مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 10-14

كما أن الطعن فيهم والتجريح لهم، يزلزل بناء الإسلام، ويقوض دعائم الشريعة، ويشكك فى صحة القرآن، ويضيع الثقة بسنة سيد الأنام! لذلك
عنى علماء الإسلام قديماً وحديثاً بالدفاع عن عدالة الصحابة، لأنه -كما رأيت- دفاع عن الإسلام، ولم يكن ذلك الدفاع نزوة هوى، ولا عصبية
بل كان نتيجة لدراسات تحليلية، وأبحاث تاريخية، وتحقيقات بارعة واسعة، أحصتهم عدداً، ونقدتهم فرداً فرداً، وعرضتهم على أدق موازين
الرجال مما تباهى به الأمة الإسلامية كافة الأمم والأجيال0وبعد هذا التحقيق والتدقيق، خرج الصحابة  من بوتقة هذا البحث، وإذا هم خير أمة أخرجت للناس، وأسمى طائفة عرفها
التاريخ، وأنبل أصحاب لنبى ظهر على وجه الأرض، وأوعى وأضبط جماعة لما استحفظوا عليه من كتاب الله، وهدى رسول الله  وقد اضطر
أهل السنة والجماعة، أن يعلنوا رأيهم هذا كعقيدة، فقرروا أن الصحابة كلهم عدول0 ولم يشذ عن هذا الرأى إلا المبتدعة والزنادقة قبحهم الله”(
)0وطعون المبتدعة والزنادقة قديماً وحديثاً فى صحابة رسول الله  كثيرة سبق ذكر بعضها من الطعن فى اجتهادهم( )، والطعن فى صدقهم
واتهامهم بالكذب( )0

وسوف نتناول هنا بمشيئة الله تعالى نماذج من الطعون والشبهات التى طعنوا بها فى عدالة الصحابة، واتخذها أهل الزيغ والإلحاد قديماً وحديثاً،
وسيلة للتشكيك فى حجية السنة، ومكانتها التشريعية0

على أن نفرد أيضاً ترجمة لراوية الإسلام الأول أبو هريرة  لنتعرف على مكانته فى الإسلام، وإلى أى مدى انحط أعداء الإسلام بالطعن فيه
وصولاً للطعن فى السنة المطهرة هذا بعد أن نُعرف بالصحابة والعدالة لغة واصطلاحاً، ونثبت عدالتهم من كتاب الله  وسنة نبيه ، وإجماع
الأمة على ذلك0 فإلى بيان ذلك0
المطلـب الأول
التعريـف بالصحابـة لغـة واصطلاحـاً

الصحابة فى اللغة : يقال استصحبه أى دعاه إلى الصحبة ولازمه، وكل شئ لازم شيئاً فقد استصحبه( )0

وقال أبو بكر الباقلانى : “لا خلاف بين أهل اللغة فى أن القول “صحابى” مشتق من الصحبة، وأنه ليس بمشتق من قدر منها
مخصوص، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيراً … يقال صحبت فلاناً حولاً، ودهراً، وسنة، وشهراً، ويوماً، وساعة، فيوقع
اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيرة0
وذلك يوجب فى حكم اللغة:إجراء هذا على من صحب النبىولو ساعة من نهار( )

وقال الإمام ابن تيمية : “والأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحبه وكثيرها”(
)0 وعلى هذا التعريف اللغوى جرى أصحاب الحديث فى تعريفهم بالصحابى اصطلاحاً : فذهبوا إلى إطلاق (الصحابى) على كل من صحب النبى
، ولو ساعة واحدة فما فوقها0

الصحابة فى الاصطـلاح :
قال الإمام بدر الدين الزركشى-رحمه الله-: “ذهب الأكثرون إلى أن الصحابى من اجتمع – مؤمناً – بمحمد وصحبه ولو ساعة، روى عنه أو
لا، لأن اللغة تقتضى ذلك، وإن كان العرف يقتضى طول الصحبة وكثرتها … وهو ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، أما عند أصحاب الحديث
فيتوسعون فى تعريفهم لشرف منزلة النبى ( )0
يقول ابن حزم : “فأما الصحابة  فهم كل من جالس النبى  ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه عليه
السلام أمراً يعيه”( )0

والتعريفات التى وضعها العلماء للصحابة (اصطلاحاً) كثيرة، ولكن التعريف الصحيح المعتمد هو ما قرره الحافظ ابن حجر بقوله :
“وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابى هو من لقى النبى  مؤمناً به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة على الأصح0

ثم شرح التعريف فقال : “فيدخل فيمن لقيه” من طالت مجالسته له، أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه
رؤية، ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى0
ومن هنا كان التعبير باللقـى أولى من قول بعضهم : “الصحابى من رأى النبى ” لأنه يخرج حينئذ ابن أم مكتوم ونحوه من العميان وهم
صحابة بلا تردد0

ويخرج “بقيد الإيمان” من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى0
وقولنا”به”يخرج من لقيه مؤمناً بغيره كمن لقيه مؤمناً من مؤمنى أهل الكتاب قبل البعثة0
ويدخل فى قولنا “مؤمناً به” كل مكلف من الجن والإنس …0

وخرج بقولنا “ومات على الإسلام” من لقيه مؤمناً به ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله – كعبيد الله بن جحش، وابن خطل، ويدخل فيه من
ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به  مرة أخرى أم لا، كالأشعث بن قيس فإنه كان ممن ارتد وأتى به إلى أبى بكر الصديق
أسيراً، فعاد إلى الإسلام فقبل منه، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره فى الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه فى المسانيد وغيرها0

وهذا هو الصحيح المعتمد، ووراء ذلك أقوال شاذة أخرى كقول من قال لا يعد صحابياً إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة :
من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه، أو استشهد بين يديه، وكذا من اشترط فى صحة الصحبة بلوغ الحلم، أو المجالسة
ولو قصرت”( )0
قال الحافظ السيوطى مؤيداً ابن حجر “وهو المعتبر”( )0
وذهب إليه الجمهور من الأصوليين، منهم الآمدى فى الإحكام( )، وابن عبد الشكور فى فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت( )، والزركشى فى
البحر المحيط( )، والشوكانى فى إرشاد الفحول( ) وغيرهم0

ويقول الحافظ السخاوى مؤيداً رأى شيخه ابن حجر “والعمل عليه عند المحدثين والأصوليين”( )0

السر فى التعميم فى تعريف الصحابى :
التعميم فى تعريف الصحابى نظراً إلى أصل فضل الصحبة، ولشرف منزلة النبى ، ولأن لرؤية نور النبوة قوة سريان فى قلب
المؤمن، فتظهر آثارها على جوارح الرائى فى الطاعة والاستقامة مدى الحياة، ببركته  ويشهد لهذا قوله  : “طوبى لمن رآنى وآمن بى،
وطوبى لمن رأى من رآنى، ولمن رأى من رأى من رآنى وآمن بى”( )0

وفى ذلك يقول الإمام السبكى : “والصحابى هو كل من رأى النبى  مسلماً، وقيل : من طالت مجالسته، والصحيح الأول، وذلك
لشرف الصحبة، وعظم رؤية النبى ، وذلك أن رؤية الصالحين لها أثر عظيم، فكيف رؤية سيد الصالحين؟! فإذا رآه مسلم ولو لحظة، انطبع
قلبه على الاستقامة، لأنه بإسلامه متهيئ للقبول، فإذا قابل ذلك النور العظيم، أشرق عليه وظهر أثره فى قلبه وعلى جوارحه”( )0
يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة – رحمه الله – : “فالتعميم فى تعريف (الصحابى) نظراً إلى أصل فضل الصحبة، وأما تفاوت من يشملهم هذا
اللقب فى الفضل والدين وسائر خصال الخير … فهذا أمر وراء ذلك”( ) أ0هـ0

طريـق معرفـة الصحبـة :
تثبت الصحبة بأمور متعددة منها :
1- التواتر كأبى بكر الصديق المعنى بقوله تعالى : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا( ) وسائر العشرة المبشرين بالجنة
وغيرهم0
2- أو باشتهار قاصر عن التواتر وهو الاستفاضة كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة وغيرهما، أو بتواتر بها 0
3- أو بقول صاحب آخر معلوم الصحبة، إما بتصريح بها كأن يجئ عنه أن فلاناً له صحبة مثلاً أو نحوه، كقوله : كنت أنا وفلان
عند النبى  أو دخلنا على النبى 0
بشرط أن يعرف إسلام المذكور فى تلك الحالة0
4- وكذا تعرف بقول آحاد ثقات التابعين على الراجح من قبول التزكية من عدل واحد”( )0

المطلـب الثانـى
التعريـف بالعدالـة لغـة واصطلاحـاً

العدالة لغة : العدل ضد الجور، يقال عدل عليه فى القضية فهو عادل، وبسط الوالى عدله ومعدلته ومعدلته، وفلان من أهل
المعدلة، أى : من أهل العدل، ورجل عدل، أى : رضا ومقنع فى الشهادة0

والعدالة : وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ( ) ويقال : رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة
عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعاً، أو مثنى أو
مؤنثاً، فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذى ليس بمصدر، وتعديل الشئ تقويمه، يقال عدلته فاعتدل، أى قومته فاستقام( ) أ0هـ

فمن هذه التعاريف اللغوية يتبين أن معنى العدالة فى اللغة الاستقامة فى الدين، والعدل هو المتوسط فى الأمور من غير إفراط فى
طرفى الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا( ) أى عدلاً فالوسط والعدل بمعنى واحد( )0

والعدالة اصطلاحاً : تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء، إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أنها : ملكة أى صفة
راسخة فى النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة0

والتقوى ضابطها : امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات من الكبائر ظاهراً، وباطناً من شرك أو فسق أو بدعة0

والمروءة ضابطها : آداب نفسية تحمل صاحبها على التحلى بالفضائل والتخلى عن الرذائل، وترجع معرفتها إلى العرف0

وليس المراد بالعرف هنا سيرة مطلق الناس بل الذين نقتدى بهم، وقد سبق بيان ما يخل بها( )، ومجمله الاحتراز عما يذم به العدل عرفاً0

ولا تتحقق العدالة فى الراوى إلا إذا اتصف بصفات خمسة : الإسلام- والبلوغ والعقل والسلامة من أسباب الفسق وخوارم
المروءة( )0
وليس المقصود من العدل أن يكون بريئاً من كل ذنب، وإنما المراد أن يكون الغالب عليه التدين، والتحرى فى فعل الطاعات0

وفى ذلك يقول الإمام الشافعى : “لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلاً، ولو كان كل مذنب عدلاً لم نجد مجروحاً، ولكن العدل من اجتنب
الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساويه”( )0
ويعبر أبو يوسف عن هذا الاتجاه حين يقول : “من سلم أن تكون منه كبيرة من الكبائر التى أوعد الله تعالى عليها النار، وكانت محاسنه أكثر
من مساوئه فهو عدل”( )0

ونخلص مما سبق فيما يخص عدالة الصحابة  “أن المنافقين الذين كشف الله ورسوله – سترهم، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم،
والمرتدين الذين ارتدوا فى حياة النبى وبعد وفاته، ولم يتوبوا ويرجعوا إلى الإسلام، وماتوا على ردتهم، هم بمعزل من شرف هذه الصحبة،
وبالتالى بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول جمهور العلماء والأئمة إنهم عدول، وفى تعريف العلماء للصحبة ما ينفى عنها هؤلاء
وأولئك0

ومعنى عدالة الصحابة : “أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسموا الأخلاق
والترفع عن سفاسف الأمور0
وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم0
ومما ينبغى أن يعلم أن الذين قارفوا إثماً ثم حدوا – كان ذلك كفارة لهم، وتابوا وحسنت توبتهم، التى لو وزعت على سبعين من أهل المدينة
لوستعهم، وهم فى نفس الوقت قلة نادرة جداً لا ينبغى أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المؤلفة من الصحابة الذين ثبتوا على الجادة
والصراط المستقيم، وجانبوا المآثم، والمعاصى ما كبر منها وما صغر، وما ظهر منها وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا( )
أ0هـ0

ويؤكد ما سبق الإمام الأبيارى( ) بقوله : “وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية عليهم، وإنما المراد : قبول روايتهم من
غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك، ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه فى
زمن رسول الله ، حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح”( ) انتهى0

المطلـب الثالـث
أدلـة عدالـة الصحابـة 

إن العدالة التى نثبتها لصحابة رسول الله  – لم نعطها هبة لهم من عند أنفسنا – فنحن أقل من ذلك فضلاً عن أننا لا نملك ذلك،
وإنما العدالة ثابتة لهم جميعاً بنص الكتاب والسنة الشريفة – سواء منهم من تقدم إسلامه ومن تأخر، ومن هاجر ومن لم يهاجر، ومن اشترك
فى الغزوات ومن لم يشترك، ومن لابس الفتنة ومن لم يلابسها( )0 فهذه العدالة لهم جميعاً تضافرت عليها الأدلة من الكتاب الكريم والسنة
النبوية المطهرة0

أولاً : دلالة القرآن الكريم على عدالة الصحابة  :
لقد وصف رب العزة صحابة رسول الله  بالعدالة وأثنى عليهم فى آيات يطول ذكرها منها :
1- قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا( ) ووجه الاستدلال بهذه الآية على
عدالة الصحابة  أن وسطاً بمعنى “عدولاً خياراً”( )، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة( )0 وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً
إلا أن المراد به الخصوص، وقيل : “إنه وارد فى الصحابة دون غيرهم( )0
2- وقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ( ) ووجه دلالة هذه الآية على عدالة
الصحابة  أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها، وأول من يدخل فى هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند
النزول، وهم الصحابة الكرام ، وذلك يقتضى استقامتهم فى كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، ومن البعيد أن يصفهم الله
 بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك؟

كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً – أى عدولاً – وهم على غير ذلك، فيصح أن يطلق على
الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط أى عدول بإطلاق”( )0

وهكذا سائر الآيات التى جاءت بمدحهم قال تعالى : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(8)وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ) فالصادقون هم المهاجرون، والمفلحون
هم الأنصار، بهذا فسر أبو بكر الصديق، هاتين الكلمتين، من الآيتين، حيث قال فى خطبته يوم السقيفة مخاطباً الأنصار:”إن الله سمانا (
الصادقين) وسماكم (المفلحين)،وقد أمركم أن تكونوا حيثما كنا، فقال : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( )0

فهذه الصفات الحميدة فى هاتين الآيتين كلها حققها المهاجرون والأنصار من أصحاب رسول الله ، واتصفوا بها، ولذلك ختم الله صفات
المهاجرين بالحكم بأنهم صادقون، وختم صفات الذين آزروهم ونصروهم وآثروهم على أنفسهم بالحكم لهم بأنهم مفلحون0
وهذه الصفات العالية لا يمكن أن يحققها قوم ليسوا بعدول”( )0
وحتى الآيات التى جاء فيها عتاب لهم أو لبعضهم شاهدة بعدالتهم حيث غفر الله لهم ما عاتبهم فيه وتاب عليهم قال تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ
يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ(68)فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ) وتأمل ختام العتاب “إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” وهل بعد مغفرة الله 
من شئ؟!0
وقال تعالى : وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ
تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وتأمل ختام الآية “إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”( )0

وغير ذلك من الآيات الشاهدة بمغفرة الله  لهم لما ارتكبوا من بعض المعاصى – وسيأتى ذكر بعضها فى الرد على الشبهات
حول عدالة الصحابة0

إن تلك الآيات التى جاء فيها عتاب للصحابة أو لبعضهم لارتكابهم بعض المعاصى لخير دليل شاهد على ما سبق ذكره، من أن المراد بعدالتهم
جميعاً عصمتهم من الكذب فى حديث رسول الله  وليس معنى عدالتهم عصمتهم من المعاصى أو من السهو أو الغلط، فهذا لم يقل به أحد من
أهل العلم0 وحتى مع ارتكاب بعضهم لبعض الذنوب، فقد امتن الله  عليهم بالتوبة والمغفرة لذنوبهم0

وما هذه المنة من ربهم  إلا بيان لعباده مؤمنهم وكافرهم إلى قيام الساعة0 بعظم مكانة من اختارهم لصحبة سيد أنبيائه ورسله ، وأن
التجريح والقدح فى تلك المكانة والعدالة إنما هو تجريح وقدح فيمن بوأهم تلك المكانة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس !!! نعوذ بالله  من
الخذلان0

ثانياً : دلالة السنة المطهرة على عدالة الصحابة  :
لقد وصف النبى  أصحابه بالعدالة، وأثنى عليهم فى أحاديث يطول تعدادها منها :
1- قوله :”ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب”( ) “ففى هذا الحديث أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح، ولا ضعيف إذ لو
كان فيهم أحد غير عدل، لاستثنى فى قوله  وقال : “ألا ليبلغ فلان منكم الغائب” فلما أجملهم فى الذكر بالأمر بالتبليغ لمن بعدهم، دل ذلك على
أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله  شرفاً”( )0
2- وقال  : “خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِيَنهُ ويَميِنُهُ شَهَادَتَهُ”( ) وهذه الشهادة
بالخيرية مؤكدة لشهادة رب العزة : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ( )0
3- وقوله  : “النجومُ أَمنةٌ للسماءِ، فإذا ذهبتِ النجوُمِ، أَتى السماءَ ما تُوعدُ، وأَنا أَمَنةٌ لأَصْحَابى0 فإذا ذهبتُ أَتَى أَصْحَابِى ما يُوعدونَ،
وأَصْحَابى أَمنةٌ لأُمَّتِى، فإِذا ذهب أصحابى أتى أُمِتى ما يُوعَدُون”( )0
4- وقال  : “إن الله اختار أصحابى على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار لى من أصحابى أربعة أبا بكر، وعمر وعثمان، وعلياً 
فجعلهم أصحابى قال فى أصحابى كلهم خير، وأختار أمتى على الأمم، وأختار من أمتى أربعة قرون، القرن الأول والثانى والثالث، والرابع”( )0
وهذا الحديث مؤكد لقوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( )0

ويؤكد ابن مسعود  ما سبق من الآية والحديث قائلاً : “إن الله نظر فى قلوب العباد، فوجد قلب محمد  خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه
وابتعثه برسالته، ثم نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه  يقاتلون عن دينه”( )0
يقول الإمام الآمدى : “واختيار الله لا يكون لمن ليس بعدل”( )0
5- وقال  : “لا تسبوا أصحابى0 لا تَسُبُّوا أصحابى : فوالذى نفسى بيده! لو أن أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهباً، ما أَدركَ مُدَّ أَحَدِهِم، ولا نَصِيَفهُ”( )0

يقول الصحابى الجليل سعيد بن زيد بن عمرو( )، أحد العشرة المبشرين بالجنة  لما سمع رجلاً من أهل الكوفة يسب رجلاً من أصحاب
رسول الله  قال : “… والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله  : أفضل من عمل أحدكم، ولو عمر عمر نوح عليه السلام”(
)0
يقول فضيلة الشيخ محمد الزرقانى – رحمه الله – “فأنت ترى من هذه الشهادات العالية فى الكتاب والسنة، ما يرفع مقام الصحابة إلى الذروة،
وما لا يترك لطاعن فيهم دليلاً، ولا شبهة دليل0
والواقع أن العقل المجرد من الهوى والتعصب، يحيل على الله فى حكمته ورحمته، أن يختار لحمل شريعته الختامية، أمة مغموزة، أو طائفة
ملموزة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً0

ومن هنا كان توثيق هذه الطبقة الكريمة طبقة الصحابة، يعتبر دفاعاً عن الكتاب، والسنة، وأصول الإسلام من ناحية، ويعتبر إنصافاً أدبياً لمن
يستحقونه من ناحية ثانية، ويعتبر تقديراً لحكمة الله البالغة فى اختيارهم لهذه المهمة العظمى من ناحية ثالثة0

كما أن تَوْهِينهم والنيل منهم، يعد غمزاً فى هذا الاختيار الحكيم، ولمزاً فى ذلك الاصطفاء والتكريم، فوق ما فيه من هدم الكتاب، والسنة،
والدين”( ) أ0هـ0

ثالثاً : دلالة إجماع الأمة على عدالة الصحابة  :
أجمعت الأمة – إلا من شذ ممن لا يعتد بخلافهم( )0 على ما سبق من تعديل الله  ورسوله  للصحابة أجمع، والنقول فى هذا
الإجماع كثيرة عن علماء الأمة، من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين0

يقول الخطيب البغدادى : “إنه لو لم يرد من الله  ورسوله فيهم شئ مما ذكرناه، لأوجبت الحال التى كانوا عليها من الهجرة،
والجهاد، والنصرة، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة فى الدين، وقوة الإيمان واليقين : القطع على عدالتهم، والاعتقاد
لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين0 هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من
الفقهاء”( )0

وقال ابن الصلاح : “للصحابة بأسرهم خصيصة، وهى أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على
الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به فى الإجماع من الأمة”( )0
وقال العراقى : “إن جميع الأمة مجمعة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم وأما من لابس الفتن منهم وذلك حين مقتل عثمان 
فأجمع من يعتد به أيضاً فى الإجماع على تعديلهم إحساناً للظن بهم، وحملاً لهم فى ذلك على الاجتهاد”( )0

وقال الإمام الغزالى : “والذى عليه سلف الأمة، وجماهير الخلق، أن عدالتهم معلومة بتعديل الله  إيـاهم وثنائه عليهم فى
كتابه، فهو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل – ثم ذكر
بعض ما دل على عدالتهم من كتاب الله  وسنة رسوله  ثم قال : فأى تعديل أصح من تعديل علام الغيوب –سبحانه- وتعديل رسوله  كيف
ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم فى الهجرة، والجهاد، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء والأهل، فى موالاة رسول الله ،
ونصرته، كفاية فى القطع بعدالتهم”( )0

فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة وغيرها كثير0 كلها فيها بيان واضح، ودليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة
عموماً بلا استثناء، أمر مفروغ منه، ومسلم به0
فلا يبقى لأحد شك،ولا ارتياب بعد تعديل الله  ورسوله  وإجماع الأمة على ذلك( )0
“وإذا تقرر لك عدالة جميع من ثبتت له الصحبة، علمت أنه إذا قال الراوى عن رجل من الصحابة، ولم يسمه كان ذلك حجة، ولا
يضر الجهالة، لثبوت عدالتهم على العموم”( )0

قال الإمام الجوينى : “ولعل السبب فى قبولهم من غير بحث عن أحوالهم، والسبب الذى أتاح الله الإجماع لأجله، أن الصحابة هم
نقلة الشريعة، ولو ثبت توقف فى رواياتهم، لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله ، ولما استرسلت على سائر الأعصار”( )0
أولئك آبائى فجئنى بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
غمرهم الله برحمته ورضوانه … آمين0

المبحث الثانـى
طعنهـم فـى عدالـة أهـل السنـة

وفيه تمهيد وأربعة مطالب :
التمهيد ويتضمن :
موقف أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً من أهل السنة، وأئمة المسلمين، وأساليبهم فى الطعن فى أهل السنة0
المطلب الأول : بيان المراد بأهل السنة0
المطلب الثانى : سلامة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية وبيان تحقيق النجاة لهم0
المطلب الثالث : شرف أصحاب الحديث0
المطلب الرابع : الجواب عن دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن0

التمهيـد

ويتضمن موقف أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً من أهل السنة، وأئمة المسلمين وأساليبهم فى الطعن فى أهل السنة0

ليس فى الدنيا مبتدع، ولا من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع، إلا وهو يطعن فى أهل السنة من
المحدثين،والفقهاء،والمفسرين…إلخ وينظر إليهم بعين الحقارة ويسمونهم بأسماء هم أولى بها منهم، فالجهمية يسمونهم مشبهة ونابته،
والقدرية يسمونهم مجبرة، والزنادقة يسمونهم الحشوية، والمعتزلة يسمونهم زوامل أسفار، والرافضة يسمونهم نواصب … إلخ0 وكل ذلك
عصبية، وغياظ لأهل السنة، ولا اسم لهم إلا اسم واحد وهو “أصحاب السنة”0

ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع كما لم يلتصق بالنبى  تسمية كفار مكة ساحراً، وشاعراً، ومجنوناً، ولم يكن اسمه عند الله، وعند
ملائكته، وعند انسه، وجنه، وسائر خلقه، إلا رسولاً نبياً برياً من العاهات كلها قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
سَبِيلًا( )0

فالوقيعة فى أهل السنة من علامات أهل البدع والزيغ قديماً وحديثاً0
فالشيعة الرافضة، والخوارج كفرو أهل السنة لأنهم ضبطوا آثار الصحابة، وقاسوا فروعهم على فتاوى الصحابة”( )0 فمن وثق الصحابة الذين
كفروهم وأخذ بسنتهم فهو مثلهم فى الكفر0
والمعتزلة ردوا فتاوى أهل السنة وقبحوها فى أسماع العامة، لينفروا الأمة من اتباع السنة وأهلها( )0

ويروى فى ذلك ابن قتيبة عن عمرو بن النضر0 قال : مررت بعمرو بن عبيد فجلست إليه، فذكر شيئاً، فقلت : ما هكذا يقول أصحابنا0 قال :
ومن أصحابك لا أبا لك؟
قلت : أيوب، وابن عون، ويونس، والتيمى0 فقال : أولئك أرجاس أنجاس أموات غير أحياء( )0 يقول ابن قتيبة معلقاً على ما
قاله عمرو بن عبيد : “وهؤلاء الأربعة الذين طعنهم، غرة أهل زمانهم فى العلم، والفقه، والاجتهاد فى العبادة، وطيب المطعم، وقد درجوا على
ما كان عليه مَنْ قبلهم من الصحابة والتابعين0

وهذا يدل على أن أولئك أيضاً عنده أرجاس أنجاس( )0
وذكر الشاطبى عن عمرو بن عبيد أنه قال : “ما كلام الحسن البصرى، وابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيضة ملقاة”( )0

وحكى الذهبى وابن كثير عن عمرو بن عبيد أنه روى له حديث ابن مسعود  مرفوعاً : “إن أحدكم يُجمع خلقُهُ فى بطنِ أُمه أربعين يوماً0 ثم
يكون فى ذلك علقةً مثلَ ذلكَ0 ثم يكون فى ذلك مُضغةً مثلَ ذلك0 ثم يُرسلُ المَلَكُ فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربعِ كلماتٍ : بكتب رزقِهِ، وأجلِهِ،
وعملِهِ، وشقىٌّ أو سعيدٌ … الحديث”( )0

فقال : “لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت رسول الله  يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت
ميثاقنا”( )0

ويروى الحاكم عن الإمام أحمد بن حنبل –رحمه الله- أن أحمد بن الحسن( ) قال له يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبى فتيلة بمكة أصحاب الحديث
فقال : أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه، فقال : زنديق! زنديق! زنديق! ودخل البيت( )0

وقال أحمد بن سنان القطان( ) : “ليس فى الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه”( )0
يقول أبو عبد الله الحاكم : “وعلى هذا عهدنا فى أسفارنا، وأوطاننا، كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع،لا ينظر إلى الطائفة
المنصورة،إلا بعين الحقارة،ويسميها الحشوية”( )

قلت:وما قاله الإمام الحاكم وغيره، هو ما عهدناه فى زماننا ممن ينتسب إلى نوع من الإلحاد والبدع0صاروا علىدرب أسلافهم يبغضون أهل
الحديث،وينظرون إليهم بعين الحقارة، ويسمونهم كما سماهم أهل الزيغ قديماً،حشوية،وزوامل أسفار…إلخ،ويطعنون فى عدالتهم0

فما قاله قديماً ابن أبى فتيلة فى أصحاب الحديث بأنهم قوم سوء، قاله فى زماننا نيازى عز الدين فى كتابيه “دين السلطان”( )، و”إنذار من
السماء” إذ يقول : “فإما أن نختار طريق آبائنا، وأجدادنا، ومشايخنا السالف، الذى قد عرفنا قبل قليل بالبرهان القاطع أننا ضللنا به، حين تركنا
منهج القرآن، وتركناه حتى نسج عليه العنكبوت خيوطه”( )0

ويقول : “أهل الحديث ورواته، كانت مهنتهم رواية الأحاديث وكتابتها، فهم يرتزقون مما يرددون ويكتبون0 وقالوا : إن ما كتبوه
بأيديهم (وحى آخر) من عند الله مثل القرآن، وقالوا : إن كتاب الله هو القرآن، وما معهم من الروايات والأقاويل كتاب الحكمة، ظناً وظلماً، فهم
قالوا عن أكاذبيهم إنها من عند الله، تماماً كما فعل أهل الكتاب من قبلهم فى تحريفاتهم0 وهم أيضاً يظنون أن الله سبحانه وتعالى لا يقصدهم
فى هذه الآية فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ( ) بينما هى تنطبق عليهم الانطباق التام( )0

ويقول أيضاً طاعناً فى عدالة وجهاد من أيد الله به الدين يوم المحنة، قال : “لذلك نجد الإمام أحمد بن حنبل الذى كان صديقاً حميماً
لرؤساء المحفل السرى الخفى، لم يرض أن يقول بخلق القرآن فجلده المأمون، لأنه وجد جلده أرحم من قتله على يد أصدقائه إن قال بعكس
تعليماتهم كلها”( )0
ونفس هذا الهراء نسبه إلى أبى حنيفة النعمان قائلاً : “أبو حنيفة النعمان كان صديقاً لأحبار اليهود الذين ادعوا أنهم أحبار الإسلام بإعلانهم
إسلامهم، أمثال : يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضى، الذى كان من أكبر أصحاب أبى حنيفة”( )0

وانظر إلى ما يقوله إسماعيل منصور متفوقاً على سلفه ابن أبى فتيلة فى طعنه فى رموز الإسلام القائلين بحجية السنة0
يقول : “ونحن نشفق على قائليه وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد، وكذلك البخارى ومسلم – رحمهم الله جميعاً – لأنهم “عفا الله
عنهم” يستحقون الشفقة والدعاء لهم بالعفو، فإن الله تعالى لو أخذهم بما قالوا (يعنى حجية السنة) لكان أخذه تعالى لهم أليماً شديد لمخالفتهم
لكلامه تعالى (مخالفة صريحة) … فإنهم قد استدرجوا إلى مكيدة إبليس اللعين (بحسن نية منهم) فأخذوا بمنهج التبديل ذى الروايات والحكايات،
وتركوا كتاب الله تعالى وهم لا يشعرون، حتى أصلوا ظاهرة التحول عن كلام الله، إلى كلام غيره من البشر، وعلموا الناس أن يتركوا ظاهر
القرآن الكريم، إلى قول زيد، وعبيد، من الرواة، وهى خطة إبليس اللعين “عليه اللعنة إلى يوم الدين” وهذا واضح تمام الوضوح( )0

ويقول أيضاً واصفاً أهل السنة بالخرافة و … و …، وأن فى اتباعهم خسران الدنيا والآخرة قال : “يا أفراد عش الوطاويط (
الخفافيش) أخرجوا إلى النور (نور القرآن الكريم) ولا تظلوا حبيسى الظلام “ظلام الأقوال البشرية، والروايات القصصية” … يا أتباع مملكة
الوهم، وضحايا التأليف فى الدين، وصرعى الروايات والقصص والظنون والأوهام، أفيقوا من سباتكم الغطيط وانهضوا من رقادكم الطويل،
وطهروا أنفسكم وعقيدتكم بألا تساووا كلام البشر بكلام الله رب العالمين( )0
ماذا تقولون لنا يا أهل الخرافة من الروايات والحكايات والقصص والخزعبلات؟؟ماذا تقولون؟؟

إن من يتبعكم سيخسر الدنيا والآخرة لا محالة؟؟ سيخسر الدنيا؛ لأنه يعيش فى غير نصرة الله تعالى : “كما يعيش أكثر المسلمين الآن”، ويخسر
الآخرة لأنه سيموت على هذا الضلال المبين “يعنى الإيمان بحجية السنة” فلا يكون له فى الآخرة من خلاق( ) أ0هـ0

إن هذا الهراء ما كنت لاستحل حكايته إلا لبيان أن من أساليب الطعن فى حجية السنة من الزنادقة قديماً وحديثاً بغض أهل السنة،
والطعن فى عدالتهم، وفى علومهم، لتنفير الأمة من إتباع السنة وأهلها0
ولنتأمل كيف فاق زنادقة يومنا، زنادقة الأمس بالطعن فى أهل السنة0

إن طعون الحاقدين من المستشرقين، وأهل الزيغ فى أهل السنة كثيرة، وقد سبق ذكر بعضها والجواب عنها كزعمهم أن المحدثين، والفقهاء،
كانوا وضاعين ذهبوا إلى تأييد كل ذرأى يرونه صالحاً ومرغوباً فيه بحديث يرفعونه إلى النبى ( )0

وكزعمهم أن المحدثين والفقهاء فى العصر الأموى، والعباسى، كانوا فقهاء سلطة( ) ونكتفى هنا بالرد على دعواهم تقصير
المحدثين فى نقدهم للمتن، وذلك بعد بيان عدالة أهل السنة، وأنهم الجماعة، والجمهور، والسواد الأعظم، لهذه الأمة الإسلامية لسيرهم على
طريقة النبى  وأصحابه الأخيار -رضوان الله عليهم أجمعين- ولا عبرة بمن خالفهم من أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً0 لخروجهم على
طريقة النبى  وتكفيرهم أصحابه، والطعن فى عدالة من قال بعدالتهم( ) وبيان ذلك فى الأربعة مطالب الآتية :

المطلـب الأول
بيـان المـراد بأهـل السنـة

عندما نتحدث عن عدالة أهل السنة فإننا لا نعنى بهم أهل الحديث فقط، وإنما مرادنا بهم الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الإمام عبد
القادر البغدادى فى كتابه الفرق بين الفرق من : (1) علماء التوحيد (2) علماء الفقه (3) علماء الحديث (4) علماء النحو (5) علماء
القراءات والتفسير (6) الزهاد الصوفية0
الذين لم يخلط كل صنف منهم علمه بشئ من بدع أهل الأهواء الضالة، ومن مال منهم إلى شئ من الأهواء الضالة لم يكن من
أهل السنة، ولا كان لقوله حجية فى عمله0

7- والصنف السابع : المجاهدون فى سبيل الله، يحمون حمى المسلمين، ويذبون عن حريمهم وديارهم، ويظهرون فى ثغورهم مذاهب أهل
السنة والجماعة0
8- والصنف الثامن منهم : عامة البلدان الذين اعتقدوا تصويب علماء السنة، ورجعوا إليهم فى معالم دينهم، وقلدوهم فى فروع الحلال
والحرام، ولم يعتقدوا شيئاً من بدع أهل الأهواء الضالة0
قال الإمام عبد القادر البغدادى : فهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة، ومجموعهم أصحاب الدين القويم، والصراط المستقيم”( )
أ0هـ0

ويقول الدكتور ناصر الشيخ معرفاً بهم فى نص جامع قال : أهل السنة هم المتمسكون بما جاء فى الكتاب والسنة، والتزموا بما
فيهما قولاً وعملاً، وكان معتقدهم موافقاً لما جاء فيهما، وموافقاً لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة الكرام ، والتابعين لهم بإحسان،
وأتباعهم من أئمة الدين ممن شهد لهم بالإمامة، وعرف عظم شأنهم فى الدين، وتلقى الناس كلامهم خلف عن سلف0

دون من رمى ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضى، كالخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والمعتزلة، والكرامية،
ونحو هؤلاء( ) أ0هـ0
المطلـب الثانـى
سلامة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية
وبيـان تحقـيق النجـاة لهـم

عن أبى هريرة  قال : قال رسول الله  : “تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك،
وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة”0

هذا الحديث أخرجه جماعة من الأئمة منهم أبو داود( )، والترمذى وصححه( )، وابن ماجة( )، والحاكم وصححه( )، وله شواهد عن جماعة
من الصحابة كأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبى بن كعب، وأبى الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبى سفيان
وغيرهم( )0
وجاء فى هذه الشواهد تفسير للفرقة الناجية بأسانيد تقام بها الحجة فى تصحيح هذا الحديث( )0 كما قال الحاكم فى المستدرك
ووافقه الذهبى( )0

من هذه الشواهد حديث معاوية وأنس – رضى الله عنهما – مرفوعاً : “إن أهل الكتاب تفرقوا فى دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق هذه
الأمة على ثلاث وسبعين كلها فى النار إلا واحدة، وهى الجماعة( )0
وفى حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً : “إنى بنى إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين كلهم
فى النار إلا ملة واحدة، قالوا : ومن هى يا رسول الله قال : “ما أنا عليه وأصحابى”( )0

يقول الإمام الشاطبى : “إن الجماعة – فى الحديث الشريف – هى الصحابة على الخصوص فإنهم الذين أقاموا عماد الدين،
وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك، … ولفظ الجماعة وتفسيره هنا مطابق للرواية الأخرى
فى قوله  : “ما أنا عليه وأصحابى”( )0

يقول الإمام عبد القادر البغدادى مبيناً صحة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية وتحقيق النجاة لهم بنص الحديث
السابق0 قال : “إن النبى  لما ذكر افتراق أمته بعده ثلاثاً وسبعين فرقة، وأخبر أن فرقة واحدة منها ناجية، سئل عن الفرقة الناجية، وعن
صفتها، فأشار إلى الذين هم، على ما عليه هو وأصحابه0

ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة  غير أهل السنة والجماعة، من مجتهدى الأمة وعلمائها أهل الشريعة العاملين
بها، دون الرافضة، والمعتزلة، والخوارج، والجهمية، وجميع أهل البدع والأهواء، فهم غير داخلين فى لفظ الجماعة قطعاً، لخروجهم على
طريقة النبى  وطريقة أصحابه 0

ثم كيف يكون الرافضة، والخوارج، والقدرية، وسائر أهل البدع موافقين للصحابة؟ وهم بأجمعهم لا يقبلون شيئاً مما روى عن
الصحابة فى أحكام الشريعة، لامتناعهم من قبول روايات الحديث، والسير، والمغازى، من أجل تكفيرهم للصحابة، ولأصحاب الحديث الذين هم
نقلة الأخبار والآثار، ورواة التواريخ والسير، ومن أجل تكفيرهم فقهاء الأمة الذين ضبطوا آثار الصحابة، وقاسوا فروعهم على فتاوى
الصحابة0
ولم يكن بحمد الله ومَنِّهِ فى الخوارج، ولا فى الروافض، ولا فى القدرية، ولا فى سائر أهل الأهواء الضالة إمام فى الفقه، ولا إمام فى رواية
الحديث، ولا إمام فى اللغة والنحو، ولا موثوق به فى نقل المغازى والسير والتواريخ، ولا إمام فى الوعظ والتذكير، ولا إمام فى التأويل
والتفسير، وإنما كان أئمة هذه العلوم، على الخصوص والعموم، من أهل السنة والجماعة( )0
وأهل الأهواء الضالة إذا ردوا الروايات الواردة عن الصحابة فى أحكامهم وسيرهم لم يصح اقتداؤهم بهم0

وبان من هذا أن المقتدين بالصحابة من يعمل بما قد صح بالرواية الصحيحة فى أحكامهم وسيرهم، وذلك سنة أهل السنة دون ذوى البدعة،
وصحح بصحة ما ذكرناه، صحة وسلامة طريقتهم فى فهم الشريعة الإسلامية، وتحقيق نجاتهم لحكم النبى  بنجاة المقتدين بأصحابه( )0
والحمد لله على ذلك( ) أ0هـ0

يقول الإمام الشاطبى – رحمه الله – : “فعلى هذا القول فمن خرج عن جماعة أهل السنة، فهم الذين شذوا، وهم نهبة الشيطان،
ويدخل فى هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لما عليه النبى  وأصحابه0

فمن خرج عن جماعة أئمة العلماء المجتهدين من أهل السنة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم
المعنيون بقوله  : “إن الله لن يجمع أمتى على ضلالة”( )0

فهم جماعة أهل الإسلام والسواد الأعظم، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم0 ومن شذ شذ إلى النار”( ) فإن قيل :
“فإن أهل المقالات المختلفة، يرى كل فريق منهم أن الحق فيما اعتقده، وأن مخالفه على ضلال وهوى، وكذلك أصحاب الحديث، فيما انتحلوا،
فمن أين علموا علماً يقيناً، أنهم على حق؟

قيل لهم : إن أهل المقالات، وإن اختلفوا، ورأى كل صنف منهم أن الحق فيما دعا إليه، فإنهم مجمعون لا يختلفون0على أن من
اعتصم بكتاب الله ، وتمسك بسنة رسول الله ، فقد استضاء بالنور، واستفتح باب الرشد، وطلب الحق من مظانه0 وليس يدفع أهل السنة عن
ذلك إلا ظالم لأنهم لا يردون شيئاً من أمر الدين، إلى استحسان، ولا إلى قياس ونظر، ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين، ولا إلى أصحاب الكلام
المتأخرين( ) أ0هـ0

فإن قالوا : فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار الشرعية التى قالها رسول الله  معصومون فى نقلها، وأن كل واحد منهم
معصوم فى نقله من تعمد الكذب0 قلنا لهم نعم0 هكذا نقول، وبهذا نقطع ونبت0 وكل عدل روى خبراً أن رسول الله  قاله فى الدين أو
فعله ، فذلك الراوى العدل معصوم من تعمد الكذب – مقطوع بذلك عند الله تعالى – لما تقدم من تعهد رب العزة بحفظ جميع الشريعة من كتاب
وسنة”( )0

وفى هذا رد على الدجالين الزاعمين، بأنهم فى ردهم للسنة المطهرة، والأحاديث الصحيحة لا يردون قول النبى  وإنما يردون قول رواة السنة
من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم إلى أصحاب المصنفات الحديثية!!!0

المطلـب الثالـث
شـرف أصحـاب الحديـث

إذا كان الحديث بعد القرآن هو عمدة كل صنف من الأصناف السابقة من أهل السنة، وإذا كانت دواوين أصحاب الحديث، بعد القرآن دعائم
الإسلام التى قامت عليها صروحه0
فإن ذلك يدلنا على عظم مكانة المحدثين بين علماء أهل السنة جميعاً فهم بحق يصدق فيهم قول سفيان الثورى- رحمه الله – : “الملائكة
حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض”( )0
ويقول يزيد بن زُريع( ) : “لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد”( )0
ويقول أبو حاتم الرازى – رحمه الله – : “لم يكن فى أمة من الأمم منذ خلق الله آدم، أمناء يحفظون آثار الرسل إلا فى هذه الأمة0 فقال له
رجل : يا أبا حاتم ربما رووا حديثاً لا أصل له، ولا يصح؟ فقال : علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم ذلك للمعرفة، ليتبين لمن
بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها”( )0

وإذا تقرر أنه لا قيام للإسلام بدون سنة صدق فيهم ما قاله الإمام أبو داود الطيالسى( ) : “لولا هذه العصابة لا ندرس الإسلام”
يعنى أصحاب الحديث الذين يكتبون الآثار”( )0
ويقول الإمام الخطيب البغدادى : “وقد جعل الله تعالى أهله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين
النبى  وأمته، والمجتهدون فى حفظ ملته، … قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنته حفظاً ونقلاً حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها
وأهلها، وكم ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها0

وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأياً تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث ‎، فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول 
فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، إذا اختلف فى حديث، كان إليهم
الرجوع، فما حكموا به، فهو المقبول المسموع0

ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد فى قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم
السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذهبهم لا يتجاسر،من كادهم قصمه الله،ومن عاندهم خذلهم الله، لا
يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير”(
)0

ورحم الله هارون الرشيد القائل : “طلبت أربعة فوجدتها فى أربعة : طلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث
وطلبت الكفر فوجدته فى الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته مع المعتزلة”( ) أ0هـ0

رضى الله عن تلك الأنفس التى نهضت لحفظ الدين، ورضى الله عمن أحيا آثارهم من اللاحقين “آمين”0

المطلـب السـادس
أبو هريرة  راوية الإسلام رغم أنف الحاقدين

لهج أعداء السنة، أعداء الإسلام، قديماً وحديثاً، وشغفوا بالطعن فى أبى هريرة وتشكيك الناس فى إسلامه، وفى صدقه وروايته،
وما إلى ذلك أرادوا! وإنما أرادوا أن يصلوا إلى التشكيك فى راوية السنة الأول، وأحفظ من رواها فى دهره، فأبو هريرة  على رأس السبعة
المكثرين من الرواية الذين عناهم من أنشد :
سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا
أبو هريـرة، سعـد، جابـر، أنـس ***
*** من الحديث عن المختار خير مضـر
صديقة، وابن عباس، كذا ابن عمـر

فأبو هريرة هو أكثرهم حديثاً فقد روى (5374) حديثاً، ثم عبد الله بن عمر روى (2630) حديثاً، ثم أنس بن مالك روى (2286) حديثاً، ثم
عائشة أم المؤمنين روت (2210) حديثاً، ثم ابن عباس روى (1660) حديثاً، ثم جابر بن عبد الله روى (1540) حديثاً، ثم أبو سعيد
الخدرى (سعد بن مالك) روى (1170) حديثاً( )0

وما اتهم به أبو هريرة ، من أكاذيب وافتراءات من قبل أرباب الأهواء قديماً وحديثاً، سندهم فيه إما روايات مكذوبة أو ضعيفة، وإما روايات
صحيحة لم يفهموها على وجهها، بل تأولوها تأويلاً باطلاً يتفق وأهواءهم0

وقد تصدى للرد على تلك الطعون رهط من علماء الإسلام0 على رأسهم أبى هريرة نفسه، وصدق على دفاعه – على ما سيأتى – كبار
الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم من أئمة المسلمين، منهم الحاكم فى المستدرك، وابن عساكر فى تاريخه، وابن كثير فى البداية والنهاية، وابن
قتيبة فى تأويل مختلف الحديث، وعبد المنعم صالح العلى فى كتابه دفاع عن أبى هريرة، والدكتور محمد السماحى فى كتابيه “أبو هريرة فى
الميزان”، والمنهج الحديث فى علوم الحديث، والدكتور السباعى فى كتابه “السنة ومكانتها فى التشريع، والدكتور عجاج الخطيب فى كتابيه
السنة قبل التدوين، وأبو هريرة راوية الإسلام، والشيخ عبد الرحمن المعلمى فى كتابه (الأنوار الكاشفة)، والدكتور أبو زهو فى الحديث
والمحدثون، والدكتور أبو شهبة فى دفاع عن السنة، والدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف فى كتابه “المختصر فى علم رجال الأثر” وفى مقدمة
كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمى وغيرهم0

ونكتفى هنا بترجمة للصحابى الجليل نتعرف بها على مكانته فى الإسلام، وبراءته مما نسب إليه من أكاذيب0 وذلك بعد أن نتعرف على
أصناف الطاعنين فيه، والذين ذكرهم الإمام ابن خزيمة( ) بقوله : “إنما يتكلم فى أبى هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون
معانى الأخبار0
1- إما معطل جهمى يسمع أخباره التى يرونها خلاف مذهبهم الذى هو كفر، فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه،
تمويهاً على الرعاء، والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة0
2- وإما خارجى يرى السيف على أمة محمد ، ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام، إذا سمع أخبار أبى هريرة  عن النبى  خلاف مذهبهم الذى
هو ضلال لم يجد حيلة فى دفع أخباره بحجة وبرهان، كان مفزعة الوقيعة فى أبى هريرة0
3- أو قدرى اعتزل الإسلام وأهله، وكفر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التى قدرها الله تعالى، وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر
إلى أخبار أبى هريرة التى قد رواها عن النبى  فى إثبات القدر لم يجد حجة يؤيد صحة مقالته التى هى كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه أن
أخبار أبى هريرة، لا يجوز الاحتجاج بها0
4- أو جاهل يتعاطى الفقه، ويطلبه من غير مظانة، إذا سمع أخبار أبى هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه، وأخباره تقليداً بلا حجة
ولا برهان، تكلم فى أبى هريرة، ودفع أخباره التى تخالف مذهبه، ويحتج بأخباره على مخالفته إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه، وقد أنكر بعض
هذه الفرق على أبى هريرة أخباراً لم يفهموا معناها”( )0
قلت : والله إن من يتكلم فى أبى هريرة فى عصرنا لا يخرج فى عقيدته، ومذهبه عما ذكرهم الإمام ابن خزيمة – رحمه الله تعالى -0

أبـو هريـرة 

إسلامـه وصحبتـه :
قدم أبو هريرة مهاجراً من اليمن إلى المدينة ليالى فتح خيبر فى المحرم سنة سبع من الهجرة، وكان قد أسلم على يد الطفيل بن عمرو( ) فى
اليمن، وشهد هذه الغزوة مع رسول الله ، ولازمه إلى آخر حياته يخدمه، ويتلقى العلم عنه ، ويتحدث هو عن ذلك لما سأله مروان بن الحكم
قائلاً له: “إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله  الحديث، وإنما قدمت قبل وفاة النبى  بيسير، فقال أبو هريرة:نعم! قدمت ورسول الله
 بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفى، أدور معه فى بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ
مقل (أى فقير)، وأصلى خلفه، وأحج، وأغزو معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقنى قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش
والأنصار، وكانوا يعرفون لزومى له فيسألونى عن حديثه، منهم عمر، وعثمان، وعلى، وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى على كل حديث كان
بالمدينة0
قال:فوالله ما زال مروان يقصر عن أبى هريرة،ويتقيه بعد ذلك،ويخافه،ويخاف جوابه( )

وفيما سبق رد على دعوى الرافضة ومن قال بقولهم : “إن أبا هريرة لم يصاحب النبى  إلا سنة وتسعة أشهر( )، فالمعروف أن أبا هريرة
أسلم عام خيبر، وخيبر كانت فى جمادى الأولى سنة سبع( )0 وبين خيبر ووفاة النبى  أربع سنوات، إلا شهرين تقريباً فإن الوفاة كانت فى
ربيع الأول سنة 11هـ( )0
خلقـه وتقـواه :
كان ، صادق اللهجة، خفيف الروح محبباً إلى الصحابة، وكان  تقياً ورعاً كثير التعبد،شديد الخشية لله تعالى، وكان يقول:”وأيم الله لولا آية
فى كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبداً، ثم يتلو قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ
يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ( )0

وكان صواماً قواماً يتناوب قيام الليل، هو وزوجته، وخادمه، فيما رواه عنه أبو عثمان النهدى( )  قال : “تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو
وامرأته، وخادمه يتعقبون الليل أثلاثاً : يصلى هذا، ثم يوقظ الآخر فيصلى، ثم يوقظ الثالث”( )0
وقد أرسله النبى  مع العلاء بن الحضرمى( ) إلى البحرين لينشر الإسلام، ويفقه المسلمين فى الدين( )0

كما استعمله الخليفة عمر بن الخطاب  على البحرين فترة ثم عزله، وبعد ذلك دعاه عمر ليوليه فلم يقبل أبو هريرة وقال : “أخشى أن أقول
بغير علم، وأقضى بغير حلم، وأن يضرب ظهرى وينزع مالى، ويشتم عرضى”( )0

يقول الإمام الجوينى : “وهذا مما يتمسك به فى أبى هريرة  فعمر مع تنزهه عن المداراة والمداجاة والمداهنة، اعتمده وولاه فى زمانه أعمالاً
جسيمة، وخطوباً عظيمة، وكان يتولى زماناً على الكوفة وكان يبلغه روايته عن رسول الله ، فلو لم يكن من أهل الرواية، لما كان يقرره
عمر  مع العلم بإكثاره( )0
ولم يشترك أبو هريرة فى الفتن التى حدثت بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان  بل اعتزلها0 ولم يفارق الحجاز منذ استعمله
عمر على البحرين ثم عزله0 ولم يزل يسكن المدينة، وبها كانت وفاته0

وفى هذا رد على الرافضة الزنادقة ومن قال بقولهم0 من اشتراك أبى هريرة فى الفتنة بين على ومعاوية-رضى الله عنهما-”
فكان يأكل مع معاوية فإذا حضرت الصلاة صلى خلف على،فإذا قيل له فى ذلك قال:مضيرة( )معاوية أدسم،والصلاة خلف علىّ أفضل”( )
فهذه القصة التى بنى عليها الرافضى محمود أبو رية تسمية كتابه “شيخ المضيرة أبو هريرة” هذه القصة لا يصدقها عاقل،
والأحداث التاريخية تكذبها0

يقول الدكتور محمد أبو شهبة : “كيف يصح هذا فى العقول، وعلىّ كان بالعراق، ومعاوية كان بالشام، وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه
بعد أن تولى إمارة البحرين فى عهد عمر  لم يفارق الحجاز( )0

وقال الإمام ابن عبد البر : استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل، فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته( )0
وبهذا يتبين لنا كذب ادعاءاتهم، ويظهر لنا مدى حقدهم، اللهم إلا إذا كانت الشيعة ترى أن أبا هريرة أعطى بساط سليمان أو كانت الأرض تطوى
له طياً!!! ( )0

وعودة إلى خلقه وتقواه  : فقد اشتهر  بالتواضع، والمرح، فكان يداعب الأطفال، ويمازح الناس ويلاطفهم، ومن ذلك أنه كان
يمر فى السوق، يحمل الحزمة من الحطب على ظهره-وهو يومئذ أمير مروان على المدينة فيقول:أوسعوا الطريق للأمير( )0
فمعاوية  استعمله فى عهده على المدينة ثم عزله وولى عليها مروان، ثم استخلفه مروان عليها حين توجه إلى الحج”( )0

قـوة ذاكرتـه وروايتـه :
لقد لازم أبو هريرة رسول الله منذ قدم عليه مهاجراً، ينهل من عمله، ويتلقى عنه أحاديثه ويحفظها، واجتهد فى ذلك حتى صار أحفظ أصحابه،
وأكثرهم رواية للحديث، فقد روى (5374) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً نبوياً – كما فى مسند بقى ابن مخلد- اتفق
الشيخان البخارى ومسلم على (325) ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً منها،وانفرد البخارى بثلاثة وتسعين،ومسلم بمائة وتسعة وثمانين( )
،وقيل غير ذلك0
وهذه الروايات التى زادت على خمسة آلاف هى بالمكرر0
وذكر الدكتور الأعظمى فى كتابه : أبو هريرة فى ضوء مروياته( ) أن أحاديثه فى المسند والكتب والسنة هى 1336 حديثاً فقط، وذلك بعد
حذف الأسانيد المكررة0 وهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه فى أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة”( )0
ويقول الدكتور أبو شهبة : “وأحب ألا يعزب عن بالنا أن هذه الخمسة آلاف والثلاثمائة والأربعة والسبعون حديثاً، الكثير منها لا يبلغ السطرين
أو الثلاثة، ولو جمعتها كلها لما زادت عن جزء فأى غرابة فى كثرة مروياته مع حداثة صحبته، مع أن السنين الأربع ليست بالزمن القصير فى
عمر الصحبة( )، ولا سيما ما توافر له دون غيره من الصحابة من أمور كانت سبباً فى تفوقه فى الرواية وكثرة مروياته منها :
أسباب كثرة مروياته :
أولاً : شدة ملازمته للنبى  منذ قدم مهاجراً إليه سنة سبع من الهجرة يدور معه فى بيوت نسائه يخدمه، ويصلى خلفه، ويحج، ويغزو معه كما
حدث عن نفسه، ومما أعانه على التفرغ لذلك أنه كان فقيراً، ولم تكن له زوجه، ولا أولاد حينئذ – ونحو ذلك مما يشغل، مع شدة حرصه على
تلقى الحديث عن النبى ، وشهد له النبى  بهذا الحرص ومن الآثار الدالة على ذلك : ما جاء فى الصحيح عنه  قال : “يقولون : إن أبا
هريرة قد أكثر والله الموعد0 ويقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك : إن إخوانى من
الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم0 وإن إخوانى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق0 وكنت ألزم رسول الله  على ملئ بطنى
فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله  يوماً : “أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثى هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لن ينس شيئاً
سمعه، فبسطت بردة على حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدرى، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثنى به0 ولولا آيتان أنزلهما الله فى
كتابه ما حدثت شيئاً أبداً : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
اللَّاعِنُونَ(159)إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( )0
ثانياً : دعاء رسول الله  له بالحفظ وعدم النسيان، ومما يدل على ذلك الرواية السابقة، وما رواه الحاكم فى المستدرك عن زيد بن ثابت، أن
رجلاً جاء إليه فسأله عن شئ فقال له زيد : عليك بأبى هريرة، فإنه بينما أنا وأبو هريرة فى المسجد وفلان فى المسجد ذات يوم ندعوا الله
تعالى، ونذكر ربنا خرج علينا رسول الله  حتى جلس إلينا قال : فجلس وسكتـنا0 فقال عودوا للذى كنتم فيه، قال زيد فدعوت أنا وصاحبى قبل
أبى هريرة،وجعل رسول الله  يؤمن على دعائنا قال:ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم إنى أسألك مثل الذى سألك صاحباى هذان وأسألك
علماً لا ينسى، فقال رسول الله : آمين”فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى فقال:”سبقكما بها الدوسى”( )0
ثالثاً : إن أبا هريرة تميز بقوة ذاكرته وحفظه وحسن ضبطه، خاصة بعد أن دعا له الرسول بالحفظ وعدم النسيان – كما سبق – فكان حافظاً
متقناً ضابطاً لما يرويه0

ويدل على ذلك قصة امتحان مروان له فيما رواه الحاكم عن أبى الزُّعَيْزِعَة( ) كاتب مروان بن الحكم، أن مروان بن الحكم دعا
أبا هريرة فأقعدنى خلف السرير، وجعل يسأله وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول، دعا به فأقعده وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك،
فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا آخر”( ) وقد نقل هذه القصة الذهبى فى سير أعلام النبلاء، ثم عقب بقوله : “قلت هكذا فليكن الحفظ”( )0

وهذه القصة نقلها أيضاً ابن حجر فى الإصابة( )، وابن كثير فى البداية( )، وهى تدل على قوة حفظه وإتقانه، كما شهد له بذلك
الصحابة، والتابعون فمن بعدهم من أئمة المسلمين إلى يومنا هذا على ما سيأتى بعد قليل0

وكان  يراجع ما يسمعه من النبى  تأكيداً لحفظه، فقد روى عنه أنه قال : “جزأت الليل ثلاثة أجزاء:ثلثاً أصلى،وثلثاً أنام، وثلثاً
أذكر فيه حديث رسول الله ( )0

رابعاً : أدرك أبو هريرة كبار الصحابة، وروى عنهم كثيراً من الأحاديث فتكامل علمه بها واتسع أفقه فيها0
خامساً : امتداد عمره  بعد وفاة رسول الله ، حيث عاش بعده نحو سبعة وأربعين عاماً، واحتياج الناس إليه فكان يحدثهم ويبث بينهم ما
يحفظه من أحاديث، وأعانه على ذلك : ابتعاده عن الفتن وغيرها من المشاغل ووجوده فى المدينة، والناس يفدون إليها، وكانت له حلقة فى
مسجد الرسول يحدث الناس فيها بالأحاديث النبوية، فساعد ذلك على انتشار مروياته وتداولها، وكثرة أتباعه وتلامذته، حتى بلغوا نحو ثمانمائة
من الصحابة والتابعين كلهم يجلونه ويثقون به ويثنون عليه على ما سيأتى بعد قليل0

قال الإمام البخارى – رحمه الله – : “روى عنه نحواً من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيره”(
)0 ومن أشهر من روى عنه من الصحابة : زيد ابن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة، وأبو أيوب
الأنصارى0 ومن أشهر من روى عنه من التابعين : مروان بن الحكم، والحسن البصرى، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبى، وعروة ابن
الزبير، وهمام بن منبه – وقد كتب عنه الصحيفة المشهورة( )0 وغيرهم كثير0

شهادة الرسول والصحابة ومن بعدهم من أهل العلم بقوة حفظه
وإتقانه وكثرة سماعه وحرصه على الحديث
1- روى عنه  أنه قال ذات يوم : يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله  : “لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا
يسألنى عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصاً
من قلبه أو نفسه( )0
2- وعن ابن عمر-رضى الله عنهما- أنه مر بأبى هريرة ، وهو يحدث عن النبى : من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان
أعظم من أحد0 فقال ابن عمر : يا أبا هريرة انظر ما تحدث عن رسول الله ، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق إلى عائشة -رضى الله
عنها- فقال لها : يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله  يقول : “من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، وإن شهد دفنها فله قيراطان؟
فقالت : اللهم نعم، فقال أبو هريرة : إنه لم يكن يشغلنا عن رسول الله  عرس ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله  كلمة
يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها0
فقال ابن عمر : يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله  وأعلمنا بحديثه( )0
وكان ابن عمر يترحم عليه فى جنازته ويقول : “كان يحفظ على المسلمين حديث رسول الله ( )0

وعن حذيفة بن اليمان  قال : قال رجل لابن عمر : إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله  فقال ابن عمر : أعيذك بالله أن تكون فى شك
مما يجئ به، ولكنه اجترأ وجبنا”( ) ومعنى “اجترأ” هنا أى على سؤال النبى  والتعلم منه، فى حين كانوا يهابون سؤال النبى 0
يدل على ذلك ما رواه الحاكم عن أبى بن كعب  قال : كان أبو هريرة جريئاً على النبى  يسأله عن أشياء لا نسأله عنها( )0

وعن أنس بن مالك  قال : “نهينا أن نسأل رسول الله  عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل0 فيسأله ونحن نسمع …
الحديث”( )0

3- وعن مالك بن أبى عامر قال : كنت عند طلحة بن عبيد الله فدخل عليه رجل فقال : يا أبا محمد والله ما ندرى هذا اليمانى أعلم برسول
الله  أم أنتم، تقول على رسول  ما لم يقل – يعنى أبا هريرة – فقال طلحة : والله ما يشك أنه سمع من رسول الله  ما لم نسمع، وعلم ما
لم نعلم، إنا كنا قوماً أغنياء لنا بيوت وأهلون كنا نأتى نبى الله  طرفى النهارى ثم نرجع، وكان أبو هريرة  مسكيناً لا مال له، ولا
أهل ولا ولد وإنما كانت يده مع يد النبى  وكان يدور معه حيثما دار، ولا نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا،
أنه تقول على رسول الله  ما لم يقل”( )0
وهذا الخبر ذكره ابن حجر فى الإصابة وزاد فى قوله طلحة : “قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا”( )0

4- وقال ابن خزيمة : وقد روى عن أبى هريرة أبو أيوب الأنصارى مع جلالة قدره، ونزول رسول الله  عنده، ولما يقبل له : تحدث عن أبى
هريرة وأنت صاحب منزلة عند رسول الله ؟ فقال : إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإنى إن أحدث عنه أحب إلىَّ من أن أحدث عن رسول
الله  يعنى ما لم أسمعه منه( )0

5- وعن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى( ) أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله ، فجعل أبو هريرة
يحدثهم عن النبى  بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم ثم يحدثهم بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه0 حتى فعل
ذلك مراراً0 قال : فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله ( )0
6- ولم يكن أبو هريرة  من أهل الحفظ فقط وإنما كان من أهل الفقه وشهد له بذلك الصحابى الجليل ابن عباس 0

يقول الحافظ السخاوى:”ولا عبرة برد بعض الحنفية روايات سيدنا أبى هريرة ، وتعليلهم بأنه ليس فقيهاً، فقد عملوا برأيه فى الغسل ثلاثاً من
ولوغ الكلب وغيره، وولاه عمر  الولايات الجسيمة0
وقال ابن عباس له كما فى مسند الشافعى( )، وقد سئل عن مسألة “افته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فأفتى، ووافقه على فتياه”( )0

7- وعن أبى صالح السمان( ) قال : “كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ، ولم يكن بأفضلهم”( )0

وفى هذا رد على من يحاول الربط بين المنزلة فى الدين وكثرة الرواية، فالربط بينهما ليس من التحقيق العلمى فى شئ( )0
وقال الإمام الشافعى : “أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره”( )0
وقال الإمام الذهبى : “أبو هريرة إليه المنتهى فى حفظ ما سمعه من الرسول ، وأدائه بحروفه”( )0
وقال أيضاً : “وكان من أوعية العلم،ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة،والعبادة،والتواضع( )

10- وقال شمس الأئمة السرخسى : “إن أبا هريرة ممن لا يشك أحد فى عدالته، وطول صحبته مع رسول الله 0

إن كل هذه النقول وغيرها كثير تبين لنا مدى افتراء الرافضة، والمستشرقين، وضعفاء الإيمان الذين اتهموا أبا هريرة بالكذب، والخيانة، فى
رواية الحديث، بسبب كثرة أحاديثه مع قلة صحبته0

وأعتقد أنه ليس هناك ما يدعوا إلى اتهام أبى هريرة بتلك الافتراءات، وقد تهيأت له الأسباب السابقة التى أعانته على هذا التفوق فى الرواية،
وشهد له بذلك رسول الله  وكبار الصحابة، ومن بعدهم من أئمة المسلمين السابق ذكرهم( )0

وأى غرابة فى حفظ أبى هريرة أحاديث لم تبلغ خمسة آلاف وخمسمائة ومعلوم أن العرب قد اشتهروا وامتازوا بقوة حفظهم،
ووجد فى الصحابة والتابعين من كان آية عجباً فى قوة الذاكرة، وسرعة الحفظ؛ فالإمام أحمد بن حنبل، والبخارى، وأبو زرعة، وأشباههم، كان
كل واحد منهم يحفظ عشرات الألوف من الأحاديث بأسانيدها”( )0

يقول الدكتور السباعى دفاعاً عن أبى هريرة : “إن صحابياً يظل يحدث الناس سبعاً وأربعين سنة بعد وفاة الرسول  على مسمع
من كبار الصحابة، وأقرب الناس إليه من زوجته وأصحابه، ثم لا يلقى إلا تجلة وإعظاماً، يرجع إليه فى معرفة الأحاديث، ويهرع إليه التابعون
من كل جانب … ويبلغ الآخذون عنه ثمانمائة من أهل العلم … وكلهم يجمعون على جلالته والثقة به … وتمر هذه القرون وكلها شهادات
صدق فى أحاديثه وأخباره … ويأتى اليوم من يزعم أن المسلمين جميعاً … لم يعرفوه على حقيقته، وأنه فى الواقع كان يكذب ويفترى، إن
موقفاً كهذا يقفه بعض الناس من مثل هذا الصحابى العظيم، لجدير بأن يجلب لأهله والقائلين به الاستخفاف، والازدراء بعلومهم، وعقولهم
جميعاً( )0

إن حب هذا الصحابى الجليل لعلامة على الإيمان وبغضه لعلامة على النفاق وهذا تصديقاً لدعوة النبى  لما سأله أبو هريرة بأن
يدعو الله له بأن يحببه هو وأمه إلى عباده المؤمنين0 ويحببهم إليهما، فقال رسول الله  : “اللهم حبب عبيدك هذا -يعنى أبا هريرة- وأمه إلى
عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين” يقول أبو هريرة فما خلق الله مؤمناً يسمع بى ولا يرانى إلا أحبنى( )0

يقول الحافظ ابن كثير:”وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون
من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس فى الجوامع المتعددة فى سائر الأقاليم فى الإنصات يوم الجمعة بين يدى الخطبة، والإمام
على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له ( )أ0هـ0

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور على أحمد السالوس : [هذا أبو هريرة وعاء العلم، فكيف نجد فى عصرنا من ينسب نفسه للإسلام
ويعرض عن قول رسول الله ، والصحابة والتابعين، والأئمة الأعلام الهداة المهديين، ويأخذ بقول الضالين المضلين؟!( )0

هذا المسلك يفسره العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر فيقول : “وقد لهج أعداء السنة، أعداء الإسلام، فى عصرنا، وشغفوا بالطعن فى أبى
هريرة، وتشكيك الناس فى صدقه وفى روايته0 وما إلى ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا –زعموا- إلى تشكيك الناس فى الإسلام، تبعاً
لسادتهم المبشرين، وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن، أو الأخذ بما صح من الحديث فى رأيهم، وما صح من الحديث فى
رأيهم إلا ما وافق أهواءهم، وما يتبعون من شعائر أوروبا وشرائعها0 ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن، إلى ما يخرج الكلام عن معنى
اللفظ فى اللغة التى نزل بها القرآن، ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون!!0
وما كانوا بأول من حارب الإسلام من هذا الباب، ولهم فى ذلك سلف من أهل الأهواء قديماً0 والإسلام يسير فى طريقه قدماً،
وهم يصيحون ما شاءوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميراً0

ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع فى أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون! بفرق واحد فقط : أن أولئك
الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين، كانوا علماء مطلعين أكثرهم ممن أضله الله على علم!! أما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة،
وامتضاغ ألفاظ لا يحسنوها، يقلدون فى الكفر، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم!!” ( )0
وبعـد
فإن صحابة رسول الله  وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة هم خير جيل عرفته البشرية، وهم أبرز وجوه حضارتنا، وأكثرها إشراقاً، وأخلدها ذكراً،
وأنبلها أخلاقاً، وهم بشر، ولكنهم فى القمة ديناً وخلقاً رغم أنف الحاقدين0
رضى الله عن صحابة رسول الله ، وعلى الحافظ علينا شرائع الدين أبى هريرة  وجعلنا الله  من محبيه، وجمعنا معه فى واسع جنته( ) أ0
هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

المطلب الرابـع
شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها

إن لأهل الزيغ والإلحاد قديماً وحديثاً شبهات كثيرة يطعنون بها فى عدالة الصحابة، وأساس تلك الشبهات الرافضة الذين فاقوا
اليهود والنصارى فى خصلتين كما قال الشعبى -رحمه الله- فيما رواه عنه ابن الجوزى فى الموضوعات قال : “… فضلت الرافضة على
اليهود والنصارى بخصلتين0سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب موسى-عليه السلام- وسئلت النصارى فقالوا أصحاب عيسى-
عليه السلام-، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا حوارى محمد، وأمروا بالاستغفار لهم فسبوهم”( )0

فمن مطاعنهم فى عدالة الصحابة : ما استدلوا به من :
1- قوله تعالى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ( ) وقالوا نزلت فى أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله  إلى
العير التى جاءت من الشام، وتركوه وحده فى خطبة الجمعة، وتوجهوا إلى اللهو، واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم الديانة( )0
2- واستدلوا أيضاً بما ورد فى القرآن الكريم من آيات تتحدث عن النفاق والمنافقين، وحملوها على أتقى خلق الله، وأطهرهم (رضوان الله
عليهم أجمعين) كقوله تعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ
ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ( )0

وأيدوا ذلك بما جاء فى السنة المطهرة من أحاديث يطلق فيها لفظ الصحابة على المنافقين0
مثل حديث جابر بن عبد الله  قال : “أتى رَجُلٌ رسول الله  بِالجِعْرَانَة مُنْصَرَفَهُ من حُنين0 وفى ثوب بلال فِضَةٌ ورسول الله  يقبض منها0
يعطى الناس0 فقال: يا محمدُ! اعْدِلْ0 قال “ويلك ومن يَعْدِلُ إذا لم أَكُنْ اَعْدِلُ؟ لقد خِبْتُ وَخَسِرْتُ إن لم أكن أعدِلُ” فقال عمر بن الخطاب  دعنى
يا رسول الله فأقُتل هذا المنافق0 فقال : “مَعَاذ الله! أَنْ يتحدث الناس أَنى أَقْتُلُ أَصْحَاِبى0 إِنَّ هذا وأصحابَهُ يقرأون القرآنّ لا يُجاوزُ حَنَاجِرَهُم0
يَمرُقُونَ منه كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيِة”( )0
3- واستدلوا أيضاً بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا( ) وقوله تعالى : لَقَدْ
نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ( ) وقالوا0
الفرار من الزحف من أكبر الكبائر( )0
4- واستدلوا من السنة المطهرة : بقوله  : “… ألا وإنه سَيْجَاءُ برجالٍ من أمتى فيؤخذُ بِهمْ ذات الشمال، فأقول : يا ربِّ أُصيحَابى، فيقال :
إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ( ) فيقال :
إن هؤلاء لا يَزَالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهِم منذ فَارَقْتَهُم”( )0
5- واستدلوا بقوله  : “لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض”( ) وقالوا: تقاتل الصحابة فى صفين والجمل( )0

واستدل آخرون بالطعن فى عدالة الصحابة بما تمليه عليهم عقولهم الضالة من فهم أعوج لسيرة الصحابة، وتاريخهم المجيد،
كما فعل مفتى الماركسية خليل عبد الكريم( ) فى كتابه “مجتمع يثرب العلاقة بين الرجل والمرأة فى العهدين المحمدى والخليفى” فقد صور
مجتمع المدينة المنورة بقيادة رسول الله ، وخلفائه الراشدين، وصحابته الأطهار، تصويراً شائناً قبيحاً، وجعله أشبه بمجتمع الحيوانات التى لا
هم لها إلا إشباع الغرائز الجنسية بأى شكل، وبغير ضابط من دين أو خلق، غير مكترثين بالنصوص الدينية التى تمنعهم من هذا الهبوط”( )0
كما أصدر كتاباً آخر بعنوان “شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة” وهو من ثلاثة أسفار، الأول بعنوان “محمد والصحابة” والثانى
“الصحابة والصحابة” والثالث “الصحابة والمجتمع” تناول فيها المؤلف تاريخ الصحابة، وسيرتهم بأسلوب فج قبيح ينبئ عن سوء فهمه،
وجهله، وحقده الدفين، ضد صحابة رسول الله ،وكذلك فعل سعيد العشماوى( )وغيرهم( )
الجـواب عـن الشبهـات السابقـة
حـول عدالة الصحابة 
إن ما استدل به الرافضة ومن تابعهم طعناً فى عدالة الصحابة لا حجة لهم فيه لما يلى:
أولاً : قصة انفضاض أكثر الصحابة عن رسول الله  إلى العير القادمة من الشام، وتركهم خطبة الجمعة، إنما وقع ذلك فى بدء زمن الهجرة،
ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الآداب الشرعية كما ينبغى، كما أن كبار الصحابة كأبى بكر وعمر كانوا قائمين عنده، كما ثبت ذلك فى الأحاديث
الصحيحة0
فعن جابر بن عبد الله  قال : بينما النبى  يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها( ) أصحاب رسول الله  حتى لم يبق منهم
إلا اثنى عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر ونزلت الآية:وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا( )،
ولذا لم يشفع عليهم، ولم يوعدهم سبحانه وتعالى بعذاب ولم يعاتب الرسول  أيضاً”( )0
ورد آخر على هذه القصة وهو : أنه ورد فى بعض الأخبار أنها وقعت لما كان النبى  يقدم الصلاة على الخطبة يوم الجمعة، وانفضاضهم وقع
فى الخطبة، وليس فى الصلاة كما هو الظاهر من بعض الروايات، والتى ركز عليها بعض الرافضة، كمحمود أبو رية( )، ومروان خليفات( )،
وغيرهم0

ويدل على أن الانفضاض كان فى الخطبة ما جاء فى رواية مسلم السابقة : بينما النبى  يخطب يوم الجمعة قائماً0

يقول الحافظ ابن حجر : “ترجيح كون الانفضاض وقع فى الخطبة لا فى الصلاة، هو اللائق بالصحابة تحسيناً للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون
فى الصلاة حمل على أن ذلك وقع قبل النهى كآية يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ( ) وقبل النهى عن
الفعل الكثير فى الصلاة ونزول قوله تعالى : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ( )0

ويؤيد ذلك : ما رواه أبو داود فى المراسيل أن هذه القصة كانت لما كان رسول الله  يصلى الجمعة قبل الخطبة، مثل العيدين، فخرج الناس فلم
يظنوا إلا أنه ليس فى ترك الجمعة شئ، فأنزل الله  : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًافقدم النبى  الخطبة يوم الجمعة
وأخر الصلاة( )0
وهو ما رجحه أيضاً النووى فى شرحه على مسلم( )0
وعلى كل تقدير أنه فى الصلاة، فلم يكن تقدم لهم نهى عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذم ذلك، اجتنبوه”( )0

يقول الألوسى : “ورواية أن ذلك وقع منهم مراراً” إن أريد بها رواية البيهقى فى شعب الإيمان( ) عن مُقَاتِل بن حيان( ) أنه قال :
بلغنى والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، فمثل ذلك لا يلتفت إليه، ولا يعول عند المحدثين عليه، وإن أريد بها غيرها فليبين، ولتثبت صحته،
وأنى بذلك؟
وبالجملة : الطعن فى الصحابة بهذه القصة التى كانت من بعضهم فى أوائل أمرهم، وقد أعقبها منهم عبادات لا تحصى، سفه ظاهر، وجهل
وافر”( )0
ثانياً : أما نسبة النفاق إلى خيار هذه الأمة بدعوى أنه كان فى المدينة منافقين، وأن النبى  أطلق لفظ الصحابة عليهم : “معاذ الله! أن يتحدث
الناس أنى أقتل أصحابى”0

هذه الشبهة أوهى من بيت العنكبوت، وهى فرية واضحة لا تثبت لها قدم0
أولاً : لأن إطلاق لفظ الصحابة على المنافق كما جاء فى الحديث هذا الإطلاق لغوى، وليس اصطلاحى نظير قوله تعالى : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا
بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ( ) وقوله تعالى : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى( ) فإضافة صحبة النبى  إلى المشركين والكافرين إنما هى صحبة الزمان
والمكان لا صحبة الإيمان، وذلك كقوله تعالى فى حق سيدنا يوسف – عليه السلام – : يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ
الْقَهَّارُ( )0
فالصحبة فى الحديث الشريف، بمعناها اللغوى كما فى الآيات السابقة، وليست الصحبة الاصطلاحية، فتعريفها السابق يخرج المنافقين
والمرتدين0
ثم كيف يكون المنافقون من الصحابة بالمعنى الاصطلاحى وقد نفاه عنهم رب العزة بقوله : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ
قَوْمٌ يَفْرَقُونَ( )0
ثم إن المنافقين لم يكونوا مجهولين فى مجتمع الصحابة الكرام  ولم يكونوا هم السواد الأعظم، والجمهور الغالب فيهم، وإنما كانوا فئة
معلومة آل أمرهم إلى الخزى والفضيحة، حيث علم بعضهم بعينه، والبعض الآخر منهم علم بأوصافه، فقد ذكر الله فى كتابه العزيز من
أوصافهم، وخصوصاً فى سورة التوبة، ما جعل منهم طائفة متميزة منبوذة، لا يخفى أمرها على أحد، كما لا يخفى على أحد حالهم فى
زماننا0
فأين هذه الفئة المنافقة ممن أثبت الله لهم فى كتابه نقيض صفات المنافقين، حيث أخبر عن رضاه عنهم، من فوق سبع سماوات، وجعلهم خير
أمة أخرجت للناس”( )0
ويدل على ما سبق من قلة المنافقين فى المجتمع الإسلامى، وأنهم فئة معلومة تكفل رب العزة بفضحهم فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب
عظيم0
ما رواه حذيفة بن اليمان( )  صاحب سر رسول الله  فى المنافقين0 قال : قال النبى  فى أمتى – وفى رواية – فى أصحابى إثنا عشر
منافقاً فيهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يَلِجَ الجَمَلُ فى سم الخياط0 ثَمانيةٌ منهم تَكْفِيكُهُمُ الدُّبِيْلَةُ، سِرَاجٌ من النارِ، يظهرُ فى
أكتافِهِم حتى يَنْجُمَ من صُدَورِهِم”( )0
وعن ابن عباس -رضى الله عنهما- قال : كان رسول الله  فى ظل حجرةٍ من حجره، وعنده نفرٌ من المسلمين قد كان يقلصُ عنها الظل، قال
: سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان فلا تكلموه، فدخل رجل أزرق، فقال رسول الله  على ما تسبُنى أنت وفلانٌ وفلان، لقوم دعا بأسمائهم،
فانطلق إليهم فدعاهم فحلفوا واعتذروا فأنزل الله  يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
الْكَاذِبُونَ ( )0

أما ما استدل به محمود أبو رية من قول “أُسَيْدُ بن حُضَيْر، لسعدُ بنُ عبادةُ إنك منافق تجادل عن المنافقين” وقوله فهؤلاء
البدريون منهم من قال لآخر منهم : “إنك منافق ولم يكفر النبى لا هذا ولا ذاك”( )0
هذا الذى يزعمه الرافضى محمود أبو ريه من فرط جهله،وتضليله وبتره لسبب ذلك القول0
وهو كما جاء فى الصحيحين فى قصة الإفك لما قال  وهوعلى المنبر : “يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغ أذاه فى أهل بيتى
فوالله ما علمت على أهلى إلا خيراً0 ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً0 وما كان يدخل على أهلى إلا معى” فقام سعد بن معاذ
الأنصارى فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه0 وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت عائشة –
رضى الله عنها – فقام سعد بن عبادة( )، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً0 ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ : كذبت لعمر الله!
لا تقتله، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير( )، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله! لنقتلنه فإنك منافق
تجادل عن المنافقين …”( )0
فكما هو واضح من قصة الحديث أن قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة “فإنك منافق” وقع منه على جهة المبالغة، فى زجره عن القول الذى
قاله حمية للخزرج، ومجادلته عن ابن أُبى، وغيره0

ولم يرد أُسيدُ بإطلاقه “فإنك منافق” لم يرد به نفاق الكفر، وإنما أراد أنه كان يظهر المودة للأوس، ثم ظهر منه فى هذه القصة، ضد ذلك فأشبه
حال المنافق، لأن حقيقته إظهار شئ وإخفاء غيره0
ولعل هذا هو السبب فى ترك إنكار النبى ( ) وهو أقوى دليل على الخصم0

ومع كل هذا فقد تقرر أن العدالة لا تعنى العصمة من الذنوب، أو السهو، أو الخطأ، ومن فضل الله عليهم  أن وعدهم بالمغفرة،
ولا سيما أهل بدر، وهم من أهلها فعن ابن عباس قال : قال عمر بن الخطاب  كتب حاطب بن أبى بلتعه إلى أهل مكة فأطلع الله تعالى عليه
نبيه  فبعث علياً والزبير فى أثر الكتاب فأدركا امراة على بعير فاستخرجاه من قرن من قرونها، فأتيا به نبى الله  فقرئ عليه، فأرسل إلى
حاطب فقال “يا حاطب إنك كتبت هذا الكتاب؟” قال نعم : يا رسول الله قال : “فما حملك على ذلك”؟ قال : يا رسول الله، إنى والله لنا صح لله،
ولرسوله ، ولكنى كنت غريباً فى أهل مكة وكان أهلى بين ظهرانيهم، فخشيت عليهم، فكتبت كتاباً لا يضر الله ورسوله شيئاً، وعسى أن يكون
فيه منفعة لأهلى0 قال عمر : فاخترطت سيفى وقلت : يا رسول الله أمكنى منه فإنه قد كفر فأضرب عنقه0 فقال رسول الله  : “يا ابن الخطاب
وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل هذه العصابة من أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإنى قد غفرت لكم”( ) أ0هـ0
ثالثاً : أما ما استدلوا به من فرار بعض الصحابة يوم الزحف فى غزوتى أحد وحنين، ما استدلوا به حجة عليهم0
ففى عتاب الفرار يوم أحد قال  : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ثم ختم العتاب بقوله تعالى
: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ( )0
ولا تعيير بعد عفو الله تعالى عن الجميع( )”0

وفى عتاب الفرار يوم حنين قال  : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثم
يمتن رب العزة عليهم بقوله تعالى : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ
جَزَاءُ الْكَافِرِينَ( )0
وهل تنزل السكينة إلا على قوم مؤمنين؟!

نعم تنزل السكينة على قوم مؤمنين ليزدادوا بها إيماناً مع إيمانهم، وصدق رب العزة : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا
إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا( ) ويقول  : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا( )0
وهل بعد تلك الشهادات العلا لهم بالإيمان والتقوى من تعيير؟!!

رابعاً : أما استدلالهم بحديث الحوض، وما جاء فيه من وصف الصحابة بالردة0 فهذا من زندقة الرافضة، ومن تلبيسهم، وتضليلهم0

فإن المراد بالأصحاب هنا ليس المعنى الاصطلاحى عند علماء المسلمين، بل المراد بهم مطلق المؤمنين بالنبى  المتبعين لشريعته، وهذا كما
يقال لمقلدى أبى حنيفة أصحاب أبى حنيفة، ولمقلدى الشافعى أصحاب الشافعى وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل
للماضين الموافقين له فى المذهب : “أصحابنا” مع أن بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفته  لهم مع عدم رؤيتهم فى الدنيا بسبب أمارات
تلوح عليهم يعرفها النبى 0

فعن حذيفة قال:قال رسول الله:”إن حوضى لأبعد من أَيَلَةَ مِن عَدَنٍ( )،والذى نفسى بيده! إنى لأزودُ عنه الرجال كما يَزُودُ الرجلُ الإبلَ الغريبةَ
عن حوضه”، قالوا: يا رسول الله! أو تعرفنا؟ قال : “نعم تَرِدُون علىَّ غُرًّا مُحَجَّلينَ من آثار الوضوء0 ليست لأَحدٍ غَيْرِكُم”( )0

ولو افترضنا أن المراد بالأصحاب فى الحديث، الأصحاب فى زمنه 0
فالمراد بهم : الذين صاحبوه صحبة الزمان والمكان مع نفاقهم، كما سبق من قوله تعالى : ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى( )0
وعلى هذا فالمراد بالمرتدين من أصحابه فى الحديث هم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق 0
وقد علمت أن التعريف الاصطلاحى للصحابة يخرج من ارتد ومات على ردته – والعياذ بالله -0

وفى الحديث ما يؤيد المعانى السابقة، كقوله  “أصيحابى” بالتصغير، كما جاء فى بعض الروايات، قال الخطابى : “فيه إشارة إلى قلة عدد من
وقع لهم ذلك، وإنما وقع لبعض جفاة الأعراب، ولم يقع من أحد من الصحابة المشهورين”( )0 وفى قوله  : “فيقال” : هل شعرت ما عملوا
بعدك” “فيه إشارة إلى أنه لم يعرف أشخاصهم بأعيانها، وإن كان قد عرف إنهم من هذه الأمة”( )0
أما حمل الحديث على أصحاب رسول الله  بالمعنى الاصطلاحى-فهذا ما لا يقوله مسلم!! وهو ما يدحضه ما سبق ذكره من تعديل الله ،
ورسوله ، وإجماع الأمة على ذلك أ0هـ0

خامساً : أما ما احتجوا به من حديث “لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض” والزعم بأن الصحابة استحل بعضهم دماء بعض فى
صفين والجمل0

فالحق أن هذه الشبهة من أخطر الشبه التى احتج بها الرافضة الزنادقة، وأذيالهم من دعاة العلمانية، الذين اتخذوا من تلك الفتن
مادة دسمة، طعنوا بها فى عدالة الصحابة، وفتنوا بذلك عوام المسلمين، وممن لا علم له، بضربهم على (الوتر الحساس) وهو : دعوى ظلم
الصحابة لآل بيت رسول الله  فى تلك الفتن”0

وهذا ما فعله طه حسين فى كتابه “الفتنة الكبرى – عثمان بن عفان ”( )0 وقال بقوله محمود أبو رية( )، وغير واحد من دعاة الرافضة
واللادينية( )0

حتى وجدنا من يجهر من الرافضة قائلاً : “معاوية بن أبى سفيان ” – كافر ابن كافر – ولعنة الله على معاوية، فقد بغى على الحق، وخرج
على طاعة الإمام على، وشتت شمل المسلمين، وفرق كلمتهم، فأساس فرقة المسلمين إلى الآن هو معاوية الذى خرج عن طاعة الإمام على
بن أبى طالب ”( )0
والجواب عن هذا الإفك يطول( )، وهو بحاجة إلى تحقيق دقيق( )0 نكتفى هنا بخلاصة القول0
وهو أنه لا حجة لهم فى الحديث، ولا فى الفتن التى وقعت بين سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم أجمعين-، والتى أشعلها سلفهم من
الخوارج، والرافضة، والزنادقة0
فقوله : “لا ترجعوا بعدى”0 بصيغة النهى والتحذير من قتال المؤمن0

وإطلاق الكفر على قتال المؤمن مبالغة فى التحذير من ذلك، لينزجر السامع عن الإقدام عليه وليس ظاهر اللفظ مراداً، أو أنه
على سبيل التشبيه لأن ذلك فعل الكافر”( )0
والمعنى لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوهم فى حالة قتل بعضهم بعضاً( )0

وقيل : المعنى كفاراً بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين، وقيل : كفاراً بنعمة الله، وقيل المراد ستر الحق، والكفر
لغة الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه،فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه،وقيل:إن الفعل المذكور يفضى
إلىالكفر، لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصى جره شؤم ذلك إلى أشد منها فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام، وقيل:اللفظ على ظاهره
للمستحل قتال أخيه المسلم0وقيل غير ذلك( )0

وما جرى بين الصحابة  من قتال لم يكن عن استحلال له حتى يحمل الحديث على ظاهره وأن قتالهم كفر، كما استدل الخوارج
ومن شايعهم بقوله  : “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”( )0

كيف والقرآن الكريم يكذبهم فى هذا الفهم السطحى قال تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى
الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(9)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( )0
فسماهم أخوة، ووصفهم بأنهم مؤمنون، مع وجود الاقتتال بينهم، والبغى من بعضهم على بعض0

يقول الحافظ ابن كثير : “وبهذا استدل البخارى( ) وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله
الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت فى صحيح البخارى من حديث الحسن( )، عن أبى بكرة( )  قال : رأيت رسول الله 
على المنبر-والحسن بن على إلى جنبه-وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول:إن ابنى هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين
عظيمتين من المسلمين( )

فكان كما قال ، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام، وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة”( )0

يقول الإمام ابن تيمية:”والذين قاتلوا الإمام على  لا يخلوا: إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين، وعلى كل
تقدير، فهذا لا يقدح فى إيمانهم، ولا فى عدالتهم، ولا يمنعهم الجنة، بما سبق من تصريح القرآن الكريم، من تسميتهم إخوة، ووصفهم بأنهم
مؤمنون، وتأكيد النبى  ذلك بما سبق من رواية الحسن بن على عن أبى بكرة 0

ولهذا اتفق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين، وإن قالوا فى إحداهما أنهم كانوا بغاة( ) والبغى إذا كان بتأويل كان صاحبه
مجتهداً، والمجتهد المخطئ لا يكفر، ولا يفسق وإن تعمد البغى فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة كالتوبة، والحسنات
الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبى  ودعاء المؤمنين، وغير ذلك( )0
وعلى هذا القول إجماع الأمة من علمائها0

يقول الإمام الآمدى : “فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من
اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين0

وإلا فجمهور الصحابة وسادتهم تأخروا عن تلك الفتن والخوض فيها كما قال محمد بن سيرين : “هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله  عشرة
آلاف فما حضر منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين” وإسناد هذه الرواية كما قال ابن تيمية أصح إسناد على وجه الأرض( )0

وعلى هذا فالذى خاض فى تلك الفتن من الصحابة إما أن يكون كل مجتهد مصيباً، أو أن المصيب واحد، والآخر مخطئ فى اجتهاده مأجور
عليه0
وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، إما بتقدير الإصابة فظاهر، وإما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالإجماع”( )0

يقول الإمام الجوينى : “أما التوقف فى تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن، وخاضوا المحن، ومتضمن هذا، الانكفاف عن الرواية عنهم، فهذا
باطل من دين الأمة، وإجماع العلماء على تحسين الظن بهم، وردهم إلى ما تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة، وهذا من نفائس الكلام”( )
أ0هـ0

وأخيراً : دع عنك – أخى المسلم – ترهات المبتدعة الذين يجادلون فى عدالة الصحابة جميعاً – وينفون العدالة عن بعضهم – اتباعاً للهوى أو
انقياداً للشيطان0 وأشد سخفاً من ذلك، ما يتجرأ به البعض فى زماننا هذا حينما يتحدثون عن الصحابة بأسلوب غير لائق، وينصب نفسه حكماً
فيما شجر بينهم من خلاف، ويقبل رواية هذا، ويرفض رواية ذلك، وهو لا يملك سبباً واحداً من أسباب ذلك كله”( )0

واعلم أن أمثال هؤلاء لهم خبيئة سوء، ومتهمين فى دينهم، يدل على ذلك ما روى عن الإمام أحمد بن حنبل  أنه سئل عن رجل تنقص
معاوية، وعمرو بن العاص أيقال له رافضى؟ فقال : إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحدٌ أحداً من الصحابة إلا وله داخلة
سوء”0 وفى رواية أخرى قال : “إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام”( )0

ويسئل الإمام النسائى عن معاوية بن أبى سفيان – رضى الله عنهما – فيقول : “إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى
الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب – أى نقبه – إنما يريد دخول الدار، قال : فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة( )0
وصدق عمر بن عبد العزيز “تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا تخضب بها السنتنا”( ) أ0هـ0
والله تبـارك وتعالـى
أعلـى أعلـم

المطلـب الخامـس
سنـة الصحابـة  حجـة شرعيـة

إذا كان أعداء الإسلام يشككون فى عدالة الصحابة  فهم أيضاً يشككون فى سنتهم، وسنة الخلفاء الراشدين0
يقول محمد شحرور : “فإذا سألنى سائل الآن ألا يسعك ما وسع الصحابة فى فهم القرآن؟ فجوابى بكل جرأة ويقين هو : كلا لا يسعنى ما
وسعهم، لأن أرضيتى العلمية تختلف عن أرضيتهم، ومناهج البحث العلمى عندى تختلف عنهم، وأعيش فى عصر مختلف تماماً عن عصرهم
والتحديات التى أواجهها تختلف عن تحدياتهم”( )0

والحق أن هذا كلام من يرى الشريعة الإسلامية قرأناً وسنة غير صالحة لكل زمان ومكان، فكلامه هو وغيره من أعداء السنة
المطهرة فى سنة الصحابة لا قيمة له0
لأن سنة الصحابة وهى ما جاء عنهم من قول أو فعل أو تقرير إذا كان مما لا يقال من قبل الرأى، ومما لا مجال للاجتهاد فيه، فله حكم
المرفوع المسند تحسيناً للظن بهم، وجزم بذلك الرازى فى المحصول، وغير واحد من أئمة الأصول والحديث( )0

وإذا كانت سنتهم فى غير ذلك، فقد اختلف العلماء فى ذلك0
والراجح من هذا الخلاف( ) أن سنتهم كسنة الرسول يعمل بها، ويرجع إليها، وانتصر لهذا الرأى غير واحد من أئمة الأصول، منهم الشاطبى –
رحمه الله – فبعد أن ذكر الآيات والأحاديث الدالة على عدالتهم قال : “فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط أى
عدول بإطلاق، وإذا كان كذلك فقولهم معتبر، وعملهم مقتدى به0

ثم استدل الشاطبى لما رجح بأدلة منها :
1- ما جاء فى الحديث من الأمر باتباعهم،وأن سنتهم فى طلب الاتباع كسنة النبى  لقوله  : “فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين
المهديين،تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ”( )
2- أن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل، فقد جعل طائفة قول أبى بكر وعمر حجة ودليلاً، وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة
دليلاً، وبعضهم يعد قول الصحابى على الإطلاق حجة ودليلاً، ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة وهذه الآراء – وإن ترجح عند العلماء
خلافها – ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلى هو المعتمد فى المسألة، وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم، يهابون مخالفة الصحابة،
ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى فى علوم الخلاف الدائرة بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قوَّوها بذكر من ذهب
إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا فى أنفسهم وفى مخالفيهم من تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم، وكبر شأنهم فى الشريعة،
وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه0
ويؤيد هذا ما جاء عن السلف الصالح، من تزكيتهم والحث على متابعتهم0

فعن ابن مسعود  قال : “من كان مستناً فليستن( ) بأصحاب محمد  فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها
هدياً، وأحسنها حالاً، قوماً اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم فى آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى
المستقيم”( )0

وقال عمر بن عبد العزيز : “سن رسول الله ، وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة
على دين الله، من عمل بها مهتدٍ، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت
مصيراً0
وفى رواية بعد قوله -وقوة على دين الله – ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر فى رأى خالفها، من اهتدى بها مهتد …
الحديث”( )0 فقال مالك فأعجبنى عزم عمر على ذلك”( ) والآثار فى هذا المعنى يكثر إيرادها، وقد استوعب كثيراً منها الإمام ابن قيم الجوزية
فى كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين( )0

ويقول الإمام الشاطبى فى موضع آخر من كتابه مبيناً أن بيان الصحابى حجة، قال: “وأما بيان الصحابة، فإن أجمعوا على ما
بينوه، فلا إشكال فى صحته أيضاً، كما أجمعوا على الغسل من التقاء الختانين المبين لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا( ) وهذا الإجماع
حجة موجبة للعلم،ولا يعتد بخلاف من خالفهم،كما حكاه السرخسى( )،عن أبى حازم القاضى( )

وإن لم يجمعوا عليه فهل يكون بيانهم حجة أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل0 ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم فى البيان، من وجهين :
أحدهما : معرفتهم باللسان العربى، فإنهم عرب فصحاء، لم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم، فهم أعرف فى فهم الكتاب
والسنة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده من هذه الجهة0
ثانيهما : مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحى بالكتاب والسنة، فهم أقعد فى فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا
يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه
صواب، وهذا إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف فى المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسالة اجتهادية”( )0

ويقول فى كتابه الاعتصام : “الصحابة هم المتقلدون لكلام النبوة، المهتدون للشريعة، الذين فهموا أمر دين الله بالتلقى من نبيه
مشافهة على علم، وبصيرة بمواطن التشريع، وقرائن الأحوال، بخلاف غيرهم : فإذا كل ما سنوه، فهو سنة، من غير نظير فيه، بخلاف
غيرهم، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالاً للنظر رداً وقبولاً”( )0

سنة الصحابة مصدراً للأحكام الدستورية :
يقول المستشار الدكتور على حريشة بعد أن رد اعتراضات المنكرين لحجية مذهب الصحابى( )، قال : وسنة الصحابة يمكن أن تكون مصدراً
للأحكام الدستورية : ولقد كان نظام الخلافة وليد اجتهاد الصحابة فضرورة البيعة – وهى مظهر رضا المسلمين – كانت عليها سنة الصحابة،
فلم يل أحدهم دون بيعة، ولم يكن الاستخلاف بالنسبة لمن استخلفوا إلا ترشيحاً، واستمرار الخلافة مدى حياة الخليفة … كان سنة للصحابة،
تحقق بها ميزات عجز عنها كل من النظام الجمهورى، والنظام الملكى على السواء، فقد وفرت الثبات الذى ينقص الأنظمة الجمهورية، ونفت
التوارث الذى يعيب الأنظمة الملكية0

وهكذا يتبين أن سنة الخلفاء كانت مصدراً لكثير من الأحكام الدستورية على غير ما يذهب إليه بعض “المجتهدين” “المحدثين”(
) أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

المبحث الثانـى
طعنهـم فـى عدالـة أهـل السنـة

وفيه تمهيد وأربعة مطالب :
التمهيد ويتضمن :
موقف أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً من أهل السنة، وأئمة المسلمين، وأساليبهم فى الطعن فى أهل السنة0
المطلب الأول : بيان المراد بأهل السنة0
المطلب الثانى : سلامة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية وبيان تحقيق النجاة لهم0
المطلب الثالث : شرف أصحاب الحديث0
المطلب الرابع : الجواب عن دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن0

التمهيـد

ويتضمن موقف أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً من أهل السنة، وأئمة المسلمين وأساليبهم فى الطعن فى أهل السنة0

ليس فى الدنيا مبتدع، ولا من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع، إلا وهو يطعن فى أهل السنة من
المحدثين،والفقهاء،والمفسرين…إلخ وينظر إليهم بعين الحقارة ويسمونهم بأسماء هم أولى بها منهم، فالجهمية يسمونهم مشبهة ونابته،
والقدرية يسمونهم مجبرة، والزنادقة يسمونهم الحشوية، والمعتزلة يسمونهم زوامل أسفار، والرافضة يسمونهم نواصب … إلخ0 وكل ذلك
عصبية، وغياظ لأهل السنة، ولا اسم لهم إلا اسم واحد وهو “أصحاب السنة”0

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: