مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 9-14

بعدم دفع المسلمين إلى الخروج على الحكام ولو كانوا جائرين، وتجاهلوا أن : من عقيدة المسلمين عدم الخروج على السلطان لجور أو ظلم ما
لم يأمر بمعصية0يقول الإمام الطحاوى فى عقيدته : “ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى
طاعتهم من طاعة الله  فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة”( )0ويقول شارح العقيدة الطحاوية : “فقد دل الكتاب، والسنة على وجوب طاعة أولى الأمر ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ( ) كيف قال : وأطيعوا الرسول، ولم يقل : وأطيعوا أولى الأمر منكم! لأن أولى الأمر لا
يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر
بغـير طاعة الله، بل هو معصوم فى ذلك، وأما ولى الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله 0
وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا؛ فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم( ) وقل من
خرج على إمام إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم ما تولد من الخير، يقول ابن تيمية فى حكم قتل الأئمة والخروج عليهم : “إن من قال :
إن قتلهم حد، قال : إن جنايتهم؛ توجب من الفتنة، والفساد أكثر مما يوجبه جناية بعض قطاع الطريق لأخذ المال”( )0وأخيـراً : بماذا يفسر أعداء الإسلام، ما رواه من طعنوا فيهم من المحدثين، من أحاديث مثل قوله :”إن من أعظم الجهاد كلمة
عدل عند سلطان جائر”( )،ومثل قوله  : “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإيمان”( )0 ومثل قوله  : “على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”(
) وعن عبادة بن الصامت  قال : “بايعنا رسول الله  على السمع والطاعة فى العسر واليسر : والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن
لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف فى الله لومة لائم”( )0

ماذا يقول أعداء الإسلام فى هذه الأحاديث التى ظاهرها مجابهة السلطان إذا أمر بالمعاصى، أو استحلها، أو عطل حداً من حدود الله؟!

إن الذين رووا هذه الأحاديث، هم أنفسهم الذين رووا تلك الأحاديث التى ينكرونها، فكيف لهم الخروج من هذه الورطة التى أوقعوا
أنفسهم فيها؟ إن طاعة ولى الأمر ليست على الإطلاق، بل هى مقيدة بطاعته لله ورسوله، تلك الطاعة التى لا تكون إلا بإقامة حكم الله فى
الناس0
وهذا يبين أنه ليس ثمة مصلحة لهؤلاء المحدثين، والفقهاء، إلا خدمة هذا الدين، وليسوا أداة فى أيدى الحكام يسخرونها متى شاؤوا وكيف
شاؤوا( )0

بل كانوا حفظة الشريعة وحراس الأرض، ولولاهم لدرس الإسلام، فهم فرسان هذا الدين الذين وقفوا بالمرصاد لحركة الوضاعين من أعداء
الإسلام، وأسفر صمودهم عن أدق منهج، وأحكمه فى نقد الروايات وتمحيصها، والتمييز بين غثها وسمينها، فأبلوا فى ذلك أحسن البلاء وبرزوا
فى هذا المضمار، واستحدثوا فيه العلوم وقعدوها، وضبطوها وأَصَّلوها، وجاؤوا بالعجب العجاب فى حفظ السنة المطهرة( )0 فكانوا آية تصدق
آية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( ) أ0هـ0
والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

5عمر يقول مازلت اتصدق، وأصوم، وأصلى، وأعتق من الذى صنعت يومئذٍ مخافة كلامى الذى تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراً”( )0

وعند الواقدى( ) من حديث ابن عباس -رضى الله عنهما- “قال عمر لقد اعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً”( ) ويقول  مبيناً
ندمه على عدم رضائه عن الصلح ابتداءً، ثم امتثاله لأمر النبى  قال : “يا أيها الناس : اتهموا الرأى على الدين، فلقد رأيتنى أرد أمر رسول
الله  برأيى اجتهاداً، فوالله ما آلوا عن الحق، وذلك يوم أبى جندل( ) والكتاب بين يدى رسول الله  وأهل مكة، فقال : اكتبوا بسم الله الرحمن
الرحيم” فقالوا : ترانا قد صدقناك بما تقول؟ ولكنك تكتب كما كنت تكتب – : باسمك اللهم0 فرضى رسول الله وأبيت عليهم، حتى قال لى رسول
الله  : “ترانى أرضى، وتأبى أنت”؟ فرضيت”( )0

يقول الحافظ ابن حجر : “وإلا فجميع ما صدر منه كان معذوراً فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه” وقد غفر الله  له، ولمن
شهدوا بيعه الرضوان يوم الحديبية قال تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ
وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا( )0
وشهد لهم رسول الله  بالخيرية : فعن جابر  قال : كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا النبى  : “أنتم اليوم خير أهل
الأرض”( )0

وشهد لهم بالجنة فقال  : “لا يدخل النار، إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحدٌ الذين بايعوا تحتها” قالت (حفصة)( ) بلى يا
رسول الله! فانتهرها0 فقالت حفصة : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا( ) فقال النبى  قد قال  : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا( )0

ففى الأحاديث السابقة وغيرها مما ذكرها أهل الأصول دليل على وقوع الاجتهاد من الصحابة  بما فيهم الإمام على بن أبى طالب
 زمن النبوة بحضرته وغيبته  فى المصالح الدنيوية والعبادات أيضاً( )0

ومن المعلوم أن اجتهادهم  بحضرته وغيبته  يصير حجة وشرعاً ويتعبد به بإقراره  لا بمجرد اجتهادهم( )0

وإن لم يقره  أو لم يبلغه اجتهادهم كان اجتهادهم فيه الخلاف المعروف فى قول الصحابى( )0 اللهم إلا إذا قال أحدهم قولاً لا
يقال من قبل الرأى، ولا مجال للاجتهاد فيه فحكمه الرفع، على ما هو مقرر عند الأصوليين والمحدثين( )0

وكذا إذا اجتهدوا فى شىء، وأجمعوا عليه، فيصير حجة بلا خلاف حتى يكفر جاحده( )0 وهذا الاجتهاد من الصحابة زمن النبوة
وإقرار النبى  لهم، قد أقرهم رب العزة عليه، ولم يبين أنهم قد اخطأوا فيه، مع أن الزمان كان زمان وحى0 فلو كانوا فى عملهم هذا
مخطئين : لما أقرهم الله تعالى عليه، لأن تقريره تعالى فى زمان الوحى حجة بمثابة الوحى المنزل( )0

فكان اجتهادهم حجة وسنة يعمل بها ويرجع إليها( )، ولِمَ لا وقد قرن  سنتهم بسنته فى وجوب الاتباع فى قوله  : “عليكم
بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى”( ) وقال : “اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر”( ) وعلى ذلك سلف الأمة من الصحابة(
) والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين( )0
وبالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها، فأين هذا من قول غلاة الشيعة أن الخلفاء
الراشدين وأتباعهم من بقية الصحابة باستثناء -الإمام على وشيعته- يجتهدون ويقدمون رأيهم على سنة رسول الله ( )، كيف وقد تقدم عنهم
جميعاً تعظيمهم لحديث رسول الله  وتحكيمه فى كل شأن من شئون حياتهم، وزجرهم، وهجرهم من لم يعظم قوله  وقد تواتر من شيمهم
أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة من كتاب الله ، فإن لم يصادفوه فتشوا فى سنن رسول الله ، فإن لم يجدوها تشاوروا، ورجعوا إلى الرأى عند
الاضطرار حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحداً العمل به، ولم يحرموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفاً للدين، بل غايته أنهم خيروا بين
قبوله ورده0

فعن عمر  أنه لقى رجلاً فقال : ما صنعت؟ قال قضى علىٌّ وزيد بكذا، قال:لو كنت أنا لقضيت بكذا،قال،فما منعنك والأمر إليك؟ قال:لو كنت
أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه  لفعلت، ولكنى أردك إلى رأى،والرأى مشترك،فلم ينقض ما قال على وزيد”( )0

وإذا ظهر لهم النص مع اجتهادهم رجعوا إليه وتركوا رأيهم، يدل على ذلك : ما روى أن عمر  كان يقول : “الدية للعاقلة،
ولا ترث المرأة من دية زوجها” حتى أخبره الضحاك بن سفيان( )، أن رسول الله  كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته، فرجع إليه
عمر”( )0 وروى عنه أنه جاء إليه رجل من ثـقيف فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تنفر؟ فقال عمر لا،
فقال له الثـقفى: إن رسول الله  أفتانى فى مثل هذه المرأة بغير ما أفتيت به، فقام إليه عمر يضربه بالدرة، ويقول له : لم تستفتنى فى شئ قد
أفتى فيه رسول الله ( )؟ وغير ذلك من الأحاديث الواردة عن عمر وغيره من الصحابة( )0
وعلى ذلك إجماع الأمة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين، قال عمر ابن عبد العزيز: “لا رأى لأحد مع سنة
سنها رسول الله ”( )0

وقال الشافعى : أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله  لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس”( )0

وبعد : فقد تحقق لك جواز الاجتهاد من الصحابة  فى عصر النبوة المباركة، وبعده واتفاق الأمة منذ زمن الصحابة  -إلى
يومنا هذا- ولم ينكر أصل الاجتهاد واحد من الصحابة بما فيهم الإمام على بن أبى طالب ، وإنما كانوا يتناظرون فى الذب عن وجوه الاجتهاد
والدعاء إلى غيرها من الاجتهاد( )0

وإذا كانت الوقائع التى جرت فيها فتاوى علماء الصحابة، وأقضيتهم لا يحصرها عد، ولا يحويها حد حيث كانوا قايسين فى قريب
من مائة سنة( )0

إذا تقرر كل ذلك بطل ما يذهب إليه غلاة الشيعة من الطعن فى الصحابة باجتهادهم زمن النبوة المباركة وبعده، وبطل ما يزعمونه من أن
الصحابة طائفتان فى تعاملهم مع السنة المطهرة0 طائفة التعبد المحض -ويعنون بهم الإمام على وشيعته، وطائفة الاجتهاد، والأخذ بالرأى
وترك السنة- ويعنون بهم أهل السنة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون0
فهذا التقسيم محض كذب، من رافضة امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على سلف هذه الأمة من صحابة رسول الله  وعلى من صار على دربهم
من أهل السنة 0

وبالجملة “من طعن فى السلف من نفاة القياس لاحتجاجهم بالرأى فى الأحكام فكلامه كما قال الله تعالى : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ
يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا( )0

الصحابة  والنهى عن كثرة التحديث :
بقى من شبهه (النهى عن كتابة السنة) ما زعمه بعض دعاة الفتنة( )-ومن تأثر بهم من المسلمين( ) من أن امتناع بعض
الصحابة عن التحديث ونهى كبار الصحابة عن الإكثار من التحديث دليل على عدم حجية السنة0

ومما استدلوا به على ذلك الآثار الآتية :
1- ما روى من مراسيل ابن أبى مُلَيْكَةَ( ) قال:إن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم  فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث
تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله، وحرموا
حرامه( )0
2- وما روى عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف( ) قال : والله مامات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم
من الآفاق،عبدالله بن حذيفة( )،وأبا الدرداء( )، وأبا ذر( )، وعقبة بن عامر( )، فقال ما هذه الأحاديث التى أفشيتم عن رسول الله فى الآفاق؟
قالوا : تنهانا؟ قال لا، أقيموا عندى، لا والله لا تفارقوننى ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم، ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات( )0 وعنه من
رواية أخرى : قال بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود، وأبى الدرداء وأبى مسعود الأنصارى( ) فقال ما هذا الحديث الذى تكثرون
عن رسول الله  فحبسهم بالمدينة حتى استشهد لفظهم سواء( ) 0
3- وروى عن السائب بن يزيد( ) قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبى هريرة : لتتركن الحديث عن الأول، أو لألحقنك بأرض
دوس، وقال لكعب الأحبار( ) : لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة”( )، وعنه من طريق آخر قال : أرسلنى عثمان بن عفان إلى
أبى هريرة فقال : قل له يقول لك أمير المؤمنين : ما هذا الحديث عن رسول الله  … بنحو الرواية السابقة( )0
4- وروى عن قرظة ابن كعب قال( ) : بعث عمر بن الخطاب رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثنى معهم، فجعل يمشى معنا حتى
أتى صرار( )-وصرار : ماء فى طريق المدينة- فجعل ينفض الغبار عن رجليه، ثم قال : إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز( ) بالقرآن،
فيأتونكم فيقولون قدم أصحاب محمد ، قدم أصحاب محمد ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأعلموا أن أسبغ الوضوء ثلاث، وثنتان
تجزيان، ثم قال: إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيقولون : قدم أصحاب محمد ، قدم أصحاب محمد ، فيأتونكم فيسألونكم
عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله  وأنا شريككم فيه0 قال قرظة : وإن كنت لأجلس فى القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله ، وإنى
لمن أحفظهم له، فإذا ذكرت وصية عمر سكت0 قال أبو محمد (الإمام الحافظ الدارمى) معناه عندى : الحديث عن أيام رسول الله  ليس السنن
والفرائض”( )0

وفى رواية : “إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن،
وأقلوا الرواية عن رسول الله  امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة، قالوا حدثنا قال : نهانا عمر بن الخطاب”( )0

5- وروى عن عثمان بن عفان( )  قال : “لا يحل لأحد يروى حديثاً لم يسمع به فى عهد أبى بكر ولا فى عهد عمر، فإنه لا
يمنعنى أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون من أوعى أصحابى، إلا أنى سمعته يقول : من قال على فقد تبوأ مقعده من النار”( )، وغير ذلك من
الآثار الواردة عن بعض الصحابة فى التقليل من الرواية، وسيأتى بعضها فى الإجابة على هذه الشبهة0
الجواب عن شبهة نهى الصحابة عن الإكثار من الرواية، وامتناع بعضهم عن كثرة التحديث دليل على عدم حجية السنة

بالآثار السابقة، وغيرها، احتج قديماً كما قال الحافظ ابن عبد البر، بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم
الطاعنين فى السنن، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد فى سنن رسول الله  التى لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها، والطعن على أهلها( )0

وتابع على ذلك حديثاً ذيولهم من المستشرقين، وغلاة الشيعة، ودعاة اللادينية، وجعلوا ذلك ذريعة إلى عدم حجية السنة النبوية0

ولو صدق هؤلاء القوم فى ادعائهم المنهجية، والنزاهة فى البحث العلمى، لبينوا للقارئ عناوين الأبواب التى نقلوا منها الآثار
السابقة فى مصادرها الحديثية، فلو فعلوا ذلك لتبين للقارئ لهم، بطلان دعواهم وما فهموه من هذه الآثار، حيث أن عناوين الأبواب الواردة
فيها، مشتملة على علة، وفقه هذه الآثار، التى تفحمهم وتدحض دعواهم0

فانظر : إلى الحافظ ابن عبد البر يذكر بعض هذه الآثار فى جامع بيان العلم فى باب عنوانه : “ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم
والتفقه فيه”( ) وتأمل “دون التفهم والتفقه فيه”0
والحاكم فى المستدرك يذكر بعضها فى كتاب العلم فى باب عنوانه “أمر عمر  بتجريد القرآن وتقليل الرواية”( )، وتأمل “تجريد القرآن” وهو
فقه مستنبط من صريح قول عمر بن الخطاب 0

والإمام ابن ماجة فى سننه يذكر بعضهافى باب “التوقى فى الحديث عن رسول الله ( )، والدارمى فى باب “من هاب الفتيا مخافة السقط”( )،
وباب “اتقاء الحديث عن النبى  والتثبت فيه”( )0
والهيثمى فى مجمع الزوائد باب “الإمساك عن بعض الحديث”( ) وباب “التثبت والإمساك عن بعض الحديث وبعض الفتيا”( )0

ولو تأملنا فى عناوين الأبواب السابقة، الواردة فيها الآثار، التى استشهد بها المشاغبون على عدم حجية السنة، لوجدنا تلك
العناوين، مطابقة تماماً، لحكمة النهى عن الإكثار من التحديث، وهذا ما سيظهر جلياً الآن بإذن الله تعالى0

وبالرغم من ضعف بعض الآثار السابقة كما سبق، إلا أنه مع ضعفها حجة لنا لا علينا، فلا حجة لأعداء السنة، فى الآثار
التى استشهدوا بها، ولا دليل فيها على ما ذهبوا إليه، لأنها اشتملت على الوجوه والأسباب التى من أجلها، امتنع بعض الصحابة عن التحديث،
ونهوا عن الإكثار منه، وتلك الوجوه والأسباب هى :
أولاً : خوف الخطأ أو الزيادة والنقصان فى حديث النبى  والدخول فى وعيد النبى  الوارد فى قوله  “من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من
النار”( ) وبذلك صرحت الآثار الواردة عمن امتنع عن التحديث أو لم يكثر منه0

فعن أنس بن مالك  قال : “إنه ليمنعنى أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبى  قال : “من تعمد على كذباً فليتبوأ مقعده من النار”( )0

وفى رواية أخرى عنه قال : “لولا أنى أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله  أو قالها رسول الله  وذاك أنى
سمعته يقول : “من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”( )0

وعن عبد الله بن الزبير( ) قال : قلت للزبير( ) : إنى لا أسمعك تحدث عن رسول الله  كما يحدث فلان وفلان0 قال : أما إنى لم
أفارقه، ولكن سمعته يقول : “من كذب على فليتبوأ مقعده من النار”( )0

وعن دُجَيْنُ أبى الغُصْن( ) قال:دخلت المدينة فلقيت أسلم( ) -مولى عمر بن الخطاب- فقلت : “حدثنى عن عمر، فقال : لا
استطيع أخاف أن أزيد أو أن أنقص، كنا إذا قلنا لعمر حدثنا عن رسول الله  قال : أخاف أن أزيد أو أن انقض؛ إن رسول الله  قال: من كذب
علىّ، فهو فى النار”( )0

وعلى هذا يحمل ما ورد عن ابن مسعود  من هيبة التحديث عن رسول الله ( )، وهكذا أمسك بعض الصحابة عن كثرة التحديث
خوفاً من الخطأ أو الزيادة والنقصان فى الرواية عن الرسول 0

وإذا كان الإكثار من التحديث مظنة الخطأ بخلاف الإقلال، فالضبط فيه أكثر، فإن هذا لا يمنع من وجود بعض المكثرين المتميزين
بالاتقان والدقة مع إكثارهم كأبى هريرة  ولذلك أذن له عمر-وهو أشهر المتشددين-بالرواية لثقته بتثبته وأمانته يدل على ذلك قول أبى
هريرة : بلغ عمر حديثى فأرسل إلىَّ فقال : “كنت معنا يوم كنا مع رسول الله  فى بيت فلان”؟ قال : قلت نعم، وقد علمت لِمَ تسألنى عن ذلك؟
قال : ولم سألتك؟ قلت إن رسول الله  قال يومئذ : “من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، قال : أما إذا فاذهب فحدث”( )0
وما أنكر عليه عمر، إنما كان من حديثه عن “الأول”( )، أى أهل الكتاب، أو الحديث عن بدء الخليقة، ونحوه مما لا يترتب عليه
عمل( )0 ولهذا الأمر نفسه كان نهى عمر لكعب الأحبار -رحمه الله-0

فبطل بذلك ما ادعاه محمود أبو رية، وعبد الحسين شرف الدين، من مفتريات على أبى هريرة من أن عمر  ضربه بالدرة على
إكثاره( )0 وأن أبا هريرة لم يكن له شأن زمن النبوة … ولم يستطع أن يفتح فاه بحديث عن النبى  إلا بعد موت عمر( )0

كما أنه لا معنى لما زعمه رشيد رضا وتابعه عليه أبو رية فى أنه لو طال عُمْرُ، عمر بن الخطاب حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك
الأحاديث الكثيرة عنه، ومنها 446 حديثاً فى البخارى ما عدا المكرر( )0

وما كان كبار الصحابة فى نهيهم عن الإكثار من الرواية بدعاً فى ذلك وإنما هم متبعون لأمر النبى  ولمنهجه فى الحفاظ على
رسالة الإسلام قرآناً وسنة0
وفى ذلك يقول أبو عبد الله الحاكم : “انكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله  فيه سنة”( ) والسنة هنا ما روى
عن أبى قتادة ؛ أنه قال: سمعت رسول الله  يقول على المنبر : “يا أيها الناس إياكم وكثرة الحديث عنى، فمن قال علىَّ فلا يقل إلا حقاً أو إلا
صدقاً ومن قال علىَّ ما لم أقل متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”( )0

وما روى عن عثمان بن عفان  أنه قال : “لا يحل لأحد يروى حديثاً لم يسمع به فى عهد أبى بكر ولا فى عهد عمر … الحديث،
ومثل ذلك النهى عن معاوية  قال : “أيها الناس إياكم وأحاديث رسول الله  إلا حديثاً كان يذكر على عهد عمر  فإن عمر كان يخيف الناس
فى الله ”( ) أى كان عمر  شديداً فى دين الله  يأمر بالتثبت فى النقل، فلا يحدث بشىء عن النبى  إلا بما تيقن من نسبته إليه  خشية
الوقوع فى الوعيد الوارد فى قوله  : “من حدث عنى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين”( )0
فقوله (يُرى) بضم الياء أى يظن، ويجوز فتحها أى يعلم، وفى (الكاذبين) روايتان (إحداهما) بفتح الباء على إرادة التثنية (والأخرى) بكسرها
على صيغة الجمع( )0

يقول الإمام النووى( ) “… فمن روى حديثاً علم أو ظن وضعه ولم يبين حال رواته ووضعه فهو داخل فى هذا الوعيد، مندرج فى جملة الكاذبين
على رسول الله ”( )0

وكفى بهذه الجملة وعيداً شديداً فى حق من روى حديثاً، وهو يظن أنه كذب، فضلاً عن أن يتحقق ذلك، ولا يبينه؛ لأنه  جعل المحدث بذلك
مشاركاً لكاذبة فى وضعه”( )، وهذا ما كان يخشاه الصحابة وعلى رأسهم عمر  فكان نهيه عن الإكثار من الرواية إتباعاً لسنة النبى 
وخشية منه أن يتسع الناس فى الرواية فيقع الكذب والتدليس من المنافق، والفاجر، والأعرابى، فينسبون إلى النبى  ما لم يقله كما تنبأ بذلك
 بقوله  : “سيكون فى آخر أمتى أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم” وقال  : “يكون فى آخر الزمان دجالون
كذابون0 يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم0 فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم”0

وهذا من أسباب ترك التحديث عن الرسولكما قال ابن عباس-رضى الله عنهما- “إنا كنا نحدث عن رسول الله  إذ لم يكن يكذب
عليه0 فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه وهذا أيضاً ما جعل الصحابة  يأخذون من أحاديث النبى  إلا ما كان معروفاً زمن
أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما- كما جاء من قول عثمان ومعاوية -رضى الله عنهما- حيث كان التثبت والاحتياط وعدم الكذب فى
زمانهما، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم يأخذ من الناس عن رسول الله  إلا ما يعرف، كما قال ابن عباس -رضى الله عنهما-:”إنا كنا
مرة إذا سمعنا رجلاً يقول:قال رسول الله  ابتدرته أبصارنا0 وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما
نعرف”( )0

وعلى الدرب الصحابة صار من بعدهم :
فعن الشعبى -رحمه الله- قال : “كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه
أهل الحديث( )0

فقوم يحتاطون لسنة نبيهم  كما أمرهم، أتكون تلك الحيطة دليل على عظم شأن السنة فى نفوسهم، وحجيتها، أم دليل على عدم حجيتها،
واتخاذها ديناً عاماً دائماً كالقرآن؟
ثانياً : من الوجوه والأسباب التى كان الصحابة من أجلها يمتنعون أو ينهون عن الإكثار من التحديث، إذا كان المخاطبون بالأحاديث قوم حديثى
عهد بالإسلام ولم يكونوا قد أحصوا القرآن واتقنوه فيخافون عليهم الاشتغال عنه بالأحاديث قبل اتقانه هو أولاً إذ هو الأصل لكل علم( )0
ويشير إلى هذا السبب صراحة قول عمر  : “إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تصدوهم بالأحاديث
فتشغلوهم، جودوا القرآن” أى جودوا الأصل الأول، وهو القرآن، وابدؤا به أولاً، ولا تبدؤا بالأحاديث؛ فتشغلوهم عن إتقان القرآن0

ويدل على ذلك صراحة رواية الحاكم : “فلا تبدءونهم بالأحاديث فيشغلونكم جردوا القرآن وأقلوا الرواية”0

وعلى هذا المنهاج صار السلف الصالح من أئمة الحديث فكان كثير منهم لا يقبلون الطلاب فى حلقاتهم إلا إذا وثقوا من دراستهم
للقرآن الكريم، وحفظ بعضه على الأقل، وفى هذا يقول حفص بن غياث( ) : أتيت الأعمش فقلت : حدثنى، قال أتحفظ القرآن؟ قلت0 لا0 قال
اذهب فاحفظ القرآن، ثم هلم أحدثك0 قال فذهبت فحفظت القرآن، ثم جئته، فاستقرأنى، فقرأته، فحدثنى”( )0

أو يكون النهى متعلقاً بالأحاديث عن سيرة رسول الله ، وليس أحاديث السنن والفرائض كما قال الحافظ الدارمى معناه عندى : ”
الحديث عن أيام رسول الله ، ليس السنن والفرائض”( )0

ويؤكد هذا قول عمر  : “أقلوا الرواية عن رسول الله  إلا فيما يعمل به”( ) أى أقلوا الرواية إلا فيما يترتب عليه عمل شرعى،
فيدخل فى ذلك جميع الأحكام والآداب وغيرها، ولا يخرج إلا القصص ونحوه، فاستحب  الإقلال من القصص ونحوه، ولم يمنع من الإكثار فيما
فيه عمل0 أما تعليق محمود أبو رية على هذا الأثر وقوله : “فيما يعمل به” أى أى السنة العملية”( )0

فإن أراد السنة العملية المتواترة، فلا يخفى بطلانه، لأن هذا اصطلاح محدث( )0 ويؤيد ما سبق، ما روى عن أبى موسى أنه قال حين قدم
البصرة : “بعثنى إليكم عمر بن الخطاب أعلمكم كتاب ربكم، وسنتكم، وأنظف طرقكم”( )0

ثالثاً : من الأسباب التى كان الصحابة يمتنعون أو ينهون من أجلها عن الإكثار من التحديث، خوفهم الاشتغال بكثرة الحديث عن تدبره وتفهمه،
لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه( )0

وهذا ما وقع فيه أهل البدع والأهواء المنكرين لحجية السنة قديماً، وحديثاً، أخذوا بظاهر تلك الآثار بدون تفقه، وتدبر للمعانى المرادة منها،
وهو ما بينه أئمة الحديث فى عناوين الأبواب التى ذكروا فيها هذه الآثار، تلك العناوين التى لم يذكرها أعداء السنة المطهرة، إما عن جهل،
وإما عن علم، وتدليس منهم على القارئ0

ولا يخفى أيضاً أن الإكثار، يجعل المكثر، يسرد الحديث سرداً سريعاً يلتبس على المستمع، وهذا ما أنكرته أم المؤمنين عائشة –رضى الله
عنها- على أبى هريرة  فى الحديث الذى رواه الشيخان، عن عروة بن الزبير  أن عائشة –رضى الله عنها- قالت : “ألا يعجبك أبو هريرة!
جاء فجلس إلى جنب حجرتى، يحدث عن النبى  يسمعنى ذلك0 وكنت أسبح0 فقام قبل أن أقضى سبحتى0 ولو أدركته لرددت عليه : إن رسول
الله  لم يكن يسرد الحديث كسردكم( )0

الفصــــل الثانــــى

وسيلتهــــم فـــى التشكيــــك فــــى حجيـــــة خبـــر الآحــــــــاد

وتحته تمهيد وأربعة مباحث :
المبحث الأول : التعريف بالمتواتر، وبيان كثرة وجوده ودرجة ما يفيده من العلم، وحكم العمل به، وحكم جاحده0
المبحث الثانى : التعريف بالآحاد، وبيان درجة ما يفيده من العلم، وحجيته، ووجوب العمل به0
المبحث الثالث : منكروا حجية خبر الواحد قديماً وحديثاً استعراض شبههم والرد عليها0
المبحث الرابع : شروط حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به عند المحدثين والرد على شروط المعتزلة ومن قال بقولهم قديماً وحديثاً0

تمهيـد

إذا كان الذين ينكرون حجية السنة عامة، قلة قليلة خالفت المسلمين أجمع، وأنكرت ما هو معلوم من الدين بالضرورة – فإن
خطورتهم من أجل هذا لم تكن كبيرة، ولم تكن مثل خطورة من أنكروا أخبار الآحاد، فهم أكثر منهم عدداً، ولهم شبههم، التى اتخذوها وسيلة
للطعن فى حجية السنة عامة، وشبههم فى هذه الوسيلة من الممكن أن تنطلى على كثير من الناس لو تركت وشأنها0 وقبل أن نتعرض لتفنيد
شبهاتهم0 نذكر أولاً ما اصطلح عليه جمهور العلماء من تقسيم السنة من حيث السند، وعدد الرواة فى كل طبقة إلى متواتر( )، وآحاد( )
معرفين بكل قسم لغة، واصطلاحاً، ودرجة ما يفيده من العلم، وحجيته، ووجوب العمل به0
فإلى بيان ذلك فى المباحث التالية :

المبحـث الأول
التعريف بالمتواتر وبيان كثرة وجوده، ودرجة ما يفيده
من العلم، وحكم العمل به، وحكم جاحده

أولاً : التعريف بالمتواتر لغة واصطلاحاً :
المتواتر لغة:مجئ الواحد إثر الواحد بفترة بينهما، وذلك مثل قوله تعالى:ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى( )0 أى متتابعين رسولاً بعد رسول بينهما
فترة0

فالمواترة المتابعة، ولا تكون بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهى مداركة ومواصلة( )0والخلاصة أن التواتر هو:التتابع
مع التراخى، أو بدون التراخى، والأول أقوى0

أما فى الاصطلاح : فقد عرفه العلماء قديماً وحديثاً تعريفات كثيرة، ولعل من أجمعها وأمنعها ما عرفه به فضيلة الأستاذ الدكتور
مصطفى أمين التازى – رحمه الله- بقوله : “هو ما رواه جمع كثير، يحيل العقل اتفاقهم على الكذب عادة أو صدوره منهم اتفاقاً، عن مثلهم،
فى كل طبقة من طبقاته، وأن يكون مستند انتهائهم الحس، ويصحب خبرهم إفادة العلم بنفسه لسامعه( )0

ثانياً : اختلاف العلماء فى وجود المتواتر :
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور (مصطفى التازى) – رحمه الله – : “لا خلاف فى أن الأخبار المتواترة تقع كثيراً فى حياة دنيا الناس
اليومية، ففى كل يوم نسمع عن حادثة تقع فى ناحية من النواحى النائية، أو نسمع بتصريح يصدر عن مسئول فى بلد من البلاد فتطير به
وكالات الأنباء وتذيعه جميع الإذاعات فى أنحاء العالم فينتشر الخبر بين الناس ويعلم به القريب والبعيد على سواء، ثم لا يكذب من أحد، فيحصل
به العلم الجازم عند سامعيه، بصحة الخبر ونسبته إلى قائليه، ولا شك أن هذا من الأخبار المتواترة التى استوفت شروط التواتر، وإنما الخلاف
بين العلماء فى وجود الخبر المتواتر فى السنة النبوية، وقد ذهبوا فى هذا الخلاف إلى ثلاثة مذاهب :
1- المذهب الأول : وعليه ابن حبان والحازمى وغيرهما أن الحديث المتواتر فى السنة المستوفى لشروط التواتر لا وجود له بالمرة، وإنما
الموجود منه هو الحديث الآحاد الذى قد يبلغ درجة الاستفاضة والشهرة( )0
2- المذهب الثانى : أن الحديث المتواتر فى السنة نادر قليل يعز وجوده، وعليه الحافظ أبو عمرو المعروف بابن الصلاح حيث يقول فى
مقدمته علوم الحديث : “ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه”( )0
3- المذهب الثالث : وهو مذهب الجمهور أن الحديث المتواتر فى السنة له وجود كثير، وأيد ذلك بأنه يوجد بالفعل أحاديث متواترة كثيرة فى
كتب الحديث المشهورة، مثل الكتب الستة والمسانيد، وغيرها، وهذه الكتب قد انتشرت واشتهرت بين أهل العلم وقطعوا بصحة نسبتها إلى
أصحابها الذين صنفوها وألفوها، وكثيراً ما تجتمع هذه الكتب، وتتفق على إخراج أحاديث قد تعددت طرقها فىكل طبقات رواتها تعدداً يحيل العقل
تواطؤهم على الكذب عادة أو صدوره منهم اتفاقاً، وقد انتهت إلى قول من أقوال الرسول، أو فعل من أفعاله، أو بيان حالة من حالاته0
وقد أفادنا اجتماعها العلم بصحة نسبة هذه الأحاديث إلى قائلها، ولا شك أن ذلك هو الحديث المتواتر المستوفى لشروطه التى
سبق ذكرها0

وقد نص على هذا الحافظ ابن حجر فقال فى شرحه على نخبة الفكر : “ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة فى الأحاديث
أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدى أهل العلم شرقاً وغرباً المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث، وقد
تعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقينى بصحته إلى قائله، ومثل ذلك فى الكتب المشهورة كثير( )
أ0هـ0
وقد رد الجمهور على أصحاب المذهبين الأولين القائلين بعدم وجود الحديث المتواتر، أو بعزة وجوده، بأن قولهما إنما نشأ من
الآتى :
1- عدم معرفة طرق الأحاديث وعدم الوقوف على أحوال رواتها وصفاتهم0
2- وإما لعدم إطلاعهم عليها0
3- وإما لعدم استيعابهم ذلك، وقصر باعهم عن الوقوف عليها0
ولو عرفوا ذلك لعلموا أن هناك أحاديث كثيرة ينطبق عليها شروط التواتر( )0

ويمكن الجمع بين هذه المذاهب الثلاثة بما يلى :
أولاً : أن القائلين بعدم وجود الحديث المتواتر إنما أرادوا المبالغة فى بيان قلته وندرة وجوده، وبذلك عاد أصحاب المذهب الأول إلى المذهب
الثانى0
ثانياً : يجمع بين المذهب الثانى القائل بعزة وجود الحديث المتواتر، ومذهب الجمهور القائل بكثرة وجوده، بأن القائلين بعزته إنما أرادوا الأحاديث
المتواترة تواتراً لفظياً، وأن القائلين بكثرته إنما أرادوا الأحاديث المتواترة تواتراً معنوياً، وهذا حق؛ لأن المتواتر لفظاً قليل،وأهل الحديث لا
يكادون يتفقون إلا على القليل منه،والمتواتر معنى كثير”( ) أ0هـ0

ثالثاً : ما يفيد المتواتر من العلم :
قام الإجماع على أن الخبر المتواتر يفيد العلم، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، لا لاعتقاد المعتقد، وشذ عن الإجماع بعض
الفرق؛ مثل البراهمة( ) والسُمَنية( )، والنظام من المعتزلة على ما حكاه عنه البغدادى فى أصول الدين( )0
فزعموا أن الأخبار ليست طريقاً لإفادة العلم، وإنما العلم سبيله؛ إما الحس، وإما أن يكون من الضروريات، وهو زعم باطل،
ورأى فاسد لا يعتد به، قام الدليل على خلافة0

وقد تعرض للرد عليهم الإمام الآمدى فى كتابه “الإحكام فى أصول الأحكام” فقال : “اتفق الكل على أن الخبر المتواتر يفيد العلم خلافاً للسُمَينة
والبراهمة، فى قولهم لا علم فى غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها0 ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم
الضرورى بالبلاد النائية، والأمم السالفة، والقرون الخالية، والملوك، والأنبياء، والأئمة، والفضلاء المشهورين والوقائع الجارية بين السلف
الماضين، بما يرد علينا من الأخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس0 ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته وظهر
جنونه أو مجاحدته”( )0

ويقول الإمام الشوكانى : “واعلم أنه لم يخالف أحد من أهل الإسلام، ولا من العقلاء فى أن خبر التواتر يفيد العلم الضرورى، وما روى من
الخلاف فى ذلك عن السُمَنية، والبراهمة فهو خلاف باطل، لا يستحق قائله الجواب عليه”( )0

وهذا ما نقوله لأهل الزيغ والإلحاد المنكرين للمتواتر القولى من السنة النبوية( ) وجوداً، وحجية، قاصرين دعواهم كذباً ونفاقاً على الإيمان
بالسنة العملية المتواترة( )0
نقول لهم : سقطت مكالمتكم وظهر جنونكم ومجاحدتكم ولا تستحقون الجواب عليكم0

رابعاً : حكم العمل بالحديث المتواتر :
الخبر المتواتر عن النبى  قولاً كان أو فعلاً أو تقريراً يفيد علم اليقين والقطع( )، ويجب العمل به بلا خلاف؛ لأنه يفيد القطع
بثبوت نسبة الحديث إلى النبى  من غير حاجة إلى البحث عن أحوال الرواة …، ولذلك لم يذكره من المحدثين، فى أبحاث علم الحديث دراية إلا
القليل كالحاكم، والخطيب فى أوائل الكفاية( )،وابن عبر البر( )، وابن حزم( )0

وقال ابن الصلاح : إن أهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب قد ذكره ففى كلامه ما يشعر بأنه اتبع
فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك كونه لا تشمله صناعتهم( )0

يقول فضيلة الدكتور مصطفى التازى : “ووجهتهم فى ذلك أن هذا العلم إنما يبحث عن أحوال الراوى والمروى ليعرف المقبول من الحديث فيعمل
به، والمردود منه فلا يعمل به، والحديث المتواتر مقبول قطعاً مفيد للعلم يجب الأخذ به بدون توقف( )، وأجاب من ذكره فى أبحاث علم الحديث
دراية بأنه ليس مقصوداً بالذات، وإنما ذكر لبيان الحكم عليه بالقبول، ووجوب العمل به( )، ولا شك أن من أهداف هذا العلم الحكم على الحديث
بالقبول أو الرد، ولأن معرفة الحديث الآحاد إنما تكمل بذكر ما يقابله من الحديث المتواتر؛ فيتميز كل منهما عن الآخر، ويعرف حكمه0

خامساً : حكم منكـر المتواتـر :
واعلم أن من أنكر حديثاً متواتراً انعقد الإجماع على تواتره يخرج عن جماعة المسلمين( )،وإن لم ينعقد الإجماع على تواتره بل وقع الخلاف
فيه يكون منكره من الفاسقين”( )0

يقول الحافظ ابن عبد البر : “وأما أصول العلم فالكتاب، والسنة، وتنقسم السنة قسمين: أحدهما : إجماع تنقله الكافة عن الكافة
فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم فقد رد نصاً من نصوص الله، يجب استتابته عليه، وإراقة دمه إن
لم يتب، لخروجه عما أجمع عليه المسلمون، وسلوكه غير سبيل جميعهم( ) أ0هـ0

المبحـث الثانـى
التعريف بالآحاد وبيان درجة ما يفيده من العلم،
وحجيته ووجوب العمل به

أولاً : التعريف بالآحاد لغة واصطلاحاً :
الآحاد لغة : جمع أحد بمعنى الواحد( )، وينطبق المعنى اللغوى لخبر الواحد على حقيقة اسمه فهو ما رواه فرد واحد0
واصطلاحاً : هو ما لم يجمع شروط المتواتر( )، أو هو ما كان من الأخبار غير منته إلى حد التواتر( )0 والتعريفان بمعنى واحد،
ومثلهما أيضاً تعريف فضيلة الدكتور مصطفى التازى قال : “هو ما رواه واحد أو أكثر، ولم يصل فى الكثرة إلى حد التواتر، أو وصل ولكن فقد
شرطاً من شروطه”( )0

وينقسم الحديث الآحاد باعتبار عدد الرواة فى كل طبقة من طبقات إسناده إلى ثلاثة أقسام : (1) مشهور (2) عزيز (3) غريب(
)0

وعلى هذا التقسيم الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، إلا الحنفية فقد جعلوا المشهور قسيماً للآحاد( ) وليس قسماً منه
كما يرى الجمهور0

وعليه فالسنة عند الأحناف من حيث السند تنقسم إلى ثلاثة أقسام : (1) متواتر (2) مشهور( ) (3) آحاد( )0

والمشهور عند الأحناف يفيد علم الطمأنينة لا علم اليقين( )، وهذه المرتبة دون المتواتر( )، وفوق الآحاد0

وهو عندهم فى درجة المتواتر من حيث صلاحيته لبيان القرآن الكريم بكل أنواع البيان السابقة، بما فى ذلك الزيادة على القرآن فهى مقبولة
عندهم بالاتفاق، ولكن الأحناف يعتبرون الزيادة نسخاً للنص القرآنى( ) وهم لا يرفعون الآحاد إلى هذه الدرجة فى علاقته بالقرآن الكريم0

ما يفيده خبر الآحاد من العلم عند الجمهور

عرفنا فيما سبق أن الخبر المتواتر يفيد اليقين والقطع، فهو مقطوع بصحة نسبته إلى رسول الله ، وهو فى نفس الوقت يوجد فى
النفس العلم الضرورى بمضمون الخبر، فلا يحتاج بعد ذلك إلى نظر واستدلال0

وهذا الرأى هو ما اتفق عليه العلماء جميعاً إلا من لا يعتد بخلافه0 ولكن الخلاف جرى بين العلماء فى الحديث المقبول من
الآحاد بأقسامه الثلاثة المشهور، والعزيز، والغريب، ومحل الخلاف بين العلماء هو : هل حديث الآحاد يفيد العلم أو الظن؟ وإذا كان يفيد العلم،
فما هى الدرجة التى يفيدها؟ هل يفيد العلم القطعى أو النظرى؟
للعلماء فى ذلك مذاهب شتى، نوجزها فيما يلى :
1- ذهب أكثر أهل العلم، وجمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والمالكية، والمعتزلة، والخوارج إلى أنه لا يفيد العلم مطلقاً أى
سواء بقرينة، أو بغير قرينة( ) واختاره الإمام النووى حيث قال معقباً على ما قاله ابن الصلاح، ومن شايعه، بأنه يفيد العلم إذا احتفت به قرينة
قال : “وخالفه المحققون والأكثرون” فقالوا : يفيد الظن( ) مالم يتواتر( )0
ويتعقب الحافظ ابن حجر الإمام النووى، فيما ذهب إليه، فيقول : “ما ذكره النووى، مسلم من جهة الأكثرين، أما المحققون فلا، فقد وافق ابن
الصلاح أيضاً محققون( )، وهم من أصحاب القول الثالث0
2- ذهب قوم من أهل الحديث إلى أنه يفيد العلم النظرى بنفسه سواء بقرينة، أو بغير قرينة، متى توافرت فيه شروط الصحة والقبول – من
اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، وحكى هذا الرأى ابن الصباغ عن قوم من أهل الحديث( )، وبه قال الإمام
ابن حزم فى الإحكام وقال : “وهو قول الحارث بن أسد المحاسبى، والحسين بن على الكرابيسى، وأبو الوليد سليمان بن خلف المالكى المعروف
بالباجى0 وعزاه لأحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه( )، وذكره ابن خويز منداد عن مالك بن أنس( )، وإن نازعه فيه المازرى بعدم وجود
نص له فيه، وحكاه ابن حزم عن داود الظاهرى( )، وحكاه ابن قيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة عن الإمام الشافعى -رحمه الله-(
)0
3- وذهب بعض أهل الحديث، ومعهم بعض أهل الأصول والفقه، إلى أن خبر الآحاد إذا احتفت به قرينة خارجية تدل على مزيد من صحة ثبوت
الخبر إلى من أخبر به، يفيد العلم النظرى اليقينى( )0

وبهذا الرأى قال ابن الصلاح ودافع عنه دفاعاً شديداً فى مقدمته، وبه قال جماعات من أئمة الأصول والفقه، منهم الآمدى( )،
والسبكى( )، وابن الحاجب( )، واختاره المحققون من أهل الحديث منهم ابن حجر( )، وابن قيم الجوزية( )، وابن كثير وقال : “وأنا مع ابن
الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه، والله أعلم، ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية، مضمونة : أنه نقل القطع بالحديث الذى
تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة: منهم القاضى عبدالوهاب المالكى، والشيخ أبو حامد الإسفرائينى، والقاضى أبو الطيب الطبرى،
والشيخ أبو إسحاق الشيرازى من الشافعية، وابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب،وابن الزاغونى، وأمثالهم من الحنابلة، وشمس
الأئمة السرخسى من الحنفية:قال:”وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم : كأبى إسحاق الإسفرائينى، وابن فورك0

قال وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة”( ) وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً0 فوافق فيه هؤلاء الأئمة”( )0

وانتصر لابن الصلاح أيضاً البلقينى فقال : “ما قاله النووى وابن عبد السلام، ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ
المتأخرين مثل قول ابن الصلاح”( ) ثم ذكر ما نقله ابن كثير عن شيخه ابن تيمية0

ويمكن الجمع بين تلك المذاهب الثلاثة بما قاله الحافظ ابن حجر فى نزهة النظر قال: “والخلاف فى التحقيق لفظى، لأن من جوز
إطلاق العلم قيده بكونه نظرياً، وهو الحاصل على الاستدلال بواسطة القرائن، ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده كله
ظنى بمعنى العلم أيضاً، كما فى قوله تعالىفَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ( )0أى ظننتموهن‎، فالعلم قد يطلق ويراد به الظن( )وهم لا ينفون أن ما
احتفت به القرائن أرجح مما خلا عنها”( )0

وإليك بعض هذه القرائن التى تجعل خبر الآحاد مفيداً للعلم النظرى عند من يقول به:
1- إخراج الشيخين البخارى ومسلم للحديث فى صحيحهما، أو إخراج أحدهما له مما قام الإجماع على تسليم صحته بأن لم يعترض عليه أحد
من الحفاظ0 وذلك لجلالة قدر الشيخين، وثبوت أقدامهما فى هذا الشأن، وتقدمهما على غيرهما فى معرفة الخبر الصحيح وتمييزه عن غيره0

ولتلقى الأمة لكتابيهما بالقبول اعتقاداً وعملاً، وهذا التلقى وحده أقوى فى إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر،
وممن صرح بأن هذه القرينة تجعل خبر الآحاد مفيداً للعلم النظرى، من سبق ذكرهم من الأئمة الأعلام الذين ذكرهم ابن كثير نقلاً عن شيخه
ابن تيمية( )، وبهذه القرينة قال أيضاً الحافظ ابن حجر فى نزهة النظر( )، وزاد من القرائن على ما ذهب إليه ابن الصلاح ومن نقل عنهم0

2- شهرة الحديث عند علماء الحديث لمجيئه من طرق متعددة متباينة مع سلامتها من ضعف الرواة وخلوها من العلل القادحة، وممن صرح
بأن هذه القرينة تجعل خبر الآحاد يفيد العلم النظرى أبو بكر بن فورك، وأبو منصور البغدادى وغيرهما0
3- تسلسل الخبر بالأئمة المتقنين، والحفاظ الضابطين، كالحديث الذى يرويه الإمام أحمد وغيره عن الإمام الشافعى، ويرويه الإمام الشافعى،
وغيره عن الإمام مالك … إلخ0

فإن هذه القرينة تجعل خبر الآحاد مفيداً للعلم النظرى عند سامعه، وذلك لجلالة قدر هؤلاء الرواة للحديث من الأئمة الأعلام،
والفقهاء العظام، إذ فى كل واحد منهم من الصفات اللائقة الموجبة لقبول خبره ما لا يوجد فى غيره، مما تجعل الواحد منهم أمة وحده، يقوم
مقام العدد الكثير والجم الغفير( )0

والذى أرجحه من ذلك كله هو ما ذهب إليه ابن حزم، وابن الصلاح، وابن حجر، وغيرهم – من أن ما رواه الشيخان أو أحدهما
أو ما احتفت به قرائن أخرى – كما ذكر ابن حجر أو ما استوفى شروط الصحة الخمسة، المتفق عليها بين علماء الأمة، مقطوع بصحته،
ويفيد العلم النظرى0

وإلى ذلك ذهب الشيخ أحمد محمد شاكر-رحمه الله تعالى – : حيث يقول بعد أن استعرض آراء العلماء فى ذلك : “والحق الذى ترجحه الأدلة
الصحيحة، ما ذهب إليه ابن حزم، ومن قال بقوله من أن الحديث الصحيح، مقطوع بصحته، ويفيد العلم اليقينى النظرى، سواء كان فى أحد
الصحيحين أم فى غيرهما، وهذا العلم اليقينى نظرى برهانى، لا يحصل إلا للعالم المتبحر فى الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل( )، المميز
بين صحيحه وسقيمه، وغثه وثمينة، وأصيله ودخيله، أما من ليس من أهل هذا الشأن، فإن هذه القرائن ولو كثرت، لا تفيدهم علماً، فمثلهم لا
يعتد به فى هذا المقام، ولا تبنى عليه هنا الأحكام( )0
يقول الشيخ أحمد محمد شاكر : “وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنهم البلقينى ممن سبق ذكرهم من الأئمة الأعلام، وأنهم لم
يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك، وإلا فالأمة قد تلقت غيرهما من كتب السنة من السنن، والمسانيد
والمصنفات، بالقبول، مع تصريح كل من الإمامين البخارى ومسلم بأنهما لم يستوعبا كل الصحيح فى صحيحهما0

وهذا العلم اليقينى النظرى يبدو ظاهراً لكل من تبحر فى علم من العلوم وتيقنت نفسه بنظريته، واطمئن قلبه إليها، ودع عنك
تفريق المتكلمين فى اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى غير ما نريد”( )0
وبعـد
إن الكلمة الفصل والأخيرة، فى كل مسألة علمية على أهلها، إذ لا ينبئك مثل خبير0 وفى المثل : الخيل أعلم بفرسانها0
فالقول الفصل لأهل اللغة إذا كان المتعلق لغوياً، وللفقهاء إذا كانت المسألة فقهية، وللمحدثين إذا كان الكلام يتعلق بصحة الحديث، وهذه
مسلمات لا يختلف فيها اثنان0

لهذا فإن معرفة كون الدليل قطعياً أو ظنياً من أحكام أهل الحديث، لمعرفتهم طرقه وتشعبها، ولا تعويل على غيرهم من المتكلمين والأصوليين،
كما قال ابن قيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة( ) والله أعلم0

ثانياً : حجية خبر الواحد ووجوب العمل به :
اهتم علماء الإسلام فى القديم والحديث بالبحث فى مسألة وجوب العمل بخبر الواحد وصحة الاحتجاج به، فأطالوا فى شأنها،
واعتنوا بتحقيقها، وما قيل فيها، وكل ما يتعلق بها – وما مر وما سيأتى -إلا نذر يسير من ذلك، فقد ألف فى هذه المسألة كثير من أهل
الحديث، وأئمة الفقه، وأصحاب الأصول، فكتبوا فيها أبواباً مطولة، وفصولاً مطنبة، وكان أقدم من ألف فى ذلك فيما بلغنا أمامنا الشافعى –
رحمه الله تعالى – حيث وضع باباً طويلاً فى كتابيه الأم( ) والرسالة( ) أجاد القول فيه وأحسن الرد على سائل يسأله الدليل على طلب العمل
بخبر الواحد، كما كتب فى هذه المسألة أيضاً الإمام النووى فى شرحه على صحيح مسلم( )، والحافظ ابن حجر العسقلانى فى شرحه فتح
البارى على صحيح البخارى( ) كما كتب غيرهما لا سيما أهل الأصول( ) فى كتبهم0

وسر كل هذا الاهتمام بهذه المسألة وحكمته، أن هذه المسألة من أهم قواعد الدين وأشدها عند علماء المسلمين إذ ينبنى عليها
معظم أحكام الشرع، ويتوقف على إثباتها كثير من معرفة الحلال والحرام، كما يترتب على إثباتها طلب العمل بالأوامر والنواهى النبوية التى لم
يثبت أغلبها إلا عن طريق خبر الواحد”( )0

وإذا كان هناك خلاف بين العلماء فى الدرجة التى يفيدها خبر الواحد من علم أو ظن، فإن هذا الخلاف لم يوجد بين من يعتد
بهم – فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، حتى من قال منهم بأن درجة خبر الآحاد الظن0

فالذى عليه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأصحاب الحديث، والفقه والأصول، أن خبر الواحد حجة من حجج الشرع
يحتج به، ويلزم من بلغه العمل به، ولو لم يحتف بقرائن خارجية، تدل على تأكيد طلب العمل به، إذا كان هذا الخبر عند أهل الحديث مقبولاً، بأن
تحققت فيه الشروط الخمسة المتفق عليها لصحة الحديث ،من اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة( )0
وهاك بعض أقوال أهل العلم فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، متى صح0
قال شمس الأئمة السرخسى : “خبر الواحد حجة باعتبار أنه كلام رسول الله ، وقوله حجة موجبة للعمل، ولكن امتنع بثبوت العلم به لشبهة
فى النقل”( )0
وقال أيضاً : “قال فقهاء الأمصار – رحمهم الله -، خبر الواحد حجة للعمل به فى أمر الدين، ولا يثبت به علم اليقين، وقال بعض من لا يعتد
بقوله : خبر الواحد لا يكون حجة فى الدين أصلاً( )0

وقل ابن حزم : “القسم الثانى من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله  وجب العمل
به، ووجب العلم بصحته أيضاً( )0

وقال أبو الحسين محمد بن على الطيب المعتزلى : “ذهب جل القائلين بأخبار الآحاد إلى قبول الخبر، وإن رواه واحد”( )0

وقال الإمام النووى : “الذى عليه جماهير المسلمين، من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء، وأصحاب
الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها،ويفيد الظن،ولا يفيد العلم،وأن وجوب العمل به،عرفناه بالشرع لا بالعقل”(
)0

وقال الإمام ابن دحية( ) : “وعلى قبول خبر الواحد الصحابة والتابعون وفقهاء المسلمين، وجماعة أهل السنة يؤمنون بخبر
الواحد، ويدينون به فى الاعتقادات”( )أ0هـ0

وقال الحافظ ابن عبد البر : “والضرب الثانى من السنة خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل الإسناد؛ فهذا يوجب العمل عند جماعة
علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ومنهم من يقول : إنه يوجب العلم والعمل جميعاً”( )0

ويقول الشيخ محمد الخضرى( ):”إنه تواتر عن الصحابة فى وقائع لا تحصى، العمل بخبر الواحد، ومجموع هذه الوقائع تفيد
إجماعهم على إيجاب العمل بأخبار الآحاد، وكثيراً ما كانوا يتركون آراءهم التى ظنوها باجتهادهم، إذا روى لهم خبر عن رسول الله ”( )0

وبعـد
فهذه بعض أقوال علماء المسلمين قديماً وحديثاً، وغيرها كثير، فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، أما الأدلة على ذلك من
الكتاب والسنة فهى متوافرة، وسنذكر بعضها بمشيئة الله تعالى، فى ردنا على شبهات من أنكروا حجية خبر الواحد0

وإذا كان إجماع من يعتد به منعقد على كفر من رد حديثاً متواتراً انعقد الإجماع على تواتره، ولا يقولون بكفر من رد حديث آحاد
لشك فى ثبوته، “فمما لا شك فيه أن من شك وطعن فى جميع أحاديث الآحاد ولم يأخذ بها يكون منكراً للسنة ويكفر”( )أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلى وأعلم

المبحـث الثالـث
منكـروا حجيـة خبـر الواحـد قديمـاً وحديثـاً
استعـراض شبههـم والرد عليهـا

تمهيـد :
إذا كان علماء الأمة من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، اصطلحوا على تقسيم السنة باعتبار عدد الرواة فى كل طبقة إلى
متواتر وآحاد، أو إلى متواتر ومشهور وآحاد كما قسم الأحناف، فإن هذه التقسيمات لم تكن فى عصر الصحابة أو التابعين، وإنما دعت الحاجة
إلى هذا التقسيم بعد شيوع الفتن وبدء تمحيص السنة وتحديد مراتبها، وكان لهذا التقسيم آثاره بين جمهور الفقهاء فى تخصيصهم لعموم
الكتاب، وتقييدهم لمطلقه، وتوضيحهم لمشكله بخبر الآحاد، خلافاً للأحناف الذين اشترطوا فى أنواع البيان السابقة، أن يكون الخبر فيها
مشهوراً، على ما سبق تفصيله عند التعريف بالآحاد0

وأهم أثر لتقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد هو فى أمر من رد الحديث، فمن أخذ باصطلاح المتواتر والآحاد – وهم أغلبية
الفقهاء – لا يقولون بكفر من رد الأحاديث؛ لأنها ظنية الثبوت بينما يرون كفر من رد الأحاديث المتواترة0

ومن قال : “إن التواتر والآحاد قطعى الثبوت يقولون بكفر من رد شيئاً من الأحاديث سواء كانت بطريق التواتر أو الآحاد”( )0

وقبل أن يصطلح علماء الأمة على التقسيم السابق، كان جميع أهل الإسلام على قبول خبر الواحد الثقة عن النبى ، يجرى على
ذلك كل فرقة فى علمها، كأهل السنة، والخوارج والشيعة،والقدرية( )، حتى بدأت فتنة التشكيك فى خبر الآحاد على أيدى متكلمى المعتزلة بعد
القرن الثانى الهجرى،فعرفوا خبر الآحاد بأنه:ما لا يعلم كونه صدقاً ولا كذباً( )
واشترطوا العدد فى الرواية كما فى الشهادة، فخالفوا الإجماع فى ذلك0
“وكان قصدهم من ذلك رد الأخبار وتعطيل الأحكام، وتلقف ما قالوه بعضُ الفقهاء الذين لم يكن لهم فى العلم قدمٌ ثابتة، ولم يقفوا على
مقصودهم من هذا القول” وبذلك صرح ابن قيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة( )0

ويدل على كل ما سبق ما قاله ابن حزم فى الإحكام، قال : “فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبى ،
ويجرى على ذلك كل فرقة فى علمها، كأهل السنة، والخوارج، والشيعة، والقدرية، حتى حدَّث متكلموا المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا
الإجماع فى ذلك، ولقد كان عمرو بن عبيد (ت سنة 144هـ) يتدين بما يروى عن الحسن ويفتى به، هذا أمر لا يجهله من له أقل علم( )0

ويقول الحافظ أبو بكر الحازمى : “ولا أعلم أحداً من فرق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخرى المعتزلة،
فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا فى الرواية ما اعتبروا فى الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الإحكام كما قال أبو حاتم ابن
حبان”( )0

وطعن أيضاً فى خبر الواحد طوائف من الشيعة فذهبوا إلى أن خبر الواحد لا يكون حجة أصلاً فى الدين، فلا يوجب العلم ولا
العمل، وينسب هذا الرأى إلى الشريف المرتضى (ت 436هـ) من الشيعة، فهو يقول : “لابد فى الأحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم
… ولذلك أبطلنا العمل بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علماً ولا عملاً، وأوجبنا أن يكون العمل تابعاً للعلم، لأن راوى خبر الواحد إذا كان عدلاً
فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذباً( )0

وحكى هذا الرأى أيضاً الإمام الغزالى فى المستصفى عن جماهير القدرية، ومن تابعهم من أهل الظاهر كالقاسانى حيث ذهبوا إلى تحريم العمل
بخبر الواحد سمعاً( )، وحكاه أيضاً الآمدى( )، عن القاسانى( ) والرافضة وابن داود( )0

وبالجملة من مآخذ أهل البدع بالاستدلال نفى أخبار الآحاد جملة0 والاقتصار على ما استحسنته عقولهم فى فهم القرآن( )0

وتابع هذه الفرق الضالة فى الطعن فى حجية خبر الآحاد من على شاكلتهم من أهل الزيغ والهوى فى عصرنا0

فوجدنا منهم من يقول : “وجوب عدم الاعتداد بحديث الآحاد بالكلية إذ الأصل فيها الكذب والاستثناء هو الصدق( )0

ووجدنا من يقول : “الضرب الثانى من أفعاله وأقواله  مما لم يصل إلى الناس بطريق التواتر المستفيض، فلا يستطيع عاقل أن
يدخله فى دائرة الوحى الثابت ثبوتاً لا شك فيه، ومن ثم فهو ليس ضرورياً لقيام الدين( )0
ووجدنا من يقول : “فما يؤمنكم أن خبر الواحد ليس من يهودى مثل ابن سبأ؟ ورواية الواحد أوجدت فى الدين أموراً سيئة منها :
أولاً : التعارض فى المعنى والتعارض يحير الناس فى معرفة الحق0
ثانياً: أوجدت أحاديث الآحاد تفرقة واختلافاً فى صفوف المسلمين0 إذ هى التى فرقتهم إلى سنيين،وشيعة،يضرب بعضهم رقاب بعض0وهى
التىفرقتهم إلى السلف والخلف…فياأيها السلفيون:هذه نتائج أحاديث الآحاد فى المجتمعات الإسلامية وقد أمرنا الله تعالى بأن نحتاط للدين،وبأن
نكون أمة واحدة،وبأن نسمع ونعقل0فابتعدوا عن أحاديث الآحاد”( )0

استعراض شبه منكـرى حجيـة خبـر الواحـد
قديماً وحديثاً والرد عليهـا

أقوى ما شغب به من أنكر قبول خبر الواحد أن نزغ بقول الله تعالى : وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ( ) وقالوا العمل بخبر
الواحد اقتفاء لما ليس لنا به علم، وشهادة وقول بما لا نعلم0 لأن العمل به موقوف على الظن قال تعالى : وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا( )0
وقالوا قد ذم الله من اتبع الظن، وبين أنه لا غناء له فى الحق0 فكان على عمومه( )

وبهذه الآيات وما فى معناها استدل أهل الزيغ والبدع قديماً( )، وتابعهم حديثاً أهل الزيغ والإلحاد ممن أنكروا حجية السنة كلها، واتخذوا الطعن
فى خبر الواحد، وسيلة من وسائلهم؛ للتشكيك فى حجية السنة النبوية المطهرة( )0
ومما استدل به المعتزلة فى رد خبر الواحد من الأحاديث والآثار :
1- قصة ذى اليدين( )، وتوقف النبى  فى خبره، حتى تابعه عليه غيره0
روى عن أبى هريرة  قال : صلى بنا رسول الله  إحدى صلاتى العشيى0 إما الظهر وإما العصر0 فسلم فى ركعتين0 ثم أتى جْذِعاً فى قِبْلَة
المسجد فاستند إليه مُغْضَباً، وفى القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سَرَعَانُ النَّاسِ0 قُصِرَتِ الصلاةُ، فَقَامَ ذُو اليَدَيْنِ فقال : يا رسول
الله! أَقْصِرَتِ الصلاةُ أم نَسِيتَ؟ فنظر النبى  يميناً وشمالاً0 فقال : “ما يقول ذُو اليَدَيْنِ؟” قالوا : صدق لم تصل إلا ركعتين0 فصلى ركعتين
وسلم، ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع وسلم”( )0

2- وقصة أبى بكر حين توقف فى خبر المغيرة بن شعبة، فى ميراث الجدة حتى تابعه محمد ابن سلمة0
روى عن قُبيصة بن ذؤيب( )  قال : “جاءت الجدة إلى أبى بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال : مالك فى كتاب الله  من شئ، وما علمت لك
فى سنة نبى الله  شيئاً فارجعى حتى اسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله  أعطاها السدس، فقال أبو بكر :
هل معك غيرك؟ فقام محمد بن سلمة( ) فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب 
تسأله ميراثها، فقال : مالك فى كتاب الله تعالى شئ، وما كان القضاء الذى قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد فى الفرائض، ولكن هو ذلك
السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها”( )0

3- وقصة عمر  وتوقفه فى خبر أبى موسى الأشعرى  فى الاستئذان حتى تابعه أبو سعيد الخدرى  :
روى عن أبى سعيد قال : كنا فى مجلس عند أبى بن كعب( )، فأتى أبو موسى الأشعرى مُغْضَباً حتى وَقَفَ0 فقال : أَنْشُدُكُمُ الله هل سمع أَحدٌ
منكم رسول الله  يقول : “الاستئذانُ ثلاثٌ0 فإن أذن لك0 وإلا فارجع” قال أُبىُّ بن كعب0 وما ذاك؟ قال : أستأذنت على عمر بن الخطاب أمس
ثلاثَ مراتٍ0 فلم يؤذن لى فرجعت0 ثم جئْتُهُ اليوم فدخلت عليه، فأخبرته أنى جئت أمس فسلمت ثلاثاً ثم انصرفت، قال : قد سمعناك ونحن حينئذ
على شُغْلٍ0 فَلَوْمَا استأذنتَ حتى يُؤْذَنَ لك؟ قال : استأذَنْتُ كما سمعتُ رسول الله 0 قال : فوالله لأوجعنَّ ظهرَكَ وبطنَكَ أو لَتَأْتِينَّ بمن يشهد لك
على هذا0 فقال أُبى بن كعب : فوالله! لا يقوم معك إلا أحدثنا سناً0 قم0 يا أبا سعيد فقمتُ حتى أتيتُ عُمرَ فقلتُ : قد سمعت رسول الله  يقولُ
هَذَا( )0
قالوا ففيما سبق بيان أن الصحابة كانوا لا يقبلون خبر الواحد، وكانوا يعتبرون لطمأنينة القلب عدد الشهادة كما كانوا يعتبرون
لذلك صفة العدالة، ومن بالغ فى الاحتياط فقد اعتبر فى قبول الخبر أقصى عدد الشهادة أربع لأن ما دون ذلك محتمل للعلم( )0
كما استشهد بعض خصوم السنة برد عمر خبر فاطمة بنت قيس فى المطلقة ثلاثاً، بأنه لا سكنى لها ولا نفقة لمخالفته لقوله تعالى : لَا
تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ( )0

ورد عائشة – رضى الله عنها – لخبر عمر وابنه عبد الله – رضى الله عنهما – فى “تعذيب الميت ببعض بكاء أهله عليه”
لمخالفته فى رأيها لقوله تعالى : أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى( )0 وغير ذلك مما استشهد به خصوم السنة، وسيأتى تخريجه والرد عليه فى
الجواب عما اشترطوه لصحة قبول خبر الواحد0

الرد على شبه منكرى حجية خبر الآحاد

إن ما ذكره أهل الزيغ والابتداع قديماً من أدلة على عدم حجية خبر الواحد،وتبعهم فيها أهل الزيغ والهوى فى عصرنا،ما ذكروه من أدلة لا
حجة لهم فيها،بل هو حجة لنا عليهم

فما زعموه من أن العمل بخبر الواحد اقتفاء ما ليس لنا به علم استناداً إلى قول رب العزة وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (
)0

فهذه الآية حجة لنا عليهم فى هذه المسألة، لأنا لم نقف ما ليس لنا به علم، بل قد صح لنا به العلم من انعقاد إجماع من يعتد به على حجية
خبر الواحد ووجوب العمل به، والإجماع قاطع فاتباعه لا يكون اتباعاً لما ليس لنا به علم، ولا اتباعاً للظن( )0

قال الشوكانى : “ولا نزاع فى أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم، لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم
صدقه، وهكذا خبر الواحد إذ تلقته الأمة بالقبول … ومن هذا القسم أحاديث صحيحى البخارى ومسلم – رحمهما الله تعالى( ) – فسقط
اعتراضهم بهذه الآية0

أما ما ضلل به أهل الزيغ والهوى من ربط ظنية خبر الآحاد، بالظن الوارد فى قوله تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى
الْأَنْفُسُ( ) وقوله تعالى :إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا( ) وقوله  : “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث”( )0
هذا الإطلاق والربط من أفرى، الفرى لأن الظن الوارد فى الآيات السابقة، والحديث الشريف وارد فى معرض ترك الحق الثابت باليقين، واتباع
للهوى الذى لا دليل عليه، وليس كذلك الظن المنسوب إلى أحاديث الآحاد0

فإطلاق كلمة “الظن” على أحاديث الآحاد وهى فى حقيقتها أكثر السنة النبوية، وربطها بالمعنى الوارد فى الآيات السابقة، والحديث النبوى، وقول
بعض الأئمة إن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، ثم نتيجة هذا الربط بأن خبر الآحاد من أكذب الحديث ولا يغنى من الحق شيئاً هذا الربط ونتيجته
ضلال مبين0

يقول المستشار سالم البهنساوى : “وأعظم من ذلك تلقين أكثر مدرسى الفقه الإسلامى بالجامعات الإسلامية هذه الظنية فى نفوس
الطلاب دون بيان حقيقة المراد بهذه الكلمة، مما يسر اقتناع الطلاب بالتيارات الإلحادية المنحرفة التى تشكك فى حجية السنة، أو ترد بعض
الأحاديث الصحيحة فى العقائد أو المعاملات أو غير ذلك بحجة أن الحديث آحاد، والآحاد يفيد الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئاً، ومن ثم
تصبح هذه الأقوال جناية ضد السنة النبوية، لأنها خلت من بيان المقصود من هذه الظنية، وأنه لا أثر لها على حجية السنة، ووجوب العمل بها،
فى العبادات والمعاملات والحدود … إلخ( )0

إن الظن الوارد فى هذه الآيات غير الظن الذى يتحدث عنه أهل الكلام، غير الظن الذى وصف به خبر الآحاد على لسان أئمة
المسلمين من الفقهاء، والمحدثين، والأصوليين0 وبالتالى من الخطأ البين حصر معنى الظن فيما استدلوا به0
وإليك المراد بحقيقة هذه الكلمة عند علماء الأمة0

التعريـف بالظـن لغـة واصطلاحـاً :
قال الفيروزابادى : “الظن التردد الراجح بين طرفى الاعتقاد غير الجازم( )، قال الأستاذ محمد رشيد رضا : وهو تعريف مأخوذ
من اصطلاح علماء المعقول كالمناطقة والفلاسفة( )، ومثله قول الجرجانى : الظن الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، وقيل الظن أحد طرفى
الشك بصفة الرجحان، ويستعمل فى اليقين والشك( )، وعلى هذا صار أهل الأصول فى تعريفهم للظن( )0

فمن استعمالاته فى اليقين قوله تعالى:قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ( ) وقال
تعالى : وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ( )0 ويطلق اليقين على الظن كما فى قوله تعالى:فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ( ) أى ظننتموهن0

“وليس معنى ذلك أن كل يقين ظن، وإنما المراد أن الظن على مراتب، منها ما يرادف اليقين، ومنها ما هو دونه فبينهما العموم والخصوص
بإطلاق”( )0
فخبر الآحاد وإن كان ظنياً “بمعنى احتمال الخطا والوهم والكذب على الراوى” فإن هذا الاحتمال بعد التثبت والتأكد من عدالة
الراوى، ومقابلة روايته بروايات أقرانه من المحدثين، يصبح الاحتمال بخطأه ووهمه – ضعيفاً – فيفيد الخبر العلم اليقينى، ولا سيما إذا
احتفت به قرينة من القرائن السابق تفصيلها0

وحتى مع القول بأن خبر الواحد يفيد الظن الراجح بصدق الخبر، فإن هذا الظن يستند إلى أصل قطعى وهو القرآن الكريم0

يقول الشاطبى : “وهذه هى الظنون المعمول بها فى الشريعة أينما وقعت، لأنها استندت إلى أصل معلوم، فهى من قبيل المعلوم جنسه … فعلى
كل تقدير : خبر واحد صح سنده فلابد من استناده إلى أصل فى الشريعة قطعى، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقاً، كما أن ظنون الكفار غير
مستندة إلى شئ فلابد من ردها( )0

يقول الدكتور السباعى : ثم إن الشرع الحنيف قد جاء بتخصيص القطعى بظنى، كما فى الشهادة على القتل والمال باثنين، مع أن
حرمة المال والدم مقطوع بهما، وقد قبلت فيهما شهادة الاثنين وهى ظنية( )0

أما قياسهم الرواية على الشهادة فى اعتبار العدد بحجة أن الرواية شرع عام والشهادة شرع خاص ولم يقبل فيها رواية الواحد، فلأن لا تقبل
فى حق كل الأمة من باب أولى0

هذا الكلام منقوض بسائر الأمور التى هى معتبرة فى الشهادة لا فى الرواية كالحرية، والذكورية والبصر، وعدم القرابة”( )، وقد حرر الحافظ
السيوطى فى التدريب الفرق بين الرواية والشهادة فيما يقرب من إحدى وعشرين فرقاً، فانظرها؛ فإنها مهمة( )0
ثم إن القول بظنية سنة الآحاد لا تنطبق على جميع السنة، بل على ما كان منها ضعيفاً أو الأحاديث التى حدث كلام فى صحتها،
لاسيما وقد ذهب المحققون من أهل الحديث والأصول، والفقه، إلى إفادة الخبر العلم فيما تلقته الأمة بالقبول كأحاديث الصحيحين أو ما
احتفت به قرينة من القرائن الخارجية السابق ذكرها0

وكذلك فإن الحكم على كون الدليل قطعياً أو ظنياً من الأمور النسبية : يقول ابن قيم الجوزية : “كون الدليل من الأمور الظنية أو
القطعية أمر نسبى يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل فى نفسه، فهذا أمر لا ينازعه فيه عاقل، فقد يكون قطعياً عند زيد، ما
هو ظنى عند عمرو، فقولهم إن أخبار رسول الله  الصحيحة المتلقاة بين الأمة بالقبول لا تفيد العلم، بل هى ظنية هو إخبار عما عندهم، إذ لم
يحصل لهم من الطرق التى استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم( )0 ولمعرفتهم بذلك فالكلمة الفصل والأخيرة فى المسألة لهم ولا تعويل
على غيرهم كالمتكلمين0

ويقول الدكتور صالح أحمد رضا :”وأين الدليل على أن الله  منعنا بالعمل بالظن، وأمرنا دائماً وأبداً باليقين؟
إن الله تعالى لم يطالبنا إلا بالظن الذى يغلب صدقه، أما الوصول إلى اليقين القاطع الذى ليس معه أى احتمال، فهذا لا يطلب من الإنسان المسلم،
إذ ليس فى مقدوره أن يصل إلى اليقين، ولهذا عندما تكلم العلماء عن القرآن الكريم قالوا : إن بعضه قطعى الثبوت قطعى الدلالة، وبعضه
قطعى الثبوت ظنى الدلالة، وقد قال تعالى فى محكم كتابه : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ( ) فالراسخون فى العلم هم الذين يعودون بالمتشابه إلى المحكم، ويفهمون بذلك الجميع، ومن يطلع على
علم أصول الفقه يتبين الفروق بين العموم والخصوص، ودلالات الألفاظ على المعانى ودرجة تلك الدلالة مما جرى فيه اختلاف العلماء فى كل
زمان، وفهمهم من كتاب الله تعالى، مما يدل على أننا لسنا متعبدين باليقين … 0
فقد أوجب الله تعالى علينا قبول قول شاهدين والعمل بمقتضى شهادتها فى إثبات الحقوق، والدماء، ولا شك أن خبر الشاهدين هو خبر آحاد
ومع ذلك فخبرهما معتبر شرعاً( )0
أما ما استدلوا به من الأخبار والآثار المرفوعة والموقوفة على عدم حجية خبر الواحد فهو أيضاً حجة عليهم لا لهم0

لأن الأخبار والآثار السابقة قبلها من توقف فيها، بموافقة راوى آخر، ولم تبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرجت عن رتبة الآحاد0
فانضمام أبى بكر وعمر وغيرهما، مع خبر ذى اليدين عمل بخبر آحاد0

وكذلك الحال فى قصة أبى بكر وعمر، فانضمام محمد بن مسلمة إلى المغيرة بن شعبة لم يجعل حديث الجدة ينتقل من خبر آحاد إلى خبر
متواتر0

وكذلك انضمام أبى سعيد الخدرى إلى أبى موسى الأشعرى  لم ينقل الحديث إلى رتبة التواتر0

قال الإمام الآمدى : “فعلم من ذلك أن ما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه لم يكن لعدم حجية خبر الآحاد عندهم، وإنما كان لأمور
اقتضت ذلك من وجود معارض، أو فوات شرط؛ لا لعدم الاحتجاج بها فى جنسها، مع كونهم متفقين على العمل بها، ولهذا أجمعنا على أن
ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها والتوقف فيها لأمور خارجة عنها( )0
1- فتوقف النبى  فى خبر ذى اليدين لتوهم غلطه لانفراده بذلك السؤال دون من صلى معه ، مع كثرتهم، فاستبعد الرسول  حفظه دونهم،
فحيث وافقه الباقون على ذلك، ارتفع توهم غلط ذى اليدين، وعمل بموجب خبره، فلم يلزم من ذلك رد خبر الواحد مطلقاً”( )0

وهذه كتب الآثار طافحة بأمثلة عديدة تؤيد اعتبار الرسول  لخبر الواحد حجة فقد “بعث رسله واحداً واحداً إلى الملوك، ووفد عليه
الآحاد من القبائل فأرسلهم إلى قبائلهم، وكانت الحجة قائمة بإخبارهم عنه  مع عدم اشتراط التعدد( )0
وهو القائل  : “نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع”( )0

2- وقل مثل ذلك فى قصة أبى بكر وعمر – رضى الله عنهما – فتوقف أبى بكر فى خبر المغيرة بن شعبة فى ميراث الجدة0 هذا
ليس منه مطرداً، فهو يريد مزيداً من التثبت والتحوط لا اتهاماً للمغيرة باعتباره راوياً فرداً، ولا طعناً فى حجية خبر الواحد0

بدليل أنه قبل خبر عائشة وحدها فى أن النبى  مات يوم الاثنين وقبل أيضاً خبرها وحدها فى قدر كفن النبى  فعن عائشة – رضى الله عنها
– قالت : “دخلت على أبى بكر  فقال : فى كم كفنتم النبى ؟ قالت : فى ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص، ولا عمامة، وقال لها فى
أى يوم توفى رسول الله ؟ قالت يوم الاثنين0 قال : فأى يوم هذا؟ قالت يوم الاثنين0 قال : أرجوا فيما بينى وبين الليل … الحديث”( )0
3- وأما قصة عمر  وتوقفه فى خبر أبى موسى فى الاستئذان، فإن أبا موسى أخبره بذلك الحديث عقب إنكاره عليه رجوعه بعد الثلاث،
وتوعده، فأراد التثبت خشية أن يكون دافع بذلك عن نفسه( )0 يدل على ذلك ما جاء فى إحدى طرق الحديث أن أبى ابن كعب قال لعمر:”
سمعت رسول الله  يقول ذلك يا ابن الخطاب! فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله قال سبحان الله!إنما سمعت شيئاً0 فأحببت أن أتثبت”(
)0

وفى رواية:”والله إن كنت لأمينا على حديث رسول الله ، ولكن أحببت أن أتثبت( )،وفى رواية:”أما إنى لم أتهمك0ولكن خشيت أن
يتقوَّل الناس على رسول الله ( )

وقد قبل عمر  أخبار آحاد كثيرة دون توقف0
1- فقد قبل خبر عبد الرحمن بن عوف وحده فى أخذ الجزية من المجوس0 فيما روى عنه  أنه ذكر المجوس،فقال : ما أدرى كيف
أصنع فى أمرهم0 فقال : عبد الرحمن ابن عوف : أشهد لسمعت رسول الله  يقول : “سنوا بهم سنة أهل الكتـاب”( )0
2- ومر قبوله خبر الضحك بن سفيان فى توريث امرأة أشيـم مـن ديـة زوجهـا( )0
2- ومر حديث تناوبه هو وجار له من الأنصار فى سماع الوحى( )0 أ0هـ والله أعلم0

أدلـة حجيـة خبـر الآحـاد

سبق وأن ذكرنا أن علماء المسلمين من أهل الحديث، وأئمة الفقه، وأصحاب الأصول – فى القديم والحديث – اهتموا بهذه
المسألة وكتبوا فيها أبواباً مطولة وفصولاً مطنبة، وفصلوا فيها الأدلة المستمدة من القرآن، والسنة، وعمل الصحابة، والتابعين، على حجية
خبر الآحاد ووجوب العمل به0

وخلاصة القول فى هذه الأدلة مسلكين على ما اختاره القاضى البيضاوى وعصبته كإمام الحرمين، والغزالى، والسبكى وولده، وفخر الدين
الرازى، وغيرهم0
1- المسلك الأول : يستند إلى أمر متواتر،لا يتمارى فيه إلا جاحد، ولا يدرؤه إلا معاند، وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول  كان
يرسل الرسل، ويحملهم تبليغ الأحكام، وتفاصيل الحلال والحرام،وربما كان يصحبهم الكتب،وكان نقلهم أوامر رسول الله  على سبيل الآحاد، ولم
تكن العصمة لازمة لهم، فكان خبرهم فى مظنة الظنون، وجرى هذا مقطوعاً به، متواتراً لا اندفاع له، إلا بدفع التواتر، ولا يدفع المتواتر إلا
مباهت( )0
إلا أن المعترضين على قبول خبر الواحد قد أثاروا شبهة حول هذا المسلك وذلك بقولهم : “إن إرسالهم “أى الرسل والمبعوثون”
إنما كان لقبض الزكاة والفتيا ونحو ذلك”( )0

وقد تولى الإجابة عن هذه الشبهة الحافظ ابن حجر فبين أن هذا الاعتراض “مكابرة” لأن العلم حاصل بأن إرسال الأمراء كان لأعم
من قبض الزكاة، وإبلاغ الأحكام، وغير ذلك، ولو لم يشتهر من ذلك إلا تأمير معاذ بن جبل  وقوله له : “إنك تقدم على قوم أهل كتاب0 فليكن
أول ما تدعوهم إليه عبادة الله  فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات فىيومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله قد
فرض عليهم زكاة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أَطَاعُوا بها، فخذ منهم وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ( )0 لو لم يكن إلا هذا الحديث لكان
فيه الغناء0
مع العلم أن “الأخبار طافحة بأن أهل كل بلد منهم، كانوا يتحاكمون إلى الذى أمر عليهم، ويقبلون خبره، ويعتمدون عليه من غير التـفات إلى
قرينة”( )0

وقديماً استدل الإمام الشافعى بهذا المسلك فى الرسالة فقال : “بعث رسول الله  سراياه وعلى كل سرية واحد، وبعث رسله إلى
الملوك إلى كل ملك واحداً، ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهى فلم يكن أحد من ولاته يترك إنفاذ أمره، وكذا كان الخلفاء من بعده( )0
وبهذا المسلك أيضاً استدل الإمام البخارى فى صحيحه فى كتاب إخبار الآحاد باب ما كان يبعث النبى  من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد( )0
وقال ابن عباس : بعث النبى  دحية الكلبى( ) بكتابه إلى عظيم بصرى أن يدفعه إلى قيصر( )0

والأمثلة على أمراء السرايا والبعوث، وأمراء البلاد، ورسله إلى الملوك، كتب السير والتاريخ، ودواوين السنة زاخرة بها( )0

2- المسلك الثانى : إجماع الصحابة  على قبول خبر الواحد، وذلك فى وقائع شتى لا تنحصر، وآحادها إن لم تتواتر فالمجموع منها
متواتر، ولو أردنا استيعابها لطالت الأنفاس وانتهى القرطاس، فلا وجه لتعدادها إذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها وهو رجوع الصحابة
إلى خبر الواحد إذا نزلت بهم المعضلات، واستكشافهم عن أخبار النبى  عند وقوع الحادثات، وإذا روى لهم تسرعوا إلى العمل به( )، فهذا ما
لا سبيل إلى جحده ولا إلى حصر الأمر فيه( )0

وعلى ما أجمع عليه الصحابة  “أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت حجية خبر الواحد، والانتهاء إليه فى وجوب العمل
به”( )0

وفى كتاب الله ، أدلة لا حصر لها تدل على : صحة المسلكين السابقين0 ففى القرآن الكريم قال تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ ( )0 وقال : وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ( )0 وقال : وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا( )0 وقال تعالى لنبيه محمد  : إنا إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا
أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ ( )0 وقال  وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( )0 فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر
إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة، لتعذر خطاب جميع الناس شفاها، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم، وهو مسلك جيد( )، ينضم إلى المسلكين
السابقين وبه قال الإمام الشافعى فى الرسالة( )0

وقال الإمام الشافعى بعد ذكره قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ(13)إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا
بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ( )0 قال : فظاهر الحجج عليهم باثنين ثم ثالث، وكذا أقام الحجة على الأمم بواحد، وليس الزيادة فى التأكيد
مانعة أن تقوم الحجة بالواحد إذ أعطاه الله ما يُباين به الخلق غير النبيين”( )0
وبالجملة فكل خبر واحد فى القرآن الكريم، وفى السنة المطهرة، يشهد بحجية خبر الواحد ووجوب العمل به( ) أ0هـ0
والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

ويقول الإمام ابن قيم الجوزية : “الذين قالوا لا يحتج بخبر الواحد فى العقائد من التوحيد، والصفات الإلهية، والبعث قالوا : الأخبار قسمان
متواتر وآحاد، فالمتواتر وإن كان قطعى السند لكنه غير قطعى الدلالة، فإن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين، وبهذا قدحوا فى دلالة القرآن على
الصفات وقالوا : الآحاد لا تفيد العلم، ولا يحتج بها من جهة طريقها، ولا من جهة متنها0 فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه
وصفاته، وأفعاله من جهة الرسول 0 وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية، وبراهين نقلية، وهى فى
التحقيق كما قال الله تعالى : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
( )0

إن هذه التفرقة بين العقائد والأحكام فى العمل بخبر الآحاد، لا تعرف عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولا من تابعهم، ولا عن
أحد من أئمة الإسلام، وإنما يعرف عن رءوس أهل البدع ومن تبعهم”( )0

ومما هو جدير بالذكر هنا أن بعض الحنفية ممن قال بهذا الشرط نقضه بنفسه بقبوله الآثار المروية فى عذاب القبر ونحوها، لأن
بعضها مشهور، وبعضها آحاد أيضاً كما يصرح السرخسى بقوله : “فأما الآثار المروية فى عذاب القبر ونحوها فبعضها مشهور، وبعضها آحاد
وهى توجب عقد القلب عليه”( )0

ونفس الشئ وقع فيه المعتزلة يقول القاضى عبد الجبار : “فإن قال : أفتجوزون ما ورد فى الأخبار من عذاب القبر، ومنكر ونكير،
والمساءلة، والمحاسبة، والميزان، والصراط، وغير ذلك؟ قيل له نعم، نؤمن بجميع ذلك على الوجه الذى نجوز له لا على ما يظنه الحشو
من أنه يعذبهم وهم موتى فى قبورهم، ولا كما تقوله المجبره من أنه لا أصل لعذاب القبر، وقد تظاهرت الأخبار بذلك، ولا يمتنع أن يتولى ذلك
من يلقب من الملائكة بمنكر ونكير، ليكون أعظم فى التعذيب، وكذلك المسألة، والمحاسبة، وغير ذلك … فنحن نؤمن بما جاء فى ذلك من
الأخبار، ولا خلاف بين الأمة فى ذلك”( )0
فهلا آمن أهل الزيغ والهوى بما آمن به من استدلوا بشرطهم( )؟!
أم كفاهم شرطهم ليكون وسيلة لهم للتشكيك فى حجية خبر الآحاد فى العقائد ؟!!0

سادساً : أما شرطهم لصحة قبول خبر الواحد بألا يثبت به حكم شرعى من فرض أو تحريم0 فيقول رداً على ذلك الإمام ابن قيم الجوزية
بقوله : “إن خبر الواحد لو لم يفد العلم لم يثبت به الصحابة التحليل والتحريم، والإباحة، والفروض، ويجعل ذلك ديناً يدان به فى الأرض إلى
آخر الدهر0 فهذا الصديق  زاد فى الفروض التى فى القرآن فرض الجدة، وجعله شريعة مستمرة إلى يوم القيامة، بخبر محمد ابن مسلمة
والمغيرة بن شعبة فقط، وجعل حكم ذلك الخبر فى إثبات هذا الفرض حكم نص القرآن فى إثبات فرض الأم، ثم اتفق الصحابة والمسلمون بعدهم
على إثباته بخبر الواحد … وأثبت عمر بن الخطاب ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان الكلابى وحده، وصار ذلك شرعاً
مستمراً إلى يوم القيامة وأثبت شريعة عامة فى حق المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف وحده( )0
وهذا أكثر من أن يذكر، بل هو إجماع معلوم منهم، ولا يقال على هذا إنما يدل على العمل بخبر الواحد فى الظنيات، ونحن لا ننكر
ذلك لأنا قد قدمنا أنهم أجمعوا على حجيته والعمل بموجبه، ولو جاز أن يكون خبر الواحد كذباً أو غلطاً فى نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة على
قبول الخطأ والعمل به وهذا قدح فى الدين والأمة( )0

سابعاً : ما ذهب إليه البعض من إسقاط الشرعية من خبر الآحاد فى المجال الدستورى والسياسى :
فيقول رداً على ذلك المستشار الدكتور على جريشة : (أسقط البعض الشرعية) عن أحاديث الآحاد فى المجال الدستورى،فقال إنها لا تصلح
مصدراً لهذا اللون من الأحكام( )،ومن قبل هذا رفض الخوارج والمعتزلة العمل بها، ولقد كانت حجة ذلك البعض القول بأهمية الأحكام
الدستورية،وعلى الجانب الآخر عدم يقينية أحاديث الآحاد،وعدم شهرتها، الذى استدلوا منه على عدم صحتها، ثم مسلك بعض الصحابة منها إذ
اشترطوا اليمين أو رواياً آخر0

وفى رد هادئ على هؤلاء نقول بعون الله : إن الأحكام الدستورية ليست إلا فرعاً من فروع القانون العام، إلى جواره فروع أخرى فى ذلك
القسم من القانون، ثم قسم آخر بفروعه هو قسم القانون الخاص0 ونحن لا نوهن من أهمية الأحكام الدستورية … ولكننا فى الوقت نفسه لا
نرتفع بها فوق أحكام السنة فى جزءها الأكبر (أحاديث الآحاد)0

وما نرى الأحكام الدستورية إلا جزءاً من الأحكام العملية التى اتفق الفقهاء فى المذاهب الأربعة على العمل بأحاديث الآحاد فيها0

ولئن كانت الأحكام الدستورية تقابل فى اصطلاحاتنا الفقهية مباحث الإمامة، فإن مباحث الإمامة عند الفقهاء من أهل السنة ليست سوى أحكام
فروع لا ترتفع إلى مرتبة الأصول … ولم يفعل ذلك إلا الغلاة من الشيعة؟

أما اشتراط اليقينية … فلم يشترطها أحد من الفقهاء فى أحكام الفروع وإن اشترطتها الأكثرية فى مجال الاعتقاد باعتباره مبنياً على اليقين0
أما القول بأن عدم شهرة أحاديث الآحاد دليل عدم صحتها، فإنه لا ارتباط بين الشهرة والصحة، كما أنه لا ارتباط بين الحق
والواقع، فقد يكون الحق واقعاً وقد يكون غير واقع، كما قد يكون الواقع حقاً، وقد يكون غير حق … كذلك قد يكون المشهور صحيحاً أو
غير صحيح، وقد يكون الصحيح مشهوراً أو غير مشهور0

أما مسلك بعض الصحابة منها فقد قدمنا أن أحداً منهم لم يرفض حديث آحاد ما دام صحيحاً، أما ما اشترطوه من حلف أو راو آخر فقد قدمنا
أنه لا يخرج الحديث عن مرتبة الآحاد( ) أ0هـ0
ولم يقف خصوم السنة المطهرة فى عصرنا على ما اشترطه المعتزلة ومن تأثر بهم من بعض فقهاء الأحناف0

فلم يكتفوا فى شروطهم لقبول خبر الواحد بعرضه على القرآن الكريم، ولا إلى عرضه على العقل، ولا ما سبق من الشروط، وإنما اشترطوا
أيضاً لقبول خبر الواحد عرضه على العلم التجريبى فما وافقه قبل وإلا فلا( )0

واشترطوا عرضه على التوراة والإنجيل، والفلسفات الحديثة فما خالفهم قبل وإلا فلا، وزعموا أنه من الإسرائيليات( )0

أما ما اشترطوه من عرض السنة النبوية على العهد القديم والجديد فما وافقهما كان دليلاً على أنه من الإسرائليات0
فيقول رداً على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة -رحمه الله- : “ليس من الإنصاف فى شئ أن نقول : إن ما وجد فى الدين الإسلامى، ووجد فى
اليهودية أو النصرانية أن يكون مأخوذاً منها، فقد توافق القرآن الكريم الذى لا شك فى تواتره، وصونه عن أى تحريف، والتوراة والأنجيل فى
بعض التشريعات، والأخلاقيات والقصص، فهل معنى هذا أنه مأخوذ منها؟ أعتقد أن الجواب بالنفى0

ومما ينبغى أن يعلم أن الشرائع السماوية مردها إلى الله سبحانه، وأن العقائد، والفضائل الثابتة، والضروريات التى لا تختلف
باختلاف الأزمان، ولا باختلاف الرسالات أمور مقررة فى كل دين0 وصدق الله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ( ) لكن هذه الأصول، والفضائل، والأخلاقيات، والضروريات جاءت فى
الدين الاسلامى أوفى ما تكون وأكمل ما تكون، وأصلح ما تكون، لكل زمان ومكان0 ولما كان الأمر كذلك فليس فى العقل، ولا فى الشرع ما
يمنع أن تتوافق فى بعض التشريعات، وفى بعض الأخلاقيات، وما حرف من : الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه0 وقد كان القرآن
الكريم- بحكم أنه سلم من التحريف والتبديل، وتوافرت الدواعى والأسباب لوصوله إلى الأمة الإسلامية كما أنزله الله تبارك وتعالى0 مهيمناً
أى شاهداً على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل قال تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ( ) أ هـ0
ومن الأحاديث التى زعم أعداء السنة المطهرة أنها من الإسرائيليات لموافقتها ما عند أهل الكتاب0 حديث “النيل وسيحان وجيحان
والفرات من أنهار الجنة”0

قال محمود أبو ريه : “روى هذا الحديث أبو هريرة، وقد أخذه من كعب الأحبار، القائل : “أربعة أنهار الجنة، وصفها الله  فى الدنيا، النيل نهر
العسل فى الجنة، والفرات نهر الخمر فى الجنة، وسيحان نهر الماء فى الجنة، وجيحان نهر اللبن فى الجنة”( )0
واستدل نيازى عز الدين بما استدل به محموداً أبو ريه : وقال نيازى : “لنسمع التوراة ماذا تقول فى “سفر التكوين”، الإصحاح
الثانى الفقرات من 10 – 14 وكان نهر يخرج من عدن يسقى الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس اسم الواحد (فيشون) وهو المحيط
بأرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد”0

يقول نيازى عز الدين عن حديث “النيل، وسيحان، وجيحان، والفرات، من أنهار الجنة”، وأسلوب الحديث كما تلاحظون تواترياً
وهذا ما قصدت إليه، وهكذا فإن معرفة كتب أهل الكتاب ضرورية من أجل نقد الأحاديث كما رأيتم( )0

والجـواب :
إن الحديث الذى رواه أبو هريرة : صحيح غاية الصحة، وهو فى صحيح مسلم بلفظ: “سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل كلها من
أنهار الجنة”( )0 وفى الحديث الصحيح أيضاً؛ أنه  “رأى ليلة المعراج عند سدرة المنتهى أربعة أنهار، يخرج من أصلها نهران ظاهران،
ونهران باطنان، فقلت : يا جبريل إما هذه الأنهار؟ قال أما النهران الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات”( )0

وفى رواية : “بينما رسول الله  فى السماء الدنيا إذ بنهرين يطردان، فقال : “ما هذان يا جبريل؟ قال : هذا النيل والفرات
عنصرهما”( )0

والحديث ليس على حقيقته كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وإنما الكلام على سبيل التشبيه، وأن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة فى صفتها
وعذوبتها، وكثرة خيراتها ونفعها للناس، وهو تأويل مقبول ومستساغ لغة وشرعاً ومن تتبع كلام العرب فى الجاهلية، وصدر الإسلام يجد من
أمثال ذلك الشئ الكثير( )0

وقيل : إن فى الكلام حذفاً، والتقدير “من أنهار أهل الجنة” ففيه تبشير من النبى  أن الله سينجز له وعده، وسينصره، وسيظهر له دينه على
الأديان كلها حتى يبلغ مواطن هذه الأنهار الأربعة وغيرها – إذ ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر – وهذا ما كان فلم يمضى قرن من الزمان
حتى امتد سلطان الإسلام من المحيط الأطلسى إلى بلاد الهند( )0

وذهب بعض العلماء إلى أن الحديث على ظاهره وفى ذلك يقول الحافظ ابن دحية: “قرأت فى تفسير القرآن العظيم، عند قول الله الكريم وَأَنْزَلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ( ) أنهما النيل والفرات، أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح
جبريل، فأودعهما بطون الجبال، ثم إن الله سيرفعهما ويذهب بهما عند رفع القرآن، وذهاب الإيمان، فلا يبقى على الأرض خير، وذلك قوله جل
من قائل : فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ( )0 ذكره النحاس فى “معانى القرآن العزيز” له بأتم من هذا، وأسنده فاختصرته( )0

وقال الحافظ ابن دحية : “فإن قيل كيف طريق الجمع بين رواية إن النيل والفرات عند سدرة المنتهى أصلهما فى السماء السابعة،
ورواية أنهما فى السماء الدنيا لذكره عنصرهما، وهو أصلهما0
قلنا طريق الجمع بين الحديثين أن رسول الله  رأى فى أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسأل عنهما جبريل
فقال : “أما الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات”0

ثم فى حديث شريك عن أنس عن النبى  “فإذا هو فى السماء الدنيا بنهرين يطردان”، فقال : ما هذان النهران يا جبريل؟ قال :
هذا النيل والفرات، عنصرهما0

ولنا فى التأويل وجهان سديدان :
إحداهما : أن يكون محمولاً على ظاهره، ويكون معناه أنه لما رأى عند سدرة المنتهى هذين النهرين مع نهرى الجنة، وذلك فى
السماء السابعة، ورأى فى السماء الدنيا هذين النهرين دون نهرى الجنة، كان لاختصاصهما بسماء الدنيا معنى، سمى ذلك الاختصاص عنصراً،
ولا يمتنع أن يكون لجميع الأربعة الأنهر أصل واحد هو عند سدرة المنتهى، ثم يكون لاختصاص هذين النهرين بسماء الدنيا أصل من حيث
الاختصاص وهو الامتياز لهما دون نهرى الجنة، سمى ذلك الامتياز والاختصاص عُنْصُراً، أى عنصر امتيازهما، واختصاصهما، فهذا وجه
سديد0

والوجه الثانى : أن يكون عنصرهما مبتدأ يتعلق به خبر سابق، لم يتقدم له ذكر من حيث اللفظ، لكن من حيث العهد، ويكون
معناه : هذا النيل والفرات، فيتم الكلام، ثم يكون عنصرهما ما كنت رأيت عند سدرة المنتهى يا محمد، فاكتفى بالعهد السابق عن إعادة الكلام0
وهذا وجه سديداً أيضاً0
وقد صح الجمع بين الحديثين، فلم يتعارضا، ولم يتنافيا، ولم يتناقضا0

وأما قوله  : فى صحيح مسلم “سيحان، وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة”، فأسنده الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة قال : قال
رسول الله  : “فجرت أربع أنهار من الجنة : الفرات، والنيل، وسيحان وجيحان”( )0

قال الحافظ ابن دحية : “وسند أحمد كالشمس فى صحته”( )، وزيادة لفظ “فجرت” وهو مفيد0
والكلام على معنى هذا الحديث يأخذ طرفاً مما تقدم، وهو أن هذه الأنهار لها مزية تشريف على سائر الأنهار التى بالأرض، وذلك
التشريف هو كونها فى الجنة، على معنى أنها فجرت منها، كما نص عليه فى حديث أحمد ثم ينتقل الكلام إلى كونها بالأرض جارية، ولا بعد
فى ذلك، فإن الأنهار المذكورة إذا كان تفجيرها من الجنة، والجنة فى السماء كما قال تعالى : عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى( )0 وقوله تعالى : أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ ( )0 على مذهب أهل الحق فى أن الجنة مخلوقة، وأنها لا تبيد من بين سائر المخلوقات0

هذا قول جميع العلماء فى الجنة والنار، وأنهما لا تبيدان، ولم يخالف فى ذلك سوى طائفة من أهل البدع والأشرار0
فتكون الأنهار المذكورة من الجنة تفجرت، أى جرى أصلها؛ لأن التفجير يليق بهذا المعنى، ومنه سمى “الفجر” لأنبثاث النور الساطع0 كذلك هذه
الأنهار لما كان لها أنبثاث وجريان سمى تفجيراً،وإليه الإشارة بقوله:”من الجنة”أى كان هذا التفجير فى الأصل من الجنة، ثم انبثت فى الأرض
فهذا ما يحمل عليه هذا المعنى ولا معارضة فيه، لما تقدم”( ) أ0هـ0

وأما ما ذكره محمود أبو رية عن كعب الأحبار؛ فقد عزاه إلى نهاية الأرب، وهو لا يعتمد عليه فى ثبوت الأحاديث، وكلامه وإن
ثبت؛ فهو محمول أيضاً على التشبيه، وبقليل من التأمل يتبين لنا أن إدعاء تأثر أبى هريرة فيما رواه بكعب بعيد، ولا يعدو أن يكون تظناً
وتخميناً، فالحديثان متغايران والأقرب أن يكون كلام كعب تفسيراً لحديث أبى هريرة على ضوء ما فهمه من قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ
الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ
الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ( )0

وأما ما زعمه نيازى عز الدين من ورود ذلك الحديث فى التوراة فى “سفر التكوين”؛ فقد سبق وأن بينا أنه ليس فى العقل، ولا
فى الشرع ما يمنع أن تتوافق فى بعض التشريعات، وما حرف ما الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه، والقرآن الكريم بحكم أنه سلم من
التحريف، والتبديل، هو المهيمن على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها؛ فهو حق، وما خالفه فهو باطل، وليس العكس كما يزعم
أعداء السنة الشريفة0

يقول فضيلة الدكتور أبو شهبة : “وأياً كان التأويل فالحديث مستساغ لغة وشرعاً، وقد كان الصحابة بذكائهم، وصفاء نفوسهم،
وإحاطتهم بالظروف والملابسات التى قيل فيها هذا الحديث وأمثاله، يدركون ما يريده النبى  من مثل هذا الحديث الذى قد يشكل ظاهره على
البعض، ولذلك لم يؤثر عن أحد منهم – على ما كانوا عليه من حرية الرأى والصراحة فى القول – استشكال مثل هذا الحديث( ) أ0هـ0
وبعـد
[فإن خبر الآحاد متى ثبت على شرط المحدثين،صار أصلاً من أصول الدين،ولا يحتاج عرضه إلى أصل آخر، لأنه إن وافقه فذاك، وإن
خالفه لم يجز رد أحدهما، وليس سائر الأصول أولى بالقبول منه، ولا يجوز أن تتنافى أصول الدين، حاشا لله من هذا0]( ) أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

الفصــــل الثالـــث

وسيلتهم فى الطعن فى رواة السنة المطهـــرة

وتحته مبحثان :
1- المبحث الأول : طعنهم فى عدالة الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-0
2- المبحث الثانى : طعنهم فى عدالة أهل السنة من المحدثين والفقهاء الأصوليين وسائر أئمة المسلمين –رضوان الله عليهم أجمعين-0

المبحـث الأول
طعنهـم فـى عدالـة الصحابـة 

وفيه تمهيد وستة مطالب :
التمهيد ويتضمن :
أ- هـدف أعـداء الإسلام مـن طعنهـم فـى الصحابـة 0
ب- وحكم أئمة المسلمين فيمن ينتقص صحابة رسول الله  0
المطلب الأول : التعريف بالصحابة لغة واصطلاحاً0
المطلب الثانى : التعريف بالعدالة لغة واصطلاحـاً0
المطلب الثالث : أدلــة عدالـــة الصحابــة0
المطلب الرابع : شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها0
المطلب الخامس : سنة الصحابـة  حجـة شرعيـة0
المطلب السادس : أبو هريرة  راوية الإسلام رغم أنف الحاقدين0

تمهيــد

وفيه هدف أعداء الإسلام من طعنهم فى الصحابة  ، وحكم أئمة المسلمين فيمن ينتقص صحابة رسول الله 0

أولاً : هدف أعداء الإسلام من طعنهم فى صحابة رسول الله  :
الطعن فى عدالة رواة السنة من صحابة رسول الله ، والتابعين فمن بعدهم إلى الأئمة أصحاب المصنفات الحديثية، من وسائل
أعداء الإسلام- من غلاة المبتدعة الرافضة، والخوارج، والمعتزلة، والزنادقة( )- فى الطعن فى السنة المطهرة0

وغرضهم من ذلك تحطيم الوسيلة التى وصلت السنة النبوية بها، وإذا تحطمت الوسيلة يصبح الأصل معتمداً على لا شئ فيصبح لا
شئ0

وقديماً صرح بذلك أحد الزنادقة فيما رواه الخطيب البغدادى فى تاريخه عن أبى داود السجستانى قال : “لماء جاء الرشيد بشاكر – رأس الزنادقة
ليضرب عنقه- قال : أخبرنى، لم تعلِّمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض – أى الطعن فى الصحابة-؟ قال : إنا نريد الطعن على الناقلة،
فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نبطل المنقول”( )0

وبذلك صرح ذيل (شاكر) محمود أبو ريه فى كتابه أضواء على السنة قائلاً : “إن عدالة الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة بما
يروون، وما رووه قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء، وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل الداء”( )0

ثانياً : حكم أئمة المسلمين فيمن ينتقص صحابة رسول الله  :
وما أصدق قول الإمام الحافظ أبى زُرْعة الرازى( ) -رحمه الله- : “إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ، فاعلم
أنه زنديق، وذلك أن الرسول  عندنا حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن، والسنن، أصحاب رسول الله ، وإنما
يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة”( )0
وعن عبد الله بن مصعب( ) قال : قال المهدى : ما تقول فيمن ينتقص الصحابة؟ فقلت زنادقة، لأنهم ما استطاعوا أن يصرحوا
بنقص رسول الله  فتنقصوا أصحابه، فكأنهم قالوا : كان يصحب صحابة السوء) ( )0

وصدق شمس الأئمة السرخسى : “الشريعة إنما بلغتنا بنقلهم فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام دواؤه السيف إن لم يتب”(
)0
نعم إن الصحابة  “هم حجر الزاوية فى بناء الأمة المسلمة، عنهم قبل غيرهم تلقت الأمة كتاب الله ، وسنة رسوله  فالغض من شأنهم
والتحقير لهم، بل النظر إليهم بالعين المجردة من الاعتبار، لا يتفق والمركز السامى الذى تبوءوه، ولا يوائم المهمة الكبرى التى انتدبوا لها
ونهضوا بها0

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: