مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 12-14

ومن طعون الرافضة، استدل إخوانهم من المستشرقين، وتكلموا كثيراً فى موضوع القراءات بالأحرف السبعة محاولين إثبات أن هذه القراءات
ليست من الوحى أساساً، وإنما نجمت عن “القراءة بالمعنى”، فلم يكن نص القرآن بحروفه بالنسبة لبعض المؤمنين هو المهم، ولكن المهم هو
روح النص، ودليلهم ما جاء فى بعض الروايات وفيها “كلها شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، نحو قولك :
تعال وأقبل، وهلم، واذهب، وأسرع، وعجل”( )0
ولعل أول من ذهب إلى ذلك من المستشرقين جولدتسيهر، فى كتابه “مذاهب التفسير الإسلامى” حيث ذهب إلى أن اختلاف القراءات القرآنية
راجع إلى خلو المصاحف العثمانية من النقط والشكل إذ يقول وهو يتحدث عن اختلاف القراءات القرآنية : “وإذاً فاختلاف تحلية هيكل الرسم
بالنقط، واختلاف الحركات فى المحصول الموحد الغالب من الحروف الصامتة، كانا هما السبب الأول فى نشأة حركة اختلاف القراءات، فى نص
لم يكن منقوطاً أصلاً، أو لم تتحر الدقة فى نقطه أو تحريكه”( )0وردد هذا الرأى المستشرق الاسترالى الأصل “آرثرجفرى” وذكره فى مقدمة تحقيقه لكتاب “المصاحف” لابن أبى داود قال : “وكانت هذه
المصاحف التى بعثها عثمان إلى الأمصار؛ كلها خالية من النقط والشكل، فكان على القارئ نفسه أن ينقط، ويشكل هذا النص على مقتضى
معانى الآيات”( )0ونتيجة ذلك كله هى القول بحدوث تغيير فى النص القرآنى( )0 وقد تابع هذين المستشرقين بعض العلماء العرب، من الجامعيين
وغيرهم، وأذاعوه فى كتبهم0

يقول الدكتور طه حسين( ) : “إن القرآن تلى بلغة واحدة، ولهجة واحدة هى لغة قريش ولهجتها، لم يكد يتناولها القراء من القبائل المختلفة
حتى كثرت قراءاته، وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تبايناً كثيراً … إلى أن يقول : “والحق أن ليست هذه القراءات السبع من الوحى فى قليل ولا
كثير، وليس منكرها كافراً ولا فاسقاً ولا مغتمزاً فى دينه، وإنما هى قراءات مصدرها اللهجات واختلافها،للناس أن يجادلوا فيها وأن ينكروا
بعضها ويقبلوا بعضها”( )0

ويقول الدكتور أحمد حجازى السقا بعد ذكره حديث عمر  فى نزول القرآن على سبعة أحرف قال : “هذه الرواية التى اتفق عليها البخارى
والمحدثون، وشبهها كثير تثبت التحريف اللفظى فى القرآن، فإن هذه الرواية وشبهها يكونون من الروايات الكاذبة التى وضعها المحدثون عمداً
فى كتبهم للطعن فى القرآن الكريم”( )0

ويجاب على ما سبق بالآتى :
أولاً : حديث “أنزل القرآن على سبعة أحرف” جاء متواتراً عن جمع من الصحابة  فأورده الحافظ السيوطى فى الأزهار المتناثرة من حديث
عمر، وعثمان، وأبى بن كعب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس، وابن مسعود،
وعبد الرحمن بن عوف، وعمر بن أبى سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ ابن جبل، وهشام بن حكيم، وأبى بكرة، وأبى جهم، وأبى سعيد
الخدرى، وأبى طلحة، وأبى هريرة، وأم أيوب( )، وزاد الكتانى حديث ابن عمر، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو ابن العاص( )0 فهؤلاء
أربع وعشرون صحابياً، ما منهم إلا رواه وحكاه0
ونكتفى هنا بسرد بعض الروايات عن بعضهم0
روى البخارى ومسلم ففى الصحيحين عن ابن عباس – رضى الله عنهما –؛ أنه قال : قال رسول الله  : “أقرأنى جبريل على حروف فراجعته،
فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف”( )0 زاد مسلم : “قال ابن شهاب : بلغنى أن تلك السبعة فى الأمر الذى يكون واحداً لا
يختلف فى حلالٍ ولا حرام”( )0

وفى الصحيحين أيضاً أن عمر بن الخطاب  كان يقول : سمعت هشام بن حكيم( ) يقرأ سورة الفرقان فى حياة رسول الله ، فاستمعت لقراءته
فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ، فكدت أساوره فى الصلاة، فانتظرت حتى سلم، ثم لببته بردائه، فقلت : من أقرأك
هذه السورة؟ قال : أقرأنيها رسول الله 0 قلت له : كذبت فوالله إن رسول الله  أقرأنى هذه السورة التى سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى
رسول الله  فقلت : يا رسول الله إنى سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتنى سورة الفرقان0 فقال رسول الله 
: أرسله يا عمر : اقرأ يا هشام، فقرأ هذه القراءة التى سمعته يقرؤها0 قال رسول الله  هكذا أنزلت0 ثم قال رسول الله  : “إن هذا القرآن
أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه”( )0

وروى مسلم بسنده عن أبى بن كعب  قال : “كنت فى المسجد، فدخل رجل يصلى، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ
قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله ، فقلت : إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى
قراءة صاحبة0 فأمرهما رسول الله  فقرأ، فحسن النبى  شأنهما، فسقط فى نفسى من التكذيب وَلاَ إِذْ كنتُ فى الجاهلية0 فلما رأى رسول الله
 ما قد غشينى ضرب فى صدرى، ففضت عرقاً، وكأنما انظر إلى الله  فرقاً فقال لى : يا أُبى‍ أُرسلَ إِلىَّ : أن اقرأ القرآن على حرف فرددت
إليه : أن هون على أمتى، فرد إلى الثانية : اقرأه على حرفين فرددت إليه : أن هون على أمتى، فرد إلى الثالثة : اقرأه على سبعة أحرف، ولك
بكل ردةٍ رددتها مسألة تسألينها0 فقلت : “اللهم اغفر لأمتى، اللهم اغفر لأمتى، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ( )
أ0هـ0

ومن هذه الروايات المتفق على صحتها يظهر إفك من زعم بأن روايات نزول القرآن على سبعة أحرف مكذوبة، كما يظهر إفك
من زعم أن القرآن نزل بحرف واحد فقط0

وظهر فى الروايات السابقة : “أن اختلاف القراء إنما حدث فى حياة الرسول ” فيما تلاه عليهم وسمعوه منه مشافهة، ولم يأت هذا الخلاف
نتيجة النظر فى المصحف المكتوب المقروء الخالى من النقط والشكل،كما زعم جولدتسيهر،وآرث جفرى ومن قال بقولهم0

ثانياً : لو كان خلو المصاحف من الشكل والإعجام سبباً فى تنوع القراءات واختلافها، لكان القارئ الذى يقرأ الكلمة وفق رسم معين، يلتزمه
فى أمثاله ونظائره حيث وقع فى القرآن الكريم، ولم يحدث هذا، وإليك مثالاً واحداً0
قوله تعالى فى فاتحة الكتاب مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ( ) وقوله سبحانه قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ( ) وقوله تعالى فى سورة الناس مَلِكِ النَّاسِ( )0
فلو تأملت المواضع الثلاثة فى المصحف لوجدت الكلمة فيها كلها هكذا “ملك” بالميم واللام والكاف فقط، ولكن حفصاً يقرأ عن عاصم، فى
الفاتحة “مالك” بالألف بعد الميم، وكذلك يقرأ آية آل عمران، أما فى سورة الناس فيقرأ “ملك” من دون الألف كان حفص يقرأ وفق رسم
المصحف لقرأ فى المواضع الثلاثة “ملك”، ولكنه يقرأ بالرواية المتواترة عن رسول الله ( )0

وكذلك قد تختلف القراءات أحياناً لغة ونحواً، وهكذا يبدو للناس فى ظاهر الأمر، ولكن الاختلاف فى الحقيقة راجع إلى التلقى والرواية، لا إلى
القاعدة اللغوية أو النحوية0 وهذا مثال واحد : قال الله تعالى : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى0جاءت هذه الآية فى موضعين( ) ويقرأ القراء جميعاً
“كلاً” بالنصب فى الآيتين، لكن ابن عامر يقرأ آية النساء بالنصب؛ كسائر القراء،أما آية الحديد فيقرأها وحده”وكل”بالرفع،وللنحويين فى توجيه
الرفع والنصب كلام0

فلو كان ابن عامر يقرأ وفق القاعدة النحوية لقرأ الآيتين بالرفع، ولكنه قرأ بالرواية التى تلقاها هو بالتواتر عن سيدنا رسول الله  : مرة
بالنصب، ومرة بالرفع، مع أن تركيب الآية واحد فى الموضعين0

ومثال ثان : الإمالة ظاهرة صوتية، وهى “ان تنحيى بالألف نحو الياء، فيلزم أن تنحى بالفتحة قبلها نحو الكسرة”، وهى لغة بعض القبائل
العربية، وقد قرأ بها بعض القراء، والتزموها حيث وجدت دواعيها فى القرآن الكريم، لكن حفصاً الذى يقرأ بقراءته، كثير من المسلمين الآن
بروايته عن عاصم، لم يقرأ بالإمالة إلا فى موضع واحد من الذكر الحكيم وهو قوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا( )0

وهكذا يختلف القراء ويتفقون بحسب الرواية والتلقى، وليس بحسب رسم المصحف أو الوجه النحوى أو اللغوى، صحيح أن هذين فى الاعتبار،
ولكن بعد ثبوت الرواية بالتواتر، والسند الصحيح إلى رسول الله ، وموافقة الرسم العثمانى، وأن يكون للقراءة وجه صحيح من العربية0
فإذا سمعت قراءة مسندة لواحد من القراء السبعة أو العشرة؛ كأن يقال : قراءة نافع أو عاصم أو الكسائى، فلا تظن أنها من اختراعه أو
ابتداعه، ولكنها اختياره الذى ارتضاه من طريق الرواية المسندة الصحيحة0
ولذلك أثر عن أبى عمرو بن العلاء وهو أحد القراء السبعة قوله “لولا أنه ليس لى أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت كذا وكذا0 وذكر حروفاً”0

ويريد أبو عمرو أن القراءة سنة واتباع وأثر، ولا دخل فيها للسليقة أو الاستحسان اللغوى أو الترجيح النحوى أو رسم المصحف0 ومن ثم يرى
كثير من العلماء أن ترجيح قراءة متواترة على قراءة متواترة لا يجوز0 يقول أبو العباس ثعلب “إذا اختلف الإعراب فى القرآن عن السبعة، لم
أفضل إعراباً على إعراب فى القرآن، فإذا خرجت إلى الكلام، كلام الناس فضلت الأقوى”( )0

قـراءات ربانيـة :
يقول الدكتور محمود الطناحى : “فثبت إذن أن القراءات القرآنية كلها بوجوهها المختلفة من عند الله، ولا دخل لخط المصحف فيها، ولا للوجوه
النحوية أو اللغوية فيها كذلك، وثبت أيضاً أن اختلاف القراءات القرآنية إنما هو اختلاف تنوع،لا اختلاف تضاد”( )أ0هـ0

واعلم أن معنى قول “أبى بن كعب”  “فسقط فى نفسى من التكذيب إلخ” أن الشيطان ألقى إليه من وساوس التكذيب ما شوش
عليه حاله، حين رأى النبى ، قد حسن القراءتين وصوبهما على ما بينهما من اختلاف، وكانتا فى سورة واحدة هى سورة النحل على ما رواه
الطبرى0 وكأن الذى مر بخاطره وقتئذ أن هذا الاختلاف فى القراءة ينافى أنه من عند الله0 لكنه كان خاطراً من الخواطر الرديئة التى لا تنال
من نفس صاحبها منالاً، ولا تفتنها عن عقيدة، ولا يكون لها أثر باق، ولا عمل دائم0

ومن رحمة الله بعباده؛ أنه لا يؤاخذهم بهواجس النفوس وخلجات الضمائر العابرة، ولكن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم، حين يفتح
الإنسان للشبهة صدره، ويوجه إليها اختياره وكسبه، ثم يعقد عليها فؤاده وقلبه0

قال القرطبى : “فكان هذا الخاطر الذى سقط فى نفس أبى من قبيل ما قال فيه النبى  حين سألوه : إنا نجد فى أنفسنا ما يتعاظم
أحدنا أن يتكلم به قال : أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم0 قال ذلك صريح الإيمان”( ) أ0هـ0

ومن هنا تعلم أن ما خطر لسيدنا أبى بن كعب ، لا يمس مقامه، ولا يصادم إيمانه، ما دام قد دفعه بإرشاد رسول الله  سريعاً
حتى قال أُبى نفسه : “ففضت عرقاً، وكأنى انظر إلى الله  فرقاً”( ) أ0هـ0

أضف إلى ما ذكرنا أن خصومة أبى بن كعب، وعمر وغيرهم من الصحابة فى أمر اختلاف القراءة على هذا النحو، إنما كانت قبل أن يعلموا أن
القرآن أنزل على سبعة أحرف، فهم وقتئذٍ كانوا معذورين، بدليل أنهم لما علموا بذلك، واطمأنت إليه نفوسهم، عمل كل منهم بما علم، وصاروا
مراجع مهمة من مراجع القرآن الكريم على اختلاف رواياته0

يدل على ذلك ما روى عن أبى ابن كعب  قال : لقى رسول الله  جبريل فقال يا جبريل إنى بعثت إلى أمة أميين : منهم العجوز، والشيخ
الكبير، والغلام، والجارية، والرجل، الذى لم يقرأ كتاباً قط، قال : يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف”( )0

أما ما زعمه دعاة اللادينية أن القراءات ليست من الوحى، ومصدرها لهجات القبائل المختلفة، فهذا كذب آخر0

يبطله أن المختلفين فى الخبر المذكور الذى أوردناه آنفاً كل منهما قرأ سورة الفرقان بحرفين مختلفين، كانا جميعاً بنى عم قرشيين، من قريش
البطاح، من قبيلة واحدة، جاران ساكنان فى مدينة واحدة، وهى مكة، لغتهما واحدة، وهما عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عبد العزى بن
رباح بن عبد الله بن قريط بن رزاح بن عدى بن كعب، وهشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن كلاب بن مرة بن كعب،
ويجتمعان جميعاً فى كعب بن لؤى، بين كل واحد منهما، وبين كعب بن لؤى، ثمانية آباء فقط0

فظهر كذب من ادعى أن اختلاف الأحرف، إنما كان لاختلاف لغات قبائل العرب0 وأبى ربك إلا أن يحق الحق، ويبطل الباطل، ويظهر كذب
الكاذب، ونعوذ بالله العظيم من الضلال والعصبية للخطأ”( ) أ0هـ0

المبحث الثانـى
معنى نزول القرآن على سبعة أحرف

قوله  : “أنزل القرآن على سبعة أحرف” أى على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها0
وليس المراد أن كل كلمة أو جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات فى الكلمة الواحدة إلى
سبعة0

فإن قيل فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على سبعة أوجه0
فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما أن يكون من قبيل الاختلاف فى كيفية الأداء كما فى المد والإمالة ونحوهما( )0

قال الشيخ الزرقانى -رحمه الله- : “وليس المراد أن كل كلمة من القرآن تقرأ على سبعة أوجه : إذاً لقال  “إن هذا القرآن أنزل
سبعة أحرف” بحذف لفظ “على”0

بل المراد ما علمت من أن هذا القرآن أنزل على هذا الشرط وهذه التوسعة، بحيث لا تتجاوز وجوه الاختلاف سبعة أوجه، مهما كثر ذلك التعدد
والتنوع فى أداء اللفظ الواحد، ومهما تعددت القراءات، وطرقها فى الكلمة الواحدة0 فكلمة مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ( ) التى ورد أنها تقرأ بطرق تبلغ
السبعة أو العشرة، وكلمة وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ( ) التى ورد أنها تقرأ باثنتين وعشرين قراءة، وكلمةأُفٍّمن قوله تعالى:فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا
تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا( ) والتى أوصل الرمانى لغاتها إلى سبع وثلاثين لغة0 وكل أولئك وأشباه أولئك، لا يخرج التغاير فيه على كثرته
عن وجوه سبعة( )0
وعلى هذا فالمراد بالأحرف فى الأحاديث السابقة وجوه فى الألفاظ وحدها لا محالة، بدليل أن الخلاف الذى صورته لنا الروايات
المذكورة كان دائراً حول قراءة الألفاظ لا تفسير المعانى، مثل قول عمر : “إذ هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله  ثم حكم
الرسول أن يقرأ كل منهما، وقوله  : “هكذا أنزلت” وقوله : “أى ذلك قرأتم فقد أصبتم” ونحو ذلك، ولا ريب أن القراءة أداء الألفاظ، لا شرح
المعانى( )0

إن القراءات كلها على اختلافها كلام الله، لا مدخل لبشر فيها، بل كلها نازلة من عنده تعالى، مأخوذة بالتلقى عن رسول الله ،
يدل على ذلك أن الأحاديث الماضية تفيد أن الصحابة  كانوا يرجعون فيما يقرأون إلى رسول الله  يأخذون عنه ويتلقون منه كل حرف يقرأون
عليه، انظر قوله  فى قراءة كل من المختلفين “هكذا أنزلت” وقول المخالف لصاحبه : “أقرأنيها رسول الله 0

ثم أضف إلى ذلك أنه لو صح لأحد أن يغير ما شاء من القرآن بمرادفة أو غير مرادفة، لبطلت قرآنية القرآن، وأنه كلام الله، ولذهب الإعجاز،
ولما تحقق قوله سبحانه وتعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( )0

وهذا ما يهدف إليه دعاة اللادينية فى قولهم : “أنزل القرآن على سبعة أحرف” أى أنه أنزل على سبع لغات مختلفة فى لفظها ومادتها0 يفسر
ذلك القول ابن مسعود : “إنما هو كقولك هلم وتعال وأقبل”( )0

ويجاب عن ذلك فضلاً عما سبق أن التبديل والتغيير مردود من أساسه بقوله سبحانه وتعالى:قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا
أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ( )0
أما ما جاء فى حديث أبى الدرداء، وقراءته على قراءة ابن مسعود مرفوعاً : “والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى”(
)0

فأجاب عن ذلك الإمام المازرى( ) فقال : “يجب أن يعتقد فى هذا الخبر وما فى معناه أن ذلك كان قرآناً ثم نسخ، ولم يعلم من خالف النسخ
فبقى على النسخ، ولعل هذا وقع من بعضهم قبل أن يبلغهم مصحف عثمان المجمع عليه، المحذوف منه كل منسوخ، وأما بعد ظهور مصحف
عثمان فلا يظن بأحد منهم أنه خالف فيه( )0

قال ابن حزم مؤيداً ذلك : “لأن قراءة عاصم المشهورة” المأثورة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود عن النبى ، وقراءة ابن عامر مسندة إلى
أبى الدرداء عن رسول الله  فيهما جميعاً وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى( ) فهى زيادة لا يجوز تركها”( ) أ0هـ0

وأما ابن مسعود  فرويت عنه روايات كثيرة منها ما ليس بثابت عند أهل النقل، وما ثبت منها مخالفاً لما قلناه، فهو محمول على أنه كان
يكتب فى مصحفه بعض الأحكام والتفاسير مما يعتقد أنه ليس من القرآن، وكان لا يعتقد تحريم ذلك، وكان يراه، كصحيفة يثبت فيها ما
يشاء،وكان رأى عثمان والجماعة،منع ذلك لئلا يتطاول الزمان ويظن ذلك قرآناً0
قال المازرى : فعاد الخلاف إلى مسألة فقهية، وهى أنه هل يجوز إلحاق بعض التفاسير فى أثناء الصحف؟ قال : ويحتمل ما روى من إسقاط
المعوذتين من مصحف ابن مسعود أنه اعتقد أنه لا يلزمه كتب كل القرآن، وكتب ما سواهما وتركهما لشهرتهما عنده وعند الناس”( ) أ0هـ0

يقول ابن حزم : “ومن العجب أن جمهرة من المعارضين لنا، وهم المالكيون، قد صح عن صاحبهم مالك بن أنس أنه قال: اقرأ
عبد الله بن مسعود رجلاً : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ(43) طَعَامُ الْأَثِيمِ( ) فجعل الرجل يقول : طعام اليتيم، فقال له ابن مسعود طعام الفاجر0 قال ابن
وهب قلت لمالك : أترى أن يقرأ كذلك؟ قال نعم أرى ذلك واسعاً، فقيل لمالك : أفترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر
الله؟ قال مالك : ذلك جائز … إلخ0

قال ابن حزم : “فكيف يقولون مثل هذا؟ أيجيزون القراءة هكذا! فلعمرى لقد هلكوا وأهلكوا، وأطلقوا كل بائقة فى القرآن، أو
يمنعون من هذا، فيخالفون صاحبهم فى أعظم الأشياء، وهذا إسناد عنه فى غاية الصحة وهو مما أخطأ فيه مالك مما لم يتدبره، لكن قاصداً إلى
الخير، ولو أن امرأً ثبت على هذا وجازه بعد التنبيه له على ما فيه، وقيام حجة الله تعالى عليه فى ورود القرآن بخلاف هذا لكان كافراً، ونعوذ
بالله من الضلال( ) أ0هـ0

وهاك برهانٌ آخر ذكره صاحب التبيان فى آداب حملة القرآن–على فساد مزاعم أعداء الإسلام من المستشرقين وأذيالهم من
جواز “قراءة القرآن بالمعنى”0
يقول الإمام النووى : “إن النبى  علم البراء بن عازب دعاء فيه هذه الكلمة “ونبيك الذى أرسلت” فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على
رسول الله  قال : “ورسولك الذى أرسلت” فلم يوافقه النبى  على ذلك، بل قال له : “لا0 ونبيك الذى أرسلت”( )0 وهكذا نهاه عليه الصلاة
والسلام أن يضع لفظة “رسول”، موضع لفظة “نبى” مع أن كليهما حق لا يحيل معنى، إذ هو  رسولٌ ونبى معاً0

ثم قال : فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا : إنه  كان يجيز أن يوضع فى القرآن الكريم مكان عزيز حكيم، غفور رحيم، أو سميع
عليم0 وهو يمنع من ذلك فى دعاء ليس قرآناً، والله يقول مخبراً عن نبيه  : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي( )، ولا تبديل أكثر
من وضع كلمة، مكان أخرى”( ) أ0هـ0

ويقول فضيلة الأستاذ الدكتور زقزوق رداً على مزاعم المستشرقين فى ترويجهم لفكرة “قراءة القرآن بالمعنى” : “إن الواقع الذى
عليه المسلمون منذ أربعة عشر قرناً هو تمسكهم الشديد بالمحافظة على الوحى القرآنى لفظاً ومعنى، ولا يوجد مسلم يستبيح لنفسه أن يقرأ
القرآن بأى لفظ شاء ما دام يحافظ على المعنى0

وليبحث المستشرقون اليوم فى أى مكان فى العالم عن مسلم يستبيح لنفسه مثل ذلك وسيعيهم البحث0

فلماذا إذن هذا التشكيك فى صحة النص القرآنى وهم يعلمون مدى حرص المسلمين فى السابق واللاحق على تقديس نص القرآن الكريم لفظاً
ومعنى؟

إنهم يبحثون دائماً – كما سبق أن أشرنا – عن الآراء المرجوحة والأسانيد الضعيفة ليبنوا عليها نظريات لا أساس لها من
التاريخ الصحيح، ولا من الواقع0

فنحن المسلمون قد تلقينا القرآن الكريم عن الرسول ، وهو بدوره تلقاه وحياً من الله ولم يحدث أن أصاب هذا القرآن أى تغيير أو تبديل
على مدى تاريخه الطويل، وهذه ميزة فريدة انفرد بها القرآن وحده من بين الكتب السماوية كافة، الأمر الذى يحمل فى طياته صحة هذه
الشريعة التى ختم بها الله  دينه الذى بعث به جميع أنبيائه، ورسله من لدن آدم إلى خاتمهم 0

وفى هذا الصدد نورد ما ذكره “رودى بارت” فى مقدمة ترجمته الألمانية للقرآن – وكأنه يرد على زملائه الذين راحوا يشككون فى صحة النص
القرآنى0

يقول “بارت” : “ليس لدينا أى سبب يحملنا على الاعتقاد بأن هناك آية فى القرآن كله لم ترد عن محمد ( ) أ0هـ0

المبحـث الثالـث
الأحـرف السبعة أعـم من القـراءات السبع

إن الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن الكريم، لا تعنى القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة( )، ومن زعم ذلك أخطأ من
وجهين :
أحدهما : أن الأحرف التى نزل بها القرآن، أعم من تلك القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة القراء عموماً، وأن هذه القراءات أخص من تلك
الأحرف السبعة النازلة خصوصاً مطلقاً، ذلك لأن الوجوه التى أنزل الله عليها كتابه، تنتظم كل وجه قرأ به النبى ، وأقرأه أصحابه، وذلك ينتظم
القراءات السبع المنسوبة إلى هؤلاء الأئمة السبعة القراء، كما ينتظم ما فوقها إلى العشرة، وما بعد العشرة، وما كان قرآناً، ثم نسخ، ولم
يصل إلى هؤلاء القراء جميعاً، ولهذا نصوا فى المذهب المختار على أنه يشمل كل وجوه القراءات : صحيحها وشاذها ومنكرها( )0

وقال مكى بن أبى طالب( ) : “هذه القراءات التى يقرأ بها اليوم، وصحت رواياتها عن الأئمة، جزء من الأحرف السبعة التى نزل
بها القرآن “… قال ومن ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع، وعاصم، هى الأحرف السبعة التى فى الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً، قال : ويلزم
من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم، ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآناً”( )0
وفى هذا رد على طه حسين ومن قال بقوله : “إن القراءات ليست من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن”( ) أ0هـ0

ثانيهما : أن السبعة لم يكونوا قد خلقوا، ولا وجدوا حين نطق الرسول ، بهذا الحديث الشريف0 ومحال أن يفرض الرسول على نفسه، وعلى
أصحابه، ألا يقرأوا بهذه الأحرف السبعة النازلة إلا إذا علموا أن هؤلاء القراء السبعة قد اختاروا القراءة بها، على حين أن بين العهدين بضعة
قرون( )، وعلى حين أن هؤلاء القراء وسواهم إنما أخذوا عن النبى ، من طريق أصحابه، ومن أخذ عنهم، إلى أن وصلوا إليهم0

ثم إن القول بأن الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن ما هى إلا تلك القراءات السبع المعروفة الآن، يستلزم أن يبقى قول الرسول  : “إن هذا
القرآن أنزل على سبعة أحرف” عارياً عن الفائدة، غير نافذ الأثر، حتى يولد القراء السبعة المعروفون وتؤخذ القراءة عنهم0 وذلك باطل أيضاً
يكذبه الواقع من قراءة النبى ، وقراءة أصحابه وتابعيه بالأحرف السبعة من قبل أن يولد القراء السبعة المعروفون0

قال المحقق ابن الجزرى : “فلو كان الحديث منصرفاً إلى قراءات السبعة المشهورين أو سبعة غيرهم من القراء الذين ولدوا بعد
التابعين، لأدى ذلك إلى أن يكون الخبر عارياً عن الفائدة إلى أن يولد هؤلاء السبعة، فتؤخذ عنهم القراءة، وأدى أيضاً إلى أنه لا يجوز لأحد من
الصحابة أن يقرأ إلا بما يعلم أن هؤلاء السبعة من القراء إذا ولدوا وتعلموا اختاروا القراءة به، وهذا باطل، إذ طريق أخذ القراءة أن تؤخذ عن
إمام ثـقة، لفظاً عن لفظ، إماماً عن إمام، إلى أن يتصل بالنبى ( )0

وقال أبو شامة( ) : “ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هى التى أريدت فى الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة،
وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل”( ) أ0هـ0

المبحـث الرابـع
بقـاء الأحـرف السبعـة فـى المصاحـف

يقول الإمام ابن حزم رداً على من زعم أن سيدنا عثمان  أسقط ستة أحرف من جملة الأحرف السبعة المنزل بها القرآن من
عند الله 0
قال : تلك “عظيمة من عظائم الإفك والكذب، ويعيذ الله تعالى عثمان  من الردة بعد الإسلام0

ولقد أنكر أهل التعسف على عثمان  أقل من هذا، مما لا نكره فيه أصلاً، فكيف لو ظفروا له بمثل هذه العظيمة0 ومعاذ الله من ذلك، وسواء
عند كل ذى عقل، إسقاط قراءة أنزلها الله تعالى، أو إسقاط آية أنزلها الله تعالى، ولا فرق، وتالله إن من أجاز هذا غافلاً، ثم وقف عليه، وعلى
برهان المنع من ذلك وأصر، فإنه خروج عن الإسلام لا شك فيه، لأنه تكذيب لله تعالى فى قوله الصادق لنا : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ( ) وفى قوله الصادق : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ(17)فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ(18)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ( ) فالكل مأمورون باتباع
قرآنه الذى أنزله الله تعالى عليه0 فمن أجاز خلاف ذلك فقد أجاز خلاف الله تعالى وهذه ردة صحيحة لا مرية فيها، وما رامت غلاة الروافض
وأهل الإلحاد الكائدون للإسلام( ) إلا بعض هذا( ) أ0هـ0

يقول الشيخ الزرقانى : “ونحن إذا رجعنا بهذه الأوجه السبعة إلى المصاحف العثمانية وما هو مخطوط بها فى الواقع ونفس الأمر،
نخرج بهذه الحقيقة التى لا تقبل النقض، ونصل إلى فصل الخطاب فى هذا الباب، وهو أن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة
كلها0 ولكن على معنى أن كل واحد من هذه المصاحف اشتمل على ما يوافق رسمه من هذه الأحرف كلاً أو بعضاً، بحيث لم تخل المصاحف فى
مجموعها عن حرف منها رأساً”( )0
ويدل على ذلك خطة سيدنا عثمان  فى جمعه للقرآن الكريم وقوله للرهط القريشيين الثلاثة : عبد الله بن الزبير، وسعيد بن
العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام : “إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم”
ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصه، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من
القرآن فى كل صحيفة أو مصحفٍ أن يحرق”( ) فدل ذلك على ما هو مجمع عليه، أن سيدنا عثمان  كتب مصاحف متعددة متفاوتة فى
إثبات، وحذف، وبدل وغيرها، لأنه  قصد اشتمالها على الأحرف السبعة، وجعلوها خالية من النقط والشكل، تحقيقاً لهذا الاحتمال أيضاً، فكانت
بعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل نحو فَتَبَيَّنُوا من قوله تعالى : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ( )
فإنها تصلح أن تقرأ “فتثبتوا” عند خلوها من النقط، والشكل، وهى قراءة أخرى، أما الكلمات التى لا تدل على أكثر من قراءة عند خلوها من
النقط والشكل مع أنها واردة بقراءة أخرى أيضاً، فإنهم كانوا يرسمونها فى بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفى بعض آخر برسم آخر
يدل على القراءة الثانية كقراءة “وصى” بالتضعيف و “أوصى” بالهمز، وهما قراءتان فى قوله سبحانه وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ( )
أ0هـ0

إن الأحرف السبعة باقية كما كانت إلى يوم القيامة، مثبوتة فى القراءات المشهورة من المشرق إلى المغرب، ومن الجنوب إلى
الشمال، فما بين ذلك، لأنها من الذكر المنزل الذى تكفل الله تعالى بحفظه، وضمان الله تعالى لا يخيس أصلاً، وكفالته تعالى لا يمكن أن
تضيع0

ومن البرهان على كذب أهل الجهل وأهل الإفك على عثمان  فى هذا ما رواه البخارى فى صحيحه بسنده عن ابن الزبير قال :
قلت لعثمان : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي
أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( )0 قال: قد نسختها الآية الأخرى، فلم تَكْتُبها أو تَدَعها؟ قال : يا ابن أخى : لا أُغيِّرُ شيئاً منه من
مكانه”( )0

وبعـد
إن القراءات كلها على اختلافها كلام الله، لا مدخل لبشر فيها، بل كلها نازلة من عنده تعالى، مأخوذة بالتلقى عن رسول الله 
وحفظها سيدنا عثمان  فى جمعه لكتاب الله، ومعاذ الله أن يسقط منها شيئاً، وهى مثبوتة فى القراءات المشهورة فى مشارق الأرض
ومغاربها0
لا يجوز أن نجعل اختلاف القراءات معركة جدال ونزاع وشقاق، ولا مثار تردد وتشكيك وتكذيب، ولا سلاح عصبية وتـنطع
وجمود0 على حين أن نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كانت حكمته من الله التيسير، والتخفيف، والرحمة، والتهوين على الأمة، فما يكون
لنا أن نجعل من هذا اليسر عسراً، ومن هذه الرحمة نقمة!0 يرشد إلى ذلك قوله  : “الجدال فى القرآن كفر”( ) وكذلك تغير وجهه الشريف
عند اختلافهم وقوله لهم : “إنما أهلك من قبلكم الاختلاف”( )0 وضربه فى صدر أُبَى بن كعب ، حين جال بخاطره حديث السوء فى هذا
الموضوع الجليل0 الذى زلت فيه بعض الأقدام، وكثر فيه القيل والقال، إلى حدٍ كاد يطمس أنوار الحقيقة”( ) أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

الفصــــل الثالـــث
أحاديث (رؤية الله )
و (محاجة آدم موسى عليهما السلام) و (الشفاعة)

وتحته ستة مباحث :
المبحث الأول: موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث الصفات والرد عليهم0
المبحث الثانى : شبــه الطاعنيـن فـى حديـث الرؤيـة والـرد عليهــم0
المبحث الثالث : موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث القدر والرد عليهم0
المبحث الرابع : شبه الطاعنين فى حديث محاجة آدم موسى عليهما السلام، والرد عليها0
المبحث الخامس: موقف المبتدعة قديماً وحديثاً من أحاديث المغفرة لمرتكب الكبيرة والرد عليهم0
المبحث السادس : شبه الطاعنين فى حديث الشفاعة والرد عليها0

المبحـث الأول
موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث الصفات

أحاديث العقائد مثل أحاديث التوحيد، وصفات الله ، وأحاديث عقيدة القدر طعن فيها المبتدعة من المعتزلة، والجهمية، وغيرهم
من أهل الكلام0
وكان أول من يذكر عنه أنه تكلم فى صفات الله تعالى فى الإسلام، وابتدع القول بنفيها وتعطيلها هو ” الجعد بن درهم”( )، ثم أخذ عنه ذلك
تلميذه الجهم بن صفوان الترمذى( )، وتولى كبر نشر تلك المقالة فكثر أتباعه0 فلما ظهرت المعتزلة أخذت عن جهم بن صفوان قوله فى نفى
الصفات، وجعلوها عقيدة يتدينون لله بها”( )0

وقد أجمع المعتزلة على نفى صفات الله تعالى الأزلية، سواء منها ما كان من صفات الذات( )، أو صفات الأفعال( )0

وزعموا بأنه ليس له سبحانه علم، ولا قدرة،ولا حياة،ولا سمع،ولا بصر،ولا غير ذلك من الصفات( )0 واتفقوا على أن صفاته
سبحانه هى إثبات لذاته( ) كما اتفق جمهورهم على أن الله تعالى عالم،قادر،حى،بذاته، لا بعلم، وقدرة، وحياة، فهى صفات ومعانى قائمة به(
)0

والذى دفعهم إلى نفى صفات الله تعالى، الخوض فى ذلك بعقولهم والاعتماد عليها فى معرفة الله سبحانه وصفاته( )0 وذهبوا إلى
أن الاستدلال بالسمع على ذلك غير ممكن( )0 ومن هنا أولوا آيات القرآن الكريم التى تثبت صفات الله تعالى فهى آيات متشابهة كما يزعمون،
فيجب أن تؤول لموافقة الأدلة القاطعة وهى أدلة العقول، لأنها موهمة للتشبيه، ولأنها محتملة الدلالة، وأما العقل فلا احتمال فى دلالته0 وما
وقع التشبيه فى الأمة إلا بسبب التعلق بالآيات المتشابهة، وترك تأولها على ما يوافق دليل العقل، والآيات المحكمة( )0

موقف المعتزلة من آيات الصفات :
قال القاضى عبد الجبار : “إذا ورد فى القرآن آيات تقتضى بظاهرها التشبيه، وجب تأويلها؛ لأن الألفاظ معرضة للاحتمال، ودليل
العقل بعيد عن الاحتمال”( )0
ويورد أبو الحسين عدداً من آيات الصفات ثم يقول : “فكل هذه الآيات وما أشبهها من الآيات، فإنما يريد  ذاته، لا أن ثم نفساً
ووجهاً ويداً، وعيناً ويميناً سواء”( )0

موقف المعتزلة من أحاديث الصفات :
إذا كان هذا موقفهم من آيات الصفات الواردة فى القرآن الكريم تأويلها بما يوافق العقل0
فقد ذهبوا إلى عدم الاحتجاج بالأحاديث الواردة فى الصفات مهما كانت درجة صحته، ما دام يعارض عقولهم فى إثبات صفة لله تعالى0
وقعد عبد الجبار فى ذلك قاعدة عامة، تكشف عن موقف المعتزلة من أحاديث الصفات فقال : “ومما يتعلقون به أخبار مروية عن النبى 
وأكثرها يتضمن الجبر، والتشبيه، فيجب القطع على أنه  لم يقله، وإن قال؛ فإنه قاله حكاية عن قوم، والراوى حذف الحكاية، ونقل الخبر”( )0

وتارة يردون الأحاديث فى هذا الباب، بحجة أنها آحاد تفيد الظن، ولا يصلح فى هذا الباب إلا الدليل اليقينى( )، وهو العقل فارس
هذا الميدان فلا منافس له ألبتة، ولا مشارك له0 ويشهد لذلك تأويلهم لآيات القرآن، وردهم لأحاديث متواترة فى هذا الباب كحديث “رؤية رب
العزة فى الآخرة” وسيأتى الدفاع عنه0

ويُعدّ نفى الصفات، هو الأصل الأول من أصولهم الخمسة، وهو التوحيد الذى يعد من أهم أصولهم، فمن ثم نسب إليهم وسموا
أنفسهم بـ “أهل التوحيد” وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفى الصفات الإلهية لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه، ومن شبه الله بخلقه أشرك(
)0 ويبنى المعتزلة على هذا الأصل عدة أمور منها :
أ- تعطيـل الصفــات ب- القول بخلق القرآن ج- إنكار الرؤيـــة
فرأس النفاة المعتزلة والجهمية …، ورأس المثبتة مقاتل بن سليمان( )، ومن تبعه من الرافضة والكرامية0 فإنهم بالغوا فى ذلك
حتى شبهوا الله تعالى بخلقه0 تعالى عما يقولون علواً كبيراً( )0
حكم المعتزلة على من خالفهم فى أصلهم التوحيد :
المعتزلة يكفرون من خالفهم فى هذا الأصل اعنى “التوحيد”0
قال القاضى عبد الجبار : “أما من خالف فى التوحيد، ونفى عن الله ما يجب إثباته، وأثبت ما يجب نفيه عنه، فإنه يكون كافراً”( )0

هذا فضلاً عن طعنهم فى أهل السنة لإثباتهم صفات الله  فقالوا : إنهم مشبهة غير موحدين لله، ولا يعرفون ربهم؛ لأنهم وصفوه بالأعضاء،
والزوال، والاستواء، ويلزم من ذلك أن يكون جسماً( )0

وعلى درب المعتزلة صار أسلافهم، من دعاة اللادينية، ردوا أحاديث الصفات تارة بحجة مخالفتها للعقل لما فى ظاهرها من
التشبيه والتجسيم، وتارة بحجة مخالفتها لكتاب الله ، وتارة ثالثة0 بحجة أنها آحاد تفيد الظن، والعقائد بابها اليقين والقطع الحاصل بالتواتر0
ومدح أعداء الإسلام من المستشرقين، طريقة المعتزلة فى تأويلهم القرآن، وردهم للأحاديث الواردة فى باب الصفات، وذموا أهل
السنة؛ لعدم سلوكهم مسلكهم( ) أ0هـ0

موقف السلف الصالح من أحاديث الصفات والرد على أهل البدع قديماً وحديثاً :

الكلام عن صفات الله  له أهمية عظيمة بالنسبة للفرد المسلم، وذلك لأن الإيمان بالله الذى هو الركن الأول من أركان الإيمان،
لا يتحقق إلا إذا وصف الله سبحانه بما يستحقه من صفات الكمال اللائقة به، ونزهه عن صفات النقص التى نفاها عن نفسه جل جلاله، بل لا
يكون العبد موحداً لله إلا إذا أقر بأسماء الله وصفاته تحقيقاً لأحد أقسام التوحيد الثلاثة( )، التى لا ينفك بعضها عن بعض، ولوضوح هذا التوحيد
– توحيد الأسماء والصفات – لم يقع خلاف بين صحابة رسول الله  فيه، ولم يتنازع اثنان منهم فى أمر واحد منه، بل الجميع كانوا على اتفاق
تام بالإقرار به، والتسليم بما جاء فى القرآن والحديث منه( )0

وقد ظلت القرون الخيرية تنهج نهج صحابة رسول الله ، فى إثبات صفات الله والإقرار بها، إلى أن نجم التهجم فى الأمة، وابتدع
القول بنفى صفات الله، فاحتضن أهل الاعتزال تلك المقالة، وجعلوها عقيدة يدينون لله بها”( )0

وأما أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة فإنهم أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ، من أسمائه الحسنى،
وصفاته العليا، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل0 كما نفوا عنه ما لا يليق به من صفات النقص التى نفاها عن نفسه
سبحانه،ونفاها عنه رسوله ، مستندين فى كل ذلك إلى كتاب ربهم،وسنة نبيهم 0

قال تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا( ) وقال بعد أن ذكر منها عدة أسماء فى آخر سورة الحشر : لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى( )
والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات، ففى إثبات أسمائه إثبات صفاته لأنه إذا ثبت أنه حى مثلاً فقد وصف بصفة زائدة على الذات، وهى
صفة الحياة، ولولا ذلك لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط، وقد قال سبحانه وتعالى : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ( )
فنزه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال مشروع0

وقد قسم البيهقى وجماعة من أئمة السنة جميع الأسماء المذكورة فى القرآن وفى الأحاديث الصحيحة إلى قسمين :
أحدهما صفات ذاته : وهى ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال0
وثانيهما صفات فعله : وهى ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل، قال ولا يجوز وصفه إلا بما دل عليه الكتاب، والسنة الصحيحة الثابتة أو أجمع
عليه0 ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام من صفات ذاته، ومنه ما ثبت بنص
الكتاب والسنة كالوجه، واليد، والعين، من صفات ذاته، وكالاستواء، والنزول، والمجئ، من صفات فعله، فيجوز إثبات هذه الصفات له لثبوت
الخبر بها على وجه ينفى عنه التشبيه، فصفة ذاته لم تزل موجودة بذاته ولا تزال، وصفة فعله ثابتة عنه ولا يحتاج فى الفعل إلى مباشرة
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ( )0 ولولا إخبار الله ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى( )0

وعلى هذا اتفاق الفقهاء فى مشارق الأرض ومغاربها قال محمد بن الحسن الشيبانى : “اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على
الإيمان بالقرآن، وبالأحاديث التى جاء بها الثقات عن رسول الله ، فى صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسر شيئاً منها وقال بقول
جهم فقد خرج عما كان عليه النبى ، وأصحابه وفارق الجماعة، لأنه وصف الرب بصفة لا شئ0

وقال ابن عبد البر : “أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة فى الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئاً منها”( )0
قال الإمام الشافعى – رحمه الله – : “لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة
فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفى عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال تعالى 
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( )0

وقال أبو حنيفة – رحمه الله – : “لا يشبه بشئ من خلقه، ولا يشبهه شئ من خلقه… وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين،
يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا،ويرى لا كرؤيتنا”( )0
والذى نرتضيه رأياً وندين لله به عقيدة ما قاله الحافظ ابن حجر : “اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة فى
إثبات أسماء الله وصفاته وعدم تأويلها، ولو كان تأويلها حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر
الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع، وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار،
كالثورى، والأوزاعى، ومالك، والليث، ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة، وهم
خير القرون بشهادة صاحب الشريعة ( ) أ0هـ0

أما رد أهل البدع قديماً وحديثاً لأحاديث العقائد من أسماء الله، وصفاته، بحجة أنها آحاد0
فهذا من تضليلهم لأن القضية ليست قضية متواتر وآحاد كما يزعمون، وإنما قضية عقل قدسوه وعبدوه من دون الله، وطوعوا النصوص من
الكتاب والسنة لهذا الإله “إله الهوى” : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ( )0

وجعلوا من عقولهم أصلهم الأول “المقدس” وهو التوحيد القائم على نفى الصفات، وطبقوا هذا الأصل على المتواتر نفسه، وهو القرآن الكريم،
فأولوا ما فيه من إثبات أسماء وصفات الله  كما سبق من قول عبدالجبار وغيره0 هذا من جهة0

ومن جهة ثانية فإن ما جاءت به السنة الصحيحة – حتى ولو كانت آحاداً – من أحاديث فى أسماء الله، وصفاته لم تكن السنة فى ذلك بدعاً،
وإنما جاءت بمثل ما جاء به القرآن الكريم، ولا يوجد فى أحاديث العقائد ما يكون مخالفاً لعقائد القرآن، او زائداً عليها بحيث لا يكون له أصل
فى القرآن0 وكل ما يستشكل من الأحاديث الصحيحة فى العقائد تجد مثله فى القرآن، ويجرى فيها ما يجرى فى القرآن من إثباته بلا تعطيل ولا
تشبيه0
وقد حرص الإمام الجليل أبو عبد الله إسماعيل البخارى على بيان ذلك فى تراجم أبواب كتاب التوحيد من جامعه الصحيح، قبل أن
يذكر أحاديث الباب وما فيها من دلالة على صفات لله ، يعنون للباب بالآيات القرآنية التى جاءت بمثل ما جاءت به أحاديث الباب وهو بذلك
يؤكد ما سبق، من أن ما جاءت به السنة المطهرة من أحاديث فى الصفات لم تكن فى ذلك بدعاً وإنما جاءت مؤيدة ومقررة، وموضحة لما جاء
فى القرآن الكريم0

وهاك نماذج من صنيعه :
“باب قول الله تعالى” وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ( ) وقوله جل ذكره تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ( )0 وتحت هذا الباب ذكر من
الأحاديث ما يوافقه مثل قوله  : “لما خلق الله الخلق كتب فى كتابه – وهو يكتب على نفسه … الحديث”( ) وقوله ، يقول الله تعالى : “أنا عند
ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى، فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى” الحديث( )، وباب قول الله  : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ( )0 وتحته
حديث جابر مرفوعاً : “أعوذ بوجهك” لما نزل عليه : “قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم … الحديث”( )
وباب قول الله تعالى : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ( ) وتحته أحاديث منها قوله  : “يد الله ملأى لا يغيضها سَحَّاء الليلَ والنهارَ، قال أرأيتم ما انفق منذ
خلق الله السماوات والأرض فإنه لم يغض ما فى يده0 وقال عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع”( )0 وقوله  : “إن الله
يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك”( ) وحديث يقر فيه  الحبر اليهودى فى قوله : “يا أبا القاسم إن الله
يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر والثرى على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول أنا الملك أنا الملك0

يقول ابن عمر “فرأيت النبى ” ضحك حتى بدت نواجذه0 ثم قرأ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ( )0

فكل هذه الأحاديث، وما فى معناها، والمثبتة لله  الصفات من النفس، والوجه، واليد، ونحو ذلك من العين، أو الاستواء، والنزول، والمجئ،
والضحك، والغضب … إلخ0
أصول هذه الصفات مذكورة فى القرآن الكريم، ولا يوجد فى الحديث الصحيح الآحاد إلا ما يؤيد هذه الأصول ويوضحها ويقررها،
أو يكون من جزئياتها ونظائرها0 فردها بحجة أنها آحاد هو رد للقرآن نفسه0

وعدل القول فى هذه الأخبار ما قاله الإمام ابن قتيبة قال : “أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن : بالرؤية والتجلى، وأنه يعجب،
وينزل إلى السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس، واليدين، من غير أن نقول فى ذلك بكيفية أو بحدٍ أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت0
فنرجو:أن نكون فى ذلك القول والعقد، على سبيل النجاة غداً، إن شاء الله تعالى0

ويقول أيضاً : “فنحن نقول كما قال الله، وكما قال رسوله، ولا نتجاهل، ولا يحملنا ما نحن فيه : من نفى التشبيه، على أن ننكر ما وصف به
نفسه، ولكنا لا نقول : كيف البيان؟ وإن سئلنا : نقتصر على جملة ما قال، ونمسك عما لم يقل”( )0
وما يستشكل من الأحاديث الصحيحة فى هذا الباب تجد مثله فى القرآن الكريم، وقد صنف غير واحد من الأئمة فى توضيح هذا المشكل0

منهم الإمام ابن قتيبة فى كتابيه “تأويل مشكل القرآن” و “تأويل مختلف الحديث” والإمام الطحاوى فى كتابه “مشكل الحديث وبيانه” على تكلف
منه، هو والإمام ابن قتيبة فى تأويل مشكل الضعيف، والموضوع فى أحاديث الصفات، ولو استعمل كل منهما الصنعة الحديثية لكانا فى غنى
عن هذا التكلف0 وغيرهم من الأئمة( ) أ0هـ0

وصفوة القول فى موقف أهل السنة من آيات الصفات، وأخبارها، وواجب المسلم نحوها ما قاله فضيلة الأستاذ الدكتور طه
حبيشى : “الواجب على المسلم السامع للآيات والأخبار المتعلقة بالصفات تقديسها باعتقاده فى كل آية أو خبر صح معنى يليق بجلال الله تعالى
: وعليه الإيمان والتصديق بما قاله رب العزة ورسوله ، على مراد الله، ومراد رسول الله، وعليه الاعتراف بالعجز عن إدراك مراد الله، ومراد
رسوله ، وعليه السكوت، والإمساك عن التصرف فى الألفاظ الواردة، وكف الباطن عن التفكير فى ذلك، واعتقاده أن ما خفى عنه لم يخف
عن الرسول ، ولا عن الصديق، ولا عن أكابر الصحابة  أجمعين ( ) أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

المبحـث الثانـى
شبه الطاعنين فى حديث رؤية الله تعالى
والــرد عليهــا

لقد أجمعت المعتزلة، وسائر الفرق المبتدعة من الجهمية، والخوارج، والروافض، وغيرهم على القول بنفى رؤية الله تعالى
بالأبصار يوم القيامة، وقد نص المعتزلة أنفسهم على هذا الإجماع، كما أشارت كثير من كتب الفرق إليه( )0

يقول القاضى عبد الجبار : “لا أحد يدعى أنه يرى الله سبحانه إلا من اعتقده جسماً مصوراً بصورة مخصوصة، أو يعتقد فيه أنه
يحل فى الأجسام”( )0

وليس هذا منتهى قولهم فى نفى الرؤية، بل زعموا أنه يستحيل أن يرى نفسه، لأنه يستحيل فى ذاته أن يرى، فذاته لا ترى( )0
وهل يرى غيره؟ فهذا موضع اختلاف بينهم، أجازه قوم، ومنعه آخرون( )0

كما اختلفوا فى رؤيته بالقلوب، فقال أبو الهذيل، وأكثر المعتزلة : نرى الله بقلوبنا بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا، وأنكر بعضهم ذلك( )0

وقد صرحوا بأن إثبات الرؤية لا يمكن الاستدلال عليه بالسمع، أى بالقرآن والسنة، لأن الاستدلال بذلك ينبنى على أنه تعالى عدل حكيم لا يظهر
المعجز على الكذابين، ومن لا يقول بذلك فلا يمكنه الاستدلال بالسمع على شئ أصلاً( )0 بل “لا سمع ورد مصرحاً بأنه سبحانه يرى
بالأبصار”( )، “ولا فى كتاب الله  ذكر الرؤية فكيف يصح أن يدعى أنه تعالى سمى نفسه بأنه يرى، أو ورد السمع به”( )0

ولذا كان عمدة أدلتهم فى نفى الرؤية العقل، وإن كانوا قد أتبعوا ذلك بأدلة نقلية من الكتاب والسنة تأولوها على ما يوافق أصلهم
الأول “التوحيد” القائم على نفى الصفات وزعموا تعارض حديث الرؤية مع القرآن والسنة0

قال القاضى عبد الجبار متأولاً لحديث الرؤية قال : “ثم نتناوله نحن على وجه يوافق دلالة العقل، فنقول : المراد به سترون ربكم يوم القيامة،
أى ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر0 وعلى هذا قال : “لا تضامون فى رؤيته” أى لا تشكون فى رؤيته فعقبه بالشك،
ولو كان بمعنى رؤية البصر لم يجز ذلك0 والرؤية بمعنى العلم مما نطق به القرآن، وورد به الشعر”( )0

قال الزمخشرى : “سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر” بمعنى ستعرفونه معرفة جلية هى فى الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى”( )
فحمل الرؤية على المعرفة، بينما حملها عبد الجبار على العلم0

ويقول عبد الجبار فى أحاديث الرؤية : “ومما يتعلقون به، أخبار مروية عن النبى ، وأكثرها يتضمن الجبر والتشبيه، فيجب القطع على أنه ،
لم يقله وإن قال فإنه قاله حكاية عن قوم، والراوى حذف الحكاية ونقل الخبر”( )0

وبقول المعتزلة قال نابتة من المنحرفين بتعارض الحديث مع القرآن، والسنة، والعقل، وصرحوا بوضع الحديث”( )0
الجواب عن شبهات المعتزلـة ومن قـال بقولهـم
فى إنكار رؤية رب العزة جل جلاله

أولاً : إن الأحاديث التى دلت على ثبوت الرؤية تبلغ حد التواتر أخرجها أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد واعتنى بجمعها أئمة من العلماء
كالدارقطنى، وأبى نعيم الأصبهانى، وأبى بكر الأجرى وغيرهم الكثير( )0
وقد نص على تواتر أحاديث الرؤية جماعة من العلماء، منهم الحافظ ابن تيمية( )، وابن قيم( )، وابن كثير( )، وابن أبى العز( )، وعبد العزيز
الغمارى( ) وغيرهم0

قال الحافظ ابن حجر : “جمع الدارقطنى طرق الأحاديث الواردة فى رؤية الله تعالى فى الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن
قيم الجوزية فى حادى الأرواح فبلغت الثلاثين، وأكثرها جياد، وأسند الدارقطنى عن يحيى بن معين قال : “عندى سبعة عشر حديثاً فى الرؤية
صحاح”( )0
وفى تواتر حديث الرؤية رد على المعتزلة، ومن قال بقولهم من أعداء السنة “بوجوب القطع على أنه  لم يقل حديث الرؤيا وأنه مكذوب عليه”(
)0

كما أن فى تواتر حديث الرؤيا بيان أن القضية مع أعداء السنة ليست قضية متواتر يؤخذ به فى العقائد، وآحاد لا يؤخذ به، كلا، القضية، قضية
عقولهم وأصولهم الإلحادية التى قدموها على النصوص0 كتاب وسنة، وإلا فلو صدقوا فى زعمهم بأن العقائد تؤخذ من الدليل اليقينى الحاصل
بالتواتر، فلم لم يأخذوا بحديث الرؤية هنا مع تواتره( )؟!!
ثم ألا يكفى ثبوت الرؤيا بكتاب الله المتواتر؟! ويصبح حديث الرؤيا على فرض أنه آحاد دليل ظنى راجع إلى دليل قطعى وهو
القرآن، ومبين له، وبالتالى يجب العمل بالظن هنا كما سبق من قول الإمام الشاطبى( )؟!

ثانياً:لقد تظاهرت أدلة الكتاب، والسنة، والعقل، وأجمع الصحابة، والذين من بعدهم من سلف هذه الأئمة وأئمتها من أهل السنة والجماعة على
أن الله  يرى فى الدار الآخرة، يراه المؤمنون رؤية حقيقية، تليق به سبحانه وتعالى، من غير إحاطة، ولا كيفية( )0

كما اتفقوا على أنه لا يراه أحد بعينى رأسه فى الدنيا، وذلك لقوله تعالى لموسى -عليه السلام- : “لَنْ تَرَانِى”( )، ولقول النبى  : ”
تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه  حتى يموت”( ) وهى وإن كانت جائزة عقلاً وليست بمستحيلة، إلا أن البشر لا يطيقون رؤيته فى هذه الدار
لعجز أبصارهم وضعفها0
ولذا من ادعى رؤية الله فى الدنيا بعينى رأسه فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة وهو ضال( )0

وإنما الخلاف فى رؤية نبينا  لربه  بعينيه فى الدنيا، فأثبت ذلك قوم ونفاه آخرون0 والجمهور أنه لم يره بعينيه لقوله فى حديث أبى ذر  :
“نور أنى أراه” وفى رواية : “رأيت نوراً”( ) ومن قال رآه بعينى رأسه ليلة المعراج، قال رأه كما سيراه المؤمنون يوم الآخرة، رؤية حقيقية
تليق به سبحانه وتعالى من غير إحاطة ولا كيفية( )0
وهذه بعض النصوص التى تدل على إثباتها من القرآن، والسنة، والعقل، وأقوال سلفنا الصالح0
أ- القـرآن الكريـم :
1- قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ
تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ( )0 وبيان الدلالة من هذه الآية
من وجوه عديدة :
الوجه الأول : إنه لا يظن بكليم الرحمن، ورسوله الكريم عليه، أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه، بل هو من أبطل الباطل وأعظم
المحال0

الوجه الثانى : إن الله سبحانه لا ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالاً لأنكره عليه0 ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه تبارك وتعالى
أن يريه كيف يحى الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى بن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله0 ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه
أنكر عليه سؤاله وقال : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ( ) أ0هـ0

الوجه الثالث : إنه إجابة بقوله : “لن ترانى” ولم يقل لا ترانى ولا إنى لست بمرئى، ولا تجوز رؤيتى،والفرق بين الجوابين ظاهر
لمن تأمله0 وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يرى، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته فى هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن
رؤيته تعالى0

الوجه الرابع : قوله تعالى : وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت
لتجليه له فى هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف الذى خلق من ضعف0

الوجه الخامس : إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقراً مكانه وليس هذا بممتنع فى مقدوره، بل هو ممكن وقد
علق به الرؤية، ولو كانت محالاً فى ذاتها لم يعلقها بالممكن فى ذاته0 بل لو كانت محالاً لكان ذلك نظير أن يقول : إن استقر الجبل فسوف
آكل وأشرب وأنام0

الوجه السادس : قوله سبحانه وتعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته تبارك وتعالى
فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذى هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله، وأوليائه فى دار كرامته ويريهم
نفسه؟ فأعلم سبحانه وتعالى موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته فى هذه الدار فالبشر أضعف0
الوجه السابع : إن ربه سبحانه وتعالى قد كلمه، وخاطبه، وناجاه، وناداه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه
كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم( )0

2- قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( ) استدل بهذه الآية ابن عباس – رضى الله عنهما – وجماعة من التابعين
منهم الحسن البصرى، وعكرمة مولى ابن عباس على جواز الرؤية، وكذا استدل بها مالك والشافعى رحمهما الله( ) وهو قول المفسرين من
أهل السنة والجماعة( )0
3- قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( ) الحسنى : هى
الجنة، والزيادة هى النظر إلى وجه الله الكريم، بذلك فسرها رسول الله  فى قوله  : “إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال : يقول الله تعالى : تريدون
شيئاً أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم
 ثم تلا هذه الآية : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ( )0
4- قوله تعالى : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا( ) قال الرازى : “فإن إحدى القراءات فى هذه الآية فى “َمُلْكًا” بفتح الميم وكسر اللام،
وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى، وعندى أن التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها( )0
5- قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ( ) ففى هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى فى القيامة، ولولا ذلك ما كان فى هذه
الآية فائدة، ولا خصت منزلة الكفار بأنهم يحجبون0

قال الإمام الشافعى : “لما حجب قوماً بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا ثم قال : أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه فى
المعاد لما عبده فى الدنيا”( ) وجمهور المفسرين ذهبوا إلى تفسير حجب الكفار عن ربهم، بالمنع من رؤيته يوم القيامة( )0

ب- أدلـة السنـة :
أما الأحاديث الصحيحة التى تدل على رؤية الله فى الآخرة فهى كثيرة متوافرة بلغت حد التواتر، فى الصحاح، والسنن، والمسانيد،
من تلك الأحاديث :
ما روى فى الصحيحين من حديث جرير( ) قال : “كنا جلوساً عند النبى  إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال : “إنكم سترون ربكم كما ترون هذا
القمر لا تضامون فى رؤيته( )، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا( )، وفى رواية عنه
 قال : قال النبى ، “إنكم سترون ربكم عياناً”( )0 وفى الصحيحين أيضاً من حديث أبى موسى الأشعرى مرفوعاً: “جنتان من فضة آنيتهما
وما فيهما0 وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن”( )0

ج- أدلـة العقـل :
قال القاضى الباقلانى( ) : يدل على الرؤية من جهة العقل : أنه تعالى موجود، والموجود لا يستحيل رؤيته، وإنما يستحيل رؤية
المعدوم0 وأيضاً فإنه تعالى يرى جميع المرئيات، وقد قال تعالى : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى( ) وقال تعالى : الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ( ) وكل راء
يجوز أن يرى0

ولا يجوز أن تحمل الرؤية منه تعالى على العلم -كما تزعم المعتزلة لأنه تعالى فصل بين الأمرين، فلا حاجة بنا أن نحمل أحدهما على الآخر،
ألا ترى أنه سمى نفسه عالماً، وسمى نفسه مريداً، ولا يجوز أن نحمل الإرادة على العلم، كذلك لا تحمل الرؤية على العلم0 فاعلمه0

وجواب آخر : وهو أن الصحابة سألوا الرسول  : هل نرى ربنا؟ فقال : “نعم” ولا يجوز أن يكون سؤالهم : هل نعلم ربنا أو
يعلمنا ربنا0

فبطل قول من يحمل الرؤية على العلم، ولهذا أجاب  : “سترونه كما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترى الشمس ليس دونها
سحاب”( ) يعنى لا تشكون فى رؤيته كما لا يشك من رأى القمر والشمس فيها، فشبه الرؤية بالرؤية فى نفى الشك عن الرائى، ولم يشبه
المرئى بالمرئى0 فاعلم ذلك”( ) أ0هـ0

د- آثـار السلـف :
وأما الآثار التى وردت عن سلفنا الصالح – رضوان الله عليهم – فى إثبات رؤية الله  فى الآخرة للمؤمنين، فهى أكثر من
أن تذكر سبق منها قول الإمام الشافعى0

ويقول فى ذلك الإمام أحمد – رحمه الله – : “من كذب بالرؤية فهو زنديق” وقال : “نؤمن بها أى الرؤية وأحاديثها، ونعلم أنها حق، فنؤمن بأن
الله يرى، نرى ربنا يوم القيامة، لا نشك فيه ولا نرتاب”0

وقال أيضاً : “من زعم أن الله لا يرى فى الآخرة فقد كفر بالله، وكذب بالقرآن ورد على الله أمره، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل”( )0

وسئل الإمام على بن المدينى( ) الإمام عبد الله بن المبارك عن رؤية الله تعالى فقال : ما حجب الله  أحداً إلا عذبه، ثم قرأ : 
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ(15)ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ(16)ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ( ) قال : الرؤية0 فقلت له يا أبا عبد الله
: إن عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث : “إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وأهل الجنة يرون ربهم، فحدثنى بنحو عشرة أحاديث فى
هذا، وقال : أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين، والتابعون أخذوه عن أصحاب رسول الله  فهم عمن أخذوه؟!( ) أ0هـ0
أما ما تعلق به المعتزلة من قوله تعالى : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ( ) وزعمهم بتعارض الآية مع الحديث( )0

قال الإمام الباقلانى : “الآية لا حجة لهم فيها وهى حجة عليهم0 لأنه قال:لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ولم يقل لا تراه الأبصار، والإدراك
بمعنى يزيد على الرؤية، لأن الإدراك : الإحاطة بالشئ من جميع الجهات، والله تعالى لا يوصف بالجهات، ولا أنه فى جهة، فجاز أن يرى وإن
لم يدرك( )0
وجواب آخر:أن معنى الآية لا تدركه الأبصار فىالدنيا،وإن جاز أن تدركه فىالآخرة، ليجمع بين قوله تعالى:لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ( )وبين قوله
تعالى:إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ0

وجواب آخر على دعوى التناقض : “لا تدركه الأبصار” يعنى أبصار الكفار دون المؤمنين، ليجمع بين قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( ) وبين قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ( )0 وهذا صحيح، لأن الحجاب لما كان للكفار دون المؤمنين، كذلك
الرؤية للمؤمنين دون الكفار”( ) أ0هـ0

أما ما احتجوا به من خبر عائشة – رضى الله عنها – لما قال لها ابن الزبير – وهو ابن أختها – يا أماه : هل رأى محمد ربه؟
فقالت : يا ابن أختى لقد وقف شعر بدنى، والله تعالى يقول : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ
بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ( )0 وفى رواية قالت : “من زعم أن محمداً ، رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية … قال تعالى : لَا تُدْرِكُهُ
الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( )0

قالوا : فموضع الدليل من الخبر أنها أكبرت ذلك ونفت الرؤية عن الله تعالى، فدل أن ذلك مستحيل فى حقه سبحانه وتعالى، كما
قالوا بتعارض الخبرين( )0

قال القاضى الباقلانى والجواب على ذلك من أوجه :
أولهما : أن ابن عباس  وغيره من الصحابة قد صرحوا بأن محمداً ، رأى ربه ليلة أسرى به بعينى رأسه، ولو كان ذلك مستحيلاً لم يقع
الخلاف فيه بين الصحابة، كما لم يقع بينهم الخلاف فى ما هو مستحيل على الله تعالى من الولد والزوجة، والشريك، ونحو ذلك0 فلما وقع
بينهم الخلاف فى ذلك وانقرض عصرهم على ذلك، دل على أن الرؤية جائزة غير مستحيلة0 فبطل ما ذكر0
ثانيهما : أن عائشة – رضى الله عنها – إنما أنكرت رؤية البارى بأبصار العيون فى دار الدنيا، لا على الإطلاق، ولهذا روى عن أبيها وعنها
–رضى الله عنهما– وعن جميع الصحابة أنهم فسروا قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ( ) قالوا : الزيادة النظر إلى الله تعالى فى
الجنة( )، وقد روى هذا مرفوعاً عن الرسول  كما سبق فى الأدلة القرآنية على الرؤية( )0

فصح مذهب أهل السنة والجماعة بحمد الله تعالى، وبطلت شبه المخالف واندحض مكره0 ولله المنة والحجة البالغة”( ) أ0هـ0

ونسأله  أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم

المبحـث الثالـث
موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث القدر
والـرد عليهـم

الأحاديث التى تثبت ركناً من أركان الإيمان وهو : الإيمان بقدر الله  خيره، وشره، حلوه ومره، طعن فيها المعتزلة؛ لأنها
تتعارض مع أصل من أصولهم الخمسة وهو العدل الذى يعد مع أصلهم، الأول “التوحيد” أهم أصولهم لذا فهم يسمون أنفسهم أهل العدل وأهل
التوحيد، وتمدحوا بهذه التسمية0

وقد عرفوا العدل : بأنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأن أفعاله كلها حسنة( )0 وبنوا على هذا الأصل “العدل”
أموراً عدة منها :
أ- وجوب الصلاح والأصلح على الله ( )0 عصمنا الله وإياكم من إساءة الأدب مع الله0
ب- الحسن والقبح العقليان، فالحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل، والشرع فى تحسينه وتقبيحه للأشياء مخبر عنها لا مثبت لها،
والعقل مدرك لها لا منشئ( )0
ج- إن الله  لم يخلق أفعال العباد، وإنما الإنسان هو الخالق لأفعاله كلها خيرها وشرها( )0 وقد أفضى بهم هذا إلى إنكار القدر0

قال القاضى عبد الجبار “والذين يثبتون القدر هم المجبرة( )، فأما نحن فإنا ننفيه وننزه الله تعالى0 عن أن تكون الأفعال بقضائه وقدره( )0
وحجة المعتزلة فى نفى القدر أو نفى خلق الله لأفعال العباد طاعات كانت أم معاصى؛ أن الله لا يفعل القبيح، وأفعال العباد وإن كانت
طاعة، فقد يصح وجودها على وجه فتقبح، وعلى وجه آخر فتحسن”( )0

وبناءً على أصلهم هذا “العدل” تأولوا الآيات القرآنية التى تثبت قدر الله  وخلقه لأفعال عباده خيرها وشرها0

وطعنوا فى الأحاديث التى تثبت القدر وعدوها ضرباً من الخطأ، وأن من رواها قد ارتكب عظيماً0

قال القاضى عبد الجبار: “وما ورد من أخبار الآحاد دالاً على ذلك، ضرب من ضروب الخطأ الذى يعلم بروايته أنه ارتكب عظيماً”( )0

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما كفروا من خالفهم فى هذا الأصل “العدل”0
قال عبد الجبار : “وأما من خالف فى العدل، وأضاف إلى الله تعالى القبائح كلها من الظلم، والكذب، وإظهار المعجزات على الكذابين، وتعذيب
أطفال المشركين بذنوب آبائهم والإخلال بالواجب فإنه يكفر أيضاً”( )0

وقد تأثر بموقف المعتزلة بالطعن فى أحاديث القدر، دعاة اللادينية( )، كما تأثر بعض رواد المدرسة العقلية الحديثة وقد فصل ذلك الدكتور فهد
الرومى فى رسالته للدكتوراه “منهج المدرسة العقلية الحديثة فى التفسير”( )0

وجوب الإيمان بقـدر الله تعالى والجواب عن شبه المعتزلة
ومن قـال بقولهم أو تأثـر بهـم

الإيمان بقدر الله واجب، وهو أحد أركان الإيمان الستة؛ التى لا يتصف المؤمن بالإيمان إلا بتحقيقها، كما قال  : “الإيمان أن
تؤمن بالله، ملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره”( )0 ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والعقل على إثبات قدر الله
تعالى، وهى تؤيد ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من ذلك : قوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا( ) وقوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( ) وقال تعالى : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ( )0

وسئل ابن عمر – رضى الله عنهما – عن أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم (أى يبحثون عن غامضه وخفاياه) وأنهم
يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف (أى مستأنف لم يسبق به قدر، ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلم بعد وقوعه)؟ فيجيب ابن عمر–رضى الله
عنهما – فيقول للسائل : “فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أنى برئ منم وأنهم براء منى، والذى يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً
فأنفقه، ما قُبل الله منه حتى يؤمن بالقدر( )، ثم ساق حديث عمر  السابق0

وعن طاووس قال : “أدركت ثلثمائة من أصحاب رسول الله ، يقولون : كل شئ بقدر، وسمعت عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله  : “كل
شئ بقدر حتى العجز والكيس”( )، والأحاديث فى إثبات القدر كثيرة جداً فى الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة( ) والإيمان بالقدر لا
يتم إلا بأربعة أمور :
الأول : الإيمان بأن الله عالم بكل ما يكون جملة وتفصيلاً بعلم سابق لقوله تعالى : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي
كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ( )0
الثانى : إن الله كتب فى اللوح المحفوظ مقادير كل شئ لقوله تعالى : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ
نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ( ) ولقوله  : “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال : وعرشه على
الماء”( )0
الثالث : إنه لا يكون شئ فى السماوات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته، الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدى من يشاء برحمته، ويضل من
يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته، وسلطانه، وهم يسألون، وما وقع من ذلك فهو مطابق لعلم الله السابق ولما كتبه فى اللوح
المحفوظ لقوله تعالى:إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( ) وقال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ
ضَيِّقًا حَرَجًا( )” فأثبت جل جلاله وقوع الهداية والضلال بإرادته0
الرابع : إن كل شئ فى السماوات والأرض مخلوق لله تعالى لا خالق غيره، ولا رب سواه، لقوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا( )
وقال على لسان سيدنا إبراهيم – عليه السلام – : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ( )0

ويدل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة من أدلة العقل : أن الملك إذا جرى فى ملكه ما لا يريد، دل ذلك على نقصه أو
ضعفه أو عجزه، والله تعالى موصوف بصفات الكمال،لا يجوز عليه فى ملكه نقص،ولا ضعف، ولا عجز، فكيف يكون فى ملكه ما لا يريده،
ويريده أضعف خلقه فيكون0كلا سبحانه وتعالى أن يأمر بالفحشاء أو يكون فى ملكه إلا ما يشاء

ونقول : إن مذهب أهل السنة والجماعة الذى ندين لله تعالى به أنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن ولا يطيع طائع، ولا يعصى عاص، من
أعلى العلى إلى ما تحت الثرى؛ إلا بإرادة الله تعالى، وقضائه ومشيئته0 وقد دل على صحة ذلك الكتاب، والسنة، والعقل، وإجماع الأمة( )0
وقد تناول العلماء من أهل السنة شبه المعتزلة فى موضوع القدر، وأفعال العباد ففندوها وأوضحوا بطلانها؛ لأنها لم تبن على
نصوص الشرع، وإنما بنيت على العقول القاصرة العاجزة، فجاءت مخالفة للنصوص مناهضة لها0

وصفوة القول فى الرد على المعتزلة : “إن المعتزلة لما خاضوا بعقولهم فى شرع الله تعالى بعيداً عن هدى النصوص، قذفت لهم
تلك العقول بما يسمى بالتحسين والتقبيح العقلى، ووجوب الأصلح على الله؛ الذى كان علته وسببه قياسهم لأفعال الله سبحانه على أفعال العباد،
فحسنوا منه ما يحسن منهم، وقبحوا منه ما يقبح منهم، وأوجبوا عليه ما يجب عليهم، وحرموا عليه ما يحرم عليهم، وسموا ذلك عدلاً، وما
ذلك إلا تشبيه لله بخلقه فى أفعاله فهم فى الحقيقة مشبهة الأفعال0 والله سبحانه لا يقاس بنا فى أفعاله، فليس ما وجب أو حرم علينا، يجب
ويحرم عليه، وليس ما حسن أو قبح منا يحسن أو يقبح منه( )0
فهو سبحانه منزه عن فعل القبائح، لا يفعل السوء والسيئات، مع أنه سبحانه خالق كل شئ، أفعال العباد وغيرها0

والعبد إذا فعل القبيح المنهى عنه كان قد فعل سوءاً، وظلماً، وقبيحاً وشراً، والرب قد جعله فاعلاً لذلك، وذلك منه سبحانه عدل، وحكمة،
وصواب، ووضع للأشياء فى مواضعها، فخلقه سبحانه لما فيه نقص أو عيب للحكمة التى خلقه لها هو محمود عليه، وهو منه عدل، وحكمة،
وصواب، وإن كان فى المخلوق عيباً، ومثل ذلك فى المخلوقين، فإن الصانع إذا أخذ الخشبة المعوجة، والحجر الردئ، واللبنة الناقصة، فوضعها
فى موضع يليق بها ويناسبها كان ذلك منه عدلاً، واستقامة وصواباً وهو محمود، وإن كان فى تلك عوج وعيب هى به مذمومة، ومن أخذ
الخبائث فوضعها فى المحل الذى يليق بها كان ذلك حكمة وعدلاً، وإنما السفه والظلم أن يضعها فى غير موضعها، فهو سبحانه لا يضع شيئاً إلا
فى موضعه، فلا يكون إلا عدلاً، ولا يفعل إلا خيراً، فلا يكون إلا محسناً جواداً رحيماً، وهو سبحانه له الخلق والأمر( )0

والله يختص بحكمة لا يشاركه فيها غيره، ولهذا يحسن منه ما يقبح من المخلوقين لانتفاء تلك الحكمة فى حقهم، مثال لذلك
يحسن منه مدح نفسه والثناء عليها، ويقبح من أكثر خلقه ذلك0 كما يحسن منه إماتة خلقه وابتلاؤهم وامتحانهم بأنواع المحن، ويقبح ذلك من
الخلق، فليس بين الله وخلقه جامع يوجب أن يحسن منه، ما يحسن منهم، ويقبح منه ما قبح منهم( )0

وكون الله سبحانه خالقاً لأفعال العباد، لا ينفى ذلك أن يكونوا فاعلين لها حقيقة، فقد أخبر سبحانه أن العباد يفعلون ويعملون
ويؤمنون ويكفرون ويصدقون ويكذبون فى مواضع جمة0 فأفعالهم مستندة إليهم، وهم الفاعلون لها حقيقة، وأنها تنسب إليهم وتضاف لهم
وهى مفعولة لله حقيقة ومخلوقة له، وليست فعلاً له، ولا يتصف بأنه فاعلها؛ لأن هنالك فرقاً بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فهى
فعل العباد ومفعوله له سبحانه( )0
وإلى هذا أشار الإمام الطحاوى( ) – رحمه الله – بقوله : “وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد”( )0

وأما إيجاب شئ على الله أو تحريمه عليه، فإن جمهور العلماء ذهبوا إلى أنه سبحانه إنما أمر عباده بما فيه صلاحهم، ونهاهم
وحذرهم عما فيه فسادهم، وأرسل لهم الرسل للمصلحة العامة، وإن كان فى إرسالهم ضرر على بعض الناس، ففيه حكم، وإن كان فى بعض
ما يخلقه ضرر كالذنوب، فلابد من وجود الحكمة فى ذلك، والمصلحة التى لأجلها خلقه سبحانه( )، والله سبحانه قد يوجب على نفسه ويحرم
بعض الأمور كقوله سبحانه : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ( ) وفى الحديث:”يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى”( ) وهو لا يخل بما
أوجبه أو حرمه على نفسه0
أما أن يوجب أو يحرم عليه الخلق بعقولهم فلا( )0

إن قول المعتزلة يجب على الله فعل الصلاح والأصلح لعباده يلزم منه لوازم فاسدة مثل : عدم خلق إبليس وجنوده، فعدم خلقه وجنوده أصلح
للخلق وانفع، وقد خلقه البارى! والأمثلة على ذلك كثيرة( )0
إذا عرفت صحة مذهب أهل السنة فى عقيدة الإيمان بالقدر، وعرفت فساد مذهب المعتزلة، عرفت أن طعون المعتزلة ومن قال بقولهم من
المستشرقين، ودعاة الإلحاد( ) فى الأحاديث الصحيحة المثبتة للقدر، طعون واهية لا حجة لهم فيها، وهاك مثالاً على ذلك، حديث محاجة آدم
موسى عليهما السلام، نذكر شبه الطاعنين فيه والدفاع عنه فى المبحث التالى فإلى بيان ذلك0

المبحث الرابع
شبـه الطاعنيـن فـى حديـث محاجـة آدم
موسى عليهما السلام والرد عليها

عن أبى هريرة  عن النبى ، قال : “احتج آدم وموسى، فقال له موسى : يا آدم أنت أبونا، خيَّبتَنَا وأخرجتنا من الجنة، فقال له
آدم : أنت موسى0 اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك بيدِهِ، أَتَلْوُمِنِىِ على أمر قَدَّره الله علىَّ قبل أن يخلقنى بأربعين سنةً؟ فقال النبى  : “فحج آدم
موسى ثلاثاً”( )0

قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله–:قد أنكر القدرية هذا الحديث لأنه صريح فى إثبات القدر السابق، وتقرير النبى  لآدم على الاحتجاج به،
وشهادته بأنه غلب موسى فقالوا :
أولاً : لا يصح لأن موسى لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه، وقد قتل هو نفساً لم يؤمر بقتلها، ثم قال رب اغفر لى، فغفر له، فكيف يلوم
آدم على أمر قد غفر له؟
ثانياً : لو ساغ اللوم على الذنب بالقدر الذى فرغ من كتابته على العبد، لكان من عوتب على معصية قد ارتكبها، يحتج بالقدر السابق، ولو
ساغ ذلك لانسد باب القصاص، والحدود، ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضى إلى لوازم قطعية، فدل ذلك على أن هذا
الحديث لا أصل له( ) أ0هـ0
وبنحو ذلك طعن السيد صالح أبو بكر( )، ونيازى عز الدين( )،وغيرهما فى الحديث0 ويجاب عليهم بالآتى :
أولاً : هذا الحديث صحيح ثابت فى كتب السنة بالاتفاق0 رواه عن النبى  أبو هريرة وغيره، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه من طريق أبى هريرة
رواه عشرة من التابعين ثم ذكرهم، وذكر من خرج لهم من الأئمة( )0
ثانياً : قد ذكر فى احتجاج آدم بالقدر عدة أقوال، المتجه منها قولان :
الأول : إنما لام موسى -عليه السلام- آدم -عليه السلام- على المصيبة التى أخرجته لا على المعصية، لأن العبد مأمور أن يحتج بالقدر عند
المصائب كما قال  “وإن أصابك شئ فلا تقل : لو أنى فعلت كان كذا وكذا0 ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل0 فإن لو تفتح عمل الشيطان”( )0
وقال تعالى : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ( ) واستحسن هذا القول
الإمام الطحاوى( )0
الثانى : إن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع فى موضع، ويضر فى موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته كما فعل
آدم، ويضر الاحتجاج به فى الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر عليه ويصر، فيبطل
الاحتجاج به حقاً، ويرتكب باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم لغير الله، فقالوا كما حكى رب العزة عنهم:لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ( )0

وخلاصة ذلك أن اللوم إذا ارتفع، صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعاً فالاحتجاج بالقدر باطل( )0

وقال القرطبى : “إنما غلبه بالحجة؛ لأنه علم من التوراة أن الله تاب عليه( )، فكان لومه على ذلك، نوع جفاء، كما يقال ذكر الجفاء بعد
حصول الصفاء جفاء، ولأن أثر المخالفة بعد الصفح ينمحى حتى كأنه لم يكن، فلا يصادف اللوم من اللائم حينئذ محلاً”0
قال الحافظ ابن حجر : “وهو محصل ما أجاب به المازرى، وغيره من المحققين، وهو المعتمد”( )0

ثالثاً : ليس فى الحديث احتجاج بالقدر على المعاصى كما يزعم المعتزلة0 وآدم -عليه السلام- لم يحتج بالقدر؛ لأن أنبياء الله – عليهم السلام
– من أعلم الناس بالله وبأمره ونهيه، فلا يسوغ لأحدهم أن يعصى الله بالقدر، ثم يحتج على ذلك( ) أ0هـ0

وبعـد
فالحديث كما قال الحافظ ابن عبد البر : “هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق فى إثبات القدر، وأن الله تعالى قضى أعمال العباد فكل أحد يصير لما
قدر له بما سبق فى علم الله”( )0

وعن النهى عن المجادلة فى القدر روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله  على أصحابه وهم يختصمون فى
القدر0 فكأنما فقئ فى وجهه حب الرمان من الغضب0 فقال : “بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض0 بهذا هلكت الأمم
قبلكم”( ) أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

المبحـث الخامـس
موقف المبتدعة قديمـاً وحديثـاً مـن أحاديـث
المغفرة لمرتكب الكبيرة والرد عليهم

طعن المبتدعة من المعتزلة وغيرهم فى أحاديث المغفرة لأهل الكبائر يوم القيامة، لتعارضه مع أصلهم السابق “العدل”، وقولهم
بوجوب الصلاح والأصلح على الله، ولتعارضه مع أحد أصولهم الخمسة وهو”الوعد والوعيد” ومرادهم به:أنه يجب على الله إثابة الطائع الذى
وعده بالثواب،وعقاب العاصى الذى أوعده بالعقاب،ولا يخلف الله وعيده؛لأنه ذم وقبح( )0

ولتعارضه أيضاً مع قولهم فى مرتكب الكبيرة بأنه فى منزلة بين المنزلتين، وهو أيضاً أحد أصولهم الخمسة، ومرادهم به أن مرتكب الكبيرة
منزلته “الفسق” بين المنزلتين “الإيمان، والكفر” وهو بهذه المنزلة خالد مخلد فى النار إذا لم يتب من كبيرته، وحاله فى العقاب دون الكافر،
فعقابه أخف ولكنه مع ذلك مؤبد فيها”( )0

ومن أصولهم السابقة طعنوا فى أحاديث الشفاعة، كما طعنوا فى الأحاديث التى تصف مرتكب الكبيرة – وإن لم يتب – بأنه تحت
المشيئة “إن شاء غفر الله له، وإن شاء عذبه” لتعارضها مع قولهم : “وجوب تنفيذ الله وعيده على العاصى0 وقولهم : إن مرتكب الكبيرة خالد
مخلد فى النار إن لم يتب من كبيرته0

واعتبروا مثل هذه الأحاديث فيها خلف للوعيد من الله وهو عندهم ذم وقبح0 قال القاضى عبد الجبار : “من زعم أن خلف
الوعيد كرم، وأن الله يمكن أن يخلف فى وعيده، كفر، لأنه أضاف القبيح إلى الله تعالى”( ) أ0هـ0

والجـواب :
إن إنفاذ الوعيد، والوجوب على الله، الذى دندن به المعتزلة، وقال به أعداء السنة( )، وخلدوا به صاحب الكبيرة فى النار، إنما هو
أمر عقلى محض لا سند له من النصوص، ولا من العقول السليمة0

فمن أين للعقول أن توجب وتحرم عليه سبحانه، وكيف علمت أنه يجب عليه أن يمدح ويذم،ويثيب ويعاقب على الفعل، وأنه رضى عن فاعل،
وسخط على فاعل؟
وهل ذلك إلا غيب عنا،وإقحام للعقل فيما لا علم له، وتجنى على نصوص الشرع، وقياس لله بخلقه فى أفعاله0
وهل كل ما حسن من الخلق حسن منه،وما قبح منهم قبح منه؟أم هو القياس الفاسد أيضاً؟( )

ولا شك أن الله وعد الطائعين بالثواب، وأوعد العاصين بالعقاب، وما وعد به عباده الطائعين لابد من تحققه، كرماً منه سبحانه وفضلاً، لأنه لا
يخلف الميعاد كما قال : إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ( ) وقوله تعالى : وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ( ) وليس معنى ذلك أن
العباد يستحقون دخول الجنة على ربهم بأعمالهم كما يزعم أهل الاعتزال، بل إنما يدخلهم الجنة برحمته وفضله، كما قال  : “لن يدخل أحداً
عمله الجنة”، قالوا:ولا أنت يا رسول الله؟ قال:”ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضل ورحمة…فسددوا وقاربوا” الحديث( )، وذلك بخلاف الوعيد، فإن
خلفه مدح لا ذم، ويجوز عليه سبحانه أن يخلف وعيده، لأنه حقه، فإخلافه له عفو وكرم، وجود، وإحسان، ولهذا مدح به كعب بن زهير رسول
الله ، حيث قال :

“نبئت أن رسول الله أوعدنـى
*** والعفو عند رسول الله مأمول( )0

والعرب لا تعد عاراً ولا خُلْفاً، أن تَعِد شراً ثم لا تفعل، ترى ذلك كرماً وفضلاً، إنما الخلف أن تعد خيراً ثم لا تفعل، ومن ذلك قول
القائل :

لا يرهب ابن العم منى صولـة

وإنـى أن أوعدتـه أو وعدتـه
***

*** ولا أختتى( ) من صولة المتهدد
لأخلف إ يعادى وأنجز موعدي( )
وفى الحديث عن زيد بن ثابت مرفوعاً : “لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم0 ولو رحمهم
لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم”( )0

أما ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج من أن الكبيرة الواحدة تسقط جميع ما لصاحب الكبيرة من ثواب، لأنه لا ثواب البته يستحقه
الإنسان مع وجود الكبيرة( )، ويستلزم على هذا حبط إيمانه حيث حكموا عليه بالخلود فى النار، وإن لم يحكم عليه المعتزلة بالكفر فى الدنيا فقد
صرح بذلك الخوارج فأصبح الخلاف بينهم لفظى( )0

هذا الذى ذهبوا إليه نوع من الظلم الذى نزه الله نفسه عنه كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ
أَجْرًا عَظِيمًا( )0

وهو مخالف لكتاب الله  وسنة نبيه ، فى أن مرتكب الكبيرة مسلم عاصى، غير خالد مخلد فى النار، وهو تحت المشيئة “إن شاء غفر الله له
وإن شاء عذبه” يدل على ذلك قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ( ) فالآية صريحة فى أن الغفران
المعلق بالمشيئة شامل لجميع الذنوب، كبائر كانت أو صغائر، ولم يستثن المولى  سوى كبيرة الشرك به تعالى( )0
وفى هذا رد على قولهم المراد بالمغفرة صغائر المعاصى( )0

وقال :”ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة”قال أبو ذر ، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال “وإن زنى وإن
سرق” -ثلاثاً- ثم قال فى الرابعة على رغم أنف أبى ذر” قال فخرج أبو ذر وهو يقول : “وإن رغم أنف أبى ذر”( )0

وفى حديث عبادة بن الصامت  : أنه  قال وحوله عصابة من أصحابه : “بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا،
ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم،ولا تعصوا فى معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب
من ذلك شيئاً فعوقب فى الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً، ثم ستره الله؛ فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه”0
فبايعناه على ذلك( )0

والأدلة على أن صاحب الكبيرة “مسلم عاصى” وتحت المشيئة وغير خالد مخلد فى النار كثيرة جداً0 والأحاديث فى ذلك متواترة(
)0

وأقوال أهل العلم فى ذلك كثيرة نقتصر على قول جامع للإمام النووى – رحمه الله – إذ يقول : “واعلم أن مذهب أهل السنة، وما عليه أهل
الحق من السلف والخلف، أن من مات موحداً، دخل الجنة قطعاً على كل حال، فإن كان سالماً من المعاصى، كالصغير، والمجنون، والذى اتصل
جنونه بالبلوغ، والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصى إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذى لم يبتل بمعصيةٍ
أصلاً، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلاً … وأما من كانت له معصية كبيرة، ومات من غير توبة، فهو فى مشيئة الله
تعالى، فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولاً، وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه القدر الذى يريده سبحانه وتعالى، ثم يدخله الجنة، فلا يخلد
فى النار أحد مات على التوحيد،ولو عمل من المعاصى ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر،ولو عمل من أعمال البر ما عمل0

هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق فى هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة،
وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعى( ) أ0هـ0

أما ما استدل به المعتزلة وغيرهم من الكتاب والسنة على تخليد صاحب الكبيرة فى النار كقوله تعالى:وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا( ) وقوله  : “لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا نمام، ولا عاق”( )0
وقوله  : “من قتل نفسه بحديده، فحديدته فى يده يَتَوَجَّأُ بها بطنه فى نار جهنم خالداً أبداً”( ) أ0هـ0 إلى غير ذلك من الأخبار المروية فى هذا
الباب، واستدلوا بها على تخليد صاحب الكبيرة( )0

هذه الأخبار التى استدلوا بها على تخليد مرتكب الكبيرة فى النار؛ لا حجة لهم فيها فهى من نصوص الوعيد التى وجهها السلف توجيهاً يتفق
ونصوص الوعد الأخرى التى غض عنها المعتزلة الطرف،وهذا من شأن أهل البدع فإنهم يأخذون من النصوص ما يظنون أنه يوافق
بدعهم،ويتركون غيرها مما يخالف تلك البدع0وهكذا فعل أهل الاعتزال فى هذا المقام0

وقد ذكر العلماء توجيهات عديدة فى هذه النصوص وأمثالها والمختار منها قولان:
أحدهما : أنها محمولة على من يستحل الكبيرة مع علمه بالتحريم، فهذا كافر مخلد فى النار ولا يدخل الجنة أصلاً0
والثانى : أنها محمولة على أن مرتكب الكبيرة جزاؤه أن لا يدخل الجنة وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم بل يؤخر، ثم قد يجازى وقد
يعفى عنه فيدخلها أولاً( )0 والمراد بالخلود إذا عوقب، طول المدة والإقامة المتطاولة، لا حقيقة الدوام، كما فى قوله تعالى:وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ
مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ( ) والعرب تقول:لأخلدن فلاناً فى السجن، والسجن ينقطع ويزول، وكذلك من سجن، ومثله قولهم فى الدعاء : خلد الله ملكه،
وأبد أيامه( )0

وهناك قول ثالث : وهو أن نصوص الوعيد الواردة فى الآيات، والأخبار فى حق مرتكب الكبيرة، هذا الوعيد جزاؤه، ولكن تكرم
سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا يخلد فى النار من مات مسلماً”( )، وقد دلت الأحاديث على ذلك منها قوله  : “إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار
يقول الله : من كان فى قلبه مثال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه، فيخرجون قد امتحشوا( )،وعادوا حمماً( )، فيلقون فى نهر الحياة،
فينبتون كما تُنْبُتُ الحبةُ فى حَميل السَّيل، أو قال:حَمِيَّةِ السَّيل” وقال النبى  : “ألم تَروا أنها تَنبتُ صفراء مُلتوية؟”( )0
وقد دلت الأحاديث أيضاً أن قاتل نفسه لا يخلد فى النار، روى الإمام مسلم فى صحيحه عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسى أتى النبى  فقال
: يا رسول الله هل لك فى حصن حصين ومنعة؟ (قال : حصن كان لدوس فى الجاهلية) فأبى ذلك النبى  للذى ذخر الله للأنصار، فلما هاجر
النبى  إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه0 فاجْتَوَوا المدينة0 فَمَرِضَ، فَجَزِع، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ( ) له فقطع بها
بَرَاجَمه فَشَخَبَتْ( ) يداهُ حتى مَاتَ، فَرَآهُ الطفيل بنَ عمرو فى منامه0 فرآه وهيئته حسنة، ورآهُ مغطِّياً يَدَيْهِ، فَقَالَ له : ما صنع بك رُّبكَ؟ فقال :
غفر لى بهجرتى إلى نبيه ، فقال : مالى أَرَاك مُغَطِّياً يديك؟ قال : قيل لى لن نُصْلِحَ منك ما أفسدتَ، فقصها الطفيل على رسول الله  فقال
رسول الله  : “اللهم وَلِيديهِ فاغفر”( )0
قال الإمام النووى -رحمه الله- : “ففيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة، أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها، ومات من
غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو فى حكم المشيئة، وقد تقدم بيان القاعدة وتقريرها، وهذا الحديث شرح للأحاديث التى قبله،
الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس، وغيره من أصحاب الكبائر فى النار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصى، فإن هذا عوقب فى يديه،
ففيه رد على المرجئة( )، القائلين بأن المعاصى لا تضر مع الإيمان، كما لا ينفع مع الكفر طاعة”( ) أ0هـ0
وإذا تقرر أن مرتكب الكبيرة، مسلم عاصى، تحت مشيئة ربه  إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فلا وجه لإنكار أعداء السنة
لشفاعة النبى ، لأهل الكبائر من أمته0
فإلى بيان شبههم حول الحديث والرد عليها فى المبحث التالى0

المبحـث السـادس
شبه الطاعنين فى حديث الشفاعة والرد عليهم

إن تشبث المعتزلة بأصلهم الوعد والوعيد، ووجوب تحقيق الوعيد فى حق مرتكب الكبيرة بتخليده فى النار، أدى بهم إلى نفى
الشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة0

قال عبد الجبار : “الشفاعة للفساق الذين ماتوا على فسوقهم، ولم يتوبوا لا تجوز، بل مثالها مثال الشفاعة لمن قتل ولد الغير، وظل يتربص
للآخر حتى يقتله، فكما أن هذا قبيح فهى قبيحة أيضاً … والنبى ، لا يشفع لصاحب كبيرة، ولا يجوز له ذلك لأن إثابة من لا يستحق الثواب
قبيحة … والفاسق إنما يستحق العقوبة على الدوام، فكيف يخرج من النار بشفاعته ( )0

وقد رد المعتزلة أحاديث الشفاعة لأهل الكبائر بدعوى تعارضها مع القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبدعوى أنها خبر آحاد،
ومسألة الشفاعة طريقها العلم، فلا يصح الاحتجاج به( )0
وما صح من أحاديث الشفاعة أطلق عليها عبد الجبار حكماً عاماً وهو أن أكثرها مضطرب”( )0
ومما استدلوا به فى إنكار الشفاعة قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ( ) وقوله تعالى : مَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ( )0ونحو ذلك من الآيات، واستدلوا على دعوى التعارض مع السنة المطهرة بما سبق من حديث “لا يدخل
الجنة نمام …الحديث” وحديث “من قتل نفسه بحديدة … الحديث”( )0

وبشبهات المعتزلة استدل دعاة اللادينية فى عصرنا( )0
ويجاب عن شبههم بما يلى :
أولاً : الأحاديث فى إثبات الشفاعة لأهل الكبائر ثابتة صحيحة فى الصحيحين، والسنن، والمسانيد وغيرها0 وقد نص جماعة من العلماء على
أنها تبلغ حد التواتر المعنوى( ) فزعمهم بأن الأحاديث أكثرها مضطرب0 حجة واهية، وزعم عار عن الصحة، لا يتفوه به إلا من جهل
حديث النبى ، أو أغمض عينيه عنه( )0

ومن الأحاديث الصحيحة الواردة فى الشفاعة قوله  : “شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى”( )، وزعمهم أن هذا الحديث لم تثبت
صحته( )، زعم مردود، لأن الحديث قد ثبتت صحته، وأيدته الأحاديث الثابتة كقوله  : “لكل نبى دعوة مستجابة، فتعجل كل نبى دعوته، وإننى
اختبأت دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة0 فهى نائلة إن شاء الله من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئاً”( ) وقوله  : “أسعد الناس بشفاعتى
يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه”( )0

تقول الدكتورة عائشة يوسف المناعى : “اضطر المعتزلة إلى اللجوء إلى نقد الأخبار المعارضة التى تثبت الشفاعة لأهل الكبائر
من المؤمنين مثل قوله  : “شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى” فبرغم أن هذا الحديث ينص صراحة على أن الشفاعة لأهل الكبائر، وبرغم صحته
فإن المعتزلة لا يتورعون أن يقفوا موقف التكذيب من هذا الخبر ويقولون : “إن هذا الخبر لم تثبت صحته أولاً ‎، ولو صح فإنه منقول بطريق
الآحاد عن النبى، ومسألتنا طريقها العلم فلا يصح الاحتجاج به”( )0

ولسنا فى حاجة إلى أن نقول إن إجابة المعتزلة هذه تـنبنى على التحكم البحت، وفيها من عدم الدقة شئ كثير، فهم يفترضون مرة أن هذا
الحديث غير صحيح، ويفترضون مرة أخرى أنه صحيح ولكنه آحاد وأن رأيهم فى هذه المسألة مبنى على العلم، مع أن قولهم فى هذه المسألة
قول لا برهان عليه، بل إن الأقرب إلى العقل أن الشفاعة إذا لم تكن لأهل الكبائر بحيث تخرجهم من النار فإنها لا معنى لها ولا فائدة منها،
والمكلف التائب مغفور له، وليس فى حاجة إلى الشفاعة، والنصوص صريحة فى أن التائب يبدل الله سيئاته حسنات، فكيف يحتاج إلى شفيع بعد
ذلك؟

وإذا كانت معتزلة البصرة قد اعترفوا بجواز إسقاط العقاب ابتداء من الله تعالى؛ لأنه حقه،وهو يشبه الدين، فله أن يسقطه، وله أن يستوفيه،
فالأولى أن يقال بإسقاط العقوبة ابتداء0

فكيف يقرر المعتزلة بعد ذلك أن أصلهم فى الشفاعة مسألة علم لا يصح أن تعارضها أخبار الآحاد؟
ومن غريب تفسيرات المعتزلة أنهم يقولون أن التائب من الكبيرة تسقط عنه العقوبة بالتوبة، لكن الكبيرة قد أحبطت ما تحصل عنده من الثواب
من قبل، فالشفاعة هنا تنفعه فى إعادة هذا الثواب( )0

ولا شك أن كل هذه التأويلات إنما هى فى المقام الأول هروب من مواجهة النصوص الصريحة فى أن الشفاعة، إنما تكون لأهل الكبائر من
المؤمنين، وتؤكد أن القضية مع المعتزلة وسائر أهل البدع ليست قضية متواتر وآحاد، وإنما قضية أصولهم التى طوعوا النصوص قرأناً وسنة
لأجلها0
ومن الغريب أيضاً:”أن يقول أبو الهذيل:”إن الشافعة إنما تثبت لأصحاب الصغائر”( )0

والمعتزلة أنفسهم قد سخروا من هذا القول؛ لأنهم قرروا من قبل أن الصغائر تكفرها الطاعات، فلا وجه للشفاعة فى هذا القول”(
)0

أما ما زعم المعتزلة ومن قال بقولهم أن أحاديث الشفاعة متعارضة مع القرآن الكريم0
فدعوى مرفوضة؛ لأن ما استدلوا به على نفى الشفاعة، من الآيات القرآنية محمول على الشفاعة للمشركين، والكفار، وهؤلاء لا تنفعهم
الشفاعة أصلاً كما دل على ذلك قوله تعالى : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ
مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ( )0

والمراد بذلك الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك وأهل البدع، الذين يعتقدون أن الخلق يشفعون عند الله بغير إذن، كما يشفع بعضهم
لبعض فى الدنيا( )0
والشفاعة إنما تطلب من الله تعالى؛ لأنه هو المالك لها سبحانه كما قال تعالى : قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا( )0

وأما الشفاعة المثبتة فهى لا تثبت عند السلف إلا بشروط وهى :
1- الإذن للشافع بالشفاعة كما قال  : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ( ) وقال تعالى : مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ( )0
2- الرضا عن المشفوع فيه0 كما قال سبحانه : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيَرْضَى( ) وقال:وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى( ) وعن ابن عباس – رضى الله عنهما – قال فى قوله تعالى :  وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا
لِمَنِ ارْتَضَىقال:”الذين ارتضاهم بشهادة أن لا إله إلا الله”( )0

وأما زعمهم دعوى تعارض أحاديث الشفاعة بحديث : “لا يدخل الجنة نمام … الحديث” وبحديث “من قتل نفسه بحديدة …” الحديث0
فقد سبق الجواب، بما يرفع التعارض، ويوفق بين النصوص( )0

وأما حملهم للحديث على أن المراد به شفاعة النبى ، لأهل الكبائر إذا تابوا( )؛ فلا دليل لهم على ذلك0 وهو مع أنه تأويل
مناهض للنصوص الثابتة، ولا يدل عليه لفظ الحديث، فهو أيضاً معنى فاسد؛ لأن الذى يتوب من الذنب لا يوصف به بعد ذلك، بل يبدل الله

سيئاته حسنات فضلاً منه وكرماً قال تعالى : إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا( )0 فصاحب الكبيرة إذا تاب عن كبيرته وصحت توبته زال عنه هذا الاسم( )0
قال الصحابى الجليل جابر بن عبد الله  : “من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة”( )0

وما ذهب إليه بعضهم من حصر شفاعته ، على زيادة الثواب، ورفع الدرجات لأهل الثواب( )0
مردود عليهم بما صرحت به الأحاديث الصحيحة من شفاعات أخرى له  من ذلك:
أ‌- الشفاعة العظمى، الخاصة بنبينا ، دون سائر خلق الله  والواردة فى قوله تعالى : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا( )
وفى ذلك يقول  : “أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد … إلى أن يقول : فيأتون محمد
 فيقولون : يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه،
فأنطلق فآتى تحت العرش فأقع ساجداً لربى  ثم يفتح الله على من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئاً لم يفتحه على أحد قبلى، ثم يقال : يا
محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفْع تُشفع …” الحديث( )0
ب‌- شفاعته لأمته فى دخول الجنة:كما جاء فى حديث الشفاعة العظمى السابق،وفيه قال  : فأقول أمتى يا رب، أمتى يا رب، فقال
: يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب( )0
ج- شفاعته  للمؤمنين من أهل الكبائر : وقد سبقت بعض النصوص التى تدل عليها0 وهى لا تختص به  وإنما يشاركه فيها الملائكة،
والنبيون، والمؤمنون، كما روى مسلم فى صحيحه بسنده عن أبى سعيد الخدرى أن ناساً فى زمن رسول الله  قالوا : يا رسول الله هل نرى
ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله  : نعم قال : “هل تُضَارُّونَ فى رُؤية الشمس بالظهيرة صَحْواً ليس معها سَحَابُ؟” فذكر الحديث وفيه : “فيقول
الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون0 ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضه من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً
قط …” الحديث( )0
وله  شفاعات أخرى، منها ما يشاركه فيها غيره، ومنها ما يختص به( ) أ0هـ0

اللهــم إنــى اسألــك شفاعــات نبيــك 
وأبرأ إليك من جهل الجاهلين وإلحاد الملحدين
المنكرين لشفاعة سيد المرسلين 

الفصــــل الرابـــع
أحاديــــــث ظهـــــــور “المهــــــدى” و خــــــروج “الدجـــــــال”
و “نــــزول المسيــــح عليـــــه الســـــلام”

وتحته مبحثان :
المبحث الأول : شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية “المستقبلية” و”الأخروية” والرد عليها0
المبحث الثانى : شبهات المنكرين لظهور “المهدى” و “خروج الدجال” و “نزول المسيح عليه السلام” والرد عليها0

المبحـث الأول
شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية “المستقبلية”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: