالى بعد
إقرار الله  عليه( )0

والعصمة التى نتحدث عنها هنا تغنينا وحدها فى إثبات حجية جميع أنواع السنة القولية والفعلية والتقريرية والاجتهادية0

إجتهاد الرسول  وتشكيك بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم
فى أن السنة المطهرة كلها وحى

زعم بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم أن إجتهاد النبى  ليس من الوحى الإلهى واتخذوا من ذلك مدخلاً للطعن فى السنة النبوية،
وأنها ليست كلها وحى من عند الله تعالى( )، ويستدلون على ذلك بحديث رسول الله  الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته عن طلحة
بن عبيد الله( )  قال : مررت مع رسول الله  بقوم على رءوس النخل0 فقال : “ما صنع هؤلاء؟” فقالوا : يلقحونه يجعلون الذكر فى الأنثى
فيلقح، فقال رسول الله  “ما أظن يغنى ذلك شئ” قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله  بذلك فقال : إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه،
فإنى إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذونى بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً، فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله  0
وفى حديث رافع بن خديج( )  قال : قال رسول الله  : “إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به0 وإذا أمرتكم بشئ من
رأى فإنما أنا بشر”0قال عكرمة : أو نحو هذا0وفى حديث أنس بن مالك  قال:قال رسول الله :”أنتم أعلم بأمر دنياكم”( )

وهذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذى يعلق عليه من شاء، ما شاء من أمور الشرع التى يراد التحلل منها( )، فقد أراد
بعضهم أن يحذف النظام السياسى كله من الإسلام بهذا الحديث وحده، لأن أمر السياسة أصولاً وفروعاً من أمر دنيانا، فنحن أعلم به0

فليس من شأن الوحى أن يكون له فيها تشريع أو توجيه، فالإسلام عند هؤلاء دين بلا دولة، وعقيدة بلا شريعة، وأراد آخرون أن يحذفوا
النظام الاقتصادى كله من الإسلام كذلك، بسبب هذا الحديث الواحد المهم أن بعض الناس أراد أن يهدم بهذا الحديث الفرد كل ما حوت دواوين
السنة الزاخرة، من أحاديث البيوع، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، وكأن الرسول  قال هذا الحديث لينسخ به
جميع أقواله وأعماله وتقريراته الأخرى، التى تكون السنة النبوية المطهرة0

وهذا الغلو من بعض الناس، هو الذى جعل عالماً كبيراً مثل المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر – رحمه الله – يعلق على
هذا الحديث فى مسند الإمام أحمد فيقول : “هذا الحديث مما طنطن به ملحدوا مصر، وصنائع أوروبة فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة
المبشرين، فجعلوه أصلاً يحجون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السنة، وأن ينكروا شريعة من
شرائع الإسلام، فى المعاملات وشئون الاجتماع وغيرها، يزعمون أن هذه من شئون الدنيا، ويتمسكون برواية أنس : “أنتم أعلم بأمر دنياكم”(
) والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة، ولا يصدقون القرآن فى قرارة نفوسهم0 ومن آمن منهم فإنما يؤمن
لسانه ظاهراً، ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه، لا عن ثقة وطمأنينة، ولكن تقليداً وخشية، فإذا ما جد الجد، وتعارضت الشريعة، الكتاب والسنة، مع
ما درسوا فى مصر أو فى أوروبة لم يترددوا فى المفاضلة، ولم يحجموا عن الاختيار، وفضلوا ما أخذوه عن سادتهم، واختاروا ما أشربت
قلوبهم، ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإسلام0 والحديث واضح صريح، لا يعارض نصاً، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة
فى كل شأن، وإنما كان فى قصة تلقيح النخل أن قال لهم : “ما أظن ذلك يغنى شيئاً” فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن فى ذلك
سنة حتى يتوسع فى هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع( ) أ0هـ0

ومن اجتهاد النبى ، وقوله “أنتم أعلم بأمر ديناكم”، ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى تقسيم السنة النبوية المطهرة إلى
قسمين :
1- سنــة تشريعيــة ملزمــة ودائمـة0
2- سنة غير تشريعية غير ملزمة ولا دائمة0

وقصدوا بغير التشريع ثلاثة أنواع :
1- ما سبيله سبيل الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشى والتزاور … إلخ0
2- ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذى ورد فى شئون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره0
3- ما سبيله سبيل التدبير الإنسانى كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ونحو ذلك فهذه الأنواع الثلاثة ليس شرعاً يتعلق به طلب الفعل أو
الترك، وإنما هو من الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول  فيها تشريعاً ولا مصدر تشريع( ) وبهذا التقسيم قال غير واحد من علماء
المسلمين( )0 وبالغ بعضهم حتى كاد يخرج قضايا المعاملات، والأحوال المدنية كلها، من دائرة السنة التشريعية0 حيث كان يرى أن كثيراً من
أوامر الرسول ونواهيه فى المعاملات كان أساسها الاجتهاد لا الوحى( )0
حتى انتهى به هذا الاتجاه إلى أن حرم برأيه ما أحلته السنة النبوية! وما أجمع المسلمون – من جميع المذاهب والمدارس الفقهية
– على حله، وذلك هو (بيع السلم) الذى رخص فيه النبى  لحاجة الناس إليه، بعد أن وضع له الضوابط اللازمة لمنع الغرر والنزاع0 ويسميه
بعضهم (السلف) أيضاً، وبه جاء الحديث، ومضى عليه عمل الأمة أربعة عشر قرناً0 ففى الصحيحين عن ابن عباس – رضى الله عنهما – قال
: قدم النبى  المدينة، وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين، فقال : “من أسلف فى تمر، فليسلف فى كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل
معلوم”( )0 بل قال ابن عباس : أشهد أن السلف المضمون إلى أجله، قد أحله الله فى كتابه، وأذن فيه0 ثم قرأ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ
بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ( ) وكلمة “أشهد” بمثابة “القسم” : فهذا رأى ترجمان القرآن0
ولكن فضيلة الشيخ عبد المنعم النمر قال عن السلم : “وهو بيع معدوم موصوف فى الذمة، ويسير عليه كثير من الناس فى
الأرياف، مستغلين حاجات الزراع استغلالاً سيئاً، مما يجعلنا نميل إلى تحريمه0 من أجل هذا الاستغلال الكريه المحرم فى الإسلام( )، يقول
الدكتور القرضاوى : “وكان أولى بالشيخ هنا أن يقتصر على تحريم الظلم والاستغلال، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم التعامل الثابت بالسنة
والإجماع”( )0
وإذا كان عمدة الأدلة عند من يذهبون إلى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، أو يذهبون إلى تقسيم السنة إلى سنة
تشريعية وسنة غير تشريعية، إذا كان عمدة أدلتهم جميعاً، ¬اجتهاده ، وقوله  : “أنتم أعلم بأمر ديناكم” فلنحرر القول فى اجتهاده ، وبيان
المراد من قوله “أنتم أعلم بأمر ديناكم” فإلى تفصيل ذلك0

اجتهـاد النبـى  فـى الشريعـة الإسلاميـة
كلـه وحـى من عنـد الله 

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين : “اجتهاد الرسول ” موضوع قديم، قتله العلماء بحثاً، ولم يترك الأوائل للأواخر
بشأنه شيئاً0

وخلاصته أنهم اختلفوا : فمنهم من لم يجز له  الاجتهاد، واعتبر ما ورد من ذلك صورة اجتهاد، وليس اجتهاداً فى الواقع
والحقيقة، لأن الله معه  وهو مع الله، ولأنه فى جل أوقاته  يناجى من لا نناجى، وإلهامه وحى ورؤيا منامه وحى0 ورب العزة يقول : وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى( )0 ويفسرون ما ظاهره الخطأ فى الرأى والرجوع إلى قول الغير بأن ذلك اجتهاد فى الظاهر لتدريب
الأمة على البحث والتفكير والاجتهاد فى الأسباب والأخذ بالمشورة، وحقيقته : أن الله يوحى إليه أن قل كذا، وسيقول لك فلان كذا، فقل له كذا،
ويشهد لهذا ما روى عن على بن أبى طالب  : أن رسول الله  قال : إن جبريل هبط، فقال له خَيِّرْهُمْ يعنى أصحابكَ فى أُسارَى بَدْرٍ القتل أو
الفداء، على أن يُقْتَلَ منهم قَاتِلٌ مِثْلُهم، قالوا الفداءَ، ويقتل منَّا( )0

وجمهور المحققين من العلماء على أن النبى ؛ يجوز له أن يجتهد، وأنه اجتهد فعلاً( ) وأن اجتهاده فى بعض الأحيان القليلة
كان خلاف حكم الله، فجاء الوحى بتصحيح الحكم، والإرشاد إلى ما ينبغى( )، كما فى قوله تعالى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي
مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1)قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( )0

وفى مغازى الأموى أن حُبَابُ بْنُ المُنْذِرِ( )  لما أشار على النبى  بتغير مكان نزوله يوم بدر ورجع النبى  إلى رأيه، نزل ملك من السماء،
وجبريل جالس عند رسول الله  فقال ذلك الملك : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن الرأى ما أشار به الحُبَابُ بْنُ المُنذِرِ( )0

أو جاء الوحى بإمضاء حكم اجتهاده مع التنبيه بما ينبغى، كما فى قوله تعالى عن أسرى بدر : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي
الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( )0
نعم نقول : إن الرسول  أذن له بالاجتهاد واجتهد0

ونعم نقول : إن بعض اجتهاداته لم تصادف الصواب، لكن أين حكم الله تعالى فى الأمر الذى اجتهد فيه رسول الله  ولم يصب؟

إن ما يصدر عن النبى  من اجتهاد إما أن يوافق حكم الله أو لا، فإن وافق حكم الله فهو حكم الله على لسان نبيه ، وإن لم يوافق حكم الله
عدَّله إلى حكمه جل شأنه، وإذن تصبح الأحكام الدينية التى حكم بها رسول الله  أحكام الله فى النهاية، وقبل لقائه الرفيق الأعلى( )0 وتصير
تلك الأحكام حجة إجماعاً بلا شك( )0

أما ما ذهب إليه بعض علمائنا الأجلاء من تقسيم السنة النبوية إلى قسمين : سنة تشريعية ملزمة عامة ودائمة، وسنة غير تشريعية ولا
ملزمة0

فيقول رداً على ذلك فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين : “غفر الله للقائلين بأن السنة تشريع وغير تشريع، وللقائلين بالمصلحة0 غفر الله
لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء باباً لم يخطر لهم على بال0

القائلون بأن السنة تشريع وغير تشريع قصدوا بغير التشريع ما ورد منها خاصاً بالصناعات، والخبرات كالزراعة والطب، ولم
يخطر ببالهم أن من سيأتى بعدهم سيستدل بتقسيمهم ليدخل المعاملات، وأحاديث البيع، والشراء، والإجارة، ويدخل ما قاله النبى  من أحاديث
فى العادات، وشئون الاقتصاد، والسياسة، والإدارة، والحرب، وغير ذلك فى السنة غير التشريعية، وهم من هذا القول برءاء0

أما ما جعلوه مما سبيله الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم … إلخ من السنة غير التشريعية، فهذا الكلام على عمومه مرفوض، وفى
حاجة إلى تحقيق0 فالأكل والشرب مثلاً – كلام عام يشمل المأكول والمشروب، ويشمل الأوانى والهيئة أو الكيفية0

فهل بيان المأكول والمشروب المحرم، والمكروه، والمباح، من السنة غير التشريعية( )؟
هل حديث : “أحلت لكم ميتتان ودمان : فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال”( ) وحديث : “أكل الضب على مائدة رسول
الله ( )0 سنة غير تشريعية؟! اللهم لا0
أحل لنا رسول الله  الطيبات، وحرم علينا الخبائث؛ فالمأكول، والمشروب سنة تشريعية من حيث الحل والحرمة، أما أنه أكل نوعاً من الحلال
وترك غيره يأكل نوعاً آخر، فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أُكِلَ وما لم يأكل مما لم ينه عنه0

وأما الأوانى : فقد نهى  عن الأكل والشرب فى صحائف الذهب والفضة، ونهى عن الأكل فى أوانى الكفار إلا بعد غسلها0 وهذا
تشريع قطعاً0

أما أنه  أكل فى قصعة من الفخار، ونحن نأكل فى الأوانى الفاخرة غير الذهبية والفضية، فهذا من المباحات والإباحة تشريع( )0

وأما الهيئة : فهناك هيئات مأمور بها وهيئات منهى عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة، والكل تشريع0 “يا غلام سم الله وكل
بيمينك، وكل مما يليك”( ) هيئة أكل مشروعة( )،
و “نهى رسول الله  أن يتنفس فى الإناء”( ) هيئة ممنوعة شرعاً فى نفس الإناء، ومستحبة خارج الإناء( )، أما أنه  أكل بأصابعه ويده0
ونحن نأكل بالملاعق، والشوك، والسكاكين، فهو من المباحات المشروعة0
فماذا فى الأكل والشرب من السنة غير التشريعية؟!!
إن قصدوا بالسنة غير التشريعية فى ذلك السنة غير الملزمة، وهى المباحات كان الخلاف بيننا لفظياً0
وإن قصدوا ما هو مطلوب على وجه الوجوب أو الندب، وما هو منهى عنه على وجه الحرمة أو الكراهة فهو غير مسلم0

ومثال ذلك يقال فى النوم واللبس، وكل ما هو خاص بالحاجة والطبيعة البشرية كما يقولون، حتى قضاء الشهوة مع الزوجة له قواعده وأصوله
وحدوده المشروعة( )0

والتحقيق أنه من الخطأ أن نطلق هذا الإطلاق “السنة غير التشريعية على ما سموه الحاجة البشرية من أكل وشرب، وما سبيله
التجارب، والعادة الشخصية أو الاجتماعية من زراعة وطب، ولباس إلى آخره، وكذا ما يصدر عنه  بوصفه إماماً ورئيساً للدولة المسلمة، أو
بوصفه قاضياً فكل هذه الأمور التى أطلقوا عليها، سنة غير تشريعية، منها الواجب شرعاً، ومنها المحرم شرعاً، ومنها المكروه، ومنها
المندوب، ومنها المباح، وحتى إذا أردنا كيفية هذه الأمور نجد منها الممنوع شرعاً، كما سبقت الإشارة إليه قريباً( )0

أما القائلون بالمصلحة كمصدر من مصادر التشريع فقد اشترطوا لها ألاَّ تصادم نصاً من الكتاب أو السنة الصحيحة، فهم أخذوا
بمراعاة المصالح فيما لم يرد فيه قرآن أو حديث صحيح، أما ما ورد فيه قرآن أو حديث صحيح فالمصلحة فيما جاء به النص”( )0

واعتقد كما قال الدكتور فتحى عبد الكريم : “أن القائلين بالسنة التشريعية، والسنة غير التشريعية قد فاتهم المعنى الدقيق للتشريع
الإسلامى، حيث قصر بعضهم وصف التشريع على الواجب، والحرام، ونفاه عن المندوب، والمكروه، والمباح، وأدخل بعضهم المندوب والمكروه
فى التشريع، ونفاه عن المباح وحده( )0

وفى ذلك يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق – رحمه الله – “هذا وإخراج الأمور الطبيعية من السنة أمر عجيب، وأعجب
منه : أن يدعى بعضهم ظهوره، مع إجماع الأئمة المعتبرين على السكوت عنها، وعدم إخراجها0

ولست أدرى : لم أخرجها هؤلاء؟!! أأخرجوها : لأنها لا يتعلق بها حكم شرعى؟ وكيف يصح هذا مع أنها من الأفعال الاختيارية
المكتسبة، وكل فعل اختيارى من المكلف لابد أن يتعلق به حكم شرعى : من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو حرمة – وفعل النبى الطبيعى
مثل الفعل الطبيعى من غيره، فلابد أن يكون قد تعلق به واحد من هذه الأحكام؟ وليس هذا الحكم الكراهة، ولا الحرمة، لعصمته وليس الوجوب،
ولا الندب : لعدم القربة فيه0 فلم يبق إلا الإباحة وهى حكم شرعى0 فقد دل الفعل الطبيعى منه  على حكم شرعى، وهو الإباحة فى حقه، بل
وفى حقنا أيضاً : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ( )0 ولقد أجمع الأصوليون فى باب أفعاله  على أن أفعاله الطبيعية تدل على
الإباحة فى حقه  وفى حق أمته، وكل يحكى الاتفاق على ذلك، عن الأئمة السابقين( )0
أم أخرجوها : لأنهم ظنوا أن الإباحة ليست حكماً شرعياً؟ وهذا لا يصح أيضاً : فإن الأصوليين مجمعون على شرعيتها – اللهم
إلا فريقاً من المعتزلة ذهب إلى عدم شرعيتها : فَهْماً منه : أن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل والترك( )0 وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو
مستمر بعده : فلا يكون حكماً شرعياً، والجمهور ينكرون : أن هذا المعنى ثابت قبل ورود الشرع، وأنه لا يسمى حكماً شرعياً ولكنهم يقولون :
ليس هذا هو معنى الإباحة الشرعية، إنما هى خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل0 ولا شك أن هذا حكم شرعى، وأنه غير
ثابت قبل ورود الشرع0 ولو التفت هذا الفريق إلى هذا المعنى لم ينازع فيه0 فليس هناك خلاف حقيقى بينهما، فالإباحة حكم شرعى يحتاج إلى
دليل، والفعل الطبيعى منه  يدل عليه0 ونظرة واحدة فى باب أفعاله  فى أى كتاب من كتب أصول الفقه – ترشدك إلى الحق فى هذا
الموضوع( )0

وأعلم أن التأسى به  واجب، وعلى ذلك جمهور الفقهاء والمعتزلة يقول فخرالدين الرازى فى المحصول : “قال جماهير الفقهاء والمعتزلة :
التأسى به واجب، ومعناه : أنا إذا علمنا أن الرسول  فعل فعلاً على وجه الوجوب : فقد تعبدنا أن نفعله على وجه الوجوب وإن علمنا أنه تنفل
به : كنا متعبدين بالتنفل به، وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة كنا متعبدين باعتقاد إباحته، وجاز لنا أن نفعله0

وقال أبو على بن خلاد من المعتزلة : نحن متعبدون بالتأسى به فى العبادات، دون غيرها : كالمناكحات، والمعاملات0ومن الناس
من أنكر ذلك فى الكل،واحتج أبو الحسين محمد ابن على الطيب المعتزلى : بالقرآن والإجماع:أما القرآن فقوله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ( ) ولم يفرق الله تعالى بين أفعال الرسول  : إذا كانت مباحة أو لم تكن مباحة0 وقوله تعالى : وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (
)0أمر بالاتباع: فيجب0
أما الإجماع فهو : “أن السلف رجعوا إلى أزواجه فى قبلة الصائم”( )، وفى أن “من أصبح جنباً لم يفسد صومه”( ) وذلك يدل على
أن أفعاله لابد من أن يمتثل فيها طريقه( )، ونقل الإمام الزركشى عن الكعبى البلخى رأس طائفة المعتزلة الكعبية قوله : “المباح مأمور به، لأن
فعله ترك الحرام وهو واجب، فالمباح واجب”( )0

ويقول الإمام الشاطبى فى رده على من قال : “ترك المباح طاعة على كل حال0 قال الشاطبى : “بل فعل (المباح) طاعة بإطلاق لأن كل مباح
ترك حرام0 ألا ترى أنه تركَ المحرمات كلّها عند فعل المباح، فقد شغلَ النفسَ به عن جميعها0 وهذا الثانى أولى؛ لأن الكلية هنا تصح، ولا
يصح أن يقال كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهى عنه بإطلاق، فظهر أن ما اعُترض به لا ينهض دليلاً على أن ترك المباح طاعة( )، ويشهد
لهذا قول الإمام السرخسى فى أصوله : “ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله  حرام كما أن العمل بخلافه حرام”( )0

نقـض دليل تقـسيم السنة النبوية إلى سنـة
تشريعية وغير تشريعيـة

تحت هذا العنوان قال الدكتور فتحى عبد الكريم : “الدليل الأساسى الذى يستند إليه القائلون بتقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير
تشريعية هو حديث رسول الله  الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته، ومنها قوله  : “أنتم أعلم بأمر دنياكم” ففى رأى أنصار تقسيم
السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية أنه “لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف فى تبيين أن سنته  ليست كلها شرعاً لازماً، وقانوناً دائماً
لكفى0 ففى نص عبارة الحديث – بمختلف رواياته – تبيين أن ما يلزم إتباعه من سنة رسول الله ، إنما هو ما كان مستنداً إلى الوحى
فحسب”( )0 ولقد كان يكفى ما سبق ذكره رداً على نقض هذا الدليل، لأن معنى كون السنة النبوية دليلاً شرعياً عند الأصوليين أنها تفيدنا حكماً
من الأحكام الشرعية، أىَّ حكم كان : من وجوب، أو ندب، أو حرمة، أو كراهة، أو إباحة0 كان يمكن أن نرد بذلك وينتهى الموضوع، لولا أن
وجه الخطورة فى الأمر( ) : أن فئة ضالَّة أكثرت من الاستشهاد بهذا الحديث، وأرادت به عزل السنة، عن شئون الحياة العملية كلها!

فالعادات، والمعاملات، وشئون الاقتصاد، والسياسة، والإدارة، والحرب ونحوها، يجب أن تترك للناس و لا تدخل السنة فيها آمرة
ولا ناهية ولا موجهة ولا هادية( )0 فهل يسندهم ذلك الحديث فى تلك الدعوى الخطيرة؟!0

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين : فى ردِّه على الدكتور عبد المنعم النمر – رحمه الله تعالى – هذا الحديث (أنتم أعلم
بأمر دنياكم) هو عمدة أدلة الباحث فى بحثه : وهذه الجملة (أنتم أعلم بأمر دنياكم) تنقسم إلى ثلاثة مقاطع : “أنتم” والمراد من المخاطبين0 و ”
أعلم” والمراد من المفضل عليه و “شئون دنياكم” وتحديد المراد منها0 وبعبارة أخرى : من؟ أعلم من من؟ وبأى شئ هو أعلم؟
هناك احتمالات فى المراد بهذه الجملة لنتصورها ثم نختار منها ما يصلح لأن يكون مراد المشرع الحكيم :
الاحتمال الأول : أنتم أيها الذين تلقحون النخل أعلم بما يصلح النخل منى وممن لا علم له بالزراعة، أى أنتم أعلم بشئون دنياكم هذه التى
تباشرونها، والتى لم تنجح فيها مشورتى، أعلم منى ومن مثلى، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلاً0
الاحتمال الثانى : أنتم أيها الذين تلقحون النخل ومن على شاكلتكم من أهل الصناعات والمهارات والخبرات أعلم بصنائعكم منى0
وممن ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى : أن كل أهل صنعة أعلم بها ممن ليسوا من أهلها، كما يقال : أهل مكة
أدرى بشعابها0

الاحتمال الثالث : أنتم أيها الذين تلقحون النخل بالمدينة أعلم بما يصلح النخل منى ومن غيركم من زارعى النخل فى البلاد
والأزمان المختلفة، وهذا الاحتمال واضح البطلان، ففى بعض البلاد، وفى بعض الأزمان، من هم أعلم منهم بذلك0

الاحتمال الرابع : أنتم أيها الذين تلقحون النخل بالمدينة أعلم بالخبرات والصناعات المختلفة منى ومن غيرى، حتى من أهل
الصناعات أنفسهم، على معنى أنتم أعلم بالطب مثلاً منى ومن الأطباء0 وهذا الاحتمال واضح البطلان0

هذه الاحتمالات الأربعة مبنية على أن المراد من شئون الدنيا الصناعات والمهارات والخبرات، فإذا أردنا من شئون الدنيا مصالح
كل فرد أو مصالح كل مجموعة من مباحات الدنيا؛ كالمقارنة بين شراء بيت أو شراء سيارة كان الاحتمال الآتى :

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: