مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 11-14

ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع كما لم يلتصق بالنبى  تسمية كفار مكة ساحراً، وشاعراً، ومجنوناً، ولم يكن اسمه عند الله، وعند
ملائكته، وعند انسه، وجنه، وسائر خلقه، إلا رسولاً نبياً برياً من العاهات كلها قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
سَبِيلًا( )0فالوقيعة فى أهل السنة من علامات أهل البدع والزيغ قديماً وحديثاً0
فالشيعة الرافضة، والخوارج كفرو أهل السنة لأنهم ضبطوا آثار الصحابة، وقاسوا فروعهم على فتاوى الصحابة”( )0 فمن وثق الصحابة الذين
كفروهم وأخذ بسنتهم فهو مثلهم فى الكفر0
والمعتزلة ردوا فتاوى أهل السنة وقبحوها فى أسماع العامة، لينفروا الأمة من اتباع السنة وأهلها( )0ويروى فى ذلك ابن قتيبة عن عمرو بن النضر0 قال : مررت بعمرو بن عبيد فجلست إليه، فذكر شيئاً، فقلت : ما هكذا يقول أصحابنا0 قال :
ومن أصحابك لا أبا لك؟
قلت : أيوب، وابن عون، ويونس، والتيمى0 فقال : أولئك أرجاس أنجاس أموات غير أحياء( )0 يقول ابن قتيبة معلقاً على ما
قاله عمرو بن عبيد : “وهؤلاء الأربعة الذين طعنهم، غرة أهل زمانهم فى العلم، والفقه، والاجتهاد فى العبادة، وطيب المطعم، وقد درجوا على
ما كان عليه مَنْ قبلهم من الصحابة والتابعين0

وهذا يدل على أن أولئك أيضاً عنده أرجاس أنجاس( )0
وذكر الشاطبى عن عمرو بن عبيد أنه قال : “ما كلام الحسن البصرى، وابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيضة ملقاة”( )0

وحكى الذهبى وابن كثير عن عمرو بن عبيد أنه روى له حديث ابن مسعود  مرفوعاً : “إن أحدكم يُجمع خلقُهُ فى بطنِ أُمه أربعين يوماً0 ثم
يكون فى ذلك علقةً مثلَ ذلكَ0 ثم يكون فى ذلك مُضغةً مثلَ ذلك0 ثم يُرسلُ المَلَكُ فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربعِ كلماتٍ : بكتب رزقِهِ، وأجلِهِ،
وعملِهِ، وشقىٌّ أو سعيدٌ … الحديث”( )0

فقال : “لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت رسول الله  يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت
ميثاقنا”( )0

ويروى الحاكم عن الإمام أحمد بن حنبل –رحمه الله- أن أحمد بن الحسن( ) قال له يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبى فتيلة بمكة أصحاب الحديث
فقال : أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه، فقال : زنديق! زنديق! زنديق! ودخل البيت( )0

وقال أحمد بن سنان القطان( ) : “ليس فى الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه”( )0
يقول أبو عبد الله الحاكم : “وعلى هذا عهدنا فى أسفارنا، وأوطاننا، كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع،لا ينظر إلى الطائفة
المنصورة،إلا بعين الحقارة،ويسميها الحشوية”( )

قلت:وما قاله الإمام الحاكم وغيره، هو ما عهدناه فى زماننا ممن ينتسب إلى نوع من الإلحاد والبدع0صاروا علىدرب أسلافهم يبغضون أهل
الحديث،وينظرون إليهم بعين الحقارة، ويسمونهم كما سماهم أهل الزيغ قديماً،حشوية،وزوامل أسفار…إلخ،ويطعنون فى عدالتهم0

فما قاله قديماً ابن أبى فتيلة فى أصحاب الحديث بأنهم قوم سوء، قاله فى زماننا نيازى عز الدين فى كتابيه “دين السلطان”( )، و”إنذار من
السماء” إذ يقول : “فإما أن نختار طريق آبائنا، وأجدادنا، ومشايخنا السالف، الذى قد عرفنا قبل قليل بالبرهان القاطع أننا ضللنا به، حين تركنا
منهج القرآن، وتركناه حتى نسج عليه العنكبوت خيوطه”( )0

ويقول : “أهل الحديث ورواته، كانت مهنتهم رواية الأحاديث وكتابتها، فهم يرتزقون مما يرددون ويكتبون0 وقالوا : إن ما كتبوه
بأيديهم (وحى آخر) من عند الله مثل القرآن، وقالوا : إن كتاب الله هو القرآن، وما معهم من الروايات والأقاويل كتاب الحكمة، ظناً وظلماً، فهم
قالوا عن أكاذبيهم إنها من عند الله، تماماً كما فعل أهل الكتاب من قبلهم فى تحريفاتهم0 وهم أيضاً يظنون أن الله سبحانه وتعالى لا يقصدهم
فى هذه الآية فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ( ) بينما هى تنطبق عليهم الانطباق التام( )0

ويقول أيضاً طاعناً فى عدالة وجهاد من أيد الله به الدين يوم المحنة، قال : “لذلك نجد الإمام أحمد بن حنبل الذى كان صديقاً حميماً
لرؤساء المحفل السرى الخفى، لم يرض أن يقول بخلق القرآن فجلده المأمون، لأنه وجد جلده أرحم من قتله على يد أصدقائه إن قال بعكس
تعليماتهم كلها”( )0
ونفس هذا الهراء نسبه إلى أبى حنيفة النعمان قائلاً : “أبو حنيفة النعمان كان صديقاً لأحبار اليهود الذين ادعوا أنهم أحبار الإسلام بإعلانهم
إسلامهم، أمثال : يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضى، الذى كان من أكبر أصحاب أبى حنيفة”( )0

وانظر إلى ما يقوله إسماعيل منصور متفوقاً على سلفه ابن أبى فتيلة فى طعنه فى رموز الإسلام القائلين بحجية السنة0
يقول : “ونحن نشفق على قائليه وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد، وكذلك البخارى ومسلم – رحمهم الله جميعاً – لأنهم “عفا الله
عنهم” يستحقون الشفقة والدعاء لهم بالعفو، فإن الله تعالى لو أخذهم بما قالوا (يعنى حجية السنة) لكان أخذه تعالى لهم أليماً شديد لمخالفتهم
لكلامه تعالى (مخالفة صريحة) … فإنهم قد استدرجوا إلى مكيدة إبليس اللعين (بحسن نية منهم) فأخذوا بمنهج التبديل ذى الروايات والحكايات،
وتركوا كتاب الله تعالى وهم لا يشعرون، حتى أصلوا ظاهرة التحول عن كلام الله، إلى كلام غيره من البشر، وعلموا الناس أن يتركوا ظاهر
القرآن الكريم، إلى قول زيد، وعبيد، من الرواة، وهى خطة إبليس اللعين “عليه اللعنة إلى يوم الدين” وهذا واضح تمام الوضوح( )0

ويقول أيضاً واصفاً أهل السنة بالخرافة و … و …، وأن فى اتباعهم خسران الدنيا والآخرة قال : “يا أفراد عش الوطاويط (
الخفافيش) أخرجوا إلى النور (نور القرآن الكريم) ولا تظلوا حبيسى الظلام “ظلام الأقوال البشرية، والروايات القصصية” … يا أتباع مملكة
الوهم، وضحايا التأليف فى الدين، وصرعى الروايات والقصص والظنون والأوهام، أفيقوا من سباتكم الغطيط وانهضوا من رقادكم الطويل،
وطهروا أنفسكم وعقيدتكم بألا تساووا كلام البشر بكلام الله رب العالمين( )0
ماذا تقولون لنا يا أهل الخرافة من الروايات والحكايات والقصص والخزعبلات؟؟ماذا تقولون؟؟

إن من يتبعكم سيخسر الدنيا والآخرة لا محالة؟؟ سيخسر الدنيا؛ لأنه يعيش فى غير نصرة الله تعالى : “كما يعيش أكثر المسلمين الآن”، ويخسر
الآخرة لأنه سيموت على هذا الضلال المبين “يعنى الإيمان بحجية السنة” فلا يكون له فى الآخرة من خلاق( ) أ0هـ0

إن هذا الهراء ما كنت لاستحل حكايته إلا لبيان أن من أساليب الطعن فى حجية السنة من الزنادقة قديماً وحديثاً بغض أهل السنة،
والطعن فى عدالتهم، وفى علومهم، لتنفير الأمة من إتباع السنة وأهلها0
ولنتأمل كيف فاق زنادقة يومنا، زنادقة الأمس بالطعن فى أهل السنة0

إن طعون الحاقدين من المستشرقين، وأهل الزيغ فى أهل السنة كثيرة، وقد سبق ذكر بعضها والجواب عنها كزعمهم أن المحدثين، والفقهاء،
كانوا وضاعين ذهبوا إلى تأييد كل ذرأى يرونه صالحاً ومرغوباً فيه بحديث يرفعونه إلى النبى ( )0

وكزعمهم أن المحدثين والفقهاء فى العصر الأموى، والعباسى، كانوا فقهاء سلطة( ) ونكتفى هنا بالرد على دعواهم تقصير
المحدثين فى نقدهم للمتن، وذلك بعد بيان عدالة أهل السنة، وأنهم الجماعة، والجمهور، والسواد الأعظم، لهذه الأمة الإسلامية لسيرهم على
طريقة النبى  وأصحابه الأخيار -رضوان الله عليهم أجمعين- ولا عبرة بمن خالفهم من أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً0 لخروجهم على
طريقة النبى  وتكفيرهم أصحابه، والطعن فى عدالة من قال بعدالتهم( ) وبيان ذلك فى الأربعة مطالب الآتية :

المطلـب الأول
بيـان المـراد بأهـل السنـة

عندما نتحدث عن عدالة أهل السنة فإننا لا نعنى بهم أهل الحديث فقط، وإنما مرادنا بهم الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الإمام عبد
القادر البغدادى فى كتابه الفرق بين الفرق من : (1) علماء التوحيد (2) علماء الفقه (3) علماء الحديث (4) علماء النحو (5) علماء
القراءات والتفسير (6) الزهاد الصوفية0
الذين لم يخلط كل صنف منهم علمه بشئ من بدع أهل الأهواء الضالة، ومن مال منهم إلى شئ من الأهواء الضالة لم يكن من
أهل السنة، ولا كان لقوله حجية فى عمله0

7- والصنف السابع : المجاهدون فى سبيل الله، يحمون حمى المسلمين، ويذبون عن حريمهم وديارهم، ويظهرون فى ثغورهم مذاهب أهل
السنة والجماعة0
8- والصنف الثامن منهم : عامة البلدان الذين اعتقدوا تصويب علماء السنة، ورجعوا إليهم فى معالم دينهم، وقلدوهم فى فروع الحلال
والحرام، ولم يعتقدوا شيئاً من بدع أهل الأهواء الضالة0
قال الإمام عبد القادر البغدادى : فهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة، ومجموعهم أصحاب الدين القويم، والصراط المستقيم”( )
أ0هـ0

ويقول الدكتور ناصر الشيخ معرفاً بهم فى نص جامع قال : أهل السنة هم المتمسكون بما جاء فى الكتاب والسنة، والتزموا بما
فيهما قولاً وعملاً، وكان معتقدهم موافقاً لما جاء فيهما، وموافقاً لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة الكرام ، والتابعين لهم بإحسان،
وأتباعهم من أئمة الدين ممن شهد لهم بالإمامة، وعرف عظم شأنهم فى الدين، وتلقى الناس كلامهم خلف عن سلف0

دون من رمى ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضى، كالخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والمعتزلة، والكرامية،
ونحو هؤلاء( ) أ0هـ0
المطلـب الثانـى
سلامة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية
وبيـان تحقـيق النجـاة لهـم

عن أبى هريرة  قال : قال رسول الله  : “تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك،
وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة”0

هذا الحديث أخرجه جماعة من الأئمة منهم أبو داود( )، والترمذى وصححه( )، وابن ماجة( )، والحاكم وصححه( )، وله شواهد عن جماعة
من الصحابة كأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبى بن كعب، وأبى الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبى سفيان
وغيرهم( )0
وجاء فى هذه الشواهد تفسير للفرقة الناجية بأسانيد تقام بها الحجة فى تصحيح هذا الحديث( )0 كما قال الحاكم فى المستدرك
ووافقه الذهبى( )0

من هذه الشواهد حديث معاوية وأنس – رضى الله عنهما – مرفوعاً : “إن أهل الكتاب تفرقوا فى دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق هذه
الأمة على ثلاث وسبعين كلها فى النار إلا واحدة، وهى الجماعة( )0
وفى حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً : “إنى بنى إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين كلهم
فى النار إلا ملة واحدة، قالوا : ومن هى يا رسول الله قال : “ما أنا عليه وأصحابى”( )0

يقول الإمام الشاطبى : “إن الجماعة – فى الحديث الشريف – هى الصحابة على الخصوص فإنهم الذين أقاموا عماد الدين،
وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك، … ولفظ الجماعة وتفسيره هنا مطابق للرواية الأخرى
فى قوله  : “ما أنا عليه وأصحابى”( )0

يقول الإمام عبد القادر البغدادى مبيناً صحة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية وتحقيق النجاة لهم بنص الحديث
السابق0 قال : “إن النبى  لما ذكر افتراق أمته بعده ثلاثاً وسبعين فرقة، وأخبر أن فرقة واحدة منها ناجية، سئل عن الفرقة الناجية، وعن
صفتها، فأشار إلى الذين هم، على ما عليه هو وأصحابه0

ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة  غير أهل السنة والجماعة، من مجتهدى الأمة وعلمائها أهل الشريعة العاملين
بها، دون الرافضة، والمعتزلة، والخوارج، والجهمية، وجميع أهل البدع والأهواء، فهم غير داخلين فى لفظ الجماعة قطعاً، لخروجهم على
طريقة النبى  وطريقة أصحابه 0

ثم كيف يكون الرافضة، والخوارج، والقدرية، وسائر أهل البدع موافقين للصحابة؟ وهم بأجمعهم لا يقبلون شيئاً مما روى عن
الصحابة فى أحكام الشريعة، لامتناعهم من قبول روايات الحديث، والسير، والمغازى، من أجل تكفيرهم للصحابة، ولأصحاب الحديث الذين هم
نقلة الأخبار والآثار، ورواة التواريخ والسير، ومن أجل تكفيرهم فقهاء الأمة الذين ضبطوا آثار الصحابة، وقاسوا فروعهم على فتاوى
الصحابة0
ولم يكن بحمد الله ومَنِّهِ فى الخوارج، ولا فى الروافض، ولا فى القدرية، ولا فى سائر أهل الأهواء الضالة إمام فى الفقه، ولا إمام فى رواية
الحديث، ولا إمام فى اللغة والنحو، ولا موثوق به فى نقل المغازى والسير والتواريخ، ولا إمام فى الوعظ والتذكير، ولا إمام فى التأويل
والتفسير، وإنما كان أئمة هذه العلوم، على الخصوص والعموم، من أهل السنة والجماعة( )0
وأهل الأهواء الضالة إذا ردوا الروايات الواردة عن الصحابة فى أحكامهم وسيرهم لم يصح اقتداؤهم بهم0

وبان من هذا أن المقتدين بالصحابة من يعمل بما قد صح بالرواية الصحيحة فى أحكامهم وسيرهم، وذلك سنة أهل السنة دون ذوى البدعة،
وصحح بصحة ما ذكرناه، صحة وسلامة طريقتهم فى فهم الشريعة الإسلامية، وتحقيق نجاتهم لحكم النبى  بنجاة المقتدين بأصحابه( )0
والحمد لله على ذلك( ) أ0هـ0

يقول الإمام الشاطبى – رحمه الله – : “فعلى هذا القول فمن خرج عن جماعة أهل السنة، فهم الذين شذوا، وهم نهبة الشيطان،
ويدخل فى هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لما عليه النبى  وأصحابه0

فمن خرج عن جماعة أئمة العلماء المجتهدين من أهل السنة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم
المعنيون بقوله  : “إن الله لن يجمع أمتى على ضلالة”( )0

فهم جماعة أهل الإسلام والسواد الأعظم، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم0 ومن شذ شذ إلى النار”( ) فإن قيل :
“فإن أهل المقالات المختلفة، يرى كل فريق منهم أن الحق فيما اعتقده، وأن مخالفه على ضلال وهوى، وكذلك أصحاب الحديث، فيما انتحلوا،
فمن أين علموا علماً يقيناً، أنهم على حق؟

قيل لهم : إن أهل المقالات، وإن اختلفوا، ورأى كل صنف منهم أن الحق فيما دعا إليه، فإنهم مجمعون لا يختلفون0على أن من
اعتصم بكتاب الله ، وتمسك بسنة رسول الله ، فقد استضاء بالنور، واستفتح باب الرشد، وطلب الحق من مظانه0 وليس يدفع أهل السنة عن
ذلك إلا ظالم لأنهم لا يردون شيئاً من أمر الدين، إلى استحسان، ولا إلى قياس ونظر، ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين، ولا إلى أصحاب الكلام
المتأخرين( ) أ0هـ0

فإن قالوا : فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار الشرعية التى قالها رسول الله  معصومون فى نقلها، وأن كل واحد منهم
معصوم فى نقله من تعمد الكذب0 قلنا لهم نعم0 هكذا نقول، وبهذا نقطع ونبت0 وكل عدل روى خبراً أن رسول الله  قاله فى الدين أو
فعله ، فذلك الراوى العدل معصوم من تعمد الكذب – مقطوع بذلك عند الله تعالى – لما تقدم من تعهد رب العزة بحفظ جميع الشريعة من كتاب
وسنة”( )0

وفى هذا رد على الدجالين الزاعمين، بأنهم فى ردهم للسنة المطهرة، والأحاديث الصحيحة لا يردون قول النبى  وإنما يردون قول رواة السنة
من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم إلى أصحاب المصنفات الحديثية!!!0

المطلـب الثالـث
شـرف أصحـاب الحديـث

إذا كان الحديث بعد القرآن هو عمدة كل صنف من الأصناف السابقة من أهل السنة، وإذا كانت دواوين أصحاب الحديث، بعد القرآن دعائم
الإسلام التى قامت عليها صروحه0
فإن ذلك يدلنا على عظم مكانة المحدثين بين علماء أهل السنة جميعاً فهم بحق يصدق فيهم قول سفيان الثورى- رحمه الله – : “الملائكة
حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض”( )0
ويقول يزيد بن زُريع( ) : “لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد”( )0
ويقول أبو حاتم الرازى – رحمه الله – : “لم يكن فى أمة من الأمم منذ خلق الله آدم، أمناء يحفظون آثار الرسل إلا فى هذه الأمة0 فقال له
رجل : يا أبا حاتم ربما رووا حديثاً لا أصل له، ولا يصح؟ فقال : علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم ذلك للمعرفة، ليتبين لمن
بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها”( )0

وإذا تقرر أنه لا قيام للإسلام بدون سنة صدق فيهم ما قاله الإمام أبو داود الطيالسى( ) : “لولا هذه العصابة لا ندرس الإسلام”
يعنى أصحاب الحديث الذين يكتبون الآثار”( )0
ويقول الإمام الخطيب البغدادى : “وقد جعل الله تعالى أهله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين
النبى  وأمته، والمجتهدون فى حفظ ملته، … قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنته حفظاً ونقلاً حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها
وأهلها، وكم ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها0

وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأياً تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث ‎، فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول 
فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، إذا اختلف فى حديث، كان إليهم
الرجوع، فما حكموا به، فهو المقبول المسموع0

ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد فى قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم
السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذهبهم لا يتجاسر،من كادهم قصمه الله،ومن عاندهم خذلهم الله، لا
يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير”(
)0

ورحم الله هارون الرشيد القائل : “طلبت أربعة فوجدتها فى أربعة : طلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث
وطلبت الكفر فوجدته فى الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته مع المعتزلة”( ) أ0هـ0

رضى الله عن تلك الأنفس التى نهضت لحفظ الدين، ورضى الله عمن أحيا آثارهم من اللاحقين “آمين”0

المطلب الرابـع
الجواب عـن دعـوى تقصيـر المحدثين
فـى نقدهـم للمتـن

إن دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن واعتمادهم على السند، أطلقها بعض المستشرقين( ) الحاقدين للنيل من ديننا، ومن
هذا العلم الشريف الذى خص الله به هذه الأمة على سائر الأمم، وهى دعوى باطلة تبناها من سار على هديهم من دعاة اللادينية( )، وتأثر بها
بعض المسلمين( )0
يقول الأستاذ الصديق بشير : “وسبب فساد هذا الزعم لو أحسنا الظن بقائليه من المستشرقين؛ أن المنهج النقدى للأخبار عند
الغربيين منصب على المتن وحده، ولم ينل السند عندهم كبير نصيب لأنهم لا يعولون عليه، وإن تكلموا عن السند فلا يتعدى بعض المفاهيم
النظرية التى ليس لها رصيد فى واقعهم النقدى وذلك مخالف للمنهج النقدى عند المسلمين فقد طبق عملياً بشكل واسع ومنقطع النظير، وهى
قفزة عريضة لم يصلها الأوربيون حتى اليوم، وأنى لهم ذلك وأخبارهم القديمة منقطعة الأسانيد قد يئسوا أن يصلوها( )0

ورحم الله ابن حزم إذ يقول : “نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبى  مع الاتصال، خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال
والإعضال، والطرق المشتملة على كذاب أو مجهول الحال، فكثير فى نقل اليهود والنصارى( )، وغيرهم من أهل الملل الأخرى وأهل البدع
والأهواء0

ويبدو تهافت دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن بما اشترطه أصحاب الحديث لصحة الخبر، وبما وضعوه من علامات يعرف
بها وضع الخبر0
وكيف يهملون ضبط المتن وما قام علم الحديث دراية إلا لخدمة علم الحديث رواية!! وبتعبير آخر ما كانت علوم الحديث بأسرها إلا لضمان
ضبط المتن، والتأكد من صحة نسبته إلى النبى 0

ولا نبالغ إذا قلنا أن الشروط الخمسة التى وضعها علماء الحديث لصحة الخبر كلها شروط لضبط المتن، وما يبدو من ظاهر
الشروط لضبط السند هو فى حقيقة الأمر يتعلق بالمتن ظاهراً وباطناً0

فالشروط الثلاثة الأولى لصحة الخبر وهى اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبط الراوى هى فى الظاهر شروط خاصة بضبط السند0 وفى
الحقيقة أن فقدان أى شرط منهم يخل بضبط المتن0
1- لأن عدم اتصال السند ينتج عنه أنواع من الحديث الضعيف : المنقطع، والمعضل، والمعلق، والمدلس، والمرسل، وكلها تخل
بصحة المتن0
2- وفقدان عدالة الراوى ينتج عنها من الحديث الضعيف المخل بضبط المتن0 الموضوع، والمتروك، والمنكر0
3- وفقدان ضبط الراوى ينتج عنه من أنواع الضعيف المخل بضبط المتن : المدرج، والمقلوب، والمضطرب، والمصحف، والمحرف،
وغير ذلك0

فماذا بقى من شروط صحة الخبر سوى شرطى عدم الشذوذ، وعدم العلة، وفقدهما ينتج عنهما الحديث الشاذ، والمعلل، وهما يخلان بضبط
المتن0
فأين من كل هذا ما يفترى كذباً على المحدثين من عدم اهتمامهم بنقد المتن عشر معشار السند؟!!
إن علماءنا لم يفرقوا هذا التفريق الظاهر بين نقدهم لسند الحديث، ونقدهم للمتن وليس أدل على ذلك ما قرروه من أنه لا تلازم
بين صحة السند وصحة المتن0
فصحة السند لا يلزم منها صحة المتن، إذ قد يكون شاذاً أو معللاً أو موضوعاً معناه باطلاً، كما أنه لا يلزم من ضعف السند، ضعف المتن إذ
يجئ بسند آخر صحيح0
ومن هنا قيدوا فى حكمهم على الحديث بالصحة أو بالحسن أو بالضعف بالإسناد دون متن الحديث فيقولون : إسناد صحيح دون حديث صحيح،
وإسناد حسن، أو إسناد ضعيف، دون حديث حسن، أو حديث ضعيف0

“والحاصل أنه لا تلازم بين الإسناد والمتن، إذ قد يصح السند أو يحسن لاستجماع شرائطهما، ولا يصح المتن لشذوذ أو علة وقد
لا يصح السند، ويصح المتن، من طرق أخرى”( )0
يقول الدكتور صبحى الصالح مؤكداً عدم تفرقة المحدثين بين السند والمتن فى حكمهم على الحديث : “على أننا لن نرتكب الحماقة التى لا يزال
المستشرقون، وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم “الغزير” يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوى، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلما يفصل بين
خصمين لا يلتقيان أو ضرتين لا تجتمعان، فمقاييس المحدثين فى السند لا تفصل عن مقاييسهم فى المتن إلا على سبيل التوضيح والتبويب
والتقسيم0
وإلا فالغالب على السند الصحيح أن ينتهى بالمتن الصحيح، والغالب على المتن المعقول المنطقى الذى لا يخالف الحس أن يرد عن طريق سند
صحيح( )0

ولبيان أن المحدثين لم يفرقوا بين السند والمتن التفريق الظاهر فى مباحثهم، وأن كلامهم على السند هو كلام عن المتن ومن
أجله، نذكر بعض الأمثلة على ذلك :
1- منها زيادة الثقات فهى كما لا يخفى ترتبط بالمتن لأنها زيادة تطرأ عليه من راوٍ ثقة0 قال ابن حجر : “وزيادة راويهما – أى
الصحيح والحسن – مقبولة ما لم تقع منافيه لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة، لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافى بينها، وبين رواية
من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقاً، لأنها فى حكم الحديث المستقل الذى ينفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيره0
وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها، رد الرواية الأخرى فهذه التى يقع الترجيح بينها، وبين معارضها، فيقبل الراجح، ويرد
المرجوح”( )0 ومثل لذلك بحديث ابن مسعود  قال : سألت رسول الله  أى العمل أفضل؟ قال الصلاة لوقتها”( ) زاد الحسن ابن مكرم، وبندار
بن بشار فى روايتهما : فى أول وقتها، وصححها الحاكم( ) وغيره0 وهى مقبولة فهل الكلام على السند هنا إلا لضبط المتن وأجله0
2- ومنه “المصحف” وهو الذى وقع فيه تصحيف، ويكون فى الإسناد والمتن0 ومن الثانى حديث : “احتجر النبى  فى المسجد( )0
أى اتخذ حجرة، صحفة بعضهم بقوله : “احتجم” وهذا القسم من تصحيف اللفظ، وقد يكون فى المعنى كمن سمع خطيباً يروى حديث : “لا يدخل
الجنة قتات”( )، فبكى وقال : ما الذى أصنع، وليست لى حرفة سوى بيع القت؟ يعنى الذى يعلف الدواب”( )0
يقول الأستاذ الصديق بشير : “ولعل من أوسع المباحث المتعلقة بنقد المتن والتى تفوق فيها علم الحديث، على منهج النقد الغربى
للمضمون والمتن مبحث “تحرى النص، والمجئ باللفظ”0 وهذه كما يقول أسد رستم : “مأثرة أخرى من مآثر علماء الحديث فإنهم قالوا بالأمانة
فى نقل الحديث، وفرضوا وجوب تحرى النص لأجل الوقوف على اللفظ الأصلى، ومنهم من أبى أن يقوم اللحن أو أن يصلح الخطأ
واكتفى بإبداء رأيه على الهامش( )0
وأسد رستم يشير بذلك إلى ما اشترطه أرباب هذا الفن فى عدم جواز الرواية بالمعنى “إن لم يكن الراوى عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها،
خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها0
ففى هذه الحالة يتعين على الراوى الرواية باللفظ الذى سمعه، ولا تجوز له الرواية بالمعنى بلا خلاف”( )0
وهل كل ذلك إلا حفاظاً من المحدثين على سلامة المتن؟

وليس أدل على عناية المحدثين بنقد المتون من جعلهم من أمارة الحديث الموضوع، مخالفته للعقل، أو المشاهدة والحس، مع
عدم إمكان تأويله تأويلاً قريباً محتملاً، وأنهم كثيراً ما يردون الحديث لمخالفته للقرآن، أو السنة المشهورة الصحيحة، أو التاريخ المعروف مع
تعذر التوفيق”( )0

ومن نماذج سبر المحدثين المتن فى نقدهم للحديث خبر وضع الجزية عن يهود خيبر، وهو ما حكاه غير واحد من العلماء؛
كالحافظ السبكى( )، وابن كثير( )، والسخاوى( ) “أن بعض اليهود أظهروا كتاباً، وادعوا أنه كتاب رسول الله  بإسقاط الجزية عن أهل خيبر،
وفيه شهادة بعض الصحابة  وذكروا أن خط على  عليه0 وحمل الكتاب فى سنة سبع وأربعين وأربعمائة إلى رئيس الرؤساء أبى القاسم
على بن الحسن وزير القائم بأمر الله الخليفة العباسى، فعرضه رئيس الرؤساء، على الحافظ الخطيب البغدادى، فتأمله ثم قال : هذا مزور0
فقيل له : من أين لك هذا؟ قال : فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، وفتح خيبر كان فى سنة
سبع، ولم يكن معاوية مسلماً فى ذلك الوقت، ولا حضر ما جرى فى خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو قد مات فى سنة خمس، فى يوم
بنى قريظة، قبل فتح خيبر بسنتين، فاستحسن ذلك منه رئيس الرؤساء، واعتمده وأمضاه، ولم يجز اليهود على ما فى الكتاب لظهور تزويره
وبطلانه0

وقد سبق الحافظ الخطيب البغدادى إلى كشف كذب هذا الكتاب وتزويره : الإمام ابن جرير الطبرى، كما حكاه الحافظ ابن كثير فى
البداية والنهاية”( )0

وتعرض الحافظ ابن قيم الجوزية لهذا الكتاب المزور بأيدى اليهود فى كتابيه “أحكام أهل الذمة”( )، و”المنار المنيف فى الصحيح والضعيف”( )،
وبين كذبه وتزويره من عشرة وجوه، ثم قال وأحضر هذا الكتاب بين يدى شيخ الإسلام ابن تيمية، وحوله اليهود يزفونه ويجلُّونه، وقد غشى
بالحرير والديباج، فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال : هذا كذب من عدة أوجه0 وذكرها، فقاموا من عنده بالذل والصغار”( )0
بكل ما سبق تسقط دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

الفصـــل الرابــــع

وسيلتهم فى الطعن فى الإسناد وعلوم الحديث

وتحته تمهيد ومبحثان :
التمهيد ويتضمن :
بيان أن الإسناد دليلنا على صحة الكتاب والسنة0
وهدف أعداء الإسلام من الطعن فـى الإسنـاد0
المبحث الأول : شبه الطاعنين فى الإسناد والرد عليها0
المبحث الثانى:أهمية الإسناد فى الدين،واختصاص الأمة الإسلامية به عن سائر الأمم

التمهيـد

ويتضمن بيان أن الإسناد دليلنا على صحة الكتاب والسنة، وهدف أعداء الإسلام من الطعن فى الإسناد0

الطعن والتشكيك فى الإسناد كان ولا يزال، هدفاً من أهداف أعداء الإسلام قديماً وحديثاً، للتشكيك فى الوحى الإلهى -قرآناً
وسنة-0
فالإسناد دليلنا على صحة كتاب ربنا ، وسنة نبينا ، فمن المعلوم أن لصحة أى قراءة من القرآن وقبولها؛ لابد أن يتوافر فيها ثلاثة شروط :
1- صحة إسنادها0
2- موافقتها للغة العربية ولـو بوجـه0
3- موافقتها للرسم العثمانى ولو احتمالاً0

وإذا اختل أى ركن من هذه الأركان كانت القراءة شاذة، ولا تعد قرآناً حتى ولو كانت من القراءات السبع وفى ذلك أنشد صاحب
الطيبة فقال :
وكـل مـا وافـق وجـه النحـو
وصـح إسنـاداً، هـو القــرآن

وحيثمــا يختـل ركـن أثبـت ***

***

*** وكان للرسم احتمـالاً يحـوى
فهـذه الثلاثــة الأركــان
شذوذه لو أنه فـى السبعـة( )

أليس فى هذا دليل على أن القرآن الكريم منقول بالإسناد أيضاً؛ كالحديث؟
نعم هناك فرق بين القرآن وبين الحديث فى عدد الرواة النقلة؛ فالقرآن منقول بالتواتر، والحديث منقول برواية رجال معدودين، ولكنهم ليسوا
مجاهيل بل هم رجال مشهورون، أحوالهم معلومة، وأسانيدهم محفوظة0

وهذا الفرق يقتضى التفاوت فى درجات اليقين والوثوق، لا فى نفس القبول والاعتبار( )”0
وإذا كان القرآن منقولاً بالرواية، فالطعن فى الإسناد طعن فى الدين، وإبطال للكتاب والسنة وهو ما صرح به (شاكر) -رأس
الزنادقة فى عصره- عندما سئل عن سر تعليمهم المتعلم فيهم أول ما يعلمونه الطعن فى الصحابة، وهم أول رجال السند قال : “إنا نريد الطعن
على الناقلة فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نبطل المنقول”0

وصدق الإمام أبو زرعة الرازى -رحمه الله- : “… هؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة(
)”0

ومن هنا كان أهل الإلحاد قديماً وحديثاً يحرصون على الطعن والتشكيك فى الإسناد الذى هو خصيصة فاضلة لهذه الأمة ولم يكن
هناك شئ أثقل عليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد0
يدل على ما سبق ما رواه الحاكم فى معرفة علوم الحديث قال : “سمعت الشيخ أبا بكر أحمد ابن إسحاق الفقيه( ) وهو يناظر رجلاً، فقال الشيخ
: حدثنا فلان0 فقال له الرجل : دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا0 فقال له الشيخ : قم يا كافر، ولا يحل لك أن تدخل دارى بعد هذا، ثم التفت إلينا
فقال : ما قلت قط لأحد لا تدخل دارى إلا لهذا”( )0

وروى الحاكم أيضاً عن أحمد بن سلام الفقيه قال : “ليس شئ أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد( )”0
وتابع هؤلاء السلف خلفهم من المستشرقين ودعاة اللادينية، فذموا الإسناد، وذموا المحدثين لاهتمامهم به، وطعنوا فى بداية
استعمال الأسانيد فى الأحاديث النبوية، وزعموا أن الأسانيد مختلقة من قبل المحدثين، إلى غير ذلك من طعونهم التى نستعرضها ونجيب عليها
فى المبحث التالى :

المبحـث الأول
شبه الطاعنين فى الإسناد والرد عليها

ذهب بعض أعداء الإسلام من المستشرقين إلى التشكيك فى بداية استعمال الأسانيد فى الأحاديث النبوية0
فذهب “شاخت” إلى أن الفتنة المذكورة فى قول محمد بن سيرين “لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة …”( ) هى فتنة الخليفة
الأموى الوليد بن يزيد سنة 126هـ0

يقول شاخت : “ويروى عن التابعى ابن سيرين أن الناس لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى كانت الفتنة، وسوف نرى فيما بعد أن الفتنة التى
اندلعت بمقتل الخليفة الأموى الوليد بن يزيد سنة 126هـ، قبيل نهاية الحكم الأموى تتفق فى الزمن مع نهاية خير القرون التى سادت فى
أثنائها السنة النبوية، وحيث أن ابن سيرين توفى سنة (110هـ) فلنا أن نستنتج من ذلك أن هذه العبارة موضوعة عليه0 وعلى أية حال ليس
هنالك ما يدعوا إلى افتراض أن استعمال الإسناد بشكل منتظم قد حدث قبل بداية القرن الثانى للهجرة( )0

ويذهب مستشرق آخر وهو “روبسون” إلى أن الفتنة المقصودة فى كلام ابن سيرين هى فتنة عبد الله بن الزبير سنة (72هـ)
عندما أعلن نفسه خليفة، بحجة أن تاريخ هذه الفتنة يتوافق مع مولد ابن سيرين، ووجود كلمة الفتنة فى موطأ الإمام مالك التى تشير إلى فتنة
ابن الزبير”( )0
وهدفهم من ذلك كما صرح شاخت، التشكيك فى الجزء الأعظم من الأسانيد الموجودة فى كتب السنة المطهرة، وأنه قد اختلقها
المحدثون فى القرن الثانى الهجرى، بل وفى القرن الثالث أيضاً0
والنتيجة أن متون تلك الأسانيد مختلقة أيضاً، وتلك هى غايتهم من الطعن فى بداية استعمال الأسانيد فى الأحاديث النبوية0

ويذهب جولدتسيهر إلى أن أسانيد الأحاديث مخترعة من قبل المحدثين فيقول : “هناك بعض الناس لا يشعرون بأى تردد فى اختراع أسماء جديدة
يخدعون بها المستمعين السذج، وفى القرن الذى ألف فيه ابن عدى كتابه “الكامل فى معرفة الرجال” كان هنالك أبو عمرو لاحق بن الحسين،
يخترع أسماء يضعها فى أسانيده مثل : طغرال، وطربال، وكركدن، ويعزو إليهم أحاديث( )0
وهذا الذى قاله جولدتسيهر قاله غير واحد من المستشرقين( ) ودعاة اللادينية0

يقول عبد الجواد ياسين : “ولم يكن من العسير على من اختلق “المتن” أن يختلق “الإسناد” فكم من أحاديث مختلقة -باعتراف علماء الحديث-
تم تركيبها على أسانيد مقبولة عندما أصبحت الأسانيد المقبولة جواز مرور رسمى للحديث”( )0

ويقول أحمد حجازى السقا : “فالسلسلة الذهبية للحديث، وهى أعلى سلسلة فى السند قد عمل الضعفاء والمتروكون مثلها، والأسانيد الصحيحة،
قد عملوا مثلها”( )0
وتتابع دعاة اللادينية فـى ذم الإسنـاد، وذم المحدثيـن لاهتمامهـم بـه0
فوجدنا من يصف أهل الحديث بأنهم “عبيد الأسانيد”( ) و “أسرى الأسانيد”( )0
ووجدنا من يصف الإسناد بأنه نوع من التزمت( )0

ووجدنا إسماعيل منصور يقول : “إن هذا التعلق غير الطبيعى بالسند، والمبالغة فى الاعتداد به وربط الأحكام الشرعية به –
واعتباره بالدرجة الأولى- أساساً لصحة الحديث كل ذلك مجتمعاً قد أثمر افتراقاً كبيراً بين المسلمين، وصيرورتهم فرقاً وشيعاً وأحزاباً يعارض
بعضها بعضاً، وقاتل بعضها بعضاً، ويكيد بعضها لبعض على مر السنين( )0

ويقول طاعناً فى علوم الحديث كلها : “ما أقامه البعض من أهل هذا العلم من إنشاء ما يسمى بعلم الحديث، إنما هو بالحياد
المطلق، وَهْمٌ لا يثبت، وظن لا يستقيم”( )0

ويجاب على هذه الشبه بما يلى :
بادئ ذى بدء نحب أن نقول للطاعنين فى الإسناد، كلمة مهمة قالها العلامة السيد سليمان الندوى، وهو يتحدث عن تحقيق معنى
السنة وبيان الحاجة إليها0 قال تحت عنوان: (الرواية أمر ضرورى) : “لا مندوحة لعلم من العلوم، ولا لشأن من شؤون الدنيا عن النقل
والرواية؛ لأنه لا يمكن لكل إنسان أن يكون حاضراً فى كل الحوادث، فإذاً لا يتصور علم الوقائع للغائبين عنها إلا بطريق الرواية شفاهاً أو
تحريراً، وكذلك المولودون بعد تلك الحوادث لا يمكنهم العلم بها إلا بالرواية عمن قبلهم0
هذه تواريخ الأمم الغابرة والحاضرة، والمذاهب والأديان، ونظريات الحكماء والفلاسفة، وتجارب العلماء واختراعاتهم، هل وصلت إلينا إلا
بطريق النقل والرواية؟

فهل كان الدين الإسلامى بدعاً من الحوادث حتى لا تنقل أحكامه وأخباره بهذا الطريق؟ أم كان الواجب اتخاذ طريق آخر لنقل أقوال
الرسول  وأخباره غير الرواية؟!

لنفرض أن هؤلاء المنكرين علينا رواية الأحاديث -بالأسانيد- أصبحوا زعماء لمن كان على شاكلتهم، فهل هناك طريقة -غير
الرواية- لتبليغ استنباطهم، وتحقيقاتهم لأفراد جماعتهم البعيدين عن حلقات دروسهم، أو الذين سيولدون بعدهم( )؟!!
حرى بالمشككين فى الإسناد وعلوم الحديث الإمساك عن لغوهم0
وإلا فأيـن أسانيدهـم المتصلـة إلــى أممهــم البائــدة؟
بـل أيـن أخبارهـم الصحيحـة عـن أنبيائهـم وعظمائهـم؟
بل أين الضوابط التى تثبـت صحـة أخبارهـم فيمـا سبـق؟!

أما ما زعمه شاخت من حملة الفتنة المذكورة فى كلام محمد بن سيرين على فتنة مقتل الوليد بن يزيد سنة (126هـ) علماً بأن
وفاة ابن سيرين كانت سنة (110هـ) كما ذكر هو أيضاً0
فيقول رداً على ذلك الدكتور همام عبد الرحيم : “ولو أنصف شاخت وفكر بنزاهة وموضوعية لما قال إن ابن سيرين يتحدث عن فتنة وقعت بعد
وفاته بست عشرة سنة!( )0
وزعمه بأن ذلك الخبر مكذوب على ابن سيرين فهو ما لا دليل عليه، ويكذبه إخراج الإمام مسلم له فى مقدمة صحيحه( )، والترمذى( )،
والدارمى( ) 0

أما ما زعمه “روبسون” من حملة الفتنة المذكورة فى كلام ابن سيرين على فتنة ابن الزبير، فهو زعم بعيد؛ لأن عبارة ابن
سيرين تقول : “لم يكونوا يسألون عن الإسناد”، ولم يقل : “كنا لا نسأل عن الإسناد” وهذه العبارة التى استخدمها تفيد؛ أنه يتكلم عن شيوخه من
الصحابة ( )0
ويقول الدكتور أكرم ضياء العمرى : “ما استند إليه روبسون غير صحيح فإن تقدير عمر محمد بن سيرين للإفادة منه فى تفسير
كلامه لا يمكن الاعتماد عليه فابن سيرين قد يتكلم عن أحداث بعيدة عن عصره معتمداً على دراسته لتاريخ الحديث الذى عنى به كثيراً”( )0

والذى يؤكد هذا الرأى قول عبد الله بن عباس وهو من صغار الصحابة( )، لما جاءه بشير بن كعب العدوى فجعل يحدث ويقول : “قال رسول الله
 فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال : يا ابن عباس مالى لا أراك تسمع لحديثى، أحدثك عن رسول الله  ولا تسمع! فقال ابن
عباس : إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال : رسول الله  ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من
الناس إلا ما نعرف”( )0
فكأنه  أراد أن يقول : إنه لما دخل فى هذا الأمر من هم ليسوا من أهله، صار الإعراض عن سماعهم، والنظر فيه أولى، فكان بذلك الإذن فى
التحرج من قبول مطلق الأخبار مجردة من أسانيدها”( )0

ثم إن الفتنة إذا أطلقت فهى الفتنة الكبرى التى عصفت بالخلافة الراشدة0 وإذا قيل: الفتنة بالتعريف (بأل) التى هى للعهد،فهى الفتنة المعهودة
التى لا يجهلها أحد( ) أ0هـ0

والحق –الذى لا مراء فيه- أن اشتراط السند، والبحث عن الإسناد، بدأ مع زمن النبوة المباركة0
وفى ذلك يقول الحاكم : “طلب الإسناد العالى سنة صحيحة” ثم ذكر حديث أنس بن مالك فى مجئ الأعرابى( ) وقوله : “يا محمد أتانا رسولك
فزعم كذا … الحديث”( )0 فقد استنبط الحاكم من هذا الحديث أصل طلب الإسناد والعلو فيه؛ لأنه سمع أركان الإسلام من رسول الله ، وآمن
وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله  مشافهة( )0

ولو كان طلب الإسناد والعلو فيه غير مستحب لأنكر عليه المصطفى  سؤاله إياه عما أخبره رسوله عنه ولأمره بالاقتصار على ما أخبره
الرسول عنه( )0
واستمر طلب الإسناد والبحث عنه مع زمان الصحابة، ودليل ذلك سؤال عمر  أبا موسى الأشعرى -وغيره( )- أن يأتوا بشاهد على صحة ما
رووا من الأحاديث0 وهذا طلب أشد من عموم السند، إذ هو طلب لإثبات نسبة الكلام إلى النبى ، وكلام ابن سيرين دليل لهذا التقدم فى طلب
الإسناد( )0

وإذا كانت بداية الإسناد متواضعة فى حياة النبى ، وفى حياة الصحابة للبعد عن الكذب، إلى زمن الفتنة، فإن هذا العلم اشتد الأخذ به بعد الفتنة،
حتى ما قارب القرن الأول نهايته، حتى بلغ علم الإسناد مبلغاً عظيماً( ) أ0هـ0

أما ما زعمه بعض دعاة الفتنة، وأدعياء العلم من المستشرقين، ومن قال بقولهم، من أن الأسانيد اخترعت من قبل الضعفاء
والكذابين، وركبت على المتون المختلقة، وإيهامهم بأن ذلك التبس على المحدثين0

فنقول نعم : اخترعت الأسانيد وركبت عليها المتون المختلفة ولكن هذا لم يخفى على جهابذة المحدثين وأئمة الجرح والتعديل-فلقد
تنبهوا إلى هذا قبل أن يدعى أدعياء العلم بأكثر من ألف سنة، ولم يخف عليهم ذلك، كما يحاول الإيهام بذلك أهل الزيغ والهوى0

ولذلك نجد علماء الحديث كما سبق وأن قلنا-يقررون عدم التلازم بين صحة السند وصحة المتن، وينبهون على الكذابين
المختلقين للأسانيد0
وفى ذلك يقول ابن الجوزى (ت 597هـ) وهو يبين أصناف الوضاعين0

القسم الرابع : قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن، ومن هؤلاء محمد بن سعيد( ) القائل : “لا بأس إذا كان كلاماً حسناً أن نضع له
إسناداً”( )0
وفى ذلك أيضاً يقول ابن عراق فى كتابه( ) (تنزيه الشريعة) وهو يبين أصناف الوضاعين0

الصنف السادس : “قوم حملهم الشره ومحبة الظهور على الوضع، فجعل بعضهم لذى الإسناد الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً، وجعل بعضهم
للحديث إسناداً غير إسناده المشهور ليستغرب ويطلب0

قال الحاكم أبو عبد الله : ومن هؤلاء إبراهيم بن اليسع، وهو ابن أبى دحيه كان يحدث عن جعفر الصادق، وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا،
على حديث ذاك، لتستغرب تلك الأحاديث بتلك الأسانيد، قال : ومنهم حماد بن عمرو النصيبى، وبهلول بن عبيد، وأصرم بن حوشب0
قال الحافظ ابن حجر : وهذا داخل فى قسم المقلوب، … وقال الأستاذ الإسفرايينى : “إن : من قلب الإسناد ليستغرب حديثه، ويرغب فيه، يصير
دجالاً كذاباً تسقط به جميع أحاديثه، وإن رواها على وجهها”( ) 0
وفى حديث:”إن الله  يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة، ويتجلى لك خاصة يا أبا بكر”
يقول الحافظ الخطيب : “لا أصل له وضعه محمـد بن عبـد سنـداً، ومتنـاً”( )0

وكذلك تنبه جهابذة المحدثين إلى الأسانيد العائلية وانتقدوها كثيراً، ولم يغفلوا عنها، كما زعم “روبسون” وغيره، بل قبلوا منها ما يستحق
القبول، ورفضوا منها ما يستحق الترك والرفض، وكانوا منصفين فى حكمهم، فأعطوا كل ذى حق حقه، وأصَّلوا فى ذلك علماً يعرف بـ “رواية
الآباء عن الأبناء وعكسه”( )0

فمن أمثلة ما قبلوه على الراجح : سند عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وبهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده( )0

ومن أمثلة ما ردوه : سند كثير بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده( )، وسند موسى بن مطير، عن أبيه( )، وغيرهم كثير ممن امتلئت
بهم كتب المجروحين والمتروكين، مما يبين أن علماء الحديث لم يغفلوا عنهم كما يزعم دعاة الفتنة وأدعياء العلم0

المبحث الثانـى
أهميـة الإسنـاد فى الديـن واختصـاص
الأمة الإسلامية به عن سائر الأمم

الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص الأمة الإسلامية، لم يؤتها أحد من الأمم قبلها، وبه حفظ الدين من عبث العابثين، فكان
الدعائم التى حفظ بها الدين قرآناً وسنة، ولذلك كان جزءاً من الدين، فهو الطرق التى أوصلت لنا الأخبار والآثار، صحيحة لا تشوبها شائبة0
وقد تكاثرت فى بيان شأن الإسناد، وأهميته، وفضله، كلمات العلماء، وتعددت وتنوعت أقوالهم فى تعظيم أمره0

ومن خيرها وأدقها تشخيصاً لموقع الإسناد كلمة الإمام عبد الله بن المبارك  قال: “الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا
قيل له من حدثك؟ بقى( ) أى بقى حيران ساكتاً0 وقال أيضاً : “بيننا وبين القوم –أى المبتدعة والكذبة- القوائم يعنى الإسناد”( )0
وقال سفيان الثورى : “الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأى شئ يقاتل؟”( )0
وقال الإمام الشافعى : “مثل الذى يطلب الحديث بلا سند كمثل حاطب ليل”( ) وسبق قول ابن حزم : “نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبى  مع
الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل، أما مع الإرسال والإعضال … والنقل بالطريق المشتملة على كذاب، أو مجهول الحال فكثير
من نقل اليهود والنصارى…” ( )0
لكل ما سبق اهتم المسلمون بالإسناد “وقد نشأ عن اهتمامهم به ووضوح أهميته فى تلقى المنقول : أن اشترط “الإسناد” فى تلقى
سائر العلوم الإسلامية، كالتفسير، والفقه، والتاريخ، والرجال، والأنساب، واللغة، والنحو، والأدب، والشعر، والحكايات، حتى دخل فى سياق
الكلمة الواحدة من أخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار المضحكين …، كما دخل فى سياق الكلمة الواحدة فى التفسير، كما تراه فى “تفسير الإمام
ابن جرير الطبرى” وكما تراه فى كتاب الخطيب البغدادى : “التطفيل وحكايات الطُّفَيليين” و “البخلاء” وكتب ابن الجوزى : “أخبار الحمقى
والمغفلين”، و”أخبار الأذكياء”، و”ذم الهوى”، و”اللُّقَط فى حكايات الصالحين”، فتراه فى هذه الكتب يسوق سنداً طوله ثلاثة أسطر أو أكثر، من
أجل نقل جملة صغيرة أو كلمة واحدة عن قائلها”( )0
“ومن علامات الاهتمام بالإسناد، وأماراته تلك التصانيف الضخمة التى ألفت فى الرجال، فنشأ بذلك علم مستقل من علوم الحديث،
وهو علم الرجال، وهذا علم واسع تتقطع فيه الأنفاس، فمنه كتب معرفة الصحابة، وكتب الطبقات، وكتب الجرح والتعديل، وكتب الأسماء والكنى
والألقاب، وكتب المؤتلف والمختلف، وكتب المتفق والمفترق والمتشابه، وكتب الوفيات، وهى فى مجموعها تدل دلالة عظيمة على الجهد
المبذول فى نقد الأخبار، وليس الأمر كما يتوهم الكثيرون ممن لا علم لهم بهذا الأمر”( ) أ0هـ0

ومن علامات الاهتمام بالإسناد “علم الجرح والتعديل” وهو كسائر علوم الحديث مما تفردت به الأمة الإسلامية عن سائر الأمم،
وتميزت بتأسيسه، وإنشائه، والتفنن فيه، وقد أداها إلى إبداعه : الحفاظ على سنة المصطفى  من التقول والدخيل، والمكافحة للدجالين
والمشعوذين والخراصين، فكان هو من أكبر النتائج النافعة التى تولدت عن تلك الحملة الضارة على السنة المطهرة0
قَصـدتَ مَسَاتِى فاجتلبت مَسَرَّتِى *** وقد يُحِسنُ الإِنسانُ من حيث لا يَدِرى

فنشأ هذا العلم من عهد النبوة المباركة برعماً لطيفاً، ثم نما وازداد، وقوى واشتد فى القرن الأول، والثانى، وامتد واتسع وبدأ يتكامل فى القرن
الثالث، والرابع، وهكذا حتى اكتمل فى القرن التاسع من الهجرة الشريفة، فكثرت فيه الكتب، وتنوعت فيه المؤلفات، ثم درست فيه فى عصرنا
بعض المسائل والجزئيات والشخصيات دراسة خاصة، فقارب النُّضجَ والاحتراق، وإن كان هذا العلم ليس له غاية ولا نهاية0

وبهذا العلم العظيم الذى لم تكن فيه محاباة لأحد مهما كان لا أباً، ولا ابناً،، ولا أخاً، ولا صديقاً، ولا أستاذاً، تمكن السلف والخلف
من كشف العلل فى كل علم منقول حديثاً نبوياً، أو كلاماً عادياً، أو شعراً أو نثراً أدبياً، أو تاريخاً شخصياً أو سياسياً …، فكان هذا العلم مجهراً
صادقاً، ونظارة صافية، تعزل للناظر بها : الصحيح عن القريح، وتميز له الزين من الشين، والصدق من الكذب، وتزن له المحامد والمثالب،
بالقسطاس المستقيم( ) أ0هـ0

وإذا كانوا قديماً قالوا : الحق ما شهد به الأعداء فلننظر إلى ما قاله المستشرق “شبرنجر” فى مقدمته الإنجليزية على كتاب
الإصابة فى أحوال الصحابة لابن حجر، قال : “لم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة، كما أنه لا يوجد الآن أمة من الأمم المعاصرة، أتت فى
علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون فى هذا العلم العظيم الخطر، الذى يتناول أحوال خمسمائة ألف رجل وشئونهم”( ) أ0هـ0

ويقول الأستاذ محمد أسد عن علوم الحديث : “إنه علم تام الفروع على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة، غايته الوحيدة البحث فى
معانى أحاديث الرسول ، وشكلها وطريقة روايتها( ) أ0هـ0
والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

الفصـــل الخامــــس

وسيلتهم فى الطعن والتشكيك فى كتب السنة المطهرة

وتحته مبحثان :
المبحث الأول : أساليب أعداء السنة فى الطعن فى المصادر الحديثية0
المبحث الثانى : الجواب عن زعم أعداء السنة أن استدراكات الأئمة على الصحيحين دليل على عدم صحتها0

المبحـث الأول
أساليب أعداء السنة فى الطعن فى المصادر الحديثية

من وسائل أعداء السنة -أعداء الإسلام- فى الطعن فى حجية السنة المطهرة طعنهم فى المصنفات الحديثية، وأساليبهم فى ذلك
كثيرة ومكررة فكما طعنوا فى عدالة الصحابة عموماً وخصوا بالطعن رموزهم من الخلفاء الراشدين، وأكثرهم رواية أبو هريرة  وطعنوا فى
عدالة أئمة المسلمين من الفقهاء والمحدثين وطعنوا فى رموزهم، كابن شهاب الزهرى أشهر راوى فى التابعين وأكثرهم حديثاً( )، كما طعنوا
فى الأئمة الأربعة وغيرهم من حفاظ الإسلام وأئمة الدين، إذ بفقدان الثقة بهم تفقد بغيرهم من باب أولى0 وهكذا هم هنا يسلكون نفس الأسلوب
فى طعنهم فى كتب السنة :
1- فتارة يوجهون سهامهم المسمومة إلى كتب السنة عموماً طعناً وسخرية0

يقول إسماعيل منصور : “يجب أن تعرف الأمة فى جميع بقاع الأرض بحقيقة كتب الحديث والسنة عند جميع فرق
المسلمين وهى أنها أقوال ظنية منسوبة إلى رواة ينسبونها بدورهم إلى رسول الله وليست هى أقواله  بالضرورة”( )0
ويسخرون من كتب السنة المطهرة بوصفها بـ “كتب صفراء”( )، و”طراش دينى”( )، و”زبالة”( ) 0

2- وتارة يشككون فى كتب الأصول الستة، وفى كتب السنن، والمسانيد، والمعاجم، والمصنفات، وغير ذلك بحجة أن فى تلك
المصنفات الحديثية الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر والمتروك … ( )0
هكذا يطلقون الكلام والحكم على عوانه إيهاماً للقارئ بأن ذلك موجود فى المصنفات الحديثية بدون تمييز أو حكم للأئمة عليها0

3- وتارة يشككون فى أصح المصنفات الحديثية، ويركزون هجومهم عليها إذ بسقوطها واهتزاز الثقة بها تهتز الثقة ببقية كتب السنة
من باب أولى0 وبذلك يصرحون0

قال عبد الجواد ياسين : “ولأن البخارى ومسلم يجبان ما دونهما من الكتب فى مفهوم أهل السنة فسوف نحاول التركيز على
مروياتهما فى هذا الصدد”( ) 0

وهو ما قاله محمود أبو ريه وهو يتكلم عن مسند أحمد ظعناً فيه قال : “على أننا قد رأينا أن نتكلم عن مسند أحمد الذى هو
أشهرها لنبين للمسلمين حقيقته، ونكشف عن درجته بين كتب الحديث ليقاس عليها درجة سائر المسانيد ويغنينا ذلك عن الكلام فى غيره”( ) 0

ويهمنا هنا من الوسائل السابقة فى طعنهم فى كتب الحديث ما يحرصون عليه دائماً وأبداً من التشكيك والطعن فى أصح الكتب بعد
كتاب الله  صحيحى البخارى ومسلم، ولا يخرج طعنهم فيهما عن مسلكين :
أولهما : استدلالهم على عدم صحتهما بأحاديث تخالف فى فكرهم المريض ظاهر القرآن، أو العقل، أو العلم، أو كما يزعمون تطعن فى سيرة
الرسول  أو توافق ما فى التوراة والإنجيل مما يدل فى نظرهم أنها إسرائيليات( ) 0 وغير ذلك من القواعد التى سلكوها للحكم على الحديث
بالصحة وسبق بيان بطلانها( ) وسيأتى فى الباب الثالث نماذج من هذه الأحاديث والرد عليها0
ثانيهما : استدلالهم باستدراكات الأئمة على الصحيحين بأنها دليل على عدم صحتهما0

يقول جولدتسهير : “إنه من الخطأ اعتقاد أن مكانة هذين الكتابين مردها لعدم التشكيك فى أحاديثهما أو نتيجة لتحقيق علمى0 وسلطان هذين
الكتابين يرجع لأساس شعبى لا صلة له بالتدقيق الحر للنصوص، وهذا الأساس هو إجماع الأمة، وتلقى الأمة لهما بالقبول يرفعهما إلى أعلى
المراتب، وبالرغم من أن نقد هذين الكتابين غير لائق وغير مسموح به، وبرغم التقدير العام للصحيحين فى الإسلام صنف الدارقطنى (ت
385هـ) كتابه “الاستدراكات والتتبع” فى تصنيف مائتى حديث مشتركة بينهما”( ) أ0هـ0

وهذه الاستدراكات من بعض الأئمة على الصحيحين اتكأ عليها جولدتسيهر، وغيره وهم يطعنون فى الصحيحين ومكانتهما، ولا
حجة لهم فى ذلك، لما يلى فى المبحث الثانى0

المبحـث الثانـى
الجواب عن زعم أعداء السنة أن استدراكات الأئمة
على الصحيحين دليل على عدم صحتهما

إن صحيحى البخارى ومسلم لم يؤخذا قضية مسلمة أبعدت عنهما بحث النقاد وتوثيقهم لهما، وإنما الذى حدث هو العكس فقد درس الأئمة كلاً
من الكتابين سنداً ومتناً، وعرضوهما على أدق المقاييس النقدية الصحيحة التى التزمها صاحبا الصحيحين فى كتابيهما، فنظر الأئمة فيما
اشترطه كل منهما هل وفىَّ به أم أخلا؟

فكانت النتيجة أن “استدرك جماعة من الحفاظ على البخارى ومسلم عدة أحاديث رأوا أنهما أخلا فيهما بشرطهما، وأنهما لا تبلغ فى صحتها
مبلغ ما غلب عليهما إخراجه، وتكلموا فى هذه الأحاديث من جهة أسانيدها، ومن جهة متونها، ولا يصل استدراكهم أو تكلمهم فى هذه الأحاديث
إلى حد النزول بها إلى درجة الوضع، بل ولا حتى إلى درجة الضعف الذى لا يحتمل0 غاية ما هناك أنهم رأوا قصورها عن درجة ما دأب
عليه الشيخان وما التزماه من إخراج أصح الصحيح”( )0
يدل على ذلك ما قاله الحافظ العقيلى : “لما صنف البخارى كتاب الصحيح عرضه على ابن المدينى، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم؛
فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة، إلا أربعة أحاديث0 قال العقيلى : والقول فيها قول البخارى وهى صحيحة( )”0

قال الإمام النووى : “قد استدرك جماعة على البخارى ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه، … وقد
ألف الإمام الحافظ الدارقطنى فى بيان ذلك كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع، وذلك فى مائتى حديث مما فى الكتابين، ولأبى مسعود الدمشقى
أيضاً عليهما استدراك، ولأبى الغسانى الجيانى فى كتابه تقييد المهمل فى جزء العلل منه، استدراك أكثره على الرواة عنهما، وفيه ما يلزمهما،
وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره( )”0
وإذا كان الإمام النووى فى شرحه على مسلم دفع ما أورد على الإمام مسلم، فقد جاء بعده الإمام الحافظ ابن حجر وتتبع
المواضع المنتقدة على البخارى تفصيلاً فأجاد فى ذلك فى مقدمته “هدى السارى” مقدمة فتح البارى0

والتى يقول العلماء فى شأنها : أنها لو كتبت بماء الذهب ما استوفيت حقها0 ففيها فضلاً عن الرد على الطعون التى وجهت إلى صحيح
البخارى، مجموعة من الفصول الهامة تتعلق بدراسة الصحيح، وصاحبه، وتراجمه، ومناسباته وغير ذلك من المباحث الهامة المتعلقة
بالصحيح0
وقد مكث ابن حجر فى كتابتها أربع سنوات تقريباً، فهدى بها فعلاً كل من يريد أن يدرس صحيح الإمام البخارى0 ويعرف مكانته
بين كتب السنة حيث هو على رأسها0

والإمام ابن حجر فى هدى السارى لم يدافع عن صحيح الإمام البخارى فقط0 وإنما دافع عن الصحيحين معاً إجمالاً فقال :
“والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول : لا ريب فى تقديم البخارى ومسلم على أهل عصرهما، ومن بعده من أئمة هذا الفن فى معرفة
الصحيح والمعلل؛ فإنهم لا يختلفون فى أن على بن المدينى كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخارى ذلك حتى كان يقول : ما
استصغرت نفسى عند أحد إلا عند على بن المدينى، ومع ذلك فكان على بن المدينى إذا بلغه ذلك عن البخارى يقول : دعوا قوله فإنه ما رأى
مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلى أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهرى وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعاً0 وروى الفربرى عن
البخارى قال : “ما أدخلت فى الصحيح حديثاً إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته0
وقال مكى بن عبد الله سمعت مسلم بن الحجاج يقول : عرضت كتابى هذا على أبى زرعة الرازى فكل ما أشار أن له عله تركته0

فإذا عرف أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون
قوله معارضاً لتصحيحهما، ولا ريب فى تقديمهما فى ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة( )0
ثم ذكر الحافظ -رحمه الله- المواضع المنتقدة وأجاب عنها من حيث التفصيل وأجاد فى ذلك( )0 وظهر له أن أكثر المواضع المنتقدة الجواب
فيها قوى، وأن النادر اليسير هو ما تكلف فيه الجواب( )0

ومن هنا قال الأستاذ الدكتور أبو شهبة -رحمه الله – : “ولعل من هذه الأحاديث التى وقع فيها التكلف فى الجواب والحق فيها مع الناقد ”
المنصف” حديث “شَرِيْكُ بنُ أبى نَمِر عن أنس فى الإسراء” وهو حديث طويل، فقد خالف فيه شريك أصحاب أنس فى إسناده ومتنه بالتقديم
والتأخير، وزيادته المنكرة وأشد أوهامه قوله –شريك- : “إن الإسراء كان قبل أن يوحى إليه”( )، وقد أنكرها الخطابى، وابن حزم، وعبد الحق،
والقاضى عياض، والنووى وغيرهم، واعتبروا ذلك غلطاً من شريك، وشريك ليس بمتهم بالكذب، وقصارى أمره أنه غلط والتبس عليه الأمر(
)0

ومما يعتذر به عن البخارى، ويجعل النقد ليس ذا أثر أن البخارى أخرج الروايات الصحيحة فى الإسراء( )، وهو بصنيعه هذا ينبهنا من طرف
خفى لا يخفى على اللبيب ما فى رواية شَرِيك من الأغلاط0 فلله در البخارى فكم له من إشارات وتلميحات( )0
يقول الدكتور رفعت فوزى وهو يدفع الطعون التى وجهت إلى أحاديث الإسراء والمعراج : “وأنه مما يستفاد فى نقد هذه الرواية، النقد العلمى
البناء الذى يحرص على جلاء الحقيقة دون اعتبار لمكانة البخارى ومكانة كتابه، كما يتجلى كذلك أن نقادنا قديماً وحديثاً، لم يغفلوا -كما
زعم بعض الجاهلين- تناول متن الحديث بالنقد والتمحيص، وعرضه على القرآن الكريم، وعلى السنة الصحيحة، حتى ينفوا عنه الدخيل
والموضوع”( )0

الجواب عمن تكلم فيه من رجال الصحيحين :
فى الصحيحين جماعة جرحهم بعض المتقدمين، وبلغ عدد من تكلم فيه من رجال البخارى ثمانون، ومسلم مائة وستون رجلاً( )،
منهم عكرمة مولى ابن عباس، وعمرو بن مرزوق وسويد بن سعيد وغيرهم( )0
قد اتخذ أعداء السنة -أعداء الإسلام- ممن تكلم فيه من رجال البخارى ومسلم مدخلاً للطعن والتشكيك فى مكانة الصحيحين( )0

ولا حجة لهم فى ذلك؛ لأن ممن تكلم فيهم من رجال الصحيحين ليس مجمعاً على جرحهم غاية أمرهم : أنه جرحهم وقدح فيهم جماعة بينما
عدلهم ومدحهم آخرون، فيكون قد ترجح عند صاحب الصحيح تعديلهم على الأقل فيما أخرجه من حديثهم، وربما أخرج لهم فى المتابعات
والشواهد، وإن أخرج لهم فى الأصول فمقصوده أنهم شاركوا غيرهم من الثقات الأثبات؛ فالصحة حاصلة برواية الجميع”( ) 0

قال الحافظ ابن حجر : “ينبغى لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأى راوٍ كان مقتضياً لعدالته عنده، وصحة ضبطه،
وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه
فى الصحيح؛ فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيها0
هذا إذا خرج له فى الأصول، فأما إن خرج له فى المتابعات، والشواهد، والتعاليق، فهذا بتفاوت درجات من أخرج له منهم فى الضبط وغيره،
مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره فى أحد منهم طعناً فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسراً
بقادح يقدح فى عدالة هذا الراوى وفى ضبطه مطلقاً أو فى ضبطه لخبر بعينه،لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما
يقدح،ومنها ما لا يقدح0

وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسى يقول فى الرجل الذى يخرج عنه فى الصحيح، هذا جاز القنطرة؛ يعنى بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، قال
الشيخ أبو الفتح القشيرى فى مختصره وهكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه، إلا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد فى غلبة الظن على المعنى
الذى قدمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما”( ) أ0هـ0

وقصارى القول وحماداه أن صاحب الصحيح أعرف بما رواه، وليس التكلم فى بعض الرواة بمقدم على توثيق صاحب الصحيح
لهم، ولو سلم جرح كل جارح وقبل على إطلاقه ما قبل خبر ولا روى أثر0 فأين ذاك الذى سلم من الطعن؟ ومتى كان الطعن مستنداً إلى
حجة؟( )0
قال الحافظ ابن حجر : “واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن فى جماعة بسبب اختلافهم فى العقائد فينبغى التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق،
وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا فى أمر الدنيا فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط( ) أ0هـ0

ومن كل ما سبق يظهر فساد ادعاء جولدتسيهر ومن قال بقوله “إن سلطان هذين الكتابين يرجع لأساس شعبى لا صلة له
بالتدقيق الحر للنصوص، وهذا الأساس هو إجماع الأمة، وتلقى الأمة لهما بالقبول يرفعهما إلى أعلى المراتب”0
فهذا الكلام فاسد من أساسه، بما سبق بيانه من دراسة الأئمة لكل من الكتابين سنداً ومتناً، وعرضهما على أدق المقاييس النقدية
الصحيحة التى اشترطها كل من البخارى ومسلم فى صحيحهما، وظهر من سبر الأئمة وفاء البخارى ومسلم بشرطهما، سوى أحاديث قليلة،
والقول فيها قول البخارى ومسلم، وهى صحيحة0

فظهر من ذلك الصحيحين ليسا جهد أفراد وإنما جهد أمة، وهم طائفة المحدثين، وهم المشتغلون بهذا الشأن وأعرف الناس به، وهم نقاد الأخبار
الذين يتوقف على قولهم قبول الآثار النبوية أو ردها0 وهم المعنيون بإجماع الأمة على صحة الكتابين، وتلقيهما بالقبول0 وهو إجماع معصوم
لا يقدح فيه إلا جاحد مغرور( )0

أما قول جولدتسيهر:”بالرغم من أن نقد هذين الكتابين غير لائق، وغير مسموح به…” إلخ0
يتناقض مع آخر كلامه من أن الدارقطنى قد صنف فى نقدهما كتابه (الاستدراكات والتتبع)0 ودعواه أن نقد هذين الكتابين لا يجوز أو غير لائق
أو غير مسموح به يكذبه الواقع، بما سبق من استدراك الأئمة الدارقطنى، والدمشقى، والغسانى، وفات هذا المستشرق وغيره من الطاعنين فى
مكانة الصحيحين أن الخطورة لا تكمن فى تعرض الكتابين للنقد، ولكنها تكمن فى سلامتهما من الانتقادات أو الطعون التى وجهت إلى بعض
أحاديثهما، فليس كل انتقاد يعول عليه، كما أن النقد أو الاستدراك قد يوجه لحالة معينة فيحسب من لا دراية له بهذا الموضوع أن النقد قد شمل
كل أحوال الكتاب، كما هو الحال مع استدراكات الأئمة0
وقد بين نقاد الحديث أن هذه الاستدراكات غير قادحة( ) فى صحة الصحيحين، ومكانتهما، خلافاً لأعداء السنة الذين يوهمون القارئ بخلاف
ذلك0

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد محرم : إن نسبة الوهم إلى بعض الرواة ممن روى لهم البخارى ومسلم، تقتضى الدقة فى
التفرقة بين نسبة الوهم إلى بعض الرواة لشواهد تنتصب على ذلك، وبين نسبة الضعف أو الوضع إلى الصحيحين لا بحجة أو برهان، وإنما
متابعة للشيطان وموافقة للهوى0
وكن على حذر من مكمن الخطر فى التقليل من منزلة الصحيحين أو محاولة إنزالهما من عليائهما( )0

فالصحيحان هما أصح ما ألفه المحدثون، وقد أدى مؤلفاهما إلى الدين، وإلى الأمة الإسلامية خدمة جليلة لا تنكر، بل تذكر بالإكبار فتشكر،
نسأله  أن يجزل ثوابهما ما استفاد من الكتابين مستفيد( ) أ0هـ0

ونختم كلامنا عن الصحيحين بكلمة جامعة للشيخ أحمد شاكر –رحمه الله تعالى- نرى أنها عين الحق وندين لله بمضمونها ونلقاه مطمئنين
على اعتقاد ما فيها من اليقين قال رحمه الله : “الحق الذى لا مريه فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على
بصيرة من الأمر، أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها ليس فى واحد منها مطعن أو ضعف، وإنما انتقد الدارقطنى وغيره من الحفاظ بعض
الأحاديث، على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ فى الصحة الدرجة العليا التى التزمها كل واحد منهما فى كتابه، وأما صحة الحديث فى نفسه،
فلم يخالف أحد فيها، فلا يهولنك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين أن فى الصحيحين أحاديث غير صحيحة، وتتبع الأحاديث التى تكلموا فيها،
وانقدها على القواعد الدقيقة التى سار عليها أئمة أهل العلم،، واحكم على بينة، والله الهادى إلى سواء السبيل( ) أ0هـ0
والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

الفصـل الســادس
وسيلتهـــم فى الاعتمـــاد علــــى مصـــادر غيــر معتبـــرة
فـــى التأريــــخ للسنـــــة ورواتهــا

ويتضمن بيان
أساليب دعاة الفتنة وأدعياء العلم فى الطعن فى السنة النبوية من خلال ثلاثة أنواع من المصادر :
النوع الأول : مصادر غير معتبرة، وعليها جل اعتمادهم فى الحكم على السنة المطهرة0
النوع الثانى : مصادر معتبرة حديثية، وهدفهم من ذلك تضليل القارئ0
النوع الثالث : مصادر معتبرة غير حديثية، واعتمادهم ما ورد فيها من أحاديث مكذوبة0

الفصـل السـادس
وسيلتهم فى الاعتماد على مصادر غير معتبرة
فى التأريخ للسنة ورواتها

إن من القواعد المعلومة الكلية أن كل علم له مصادره المعتبرة التى تعرف بها حقائقه وقضاياه، فمن عرف بحقائق وقضايا علم
ما، واعتمد فى ذلك على مصادر غير معتمدة ولا موثوقة لم يكن لبحثه أية قيمة علمية،ولا لمن يفعل ذلك مكان بين العلماء المحترمين(
)0

وهذا ما يفعله دعاة الفتنة، وأدعياء العلم من المستشرقين، ودعاة الإلحاد فى أمتنا الإسلامية، تراهم وهم يتحدثون عن قضايا
السنة النبوية المطهرة من تدوينها، وحجيتها، ومكانتها التشريعية، ورواتها من الصحابة والتابعين فمن بعدهم  أجمعين، يعتمدون فى حديثهم
عن القضايا السابقة ثلاثة أنواع من المصادر :
1- النوع الأول : مصادر غير معتبرة وعليها جل اعتمادهم فى الحكم على السنة النبوية0
2- النوع الثانى : مصادر معتبرة حديثية وهدفهم من ذلك تضليل القارئ على ما سيأتـى0
3- النوع الثالث : مصادر معتبرة غير حديثية، واعتمادهم ما ورد فيها من أحاديث مكذوبة0

أما النوع الأول مصادرهم الغير معتبرة فتتنوع إلى ما يلى :
1- كتب خصوم السنة وأهلها من الخوارج، والرافضة، والمعتزلة، والباطنية، كالأصفهانى( )؛ صاحب كتاب الأغانى( )0 وما كتبه أعداء
الإسلام من المستشرقين بروح الحقد، والتعصب الأعمى ضد الإسلام والمسلمين فى “دوائر معارفهم -الغير إسلامية” وغير ذلك من كتبهم
المسمومة0
2- كتب لا صلة بينها وبين علوم السنة ككتب الأدب، واللغة، والنحو، والشعر، والتاريخ لغير المحدثين0
3- كتب من وضع الزنادقة، ولا يعرف لها مؤلف كألف ليلة وليلة( )0

وحتى لا يقال إن فى هذا الكلام إجحاف وتجن على أصحاب المنهج العلمى -المزعوم- “وأهل التحقيق والتمحيص” لننظر فى المصادر التى
اعتمد عليها الصنم الأكبر للمستشرقين “جولدتسيهر” وهو يهاجم السنة المطهرة فى كتابه “دراسات محمدية”( )0

نقل جولد تسيهر من كتب السنة الستة وموطأ مالك، وسنن الدارمى، ومصابيح السنة للبغوى، وهو وغيره فى هذه الكتب المعتمدة، يخدعون
قارئهم على ما سيأتى0
أما المصادر التى يعتمدها غالباً فى إصدار أحكامها فهى :
1- حياة الحيوان الكبرى للدميـرى0
2- أدب القاضــى للخصافــى0
3- الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى0
4- معجم الأدباء لياقوت الحمـوى0
5- سيرة سيـف بـن ذى يـزن0
6- سيـرة عنتــرة بـن شـداد0
7- كتاب الخراج لأبـى يوسـف0
8- فهــرس ابــن النديــم0
9- كشف الظنون لحاجى خليفة … إلخ0
وهذا غير المراجع التى قدمها نظراؤه من المستشرقين، وكتبت بلا إنصاف، واعتمدت على مثل ما اعتمد عليه من المصادر( )0

ولننظر فى مصادر محمود أبو ريه فى كتابه “أضواء على السنة”( )، والتى اعتمد عليها فى تحقيقه العلمى المزعوم0 فهو
كسابقه اعتمد أيضاً على كتب السنة الستة والموطأ، والدارمى وغير ذلك من مصادر معتمدة وكان الهدف من ذلك خداع القارئ وإيهامه بأهمية
البحث – كما سيأتى مفصلاً بعد قليل 0

أما المصادر التى اعتمد عليها فى إصدار أحكامه على السنة المطهرة ورواتها فهى:
1- تاريخ التمدن الإسلامى لجرجـى زيـدان0
2- العرب قبـل الإسـلام لجرجـى زيـدان0
3- دائرة المعارف الإسلاميـة للمستشرقيـن0
4- تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان0
5- المسيحية فى الإسلام للقس إبراهيم لوقـا0
6- العقيدة والشريعة فى الإسلام لجولدتسيهر0
7- أحاديث عائشة للسيد مرتضى العسكرى0
8- ابن سبأ للسيـد مرتضـى العسكــرى0
9- أبـو هريـرة لعبـد الحسيـن شـرف الديـن0
10- أصل الشيعة وأصولها محمد الحسين آل كاشف0
11- البيان والتبيـن للجاحـظ0
12- والحيوان للجاحظ … إلخ0
وبهذه اللمحة السريعة فى مصادر بعض الطاعنين فى السنة المطهرة : يتضح بشكل جلى عدم نفعها فى أى دراسة للحديث
الشريف،إما لبعد مادة بعضها عن الحديث الشريف،أو لأن البعض الآخر منها لا ينفع،لتحامل أصاحبها،وجلهم من المستشرقين،وغلاة الشيعة( )
أما النوع الثانى من مصادر أعداء السنة فمصادر معتبرة فى الحديث، والتفسير، والفقه، وعلوم القرآن، والسنة، وكتب الدفاع
عنها، وقصدوا من وراء ذلك إيهام القارئ بأهمية بحوثهم، وأن تلك المصادر تنتهى إلى ما انتهوا إليه فى بحوثهم، والحق أنها كلها تكذبهم فى
دعواهم0

وإلا فهل هناك عاقل يجرؤ على القول بأن ما ذكره محمود أبو ريه من مصادر معتبرة تنتهى فى نتيجتها إلى ما انتهى إليه من طعن فى حجية
السنة المطهرة، ورواتها الثقات الأعلام : كالمصادر التالية :
1- تذكرة الحفاظ للذهبى0
2- شروط الأئمة الستة والخمسة للمقدسى والحازمى0
3- مقدمة ابـن الصـلاح0
4- قواعد التحديث للقاسمى0
5- شرح القارئ على نخبة الفكر لابن حجر0
6- تقييــد العلـم للخطيـب البغــدادى0
7- الموافقــات والاعتصـام للشاطبـى0
8- الإحكــام للآمـــدى0
9- الإحكــام لابـن حـزم0
10- ومنهاج السنة لابن تيمية0
11- جامع بيان العلم وفضلـه0
12- البداية والنهاية لابن كثير0
13- والعواصم من القواصم للقاضى ابن العربى0
14- وتأويل مختلـف الحديـث لابـن قتيبـة0
فهل يجرؤ عاقل على القول:بأن تلك المصادر المعتمدة التىذكرها محمود أبو رية وغيرها يقول أصحابها بمثل قوله الخبيث أو تنتهى إلى ما
انتهى إليه “سبحانك هذا بهتان عظيم”0

وقس على ذلك سائر دعاة الفتنة وأدعياء العلم من المستشرقين ودعاة اللادينية عندما يستشهدون فى هجومهم على السنة المطهرة بمصادر
معتمدة، فالأمر لا يخرج عن إيهام القارئ وتضليله بأن أصحاب تلك المصادر الموثوقة ينتهون إلى ما انتهوا إليه0

أما إذا ذكروا من تلك المصادر المعتبرة حقائق مسلماً بها عند أهل العلم فلا يخرج حالهم فى هذه الحالة عن ثلاثة أمور :
أولهما : الاستشهاد بتلك الحقائق المسلم بها فى غير موضعها إيهاماً للقارئ بأن أصحاب تلك المصادر المعتبرة التى ذكرت تلك الحقائق يلتقون
معهم فى فكرتهم ومقصدهم، ومن ذلك ما سبق فى شبهة الوضع، وكثرة الوضاعين، واستشهادهم بكلام الأئمة فى أسباب الوضع وأصناف
الوضاعين بأن ذلك أضعف الثقة بالسنة وبحجيتها( ) هذا فى حين ذكر علماء المسلمين أسباب الوضع وأصناف الوضاعين فى مصادرهم لبيان
جهود المحدثين فى كشف الكذابين، وأنه لم يخف أمرهم على حفاظ السنة، وأنها خرجت سليمة معافاة من فتنة الوضاعين فذكروا كل هذا كميزة
وفضيلة( )0
إلا أن أعداء السنة نقلوا من مصادر علماء المسلمين تلك الميزة واستشهدوا بها فى غير موضعها ونشروها على أنها نقيصة0
فتأمل كيف ينشرون مميزات السنة على أنها عيوب0

ومن ذلك أيضاً ما سبق فى مسألة (استقلال السنة المطهرة بتشريع الأحكام) واتخاذ أعداء السنة كلام الإمام الشاطبى فى تلك المسألة ستاراً
للتشكيك والطعن فى حجية السنة ومكانتها التشريعية( )0

ثانيهما : الاستشهاد من المصادر المعتبرة بحقائق مسلم بها لكنها “مبتورة” فيكتفون بذكر ما يشهد لدعواهم، ويغضون الطرف عما يفحمهم0

ومن ذلك مما سبق فى “شبهة النهى عن كتابة السنة” حيث نقلوا من المصادر المعتبرة المؤرخة لذلك، الباب الذى يؤيدهم فى دعواهم كـ “باب
الآثار والأخبار الواردة عن كراهة كتاب العلم”، وغضوا الطرف عن بقية الأبواب الواردة فى نفس المصادر المعتبرة التى استشهدوا بها، والتى
ترد على شبهتهم، كـ “باب وصف العلة فى كراهية كتابة الحديث”، و”باب الآثار والأخبار الواردة عن إباحة كتابة العلم”( )0
ثالثهما : الاستشهاد من المصادر المعتبرة بتحريف النصوص عن مواضعها وهذا من مأخذ أهل البدع بالاستدلال (تحريف الأدلة
عن مواضعها) كما قال الشاطبى( )0

ومن ذلك ما سبق فى “شبهة الاكتفاء بالقرآن، وعدم الحاجة إلى السنة المطهرة”، وتحريف أحمد صبحى منصور، وجمال البنا
لكلام الحافظ ابن حجر فى شرحه للمراد من حديث عبد الله بن أبى أوفى فى وصية النبى  بالاقتصار على الكتاب0 قال الحافظ ابن حجر –
رحمه الله-:”الاقتصار على الوصية بالكتاب لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شئ إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس
ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبى  به لقوله تعالى:وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا( )0

أما أحمد صبحى منصور فاستشهد بكلام الحافظ ونقل كلامه هذا مبتوراً محرفاً بحذفه لفظه (النبى ) فصارت العبارة : “فإذا اتبع الناس ما فى
الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به”0
وكذلك صنع جمال البنا استشهد بكلام الحافظ مبتوراً محرفاً فقال : “أى التمسك به “يعنى القرآن” والعمل بمقتضاه إشارة إلى قوله : “تركت فيكم
ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله”( ) وترك بقية كلام الحافظ ابن حجر أن عمل الناس بالكتاب يقتضى العمل بكل ما أمرهم النبى  به
لقوله تعالى : وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا( )0

أما النوع الثالث من مصادر أعداء السنة فمصادر معتبرة غير حديثية، يستشهدون بما فيها من أحاديث ضعيفة أو موضوعة تشهد لدعواهم0

ومن ذلك استشهادهم بحديث عرض السنة على القرآن : “إذا روى لكم عن حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه”( )
واعتمادهم صحة الحديث لمجرد وروده فى بعض كتب الفقه أو الأصول كالمحصول فى أصول الفقه( )، وأصول السرخسى( )، والمعتمد فى
أصول الفقه( )0
وقد نقل غير واحد من أهل الزيغ والهوى هذا الحديث من مصادر معتبرة غير حديثية موهماً أن أصحاب تلك المصادر يقولون بعرض السنة
على القرآن، بمفهومهم القائم على رد الحديث بمجرد التعارض الظاهرى حتى مع إمكان الجمع والتأويل0

وممن فعل ذلك أحمد حجازى السقا فى كتابه “دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى” عزا حديث “عرض السنة على القرآن” إلى
المحصول للرازى، موهماً أن الرازى، والفقهاء يقولون بالحديث( )، فى حين أن الرازى يحكى مخالفة عيسى بن أبان لجمهور علماء المسلمين
بإيجابه عرض خبر الآحاد على القرآن الكريم( )0

ويجاب عن استشهادهم بأحاديث مكذوبة وردت فى مصادر معتبرة غير حديثية بما هو مقرر عند أهل الحديث وهو :
أنه لا يكتفى بعزو الحديث إلى من ليس من أهله دون بيان : وإن جل كعظماء المفسرين، والفقهاء، والمتصوفة، والمؤرخين، وغيرهم، بل لابد
من معرفة تعقبات المحدثين على ما أوردوه فى كتبهم وذكره عند العزو إليها، ما لم يكونوا من أئمته، أو دراسة أسانيدها ومتونها – إذا كانت
خالية من تعقبات المحدثين ولم يكونوا من أئمته دراسة دقيقة فاحصة لمتبحر فى الحديث وعلومه، للوصول من وراء ذلك إلى الحكم بصحة
الحديث أو ضعفه أو الحكم عليه بالوضع( ) كما فى حديث عرض السنة على القرآن0

وفى ذلك يقول الإمام عبد الرءوف المناوى( ) : “فلا أعزوا إلى شئ منها “أى المصادر” ولا أكتفى بعزوه إلى من ليس من أهله
وإن جل كعظماء المفسرين … فكتب التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة، وكأكابر الفقهاء “أى غير الأئمة الأربعة” فإن الصدر الأول من
أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح من غيره، فوقعوا فى الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبى  وفرعوا عليها كثيراً من
الأحكام مع ضعفها، بل ربما دخل عليهم الموضوع “نسياناً أو غلطاً دون عمد”( )0
ومثل هذه الأخطاء الحديثية لهؤلاء العلماء الأجلاء وهم غير متخصصين فى الحديث وعلومه – لا تقدح فى منزلتهم العلمية، ولا فى مؤلفاتهم
ولا فى سلامة الأغراض التى من أجلها ألفوا كتبهم”( )0

قال الإمام المناوى : “وهذا لا يقدح فى جلالتهم، بل ولا فى اجتهاد المجتهدين إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث
فى الدنيا”( ) أ0هـ0

قال العلامة اللكنوى : فإن قال قائل : فما بالهم أوردوا فى تصانيفهم الأحاديث الموضوعة – مع جلالتهم ونباهتهم – ولِمَ لم
ينقدوا الأسانيد مع سعة علمهم؟

قلت : لم يُوردوا ما أوردوا : مع العلم بكونه موضوعاً، بل ظنَّوه مروياً وأحالوا نقد الأسانيد على نُقَّادِ الحديث، لكونهم أغنوهم عن الكشف
الحثيث، إذ ليس من وظيفتهم البحث عن كيفية رواية الأخبار، إنما هو من وظيفة حملة الآثار، فلكل مقام مقال، ولكل فن رجال”( )أ0هـ0

وبعـد
فإن وسائل أعداء السنة فى الكيد لها لا تقف عند حد، وصدق الإمام الشاطبى –رحمه الله – : “ومن نظر إلى طريق أهل
البدع فى الاستدلالات عرف أنها لا تنضبط، لأنها سيالة لا تقف عند حد”( )0

وبحسب كل مسلم أن يتنبه إلى القواعد الكلية التى ينطلقون منها للكيد للسنة المطهرة، ويعرف بطلان تلك القواعد، وأنه لا أساس
لها فهى كمثل بيت العنكبوت0
قال تعالى : وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ( ) وهذا ما حرصت على تفصيله فى الفصول السابقة0

ونأكده فى الباب الثالث بذكر نماذج من الأحاديث الصحيحة التى طعن فيها أهل الزيغ والهوى، والجواب عنه0 فإن بيان ذلك0

البــــاب الثالـــث

نماذج من الأحاديث الصحيحة المطعون فيها
والجـــــواب عنهـــــــا

وتحته تمهيد وعشرة فصول :
التمهيد ويتضمن بيان :
أ- طبيعة نقد الأحاديث الصحيحة عند أعدائها0
ب- طبيعة الأحاديث الصحيحة المطعون فيها0
الفصل الأول : حديــث “إنمــا الأعمـال بالنيـات”0
الفصل الثانى : حديث “أنزل القرآن على سبعة أحرف”0
الفصل الثالث : أحاديث “رؤية الله ” و”محاجة آدم موسى عليهما السلام” و”الشفاعة”0
الفصل الرابع :أحاديث ظهور”المهدى”وخروج”الدجال”و”نزول المسيح عليه السلام”
الفصل الخامس : حديث “عذاب القبر ونعيمه”0
الفصل السادس: أحاديث “خلوة النبى  بامرأة من الأنصار” و”نوم النبى  عند أم سليم أم حرام” وحديث “سحر النبى ”0
الفصل السابع : حديـث “رضاعـــة الكبيـــر”0
الفصل الثامن : حديث “وقوع الذبـاب فـى الإنـاء”0
الفصل التاسع : ثمرات ونتائـج الحديـث الصحيـح0
الفصل العاشر : مضار رد الأحاديث النبوية الصحيحة0

التمهيــد

ويتضمن بيان
أ- طبيعة نقد الأحاديث الصحيحة عند أعدائها0
ب- طبيعة الأحاديث الصحيحة المطعون فيها0
يحرص أعداء السنة – أعداء الإسلام – فى عصرنا على تناول الأحاديث الصحيحة، وخاصة صحيحى البخارى ومسلم بالنقد
والتجريح، المزور الباطل، وذلك كى يصلوا فى النهاية إلى التشكيك فى السنة جميعها وصرف المسلمين عنها، ويركزون على الصحيحين لأنه
بسقوط الرأس يسقط الجسد كله0 وقد عرفنا منذ قليل أن الصحيحين وهما أصح الكتب بعد كتاب الله  ليسا جهد أفراد، وإنما هما جهد أمة، من
جهابذة المحدثين، تناولوا الكتابين بالنقد والدراسة، وأسفرت تلك الدراسة عن صحة الكتابين صحة لا يشوبها أدنى شك، سوى أحرف يسيرة لا
يصل الحال بها أبداً إلى درجة الوضع، بل ولا حتى إلى درجة الضعف الذى لا يحتمل، وإنما غاية هذه الأحرف قصور شروط الصحة فيها عما
التزمه الشيخان من إخراج أصح الصحيح0
وقد عرفنا أيضاً أن المحدثين لم يقصروا فى نقد المتن، كما يزعم من عميت بصيرتهم، وكيف يقصرون! وهل قام علم الحديث
دراية بجميع أنواعه إلا لخدمة علم الحديث رواية؟ وكيف يقصرون وما وضعوه من شروط لصحة الحديث من اتصال السند، وعدالة الراوى،
وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة – إلا لضمان سلامة المتن، والتأكد من صحة نسبته إلى النبى 0
وعرفنا كيف أن ما يبدوا ظاهراً من الشروط الخمسة من اختصاصه بالسند هو فى الحقيقة متعلق بالمتن ظاهراً وباطناً0

أ- طبيعة نقد الأحاديث الصحيحة عند أعدائها :
إن هؤلاء النابتة من أعداء ديننا وأمتنا، اتخذوا من تحكيم عقولهم الزائغة القاصرة، المقياس الأول والأخير فى نقدهم للأحاديث
والحكم عليها، ويتخذون من ذلك ذريعة إلى إنكار الأحاديث، وتخطئة علماء السنة، وتخطئة الجمهرة من المسلمين الذين اهتدوا بهديهم
وعلمهم، وساروا على دربهم، يدفعهم إلى ذلك عمى بصيرة، وحقد دفين على سنة رسول الله  كما يهدفون إلى أن يبتعد الناس عن نور النبوة
المباركة وهديها المستقيم، وهم يطوون حقدهم وأهدافهم وراء تناول بعض الأحاديث التى تحتاج إلى فهم خاص، يتلاءم مع مبادئ الإسلام،
والفهم الصحيح لتعاليمه وقيمه( )، مثل حديث (رضاعة الكبير) وسيأتى ذكره والجواب عنه بإذن الله تعالى0

ب- طبيعة الأحاديث الصحيحة المطعون فيها :
طبيعة الأحاديث التى اتخذها دعاة الفتنة وأدعياء العلم وسيلة للنيل من سنة رسول الله  والنيل من رواتها الثقات الأعلام من
صحابة رسول الله  والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين أصحاب المصنفات الحديثية – شملت أبواب السنة كلها من العقائد، والعبادات،
والمعاملات، والفتن، والرقائق، والطب، والسيرة … إلخ0 وهم يحرصون دائماً وهم يطعنون فى الأحاديث الصحيحة، أن تكون تلك الأحاديث من
الأصول، والعقائد لزعزعة قلوب المؤمنين بعقائدهم حتى يصلوا إلى غايتهم قال تعالى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً( )0
وسوف نذكر نماذج من تلك الأحاديث الصحيحة التى طعنوا فيها فى ثمانية فصول0

الفصـــــل الأول
حديـــــــــث “إنمــــــا الأعمــــــــال بالنيــــــــات”

وتحته مبحثان :
المبحث الأول : شبه الطاعنين فى حديث “إنما الأعمال بالنيات” والرد عليها0
المبحث الثانى : مكانة حديث “إنما الأعمال بالنيات”0

المبحـث الأول
شبه الطاعنين فى حديث “إنما الأعمال بالنيات”
والــرد عليهــا

أخرج الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن علقمة بن وقاص الليثى( ) قال : سمعت عمر بن الخطاب  على المنبر قال :
سمعت رسول الله  يقول : “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى : فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته
إلى ما هاجر إليه”0

هذا الحديث الذى يمثل أصلاً من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده طعن فيه الصنم الأكبر للمستشرقين – جولدتسيهر – وضربه
مثلاً على ما ذهب إليه من أن الحديث نتيجة للتطور الدينى خلال القرون الأولى، وقال : “وقد ارتفع شأن هذا الحديث إلى أن صار فكرة تسيطر
على كل الأعمال الدينية يقول الله تعالى : “لاقونى بنياتكم ولا تلاقونى بأعمالكم” وهو حديث متأخر ظهر كصدى لاقتناع المؤمنين بذلك، وعلامة
على قيمة أعمالهم الدينية”( )0

وتابع طعناً فى صحة الحديث دعاة اللادينية، يقول نيازى عز الدين : “إن هذا الحديث أحد ثلاثة أحاديث خطيرة افتراها جنود السلطان لقلب دين
الله الذى فى القرآن؛ إلى دين السلطان الموجود فى أحاديث جنوده ( )0

وبهذا الحديث استحل فى نظره – أئمة المسلمين ورواة السنة الثقات – جنود السلطان عنده – استحلوا بهذا الحديث التحايل فى دين الله، وحجته
فى ذلك افتتاح الإمام البخارى به كتاب الحيل من صحيحه قال : حديث “إنما الأعمال” أول حديث يفتتح به البخارى فى صحيحه كتاب الحيل لأنه
حجر الزاوية بالنسبة لكل تلك الأحاديث المفتراه على الله والرسول، فوضعها لنا فى أول جملة من كتابه، حتى يدل من كان يريد أن يعرف أن
ذلك الحديث، كان المفتاح الذهبى لكل أبواب الاحتيال فى دين السلطان، التى فتحت كل تلك الأبواب على مصراعيها لجنود السلطان من أجل،
تأليف فقه دين السلطان”]( ) أ0هـ0

ويجاب على ما سبق بما يلى :
أولاً : حديث “إنما الأعمال بالنيات” صحيح متفق على صحته( )0 قال الحافظ ابن حجر : “إن هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة
المشهورون إلا الموطأ”( )0
ثانياً : هنالك كثير من نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة التى جاءت فى معنى هذا الحديث،تحث على الإخلاص وتذم الرياء مثل
قوله تعالى:وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ( ) والآية تخاطب أهل الكتابين،
وفى ذلك اشتراط النية فى صحة الأعمال للأمم السابقة( ) وقال تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا
لَا يُبْخَسُونَ(15)أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( ) وقوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ( ) ومن الأحاديث : حديث عائشة
–رضى الله عنها – مرفوعاً : “يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا بِبَيداءَ من الأرض يُخسفُ بأولهم وآخرهم0 قالت0 قلت : يا رسول الله
كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أَسْوَاقُهُم ومن ليس منهم؟ قال : يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم”( ) وفى الحديث أيضاً عن
أبى موسى الأشعرى  مرفوعاً : “من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله”( )0

والأدلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة كثيرة جداً فى تأييد معنى الحديث0
ولكن جولدتسيهر ومن قال بقوله لم يطعن فى هذا الحديث من فراغ، فقد كان يعلم قدره وعظمته ومكانته فى الإسلام، وبذلك صرح فى
كتابه دراسات محمدية قائلاً : “ويعد كلام النبى هذا واحداً من أعظم مبادئ الإسلام، ويعد واحداً من أربعة مبادئ أساسية عليها مدار الإسلام”(
)0

وهنا يظهر تناقض جولدتسيهر حيث يذهب بأن الحديث من وضع الفقهاء، ونتيجة للتطور الدينى للإسلام، كما زعم فى كتابه العقيدة والشريعة،
وهنا فى كتابه دراسات محمدية، يقر بأن الحديث من كلام النبى ، وروى فى عهود مبكرة فى المدينة، ولم يقل وضعه الفقهاء وإنما قال : “وقد
طبق الفقهاء هذه العبارة لكونها مبدأ أسمى فى معالجة المسائل الدينية والشرعية”( )0
وعلى كل حال فدعواه بأن الحديث متأخر، قد ظهر لك بطلانها من نص الحديث حيث خطب به الفاروق عمر  وأسنده إلى
الرسول، وصدق عليه من سمعه، وهم جمهور كبير من صحابة رسول الله  وذكر الإمام العينى أيضاً أن الرسول  خطب به لما قدم المدينة(
)0
أما قول جولدتسيهر : “لاقونى بنياتكم ولا تلاقونى بأعمالكم” فهذا خلاف ما دل عليه الحديث، فإن الحديث لم ينف الأعمال، بل شرط لصحتها
النية، إذ العمل مطلوب شرعاً كما قال سبحانه : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ( ) وقرنه بالإيمان فى أكثر من آية : 
وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ( )0 وقال  : “إن الله لا ينظر إلى
صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”( ) أ0هـ0

أما ما زعمه بعض النكرات أن أئمة المسلمين وضعوا حديث “إنما الأعمال”، واستحلوا به التحايل فى دين الله بحجة افتتاح الإمام
البخارى للحديث فى كتاب الحيل من صحيحه فهذا من تضليله وجهله0

أما تضليله فهو عدم ذكره اسم الباب الذى ذكر الإمام البخارى الحديث تحته وهو باب بعنوان “فى ترك الحيل وأن لكل إمرئ ما نوى فى الأيمان
وغيرها”0
وواضح من عنوان الباب إبطال زعم النكرة أن الحديث دليل على استحلال الحيل0
أما جهله فهو قلة عقله فى استيعاب فقه الإمام البخارى فى تراجمه فى أبوابه، وأنى له إدراك ذلك، وتلك “التراجم حيرت الأفكار، وأدهشت
العقول والأبصار، ولقد أجاد القائل : أعى فحول العلماء حل رموز ما أبداه فى الأبواب من أسرار”( )0

فالإمام البخارى رحمه الله تعالى افتتح كتابه الحيل بحديث “إنما الأعمال بالنيات” وعنون للباب قبل ذكر الحديث بباب فى ترك الحيل
…”( ) فأدخل كلمة “الترك” لئلا يتوهم أحد من أدعياء العلم من ترجمة الكتاب “كتاب الحيل” إجازة الحيل0

قال الحافظ ابن حجر فى شرحه لعنوان الباب قال : قوله : “باب ترك الحيل” قال ابن المنير : أدخل البخارى الترك فى الترجمة، لئلا يتوهم أى
من ترجمة الكتاب “كتاب الحيل” إجازة الحيل عموماً، فإن القول بجوازها عموماً إبطال حقوق وجبت، وإثبات حقوق لا تجب، فتحرى فيها لذلك0

قال ابن حجر قلت : وإنما أطلق أولاً “كتاب الحيل” للإشارة إلى أن من الحيل ما يشرع فلا يترك مطلقاً0 فضابطها إن كانت للفرار من
الحرام، والتباعد من الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا بل هى إثم وعدوان”( )0

وقال ابن قيم الجوزية : “الحيل نوعان : نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام، وتخليص الحق
من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغى، فهذا النوع محمود يثاب فاعله0 ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل
المحرمات، وقلب المظلوم ظالماً، والظالم مظلوماً والحق باطلاً والباطل حقاً، فهذا النوع الذى اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار
الأرض”( )0
فإذا كان من النوع الباطل إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب الحق باطلاً، والباطل حقاً0 فهل هناك مسلم يجرؤ على القول بأن أئمة
المسلمين ورواة السنة الثقات استحلوا أكبر الكبائر بالكذب على رسول الله  ينسبه شئ لم يقله، وجعله شرعاً إلى يوم الدين؟ سبحانك هذا
بهتان عظيم0

يقول ابن قيم الجوزية : “إن هذه الحيل المحرمة لا تجوز أن تنسب إلى إمام، فإن ذلك قدح فى إمامته، وذلك يتضمن القدح فى الأمة حيث إئتمت
بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غير جائز، ولو فرض أنه حكى عن واحد من الأئمة بعض هذه الحيل المجمع على تحريمها فإما أن تكون
الحكاية باطلة، أو يكون الحاكى لم يضبط لفظه …، ولو فرض وقوعه منه فى وقت ما فلابد أن يكون قد رجع عن ذلك، وإن لم يحمل الأمر
على ذلك لزم القدح فى الإمام، وفى جماعة المسلمين المؤتمين به، وكلاهما غير جائز، ولا خلاف بين الأمة؛ أنه لا يجوز الإذن فى التكلم
بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان، ثم إن هذا على مذهب أبى حنيفة وأصحابه أشد( )، فإنهم لا يأذنون فى
كلمات وأفعال دون ذلك بكثير، ويقولون : إنها كفر، حتى قالوا : لو قال الكافر لرجل : “إنى أريد أن أسلم” فقال له : “اصبر ساعة” فقد كفر،
فكيف بالأمر بإنشاء الكفر؟ وقالوا : لو قال “مسيجد” أو صغر لفظ المصحف كفر0فعلمت أن الأئمة أعلم بالله ورسوله، ودينه، وأتقى له من أن
يجيزوا،فضلاً عن أن يستحلوا–الحيل التى هى كفر أو حرام”( )، ولا ينسب ذلك إليهم إلا مارق ضال محتال0

قال الحافظ ابن حجر : وقول البخارى : “وإن لكل امرئ ما نوى فى الأيمان وغيرها” من تفقه المصنف لا من الحديث قال ابن
المنير : اتسع البخارى فى الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات فحمله البخارى عليها، وعلى المعاملات، وتتبع مالكاً
فى القول بسد الذرائع، واعتبار المقاصد، فلو فسد اللفظ، وصح القصد ألغى اللفظ، وأعمل القصد، تصحيحاً وإبطالاً، قال : والاستدلال بهذا الحديث
على سد الذرائع، وإبطال التحيل، من أقوى الأدلة”( )0
واستدل بذلك أيضاً ابن قيم الجوزية على تحريم الحيل0 فقال حديث : “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” الحديث أصل فى إبطال الحيل
ويكفى وحده فى إبطال الحيل، ولهذا صدر به حافظ الأمة محمد بن إسماعيل البخارى كتاب الحيل من صحيحه( ) أ0هـ0

فأين من كل هذا ما استدل به بعض النكرات أن افتتاح الإمام البخارى بهذا الحديث فى كتاب الحيل، دليل على استحلالها،
واستحلال الكذب على رسول الله 0

المبحـث الثانـى
مكانـة حديـث “إنمـا الأعمـال بالنيـات”

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- : “قد تواتر النقل عن الأئمة فى تعظيم قدر هذا الحديث”( )0 قال الحافظ العراقى : “هو قاعدة
من قواعد الإسلام( )0 وقال الإمام أحمد “أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث عمر : “الأعمال بالنيات”، وحديث عائشة : “من أحدث فى
أمرنا ما ليس منه، فهو رد”( ) وحديث النعمان بن بشير( ):”الحلال بين، والحرام بين”( )0

قال الإمام ابن تيمية : “هو أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أصل كل عمل، ولهذا قالوا : مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث،
فذكروه منها، وذكر قول الإمام أحمد الذى سبق، وقال : والذى أمر الله به نوعان :
أحدهما : العمل الظاهر، وهو ما كان واجباً أو مستحباً0
والثانى : العمل الباطن، وهو إخلاص الدين لله؛ فقوله  : “من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد” : ينفى التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به،
أمر إيجاب أو أمر استحباب0 وقوله  : “إنما الأعمال بالنيات” إلى آخره يبين العمل الباطن، وأن التقرب إلى الله إنما يكون بالإخلاص فى الدين
لله، كما قال الفضيل فى قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا( )0 قال : أخلصه وأصوبه( )0
قال ابن تيمية : فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل،حتى يكون خالصاً صواباً،
والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة النبوية، وعلى هذا دل قوله تعالى:قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا( )وإن هذين الأصلين الإخلاص وصواب العمل؛هما دين الإسلام الذى
ارتضاه الله”( )0

ويقول أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدى : “لو صنفت كتاباً بدأت فى أول كل باب منه بحديث “إنما الأعمال”، وأوصى بذلك فقال :
من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث”( )0

وحسبنا من هذه الأقوال بياناً لمكانة هذا الحديث، وإذا عرفت هذه المكانة، فهمت أن أعداء الإسلام لم يطعنوا فى هذا الحديث من فراغ، فقد
علموا قدره وعظمته ومكانته فى الإسلام، فإذا سهل لهم أن يقدحوا فيه فغيره أولى بالقدح0 ولكن الأمر على خلاف ما يظنون ويأملون0

الفصــــل الثانــــى

حديـــــث “أنـــــزل القـــــــرآن على سبعــــة أحــــــرف”

وتحته أربعة مباحث :
المبحث الأول:شبه الطاعنين فى حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف والرد عليها
المبحث الثانى : معنى نزول القرآن على سبعة أحـرف0
المبحث الثالث : الأحرف السبعة أعم من القراءات السبع0
المبحث الرابع : بقاء الأحرف السبعة فى المصاحــف0

المبحـث الأول
شبـه الطاعنيـن فـى حديث أنـزل القرآن علـى
سبعـة أحـرف والـرد عليهـا

حديث نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف طعن فيه الرافضة قديماً، وزعموا بأنه يثبت كفر الصحابة بوقوع التحريف اللفظى فى
القرآن الكريم، وهم كفار بذلك مشركون عند جميع أهل الإسلام( )0

وقديماً كان الإمام ابن حزم يرد على مزاعم وطعون قساوسة النصارى بأن القرآن فيه تحريف ونقص، وضاع كثير من أصوله وقراءاته
باعتراف المسلمين من الشيعة الرافضة0
فيجيبهم ابن حزم بقوله : “إن دعوى الشيعة ليست حجة على القرآن ولا على المسلمين، لأن الشيعة غير مسلمين … إنما هى فرق حدث
أولها بعد موت النبى  بخمس وعشرين سنة، وكان مبدؤها إجابة من خذله الله تعالى لدعوة من كاد للإسلام، وهى طائفة تجرى مجرى اليهود
والنصارى فى الكذب والكفر( )0

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: