مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 13-14

و”الأخرويـة” والـرد عليهـاأحاديث الأمور الغيبية التى أخبر بها المعصوم ، والتى تعد من الأدلة على صدق نبوته ، طعن فيها أعداء الإسلام بحجة أنه ،
لا يعلم الغيب، فطعنوا فى أحاديث الفتن وأشراط الساعة، والأمور السمعية، من عذاب القبر ونعيمه، وما فى يوم القيامة من حوض وميزان،
وصراط …، بل وطعنوا فى الأحاديث الصحيحة التى تصف نعيم الجنة، وعذاب النار … إلخ0يقول جمال البنا : “عرض الأحاديث على القرآن، سيؤدى إلى التوقف أمام الأحاديث التى جاءت عن المغيبات بدءً من الموت حتى يوم القيامة،
والجنة والنار، فهذه هى ما استأثر الله تعالى بعلمها … ويدخل فى الغيب التنبؤ بما سيحدث قبيل الساعة، مما يسمونه “الفتن” ويدخل فيها
المهدى، والدجال، وما إلى هذا كله0والأحاديث التى تتحدث عن الفتن، والمهدى، والدجال، ثم الموت، وعذاب القبر، فالحشر، والنشر، والجنة والنار، تجاوزت المئات
إلى الألوف، ونحن نطويها دون حساسية أو أسى”( ) أ0هـ0

والجواب على شبهتهم فيما يلى :
دعوى أعداء السنة بأن أحاديث الأمور الغيبية تتعارض مع القرآن الكريم كقوله تعالى : قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا
شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( )0

هذا الزعم بالتعارض مردود عليهم بأن الغيب المنفى فى الآية السابقة، ونحوها من الآيات كقوله تعالى : قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ( ) وقوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ( )0 هذا الغيب المنفى هو المذكور فى آية لقمان،
والوارد فى قوله  : “مفاتح الغيب خمس ثم تلا : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( )0

وما عدا ذلك الغيب أطلع عليه من شاء من أنبيائه ورسله كما قال  : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنِ ارْتَضَى
مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا( ) أى لا
يظهر على غيبه إلا من ارتضى أى اصطفى للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالاً على نبوته( )0 وينص على ذلك رب
العزة فى حق سيدنا عيسى -عليه السلام – قال تعالى : وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ( ) وفى حق سيدنا يوسف–عليه السلام
–قال تعالى : قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي( )0

وفى حق سيدنا رسول الله ، قال تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ
مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا( )0 وفى الحديث عن ابن مسعود  مرفوعاً :
“أعطى نبيكم  مفاتيح الغيب إلا الخمس ثم تلا قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا
تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( )0

ومن هنا فإن الأحاديث التى تدل على الغيب من أقوى الأدلة على نبوة رسول الله ، وأنه نبى من عند الله يوحى إليه0
ومن هنا ندرك هدف أعداء الإسلام من المستشرقين وذيولهم من دعاة اللاديينة – فى طعنهم فى ذلك النوع من الأحاديث، وزعمهم أنها
مكذوبة، لأنه يلزم من صحتها صدق النبوة( )0

إن الساعة جعل الله  لها أشراطاً وعلامات لا تتعارض مع إتيان الساعة بغتة قال تعالى : فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ
بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ( ) وقال سبحانه : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ
رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ( ) وقال تعالى :
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ( ) وقال تعالى:حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ
وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ( )0
وأكدت السنة المطهرة ما جاء فى القرآن الكريم من أن للساعة أشراطاً0
من ذلك قوله  لجبريل –عليه السلام– لما سأله عن الساعة فقال  ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال – أى جبريل – عليه السلام –
فأخبرنى عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة، رعاء الشاةِ يتطاولون فى البنيان … الحديث”( )0 وقد ورد عنه ،
أحاديث كثيرة فى الإخبار عن علامات وأشراط الساعة لهذا اليوم، وهى من أنباء الغيب المنقولة عن النبى ، بالأسانيد الصحيحة الثابتة، وهى
كثيرة تفوق درجة التواتر فى جملتها، ويبلغ عدد كثير منها التواتر بمفرده، كالأحاديث الواردة فى ظهور المهدى، والمسيح الدجال، وفى نزول
المسيح عيسى بن مريم – عليه السلام – مما لا يسع أحداً إنكاره إلا أن ينكر عقله وحسه( )0

وسوف نتناول الجواب عن شبهات ثلاث آيات غيبية أنكروها وهى ظهور المهدى، وخروج الدجال، ونزول المسيح( ) عيسى عليه السلام0
فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى0

المبحـث الثانـى
شبهات المنكرين “لظهور المهدى” و “خروج الدجال”
و “نزول المسيح عليه السلام” والرد عليها

أولاً : “ظهـور المهـدى” :
بلغت الأخبار فى ظهور المهدى حد التواتر المعنوى، وحكى هذا التواتر غير واحد من أئمة الحديث0
قال ابن قيم الجوزية : “وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ، بذكر المهدى وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ
الأرض عدلاً، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلى عيسى خلفه”( )0

وقال الإمام الشوكانى : “والأحاديث الواردة فى المهدى التى أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح، والحسن، والضعيف،
المنجبر، وهى متواترة بلا شك ولا شبهة( ) أ0هـ0

ومن الأحاديث الصحيحة الواردة فى “المهدى” :
حديث عبد الله بن مسعود  عن النبى ، قال : “لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً منى – أو من أهل بيتى –
يواطئ اسمه اسمى، واسم أبيه اسم أبى، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً”( )0
وعن أبى سعيد الخدرى  قال : قال رسول الله  : “المهدى منى أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت
جوراً وظلماً، ويملك سبع سنين”( )0 وفى هذه الأحاديث الصحيحة بيان أن المهدى اسمه “محمد بن عبد الله”، وينتهى نسبه إلى الحسن( ) لا
إلى الحسين –رضى الله عنهما–0

وفى هذا رد على الشيعة الجعفرية فى زعمهم أن أمامهم “الإثنى عشر” هو المهدى الذى بشر به النبى ؛ لأن إمامهم المزعوم يسمى “محمد
بن الحسن العسكرى” من ولد الحسين بن على، لا من ولد الحسن0 والذى أخبر به النبى  اسمه محمد بن عبد الله، وينتهى نسبه إلى الحسن
لا إلى الحسين –رضى الله عنهما-( )0

وفى صحة الروايات السابقة، وما نص عليه غير واحد من علماء المسلمين بتواتر أحاديث المهدى تواتراً معنوياً ردً على الأستاذ محمد رشيد
رضا – رحمه الله – فى تضعيفه للحديث، ووصفه بالاضطراب( )0
واتهامه لكعب الأحبار بوضعه حيث قال : “ولأجل ذلك كثر الاختلاف فى اسم المهدى، ونسبه، وصفاته، وأعماله، وكان لكعب الأحبار جولة
واسعة فى تلفيق تلك الأخبار”( )0
وقال فى موضع آخر : “وإذا تذكرت مع هذا أن أحاديث الفتن والساعة عامة، وأحاديث المهدى خاصة، وأنها كانت مهب رياح الأهواء والبدع
وميدان فرسان الأحزاب، والشيع، تبين لك أين تضع هذه الرواية منها”( )0

ويقول أيضاً : “وقد كانت أى روايات المهدى – أكبر مثارات الفساد والفتن فى الشعوب الإسلامية إذ تصدى كثير من محبى الملك والسلطان،
ومن أدعياء الولاية، وأولياء الشيطان لدعوى المهدوية فى الشرق والغرب أو تأييد دعواهم بالقتال والحرب والبدع، والإفساد فى الأرض، حتى
خرج ألوف الألوف عن هداية السنة النبوية، ومرق بعضهم من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية( ) أ0هـ0

ويجاب على ما سبق بالآتى :
أولاً : اتهام الأستاذ “محمد رشيد رضا” لكعب الأحبار بأنه هو، ووهبُ ابن مُنَبِّه “بطلى الإسرائيليات وينبوعى الخرافات”( )، واتهامه للصحابة،
وللتابعين، وللأئمة المسلمين بالغفلة عن حقيقة أمرهم؛ إذ يقول فى تفسير قوله تعالى:وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ( ) : “وأما تلك الروايات الكثيرة
فى جوهرها ومقدارها … كلها من الإسرائيليات الباطلة التى بثها فى المسلمين أمثال “كعب الأحبار”، “ووهب بن منبه” فاغتربها بعض
الصحابة، والتابعين إن صحت الرواية عنهم”( )0 وقال : “ثم ليعلم أن شر رواة هذه الإسرائيليات أو أشدهم تلبيساً وخداعاً للمسلمين هذان
الرجلان : كعب الأحبار، ووهب بن منبه”( )، وقال : “لو فطن الحافظ ابن حجر لدسائسهما، وخطأ من عدلهما من رجال الجرح والتعديل؛ لخفاء
تلبيسهم عليهم، لكان تحقيقه لهذا البحث أتم وأكمل”( )0

إن طعن الأستاذ رشيد رضا( ) – غفر الله له – فى كعب الأحبار، ووهب بن مُنَبِّه مردود عليه بما ذكره هو نفسه من أن
الجمهور عدلوهما ووثقوهما، واعترافه أيضاً بأن أبا هريرة، وابن عباس( ) وغيرهما من أعلام الصحابة؛ كعبد الله بن عمر، وعبد الله
ابن الزبير روى عنه، ولم يكن هؤلاء، ولا كل من روى عنه سذجاً، ولا مخدوعين فيه، وإنما أيقنوا أنه ثقة فيما يروى فرووا عنه0

وإلا فكيف يعقل أن صحابياً يأخذ علمه عن كذاب وضاع، بعدما عرف عن الصحابة من التحرى والتثبت فى تحمل الأخبار؟( )0

ثم إن الإمام مسلم قد أخرج له فى صحيحه، وكذا أخرج له أبو داود، والترمذى، والنسائى، فهذا دليل على أن كعباً كان ثقة غير متهم عند
هؤلاء جميعاً، وتلك شهادة كافية، لرد كل تهمة تلصق بهذا الحبر الجليل( )0

والجمهور على توثيق كعب لذا لا تجد له ذكراً فى كتب الضعفاء والمتروكين، وقد اتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه( )0
أما “وَهْبُ بنُ مُنَبِّه” فقد روى له البخارى، ومسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائى0 قال الذهبى فى الميزان : كان ثقة، صادقاً، كثير النقل من
كتب الإسرائيليات0 قال العجلى : ثقة تابعى، كان على قضاء صنعاء، وقد ضعفه الفلاس وحده، ووثقه جماعة( )0
وقال أبو زرعة، والنسائى : ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات( )، والبخارى نفسه يعتمد عليه ويوثقه( )0

وبعـد : هذا بعض ما قاله علماء الحديث فى توثيق هذين الرجلين، فهل يحق لأحد أن يخالف هؤلاء الأعلام فى نقد الرجال، وأن يشكك فى
سلامة أسلوبهم فى ذلك، أو أن يتهمهم بالغفلة، والاغترار، وهم أهل هذا الفن الذى لا يصلح له إلا القليل من الناس( )؟

ليس معنى هذا أن كل ما رواه هذان العالمان الفاضلان حق لا كذب فيه، بل إن فيه من الكذب ما يخالف شرعنا ولا يقره العقل
ولكن لا يعنى هذا أن ننسب الكذب إليهما، فقد يكون الكذب من غيرهما، أو أنهما نقلاه على أنه مما فى كتبهم، وهما يعتقدان صحته، ولم
يعلما كذبه لخفاء الثابت والمحرف فى كتب أهل الكتاب0
قال ابن الجوزى – رحمه الله تعالى – : “إن بعض الذى يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً لا أنه يتعمد الكذب، وإلا فقد كان كعب من
أخيار الأخيار”( )0
قلـت : ومثل هذا يقال فى وهب بن منبه( ) أ0هـ0

“أما قول رشيد رضا : إن روايات المهدى كانت أكبر مثارات الفساد والفتن فى الشعوب الإسلامية باستغلال أعداء الإسلام لها0
فيقول رداً على ذلك الدكتور فهد الرومى : “وإنا لنكتفى هنا بسؤال السيد رشيد، ومن نحا نحوه متى كان استغلال أعداء الإسلام لعقيدة من عقائد
المسلمين مبرراً لطمسها أو التشكيك فى ثبوتها؟‍

إن أعداء الإسلام لم يستغلوا المهدوية فحسب، بل استغلوا ما هو أكبر وأعظم وأوضح عند المسلمين – أعنى عقيدة النبوة –
استغلوا هذا وخرج أدعياء النبوة، ولا زلنا فى هذا العصر نعانى من أولئك كالبهائية، والبابية، والقاديانية، وغيرهم مع أن المسلمين كلهم
يؤمنون بختم النبوة، ولم يكن هذا مانعاً لهم من استغلالها، ولن يكون هذا ولا ذاك مانعاً لنا نحن المسلمين من الإيمان بعقيدة النبوية وختمها،
والإيمان بمجئ المهدى0
ولو شككنا فى كل عقيدة للمسلين يستغلها أعداء الإسلام لخشينا أن لا يبقى لنا من الإسلام شئ حتى اسمه؟( )0

ثانياً : خــروج الدجـال :
بلغت الأخبار عن مجئ الدجال حد التواتر المعنوى، وحكى هذا التواتر غير واحد من أئمة الحديث( )0
ومن الأحاديث الصحيحة الواردة فى خروج الدجال حديث أنس بن مالك  قال : قال رسول الله  : “ما من نبى إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب،
ألا إنه أعور0 وإن ربكم ليس بأعور0 ومكتوب بين عينيه كفر”( ) أ0هـ0

وقد رد أئمة المسلمين قديماً على طعون المبتدعة من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة – فى إنكارهم للدجال – وطعون المبتدعة قديماً
رددها – أهل الزيغ والإلحاد فى عصرنا( ) – كما تأثر بذلك بعض علماء المسلمين( )0
فدعوى رد أحاديث الدجال بحجة تعارضها مع القرآن الكريم بعدم وروده فيه، قال رداً على ذلك الحافظ ابن حجر : أجيب بأجوبة :
أحدها : أنه ذكر فى قوله تعالى : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا( ) فقد أخرج الترمذى وصححه عن أبى هريرة مرفوعاً :
“ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً، الدجال، والدابة وطلوع الشمس من مغربها”( )0
الثانى : قد وقعت الإشارة فى القرآن إلى نزول عيسى بن مريم فى قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ( ) وصح أنه الذى يقتل الدجال فاكتفى
بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى0
الثالث : أنه ترك ذكره احتقاراً، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم دون الفتنة بالدجال والذى قبله … وقد وقع فى تفسير البغوى :
أن الدجال مذكور فى قوله تعالى : لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ( ) وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على
البعض0وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبى  ببيانه( )0

وقال الإمام النووى – رحمه الله – فى بيان مذهب أهل السنة فى ذلك :”قال القاضى هذه الأحاديث التى ذكرها مسلم، وغيره فى
قصة الدجال، حجة لمذهب أهل الحق فى صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من
إحياء الميت الذى يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر،
والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل، ولا غيره،
ويبطل أمره، ويقتله عيسى  ويثبت الله الذين آمنوا0
هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين، والفقهاء، والنظار خلافاً لمن أنكره، وأبطل أمره من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة، وخلافاً
للبخارى المعتزلى، وموافقيه من الجهمية، وغيرهم فى أنه صحيح الوجود، ولكن الذى يدعى مخاريق وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو
كان حقاً لم يوثق بمعجزات الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم –0

وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعى الإلهية، وهو فى نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله
ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذى فى عينيه،وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه( ) أ0هـ0
وبعـد
فإن صحة الأحاديث فى مجئ الدجال، وتواترها تواتراً معنوياً ردٌ على من ضعف الحديث وزعم اضطرابه،أو أنه آحاد لا يحتج به فى العقائد( )
فدخل فى ميدان ليس من أهله، كما أن تقرير أئمة المسلمين بأن الدجال شخص بعينه0 ردٌ على من تأول فزعم بأنه “رمز
للخرافات،والدجل،والقبائح،وظهور الشر والفساد”( )،أو غير ذلك من التأويلات الباطلة0

كما أن فى إدعاء الدجال للألوهية وصورة حاله من العور، والعجز، والشاهد المكتوب بين عينيه “كفر” يبطل زعم الزاعمين قديماً
وحديثاً أن ما يظهر على يديه من الخوارق يعد شبهة فى نبوته( )0 وهو غلط من جميعهم كما قال الإمام النووى رداً على ذلك( ) أ0هـ0

ثالثاً : نزول المسيح عيسى – عليه السلام – :
أما أحاديث نزول عيسى بن مريم – عليه السلام – آخر الزمان فقد نص العلماء على تواترها0 قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله
– بعد ذكره الأحاديث الدالة على نزوله قال : “فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله  من رواية أبى هريرة، وابن مسعود، وعثمان ابن أبى
العاص، وأبى أمامة، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع ابن حارثة، وأبى شريحة، وحذيفة بن أسيد  وفيها دلالة
على صفة نزوله ومكانه، من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح ( ) أ0هـ0

وقال الأستاذ عبد الله الغمارى بعد أن استوعب كل ما ورد من أحاديث وآثار، وذكرها بطرقها وأسانيدها : “فهذه ستون حديثاً
يرويها عن النبى  ثمانية وعشرون صحابياً، وثلاثة تابعين بألفاظ مختلفة، وأسانيد متعددة كلها تصرح بنزول عيسى بن مريم –عليه السلام
– تصريحاً لا يحتمل تأويلاً ولا روغاناً”( )0

ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة  قال : قال رسول الله  : “والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم – عليه السلام
– حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد”( ) أ0هـ0

ويمكن أن نجمل ما أثاره المحدثون( )من شبه حول نزوله –عليه السلام– والتى قال بها أعداء السنة واتخذوا منها ستاراً للطعن
فى السنة المطهرة ورواتها( )فى النقاط التالية:

1- ليس فى القرآن نص صريح فى رفعه إلى السماء بروحه وجسده ليحيا حياة دنيوية يحتاج معها إلى غذاء0
2- ليس فيه نص صريح على نزوله، وإنما تلك عقيدة النصارى0
3- أحاديث لم تبلغ درجة التواتر حتى يؤخذ منها عقيدة بنزوله، بل هى أحاديث آحاد مضطربة فى متونها، منكرة فى معانيها، فى
معظمها يشتد ضعف الرواة، وليست بمحكمة الدلالة، ولذا أولها العلماء قديماً وحديثاً0
4- لا يجب على المسلم أن يعتقد أنه حى بروحه وجسده ومن خالف لا يعـد كافـراً0
5- نزول عيسى بن مريم -عليه السلام- يتناقض مع حديث “لا نبى بعدى”( ) أ0هـ0

ويجاب على الشبهات السابقة بما يلى :
1- لقد جاءت آيات فى كتاب الله  تدل على رفع عيسى – عليه السلام – إلى السماء، وقد بين العلماء أنه رفع بروحه وجسده0
قال تعالى : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ( )0

وقد لخص الدكتور محمد خليل هراس آراء المفسرين فى بيان معنى هذه الآية فقال :
1- رأى الجمهور : الذى اختاره ابن كثير، ورواه عن الحسن، وهو الرأى الذى يفسر التوفى بالإنامة0
2- رأى قتادة : وهو أن فى الكلام تقديماً وتأخيراً والتقدير “إنى رافعك ومتوفيك أى بعد النزول”0
3- رأى ابن جرير : فى أن المراد بالتوفى هو نفس الرفع، والمعنى أنى قابضك من الأرض ومستوفيك ببدنك وروحك( )0 وينسب
هذا التفسير إلى ابن زيد( )0 وهو الذى حكاه ابن كثير عن مطر الوراق( )0
وهذه الأقوال الثلاثة متفقة على أنه رفع حياً، وإن كان بعضها أصح، وأولى بالقبول من بعض، فأصحها الأول وهو قول الجمهور، ويليه قول
قتادة، ويليه قول ابن جرير( )0

وكلمة “الوفاة” كما تطلق على الموت تطلق على النوم أيضاً، لأن معناها فى اللغة من استيفاء الحق وافياً أى كاملاً لا نقص فيه0 ولذا قال
صاحب القاموس : “أوفى فلاناً حقه : أعطاه وافياً، كوفاه ووافاه فاستوفاه وتوفاه”( )0

وقد جاءت فى القرآن الكريم بمعنى النوم فى قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ( ) كما جاءت
على المعنيين فى قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى
أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( )0

فالمراد بالوفاة فى الآية الواردة فى حق سيدنا عيسى – عليه السلام – النوم وليس الموت قال ابن كثير – رحمه الله – : “فأخبر
تعالى أنه رفعه – أى عيسى عليه السلام – بعدما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا
به إلى بعض الملوك الكفرة فى ذلك الزمان”( )0

وقال تعالى : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا( )0
قال الدكتور محمد هراس : “فالآية صريحة فى أنه رفعه حياً؛ لأنه ذكر الرفع وأثبته مكان الذى نفاه من القتل والصلب0 ولو كان
عيسى – عليه السلام – قد مات فى الأرض ودفن، وأن المراد بالرفع رفع روحه أو منزلته كما يزعم المنكرون لما حسن ذكر الرفع فى مقابل
نفى القتل والصلب، لأن الذى يناسب نفى القتل والصلب عنه هو رفعه حياً لا موته، وإلاَّ لقال وما قتلوه وما صلبوه بل الله هو الذى قتله0

وكيف يتوهم متوهم أن المراد بقوله تعالى : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ( ) هو رفع روحه، وهو إنما ذكر لإبطال ما زعموه من قتله وصلبه،ورفع
الروح، لا يبطل القتل والصلب بل يجامعهما، فإنهم لو قتلوه فرضاً لرفعت روحه إلى الله، على أن فى إخباره  بأنه رفعه إليه، ما يشعر
باختصاصه بذلك، والذى يمكن أن يختص به عيسى هو رفعه حياً بجسده وروحه؛ لأن أرواح جميع الأنبياء، بل المؤمنين ترفع إلى الله بعد
الموت لا فرق بين عيسى وغيره فلا تظهر فيه الخصوصية( )0
وحياته -عليه السلام- ليست كحياة من على الأرض يحتاج إلى الطعام والشراب ويخضع للسنن والنواميس الكونية، كسائر الأحياء، وإنما
حياته حياة خاصة عند الله  لا يشعر بالضرورات الجسدية من طعام أو شراب أو نحوهما( )0

وقد جاءت آيات أيضاً تدل على نزوله إلى الأرض فى آخر الزمان من ذلك :
أ‌- قوله تعالى : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ( ) نقل الشيخ الهراس عن ابن جرير : أن عيسى – عليه السلام –
كلم الناس فى المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل( )0 ثم قال : “وهذا الذى نقلناه عن ابن جرير هو قول عامة أهل التفسير كلهم
يفسرون الآية به ويجعلونها دليلاً على نزول عيسى – عليه السلام – وهذا هو الحق الذى لا مرية فيه، فإن قوله سبحانه “وكهلاً” معطوف
على متعلق الظرف قبله، داخل معه فى حكمه، والتقدير : ويكلم الناس طفلاً فى المهد ويكلمهم كهلاً، فإذا كان كلامه فى حال الطفولة عقب
الولادة مباشرة آية فلابد أن المعطوف عليه وهو كلامه فى حال الكهولة كذلك، وإلا لم يحتج إلى التنصيص عليه؛ لأن الكلام من الكهل أمر
مألوف معتاد؛ فلا يحسن الإخبار به لا سيما فى مقام البشارة بل لابد أن يكون المراد بهذا الخبر أن كلامه كهلاً سيكون آية ككلامه طفلاً بمعنى
أنه سيرفع إلى السماء قبل أن يكتهل، ثم ينزل فيبقى فى الأرض إلى أن يكتهل، ويكلم الناس كهلاً0

وقد ذهب جمهور المحدثين والمؤرخين إلى أنه عليه السلام رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وأنه سيمكث فى الأرض إذا نزل أربعين سنة كما
جاء فى الحديث الصحيح( )0 عن أبى هريرة  أن النبى  قال : “ليس بينى وبينه نبىُّ يعنى –عيسى عليه السلام- وإنه نازل، فإذا رأيتموه
فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب،
ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله فى زمانه الملل كلها، إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث فى الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى،
فيصلى عليه المسلمون”( )0

ب‌- قال تعالى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ( ) الصحيح أن الضمير فى قوله : “إنه” يعود على
عيسى – عليه السلام – أى أن خروجه من أعلام الساعة وأماراتها لأنه ينزل قبيل قيامها( )0

والذى يدل على ذلك أن سياق الآيات فى ذكره، وصرف الكلام عما هو فى سياقه إلى غيره بغير حجة غير جائز، ويؤيد هذا المعنى القراءة
الأخرى “وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ” أى أمارة ودليل على وقوع الساعة( )0

ج- قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا( )0 قوله “قَبْلَ مَوْتِهِ” ذكر العلماء فيها وجهين
فى عود الضمير :
الأول : قبل موت عيسى – عليه السلام – وهو قول أبى هريرة ( )0
الثانى : قبل موت الكتابى0 قال ابن جرير : “وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال : تأويل ذلك : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى
قبل موت عيسى( )0 وهو قول ابن كثير قال : “ولا أشك أن هذا الذى قاله ابن جرير هو الصحيح”( )0

قال الأستاذ عبد الله الغمارى : “إن احتمال عود الضمير فى “موته” على الكتابى ضعيف، واحتمال عوده فى “به” على غير عيسى باطل،
والاحتمالات الضعيفة والباطلة لا تنهض للحجية، ولا تقوى للاستمساك، فتكون الآية الكريمة نصاً فى حياة عيسى ونزوله بمعونة ما ذكر0
واللفظ يكون نصاً بنفسه تارةً، وبما ينضم إليه من القرائن تارة أخرى، وليس كل احتمال فى اللفظ يؤثر فى ناصيته، كما يتوهم
كثير ممن لم يحكموا قواعد علم الأصول”( )0
أما ما زعموه من أن الأحاديث فى نزول المسيح – عليه السلام – لم تبلغ درجة التواتر حتى يؤخذ منها عقيدة بنزوله، بل هى
أحاديث آحاد مضطربة فى متونها … إلخ0

فقد سبق ذكر من نص من علماء الحديث على تواترها تواتراً معنوياً0 ويكفى تخريجها فى الصحيحين اللذين تلقتهما الأمة
بالقبول، وأجمعت على إفادة أحاديثهما العلم اليقينى0 وحتى لو كانت آحاداً لوجب علينا التسليم لها والإيمان بمضمونها متى ثبتت صحتها عن
رسول الله 0 وإن دلت على عقيدة خلافاً لمن أبى ذلك0
وأما زعم الأستاذ رشيد رضا وفضيلة الشيخ شلتوت “بأنها أحاديث مضطربة فى متونها منكرة فى معانيها0
أجاب عن ذلك الأستاذ عبد الله الغمارى فى رده على الشيخ شلتوت – رحمه الله – فقال : “وهذا غير صحيح فإن تلك الأحاديث أو الروايات –
على حد تعبيره – كلها متفقة على الإخبار بنزول عيسى وأنه يقتل الدجال والخنزير، ويكسر الصليب … إلخ ما جاء فيها، غاية ما فى الأمر أن
بعضاً منها يفصل، وآخر يجمل، وبعضاً يوجز، وآخر يطنب، وهذا كما يفعل القرآن العظيم إذ يورد القصة الواحدة فى سور متعددة بأساليب
مختلفة، يزيد بعضها على بعض بحيث لا يمكن جمع أطراف القصة إلا بقراءة السور التى ذكرت فيها0

فلعل صاحب الفتوى ظن مثل هذا التخالف الذى يقوى شأن الحديث، ويدل على تعدد مخارجه، تعارضاً فأخطأ، وأضعف خطأه حيث ادعى أنه لا
مجال معه للجمع بينها0
وذلك أنه على فرض وجود تعارض فالجمع ممكن لو أمعن فكره، وأمضى نظره، وأخلص فى بحثه، لكنه أرسل قوله بتعذر الجمع دعوى تتعثر
فى أذيال الخجل”( )0

والزعم بأنها ليست محكمة الدلالة، ولذا أولها العلماء قديماً0
زعم لا أساس له من الصحة0 ودعوى باطلة ليس لها ما يسندها، كيف وقد نصت الأحاديث صراحة على نزوله -عليه السلام-، ولم يأت ما
يعارض ذلك تصريحاً أو تلميحاً، وأجمعت الأمة على ما دلت عليه وتأويل من أولها إنما هو تحريف وتبديل، ورد للنصوص الثابتة الصريحة، ولا
حجة فى قوله0

يقول الشيخ أحمد محمد شاكر : “وقد لعب المجددون، أو المجردون فى عصرنا الذى نحيا فيه، بهذه الأحاديث الدالة صراحة على نزول عيسى
بن مريم – عليه السلام – فى آخر الزمان، قبل انقضاء الحياة الدنيا بالتأويل المنطوى على الإنكار تارة، وبالإنكار الصريح أخرى، ذلك أنهم –
فى حقيقة أمرهم – لا يؤمنون بالغيب أو لا يكادون يؤمنون0 وهى أحاديث متواترة المعنى فى مجموعها، يعلم مضمون ما فيها من الدين
بالضرورة، فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل( ) أ0هـ0

4- لا شك أن النصوص من القرآن والسنة دلت على رفعه إلى السماء، وأنه حى بروحه وجسده، وأنه سينزل فى آخر الزمان،
وانعقد الإجماع على ذلك فوجب على كل مسلم أن يؤمن بما دلت عليه تلك النصوص، وأن يجمع قلبه على اعتقاد ما جاء فيها، ومن المعلوم
أن إنكار ما ثبت من الدين بالضرورة يعد كفراً0

قال الشيخ الشنقيطى – رحمه الله – : “يجب شرعاً اعتقاد أن عيسى -عليه الصلاة والسلام- لا زال حياً إلى الآن وأنه لابد أن ينزل فى آخر
الزمان حاكماً بشرع نبينا – عليه الصلاة والسلام – ومجاهداً فى سبيل الله تعالى، كما تواتر عن الصادق المصدوق، وإنما وجب اعتقاد ذلك لأن
الله تعالى أخبر فى كتابه العزيز : وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ( )0 وقد وردت الأحاديث المتواترة كما سبق … ولم يصح حديث
بموته، تمكن معارضته لما صح بالتواتر من نزوله فى آخر الزمان، وإذا أخبر القرآن أنه رفع، ولم يقتل، وبين النبى  لنا أنه سينزل فى آخر
الزمان، وفصل لنا أحواله بعد نزوله تفصيلاً رافعاً لكل احتمال، وجب اعتقاد ذلك على كل مسلم، ومن شك فيه فيكون كافراً بإجماع الأمة؛ لأنه
مما علم من الدين ضرورة بلا نزاع، وكل إيراد عليه من الملاحدة، والجهلة، باطل لا ينبغى لكل من اتصف بالعلم أن يلتفت إليه( )0

أما ما زعمه بعض المعتزلة، والجهمية ومن قال بقولهم من أن نزول المسيح –عليه السلام – يتناقض مع ختم النبوة0
فنقول : فى الحديث ما ينقض تلك الدعوى وهو قوله  : “حكماً مقسطاً” ولم يقل “نبياً مقسطاً” فعيسى – عليه السلام – ينزل حاكماً بهذه
الشريعة لا ينزل نبياً برسالة مستقلة، وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة”( )0

ويؤيد ذلك ما جاء فى صحيح الإمام مسلم من صلاته خلف رجل من هذه الأمة0 عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله  يقول : “لا تزال
طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة0 قال، فينزل عيسى بن مريم  فيقول أميرهم : تعال صل لنا فيقول0 لا0 إن
بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة”( )0
قال الحافظ ابن حجر : “قال ابن الجوزى، لو تقدم عيسى إماماً لوقع فى النفس إشكال، ولقيل : أتراه تقدم نائباً أو مبتدئاً شرعاً،
فصلى مأموماً لئلا يتدنس بغبار الشبهة فى قوله : “لا نبى بعدى”( ) أ0هـ0

قال الأستاذ عبد الله الغمارى:”وبعد : فإنى أرى أن كل من يمارى فى هذا الأمر بعد هذا البيان، فإنه مبتدع ضال، إن لم يكن
كافراً،والعياذ بالله،فالواجب أن يهجر ويجتنب، وليست المسألة مسألة خلاف يعذر فيها المخالف، بل هى مسألة إجماع، أجمعت عليه الأمة،
وتواترت به النصوص، كما أنها من جنس الأخبار التى لا مجال فيها للرأى والاجتهاد”( ) أ0هـ0

ونختم هنا بما رواه الإمام أحمد فى مسنده بسند صحيح، عن أبى هريرة ؛ أن رسول الله  : قال : “إنى لأرجو إن طال بى عمر
أن ألقى عيسى بن مريم ، فإن عجل بى موت، فمن لقيه منكم؛ فليقرئه منّى السلام”( )0

يقول فضيلة الدكتور سعيد صوابى : “وفى هذا إشارة إلى تمام الثقة بحدوث الأمر، وكمال التحقيق بنزول عيسى بن مريم فى هذه
الأمة حكماً عدلاً بدين الإسلام ومبطلاً لسائر ما سواه من الأديان( )0

ويقول أبو هريرة :”أى بنى أخى إن رأيتموه فقولوا:أبو هريرة يقرئك السلام( )0
وفى هذا أعظم دليل على تجاوب الأمة مع نبيها فى إيمانها بنزول عيسى ابن مريم -عليه السلام-0
ونحن نوصى من يأتون بعدنا إن أدركوا عيسى بن مريم أن يقرئوه منا السلام”( )0
والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

الفصـــــل الخامــــس

حديـــــــــث “عـــــــــذاب القبــــــــر ونعيمــــــه”

وتحته مبحثان :
المبحث الأول : شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية “الأخروية” من أحوال البرزخ، وأحوال يـوم القيامـة، والـرد عليهـا0
المبحث الثانى : شبهات المنكرين لعذاب القبر ونعيمه والرد عليها0

المبحـث الأول
شبهـة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبيـة “الأخروية”
من أحوال البرزخ وأحوال يوم القيامة والرد عليها

أحاديث الأمور الغيبية السمعية (الأخروية) من عذاب القبر ونعيمه، والحوض والميزان، والصراط … إلخ، طعن فيها المبتدعة من
الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة وتأولوها على حسب أصولهم0

وتغالى أذيال المبتدعة من دعاة اللادينية فى عصرنا الذى نحيا فيه0 وزادوا على أسلافهم بالطعن فى الأحاديث التى تتحدث عن الحشر، والنشر،
والنفخ فى الصور، وأوصاف نعيم الجنة، وأوصاف عذاب جهنم، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التى تتحدث عن أحوال يوم القيامة0 وقد
سبق قول جمال البنا فى ذلك، ومن قال بقوله( )0 كما سبق الرد على شبهتهم فى ذلك، وهى أن النبى  لا يعلم الغيب”( )0

ونزيد هنا فى الإجابة على شبهة الطاعنين فى أحاديث السمعيات :
أنه لا حجة للمبتدعة قديماً وحديثاً فى إنكارهم للأمور السمعية؛ سوى عبادتهم لهوى عقولهم، وقياسهم عالم ما وراء الطبيعة على العالم
المحسوس0

يقول الإمام الشاطبى فى كتابه الاعتصام باب بيان معنى الصراط المستقيم، الذى انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان قال
: “لأنهم قوم استعملوا قياسهم وآراءهم فى رد الأحاديث مع تواترها، فقالوا : لا يجوز أن يرى الله فى الآخرة لأنه تعالى يقول : لَا تُدْرِكُهُ
الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ( )0

فردوا قوله  : “إنكم ترون ربكم يوم القيامة”( )0 وتأولوا قول الله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( ) وقالوا :
لا يجوز أن يسأل الميت فى قبره لقول الله تعالى : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ( ) فردوا الأحاديث المتواترة فى عذاب القبر وفتنته( )، وردوا
الأحاديث فى الشفاعة على تواترها( )، وقالوا : لن يخرج من النار من أدخل فيها، وقالوا : لا نعرف حوضاً( ) ولا ميزاناً( )، ولا نعقل ما هذا،
وردوا السنن فى ذلك كله برأيهم، وقياسهم، مع تواتر الأحاديث فى ذلك – إلى أشياء يطول ذكرها من كلامهم فى صفة البارى”( ) وسبق تفصيل
ذلك والرد عليه( )0

والحقيقة : أن تحكيم الرأى أمر يسير لا عناء فيه ولا ينبغى لأهل الابتداع والإلحاد قديماً وحديثاً أن يفخروا، وإنما الفخر بإتباع
الوحى وإن خفيت علينا حكمته، ولم نستطع إدراك حقيقته لا سيما فى الغيبيات؛ لأن العقل يقف عاجزاً عن إدراك عالم ما وراء الطبيعة0
وتحكيم العقل فى هذا العالم تجاوز لحدود العقل،وسفه من صاحبه،وتطاول على خالقه–والعياذ بالله–

ونقتصر هنا فى الرد إجمالاً( ) على من يحكمون عقولهم فى أحاديث أحوال يوم القيامة بكلمة جامعة للإمام ابن خلدون فى تقويم البحث فى
المغيبات وتسفيه العقل فى ذلك0 قال : “ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها والوقوف على تفصيل
الوجود كله وسفه رأيه فى ذلك، واعلم أن الوجود عند كل مدرك فى بادئ رأيه منحصر فى مداركه ولا يعدوها، والأمر فى نفسه بخلاف ذلك
والحق من ورائه، ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده فى المحسوسات الأربع والمعقولات ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات،
وكذلك الأعمى أيضاً يسقط عنده صنف المرئيات، ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة لما أقروا به، لكنهم
يتبعون الكافة فى إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم، ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكراً للمعقولات وساقطة
لديه بالكلية، فإذا علمت هذا فلعل هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا، لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس، والحصر
مجهول، والوجود أوسع نطاقاً من ذلك والله من ورائهم محيط، فاتهم إدراكك ومدركاتك فى الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك
وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك0

وليس بقادح فى العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية، لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن أمور التوحيد، والآخرة،
وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع فى محال0

ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذى يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك على أن الميزان فى أحكامه غير
صادق، لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يمكن له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه، وتفطن فى هذا
الغلط، ومن يقدم العقل على السمع فى أمثال هذه القضايا؛ فمن قصور فهمه، واضمحلال رأيه، وقد تبين لك الحق من ذلك”( )0
وعلى هذا سلم أهل السنة بما جاء فى الأمور الغيبية، ولم يحكموا عقولهم0

قال الإمام الأشعرى فى الإبانة : “نؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير، وبالحوض، وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن
الله  يوقف العباد فى الموقف، ويحاسب المؤمنين، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله  التى
رواه الثقات عدل عن عدل حتى تنتهى إلى رسول الله ( )0

المبحـث الثانـى
شبهات المنكرين لعذاب القبر ونعيمه والرد عليها

أحاديث عذاب القبر ونعيمه لمن كان أهلاً لذلك، وسؤال الملكين، نص جماعة من العلماء على تواترها تواتراً معنوياً منهم الحافظ
السيوطى( )، والكتانى( )، وابن قيم الجوزية( )، وابن أبى العز( ) وغيرهم( )0 وسوف نورد طرفاً من هذه الأحاديث عند الحديث عن كشف
شبهات المعتزلة، ومن قال بقولهم من أهل الكلام والرافضة قديماً وحديثاً0

ويمكن أن نعرض شبهات المعتزلة حول عذاب القبر فيما يأتى :
لقد زعم المعتزلة أن الأخبار الدالة على عذاب القبر مجملة :
ولذلك انقسموا حوله إلى ثلاث فرق :
1- أنكره ضرار بن عمرو( )، والخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة، والرافضة( )0
2- قطع به بعضهم فى الجملة( )0
3- جــوزه آخـــرون( )0
وبالقول الأول قال دعاة اللادينية فى عصرنا( )0
وتدور شبه المنكرين لعذاب القبر وما فيه من سؤال، وضمة، وعذاب، بأنه معارض للقرآن، وللسنة، وللعقل0

أما القرآن ففى قوله تعالى : قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ( ) قالوا فلو كان يحيا فى قبره
للزم أن يحيا ثلاث مرات، ويموت ثلاثاً، وهو خلاف النص( )0

أما السنة فقالوا : الأخبار فيها متعارضة، وقد ردت عائشة -رضى الله عنها- حديث ابن عمر مرفوعاً (إن الميت يعذب فى قبره ببكاء أهله
عليه) فقالت :وَهِلَ إنما قال رسول الله  : “إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن” وذاك مثل قوله : إن رسول الله  قام
على القليب يوم بدر0 وبه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال : “إنهم ليسمعون ما أقول” وقد وَهِلَ0 إنما قال : “إنهم ليعلمون أن ما كنت
أقول لهم حق” ثم قرأت قوله تعالى : إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ( ) وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( )0
يقول : حين تبوءوا مقاعدهم من النار، وفى رواية قالت (رضى الله عنها) يغفر الله لأبى عبد الرحمن0 أما إنه لم يكذب ولكنه نسى أو
أخطأ، إنما مر رسول الله  على يهودية يبكى عليها0 فقال : “إنهم ليبكون عليها0 وإنها لتعذب فى قبرها”( )0

قالوا فدل ذلك على أن الموتى لا يسمعون، وما يروى من سماعهم خفق النعال لا يصح أيضاً0 وأن عذاب القبر خاص بالكفار من
اليهود0 وقوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ( )0
قالوا : هذه فى آل فرعون خاصة، فلا يقاس عليهم غيرهم0
وما صح من أحاديث فى عذاب القبر؛ فهو آحاد يفيد الظن، لا يحتج به هنا فى باب العقائد( )0 وهو يصح لبعض الناس دون بعض ممن
فقدت أجسادهم، أو تعذر وصول الحياة إليها( )0

أما دليلهم العقلى فقالوا : لو كان لعذاب القبر أصل؛ لكان يجب فى النباش أن يرى العقوبة أو المثوبة للمعاقب والمثاب، فكان
يشاهد عليه أثر الضرب وغيره، وفى علمنا العقلى بخلافه، دليل على أن ذلك مما لا أصل له، ولا مدخل للسمع فيه( )0

ويجاب على هذه الشبه بما يلى :
إن زعمهم أن الأخبار مجملة فى إثبات عذاب القبر، ثم انقسامهم حوله إلى ما ذكرنا، يتبين منه : أن المعتزلة، وإن زعم بعضهم بأنه يقطع
بوقوعه لدلالة الأخبار عليه، إلا إنهم لم يسلموا للنصوص فى ذلك تسليماً كاملاً، ولم يسلم هذا الأمر من إقحام عقولهم فى جزئيات منه0
نعم : إن من أثبته منهم أثبته فى الجملة، ولكنهم خاضوا فى ثبوته لعصاة المؤمنين، وفى كيفيته، ووقته مما دفعهم إلى رد بعض النصوص،
وتأويل بعضها( )0

فما زعموه من تعارض عذاب القبر ونعيمه بقوله تعالى : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ( ) فلا حياة ثالثة0
فالجواب : أنه لا تعارض، إنما التعارض نشأ من عدم إدراكهم المراد بالحياة فى القبر فهى ليست الحياة المستقرة المعهودة فى الدنيا، التى تقوم
فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هى مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذى وردت به الأحاديث الصحيحة،
فهى إعادة عارضة، كما حى خلق، لكثير من الأنبياء، لمسألتهم لهم عن أشياء، ثم عادوا موتى( )0
فحياة القبور، وما فيها من نعيم أو عذاب؛ تختلف عن حياة الدنيا، وحياة الآخرة؛ فهى حياة برزخية لا طاقة للعقل فى إدراكها، ولا
يمكنه أن يصل إلى كيفيتها، وإنما يتوقف الإيمان بهذه الحياة على النصوص الواردة قال تعالى:وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ( )

أما دعواهم تعارض الأحاديث : فيجاب عن ذلك بأنه لا تعارض مع إمكان الجمع وهو ممكن0 وما ورد من رد أم المؤمنين
عائشة –رضى الله عنها– لخبر ابن عمر  فى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه0 فلا حجة لهم فيه على نفى عذاب القبر لأن عائشة –رضى الله
عنها– إنما أنكرت عذاب الميت بما لم تكسبه يداه، يدل على ذلك احتجاجها بقوله تعالى : أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى( ) ومع ذلك فإنكارها ذلك
وحكمها على الراوى بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً بعيد؛ لأن الرواة لما أنكرته من رواية عمر وابنه – رضى
الله عنهما – رواه من الصحابة كثيرون وهم جازمون0 فلا وجه للنفى منها مع إمكان حمله على محمل صحيح( )0

والمحامل كثيرة جمع بينها الحافظ ابن حجر فقال : “من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنعه، ومن
كان ظالماً فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضياً بذلك التحق بالأول،
وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ، كيف أهمل النهى، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله من المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك، كان
تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم0

وحكى الكرمانى تفصيلاً آخر، وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ، وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى:أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى( ) على
يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزج0 ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع فى الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ
الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً( )0 فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال فى البرزخ
بخلاف يوم القيامة والله أعلم( ) أ0هـ0

أما ردها – رضى الله عنها – لخبر ابن عمر – رضى الله عنهما – فى سماع الموتى لكلام النبى  ومعارضتها ذلك بقوله تعالى
: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى( ) ونحوها من الآيات فالجمهور فى ذلك على خلافها فيما اجتهدت فيه، وقبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواة غيره
عليه0
وأما استدلالها بقوله تعالى : إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى فقالوا معناها لا تسمعهم سماعاً ينفعهم، أو لا تسمعهم إلا أن يشاء الله … والآية كقوله
تعالى : أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ( ) أى أن الله هو الذى يسمع ويهدى( )0

وصحت الأحاديث بسماع الموتى حتى قرع النعال خلافاً لمن رد ذلك من المعتزلة عن أنس بن مالك  قال : قال رسول الله  : ”
إن العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابُه، وإنه ليسمع قرعَ نعالهم …” الحديث( )0

وعن ابن عمر –رضى الله عنهما– قال : “اطلع النبى  على أهل القليب فقال : وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقيل له : تدعوا أمواتاً؟
فقال : ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون”( )0 ولا دليل على خصوصية ذلك بأهل بدر، كما يزعم بعض المعتزلة( )0
قال القاضى عياض – رحمه الله – : “يحتمل سماعهم، على ما يحتمل عليه سماع الموتى، فى أحاديث عذاب القبر، وفتنته، التى
لا مدفع لها0 وذلك بإحيائهم أو إحياء جزء منهم يعقلون به ويسمعون فىالوقت الذى يريد الله تعالى”0

وقال الإمام النووى – رحمه الله – بعد نقله لكلام القاضى عياض السابق : “وهو الظاهر المختار الذى تقتضيه أحاديث السلام على القبور”( )0

أما ما زعموه من تعارض الأحاديث المثبتة لعذاب القبر والنافية له0
فيجاب عن ذلك بأنه لا تعارض0
ففى الأحاديث التى زعموا أنها تنفى عذاب القبر فى عجزها ما يثبته، وهو ما تعمدوا بتره، فلا تعارض بين أول الحديث وآخره كما جاء فى
رواية مسلم عن عائشة –رضى الله عنهما– قالت : دخل علىَّ رسول الله  وعندى امرأة من اليهود0 وهى تقول هل شعرت أنكم تفتنون فى
القبور؟ قالت : فَارْتَاعَ رسول الله  وقال : “إنما تُفتنُ يهودُ” قالت عائشة : فلبثنا ليالى0 ثم قال رسول الله  : “هل شعرت أنه أوحى إلى أنكم
تفتنون فى القبور؟” قالت عائشة : فسمعت رسول الله ، بَعْدُ، يستعيذُ من عذاب القبر”( )0

قال الحافظ ابن حجر:وحاصل الحديث أنه  لم يكن أوحى إليه أن المؤمنين يفتنون فى القبور فقال:”إنما يفتن يهود” فجرى على ما كان عنده من
علم ذلك،ثم لما علم بأن ذلك يقع لغير اليهود استعاذ منه، وعلمه، وأمر بإيقاعه فى الصلاة، ليكون أنجح فى الإجابة”( )0

وفى رواية أخرى عنها –رضى الله عنها– قالت:دخلت عَلَىَّ عَجُوزانِ من عُجُز يهود المدينة0 فقالتا : إن أهل القبور يعذبون فى قبورهم0 قالت
: فكذبتُهُما0 ولم أنعم أن أَصَدِّقَهُمَا0 فَخَرَجَتَا0 ودخل علىَّ رسول الله ، فقلت له : يا رسول الله! إن عَجُوَزَيْنِ من عُجُزِ يهود المدينة دخلتا على
فزعمتا أنَّ أهل القبور يُعذبون فى قبورهم0 فقال : “صدقتا0 إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم” قالت:فما رأيته، بعد، فى صلاة، إلا يتعوذ من
عذاب القبر”( ) 0

قال الحافظ ابن حجر : “وبين هاتين الروايتين مخالفة، لأن فى هذه أنه ، أنكر على اليهودية، وفى الأول أنه أقرها0
قال النووى تبعاً للطحاوى وغيره : هما قصتان، فأنكر النبى ، قول اليهودية فى القصة الأولى، ثم أعلم النبى  بذلك، ولم يعلم عائشة، فجاءت
اليهودية مرة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبى  بأن الوحى نزل بإثباته، ويدل على ذلك صراحة،
ما رواه أحمد فى مسنده بإسناد على شرط البخارى عن عائشة –رضى الله عنها- : “أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئاً من
المعروف إلا قالت لها اليهودية : وقاك الله عذاب القبر قالت : فقلت : يا رسول الله هل للقبر عذاب؟ قال : كذبت يهود، لا عذاب دون يوم
القيامة0 ثم مكث بعد ذلك ما شاء أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو ينادى بأعلى صوته : “أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب
القبر؛ فإن عذاب القبر حق”( )0

وفى هذا كله أنه ، إنما علم بحكم عذاب القبر، إذ هو بالمدينة فى آخر الأمر، وهذا لا يستشكل مع ما نزل بمكة من قوله تعالى
: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ( ) وقوله تعالى : النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ( )0 لأن الآيتين بظاهر منطوقهما فى حق الكفار0

والذى أنكره النبى ، إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين، ثم اعلم ، أن ذلك قد يقع على من يشاء منهم، فجزم به، وحذر منه، وبالغ
فى الاستعاذة منه تعليماً لأمته وإرشاداً، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى( ) أ0هـ0

أما دعوى القاضى عبد الجبار ومن قال بقوله : إن قوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا
ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ( ) فى آل فرعون خاصة( )0

فيجاب علىذلك:بأن دعوى الخصوصية ممتنعة،ولا دليل عليها،ومما يؤيد ذلك ما يلى:
أولاً: لقد احتج أهل العلم بهذه الآية على عذاب القبر، وما زالوا يستشهدون بها على إثباته( )، حتى قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – : “وهذه
الآية أصل كبير فى استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ فى القبور”( )0
ثانياً : لقد فهم الصحابة والتابعون  عدم الخصوصية فى الآية، ولذلك جعلوها مستنداً لهم فى إثبات عذاب القبر( )0
ثالثاً : روى البخارى بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله ، قال : “إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى، إن كان من أهل الجنة؛
فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار؛ فمن أهل النار يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة”( ) وهذا فى معنى الآية( )0

أما زعمهم بأن أحاديث عذاب القبر آحاد لا يحتج بها هنا فى العقائد، فقد سبق أن جماعة من الأئمة نصوا على أن الأحاديث
الواردة فى عذاب القبر، وسؤاله، ونعيمه، متواترة بمجموعها تواتراً معنوياً، وإن لم يبلغ آحادها حد التواتر0
وحتى لو كانت أحاداً لوجب علينا التسليم لها، والإيمان بمضمونها، متى ثبتت صحتها عن رسول الله ، وإن دلت على عقيدة خلافاً لمن أبى
ذلك0
فخبر الآحاد حجة فى العقائد كما سبق تفصيله فى غير موضع من البحث( )0

وأما دليلهم العقلى فيجاب عنه بالآتى :
أولاً : هذا إقحام منهم للعقل فى أمر لا طاقة له به، ولا مدخل له فيه؛ لأن عذاب القبر ونعيمه أمر غيبى لا عهد للعقول به فى هذه الدار، ولا
يمكنها أن تصل إلى كيفيته، وإنما يتوقف الإيمان فيه على النصوص الواردة، وإن كان العقل لا يمنع وقوعه، والشرع لا يأتى بما تحيله
العقول، ولكنه يأتى بما تحار فيه العقول( )0
ثانياً : إن الحياة التى يحياها الميت فى قبره والتى دل عليها حديث النبى ، فى قوله : “فتعاد روحه إلى جسده”( ) حياة أخرى غير هذه الحياة
المعهودة فى الدنيا التى تقوم فيها الروح بالبدن، وتصرفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، وهذا أمر لا يكذبه العقل ولا ينفيه( )0
يقول ابن قيم الجوزية – رحمه الله – “إن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام:
أحدها : تعلقهـا بـه فـى بطـن الأم جنينـاً0
الثانى : تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض0
الثالث : تعلقها به فى حال النوم فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه0
الرابع : تعلقها به فى البرزخ( )؛ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه، فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها التفات إليه البته0
الخامس : تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه
موتاً، ولا نوماً، ولا فساداً0

وإذا كان النائم روحه فى جسده وهو حى، وحياته غير حياة المستيقظ، فإن النوم شقيق الموت، فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى
جسده، كانت له حال متوسطة بين الحى وبين الميت الذى لم ترد روحه إلى بدنه، كحال النائم المتوسطة بين الحى والميت، فتأمل هذا يزيح عنك
إشكالات كثيرة”( )0

واعلم : أن الرسل “صلوات الله وسلامه عليهم” لا يخبرون بما تحيله العقول وتنافيه، ولكن إخبارهم إما أن يشهد به العقل
والفطرة، وإما أن لا يدركه العقل لعجزه عن الوصول إلى حقيقته وكنهه، ولا يكون الخبر بذلك محالاً فى العقل، وبالتالى كل خبر يظن أن العقل
يحيله فإما أن يكون كذباً أو يكون ذلك العقل فاسداً( )0

وبعـد
فإن عذاب القبر أو نعيمه حق ثابت بظاهر القرآن، وصريح السنة المطهرة وعلى ذلك إجماع أهل السنة( )0
فإن الميت إذا مات يكون فى نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل
بالبدن أحياناً ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى، أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين(
)0

أدلة عـذاب القبـر ونعيمـه :
الذى يلقى نظرة فى القرآن الكريم، والسنة المطهرة يجد أن عذاب من يستحق العذاب، ونعيم من يستحق النعيم يبدأ منذ قدوم
الملائكة لأخذ روحه عند الموت قال تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ
عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ( )0
فقوله تعالى : “وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ” أى بالضرب حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، وهو كقوله : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ
كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ( ) وفى حق أهل النعيم قال تعالى : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ
سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ( ) مع قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ( )0 وغير ذلك من الآيات0
وهذا وإن كان قبل الدفن، فهو من جملة العذاب أو النعيم الواقع قبل يوم القيامة0

وإنما أضيف العذاب أو النعيم إلى القبر لكون معظمة يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالكافر ومن شاء الله تعذيبه من
العصاة يعذب بعد موته، ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق إلا ما شاء الله”( )0
وهذا خلافاً لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وقال بعذاب القبر لمن قبر فقط( )0
كما دلت الأدلة على وقوع النعيم أو العذاب عقب الدفن، وبعد سؤال الملكين، وامتحانهما له0

فقد جاء فى حديث البراء بن عازب فى شأن المؤمن : “فينادى مناد من السماء أن صدق عبدى، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة،
وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من ريحها، وطيبها ويفسح له فى قبره” وقال فى الكافر : “فينادى مناد من السماء أن كذب عبدى فأفرشوه من
النار، وافتحوا له باباً من النار، فيأتيه من حرها، وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه …” الحديث( )0
فهذا نص صريح على وقوع النعيم أو العذاب بعد الدفن0

وفى الحديث عن زيد بن ثابت مرفوعاً : “إن هذه الأمة تبتلى فى قبورها0 فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذى أسمع
…، الحديث( )0
فقد دلت هذه الأحاديث وغيرها فى الصحيح كثير، على وقوع عذاب القبر بعد الدفن0

وهل يدوم ذلك إلى يوم القيامة أم ينقطع؟ الظاهر من النصوص، أن منه ما هو دائم إلى يوم القيامة، وهو عذاب الكفار، كما قال تعالى : النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ( ) وقال تعالى : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ
عَظِيمٍ( )0

قال الحافظ ابن حجر قال الطبرى : “الأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل الجوع أو السبى أو القتل أو الإذلال أو غير ذلك”( )0
وفى حديث أبى هريرة فى شأن المنافقين “فيقال للأرض : التئمى عليه، فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله
من مضجعه ذلك”( )0

ومنه الذى يدوم مدة ثم ينقطع وهو عذاب بعض العصاة، فإنهم يعذبون على قدر جرائمهم، ثم يخفف عنهم( )0

وبالتالى زعم القاضىّ عبد الجبار ومن قال بقوله : إن العذاب يؤخر إلى ما بين النفختين( )؛ زعم لا حقيقة له؛ لأن الأدلة السابقة
تخالفه، والآية التى استدلوا بها دليل عليهم لا لهم، لأن المراد بالبرزخ هو الحاجز الذى بين الدنيا والآخرة، وهى فترة بقاء الناس فى قبورهم(
)0
إن الله  جعل أمر الآخرة وما يتصل بها من حياة البرزخ أمراً غيبياً محجوباً عن المكلفين فى هذه الدار،لكمال حكمته سبحانه
وتعالى،وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم( )0

ولو أطلع الله العباد على عذاب القبر؛ لزالت حكمة التكليف، والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما ثبت فى صحيح مسلم عنه 
أنه قال : “فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذى أسمع منه( )0

ولما كانت هذه الحكمة منفية فى البهائم، سمعت ذلك وأدركته كما سبق فى الحديث( )0 إن الله  حجب بنى آدم، من رؤية كثير
مما يحدث فى هذه الدنيا، فجبريل

-عليه السلام- كان ينزل بالوحى على النبى  ويخاطبه على كثب من الصحابة  وهم لا يرونه، والجن يعيشون بيننا، ويتكلمون فيما بينهم،
ونحن لا نراهم، ولا نسمع كلامهم، والنائم يجد ألماً ولذة فى نومه، ولا يحس بذلك جليسه، بل اليقظان يحس بالألم، ويشعر باللذة ولا يجد ذلك
من يجالسه( )0
والمحتضر يشعر بالألم عند احتضاره،وتضربه الملائكة، والحاضرون لا يرون ذلك0

كذلك عذاب القبر، ونعيمه، يقع على الميت، حتى لو دفن رجلان أحدهما إلى جنب الآخر، وكان أحدهما منعماً، والآخر معذباً، فإن نعيم الأول لا
يصل إلى الثانى، وكذا عذاب الثانى لا يصل إلى الأول0 وقدرة رب العزة أعجب، وأوسع من ذلك( )0 فقياس أحوال الآخرة، وحياة البرزخ بأحوال
الدنيا، قياس للغائب، على الشاهد، وهو محض الضلال، والجهل، وتكذيب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم( ) أ0هـ0

اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات،
ومن فتنة المسيح الدجال، اللهم إنى اسألك حسن الخاتمة

الفصــــــل الـســـــادس
أحاديـــــــــــــــث
“خلــــوة النبــى  بامـــرأة من الأنصار” و “نوم النبى  عند
أم سليم وأم حرام” وحديث “سحر النبى ”

وتحته أربعة مباحث :
المبحث الأول : شبهة مخالفة سيرة النبى  فى السنة المطهرة، عن سيرته فى القرآن الكريم0 والرد عليها0
المبحث الثانى : شبه الطاعنين فى حديث “أنس بن مالك فى خلوة النبى  بامرأة من الأنصار” والرد عليها0
المبحث الثالث : شبه الطاعنين فى حديثى نوم النبى  عند أم سليم وأم حرام والرد عليها0
المبحث الرابع : شبه الطاعنين فى حديث سحر النبى  والرد عليها0

المبحـث الأول
شبهة مخالفة سيرة النبى  فى السنة المطهرة عن سيرته
فى القرآن الكريم والرد عليها

سيرة النبى  بين حقائق القرآن الكريم وروايات الإمام البخارى :
حرص أعداء السنة الشريفة، وهم يطعنون فى صحيح الإمام البخارى، إ يهام الناس أجمعين بأن شخصية النبى ، كما رسمها
القرآن تختلف عن شخصية النبى ، كما رسمها البخارى، وغيره من أصحاب كتب السنة المطهرة، والنتيجة كما يزعمون الإساءة المتعمدة
لشخص النبى ، من الإمام البخارى( ) وحاشاه من ذلك0

وهم قد لبسوا لهذه النتيجة لباس العلماء لإيهام القارئ أنهم على صواب؛ فساروا خلف بعض الأحاديث انتزعوها انتزاعاً من بين
سطور الإمام البخارى، وعمدوا إلى بتر هذه الأحاديث تارة، وإلى إعادة صيغتها بأسلوبهم، وتحميل ألفاظها مالا تحتمل من المعانى تارة ثانية،
وعمدوا إلى الأمرين معاً تارة ثالثة0

ومن هذه الأحاديث التى استدلوا بها على زعمهم فى مخالفة سيرة النبى ، كما رسمها القرآن، عن السيرة التى رسمها الإمام
البخارى فى صحيحه0
أ- أحاديث جاء فيها لفظ (الخلوة) كحديث أنس بن مالك ، أنه ؛ خلا بإمرأة من الأنصار فى بعض طرق المدينة تستفيه فى أمر من أمور
دينها، وحديثه عن أمه أم سليم، وخالته أم حرام –رضى الله عنهما- فى زيارته ، لهما، ونومه عندهما فى وقت القيلولة0
بهذه الروايات التى جاء فيها لفظ الخلوة، حملوها على الخلوة المحرمة، وساقوا روايات هذه الأحاديث بأسلوب يهيج الغرائز عند الشباب، ويطيح
بكل تقدير للنبى ، وللأسلاف والأجداد،مع بُعْدِ سياق هذه الروايات فى صحيح البخارى،عن أسلوب سياقهم لهـا
وَبُعْدهَا أيضاً عن الهدف الذى يرمون إليه من الطعن فى عدالة الإمام البخارى( )، وصحيحه الجامع، وزعمهم برسمه صورة لسيرة النبى ،
مخالفة لصورته فى القرآن الكريم( )0

ب- حديث سحر النبى  وزعمهم بأنه يحط من مقام النبوة، ويطعن فى عصمته ، ويخالف القرآن الكريم، فى قوله تعالى:وَقَالَ
الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا( )0

وسوف نذكر شبه الطاعنين فى الأحاديث السابقة، والرد عليها فى المباحث التالية0 وذلك بعد الجواب عن زعمهم مخالفة سيرة
النبى  فى السنة المطهرة، عن سيرته فى القرآن الكريم0

الجـواب :
أقول كما قال فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى : “البخارى ليس له، ولا لغيره، أن يرسم شخصية النبى ؛ لأن شخصية النبى ،
بكل بساطة ترجع إلى عناصر ومقومات قد وضعها الله فيه، فالأنبياء جميعاً قد اصطنعهم الله  لنفسه، وهو قد صنعهم على عينه، فهو وحده
الذى يستطيع أن يرسم لنا صورة فيما اصطنعه لنفسه، وصنعه على عينه، ثم يحدد لنا بعد رسم شخصيته، مستوى العلاقة التى ستكون بيننا
وبينه 0

هذا كله لله وحده، وليس لأحد أن يتدخل فى شئ منه0 والله  قد حدد لنا شخصية النبى  فى القرآن الكريم وحياً يوحى، وحددها
لنا النبى  عن طريق أقواله وأفعاله، وصفاته، وجلها أمور محكومة بالوحى0
ودور الإمام البخارى، وغيره من أصحاب المصنفات الحديثية، هو تسجيل تلك الأمور كلها وما فيها من وقائع تاريخية0

والتأكد منها سهل ميسور، فنحن بإمكاننا أن نحلل الواقعة التاريخية التى يتحدث عنها البخارى أو غيره، وندرسها دراسة وافية على أساس من
المنهج المنضبط، ثم نحن نستطيع أن ندرس هؤلاء النقلة الذين نقلوا هذه الواقعة فى جيل أو جيلين إلى أن وصلوا إلى البخارى، أو إلى غيرة
من الرواة0

وهذا ما قام به أئمة أعلام من سلفنا الصالح، وأسفرت نتيجة جهودهم فى النقد والتمحيص، إلى صحة الكتاب، سوى أحرف
يسيرة، والقول فيها ما قاله البخارى، وبعض تلك الأحرف لا تصل إلى درجة الوضع، بل ولا حتى إلى درجة الضعف الذى لا يحتمل، وقد سبق
تفصيل ذلك( )0

ومن هنا ينبغى أن نتفق من البداية؛ أنه ليس لأحد أن يرسم من خياله صورة لنبى مرسل، سواء كان هذا النبى هو النبى الخاتم
، أو غيره من الأنبياء( )0

وهنا نأتى للجواب عما استدلوا به من أحاديث تخالف فى زعمهم حقائق القرآن الكريم0 فإلى بيان ذلك0

المبحـث الثانـى
شبهة الطاعنين فى حديث أنس بن مالك فى خلوة النبى 
بامـرأة من الأنصـار والـرد عليهـا

روى الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن أنس  قال : “جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله  ومعها صبى لها، فكلمها
رسول الله  فقال : “والذى نفسى بيده، إنكم أحب الناس إلىَّ مرتين”( )0

بهذه الرواية طعن أعداء السنة فى صحيح الإمام البخارى، وأوهموا القارئ بأن الحديث يطعن فى شخص النبى ، حيث جاء فى
الرواية أنه ، خلا بها، ثم قال “إنكم أحب الناس إلىَّ”0

يقول أحمد صبحى منصور : “والرواية تريد للقارئ أن يتخيل ما حدث فى تلك الخلوة التى انتهت بكلمات الحب تلك، وذلك ما يريده البخارى
بالطبع”( )0

والجـواب :
نقول لهؤلاء النابتة الضالة التى تريد الطعن والتشكيك فى صحيح الإمام البخارى لتسقط مكانته كأصح كتاب بعد كتاب الله ،
ولتسقط بسقوطه كل كتب السُّنة التى تليه، إذ هو بمثابة الرأس، لكتب السنة، وبسقوط الرأس يسقط كل الجسد0
نقول لهم إن كنتم صادقين فى دعواكم تـنزيه الرسول ، مما يشكك فى سيرته العطرة، وأخلاقه العظيمة، وتزعمون أن البخارى بإخراجه لهذه
الرواية فى صحيحه، قد افترى كذباً على الرسول ، وشكك فى أخلاقه ، وحاشا للإمام البخارى من ذلك0 وإن كنتم حقاً أهل علم، وبحث عن
الحقيقة،

فلماذا تعمدتم عدم ذكر اسم عنوان الباب الذى ذكر تحته الإمام البخارى هذا الحديث؟ وهو باب “ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس”0
ولماذا تجاهلتم ما قاله شُرَاح الحديث فى بيانهم للمراد من الخلوة، وكيف كانت تلك الخلوة، ولماذا اختلى بها النبى ؟

نعم تعمدتم عدم ذكر ذلك تلبيساً منكم وتضليلاً للقارئ، ولأنكم تعلمون كما تعلم الدنيا بأسرها، أن فقه الإمام البخارى فى تراجم
أبوابه، وتعلمون أنكم بذكركم عنوان الباب، ينكشف كذبكم وتضليلكم0
كما أنكم تجاهلتم ما قاله شراح الحديث من أئمة المسلمين، والذين تحرصون على وصفهم بأنهم يقدسون البخارى، ويعبدونه من دون الله ”
وحاشاهم من ذلك”0
تجاهلتم ما فسروه وبينوه من معنى “خلوة الرجل بالمرأة عند الناس” وكيف كانت تلك الخلوة؟!

والنتيجة من تجاهلكم كل ذلك أنكم سفهتم عقول أئمة المسلمين، واستخففتم بعقول القارئ لكم0
وتعالوا بنا لنظهر للقارئ ما حرصتم على كتمانه، ولنترك له الحكم بعد ذلك، من الصادق، البخارى أم أنتم؟ ومن الطاعن
والمشكك فى سيرة النبى ، البخارى أم أنتم؟
ومن المحترم لعقل القارئ، البخارى أم أنتم؟

يقول الحافظ “ابن حجر” – رحمه الله – شارحاً المراد من عنوان الباب الذى ذكر الإمام البخارى تحته حديث أنس قال : قوله : ”
باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس” أى لا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان بما يخافت
به، كالشئ الذى تستحى المرأة من ذكره بين الناس، وأخذ المصنف قوله فى الترجمة “عند الناس” من قوله فى بعض طرق الحديث “فخلا بها
فى بعض الطرق أو فى بعض السكك” وهى الطرق المسلوكة التى لا تنفك عن مرور الناس غالباً0
وقوله “فخلا بها رسول الله ” أى فى بعض الطرق، قال المهلب : لم يرد أنس أنه خلا بها، بحيث غاب عن أبصار من كان معه،
وإنما خلا بها، بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله، ولم ينقل ما دار بينهما؛ لأنه
لم يسمعه0

وفى رواية مسلم عن أنس “أن امرأة كان فى عقلها شئ فقالت : يا رسول الله! إن لى إليك حاجة، فقال : يا أم فلان! أى السكك
شئت، حتى أقضى لك حاجتك، فخلا معها فى بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها”( )0

قال الإمام النووى قوله : “خلا معها فى بعض الطرق” أى وقف معها فى طريق مسلوك،ليقضى حاجتها ويفتيها فى الخلوة، ولم
يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان فى ممر الناس،ومشاهدتهم إ ياه وإ ياها،لكن لا يسمعون كلامها،لأن مسألتها مما لا يظهره”( )0
قال الحافظ ابن حجر : وفى هذه الرواية بيان “أن مفاوضة الأجنبية سراً لا يقدح فى الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت
عائشة : “وأيكم يملك أربه كما كان ، يملك أربه”( )0
أما قوله “والذى نفسى بيده”، إنكم أحب الناس إلىَّ –مرتين– وفى رواية ثلاث مرات، هو على طريق الإجمال، أى مجموعكم أحب
إلى من مجموع غيركم”0

وفى هذه الجملة منقبة للأنصار حيث جعل المصطفى ، حبهم من علامات الإيمان وبغضهم من علامات النفاق، فقال  : ”
الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله”( )0
وعن أنس بن مالك  عن النبى ، قال : “أية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار”( )ومن هنا كرر الإمام
البخارى،حديث أنس فى كتاب مناقب الأنصار0

قال الحافظ ابن حجر : “وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل، من إيواء النبى ، ومن معه، والقيام بأمرهم،
ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم فى كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين
من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم
والترغيب فى حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم فى معنى ذلك
مشاركاً لهم فى الفضل المذكور كل بقسطه0 وقد ثبت فى صحيح مسلم عن علىّ أن النبى  ، قال له “لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق”(
)، وهذا جار باطراد فى أعيان الصحابة، لتحقق مشترك الإكرام،لما لهم من حسن العناء فى الدين”( )0

وبعـد
فقد ظهر واضحاً جلياً لكل ذى عقل، وقلب سليم، أن الحديث صحيح رواية ودراية، وأن ما زعمه أهل الزيغ من أن لفظ الخلوة فى الحديث –
محمول على الخلوة المحرمة، مردود عليهم بما جاء فى بعض طرق الحديث “فخلا بها فى بعض الطرق أو بعض السكك، وهى الطرق التى لا
يخلو منها المارة من الناس0

كما اتضح جلياً أن تلك المرأة التى خلى بها النبى ، كانت لها مسألة أرادت أن تستفتى فيها النبى ، وتلك المسألة مما تستحى من ذكره
النساء بحضرة الناس، وكانت إجابة النبى ، لها أن تلتمس بعض الطرق أى تلتمس أى جانب من الأماكن العامة التى لا تخلو من مرور الناس
غالباً حتى يسمع حاجتها، ويقضيها لها، ومن هنا جاء التعبير بلفظ الخلوة، وكل هذا صرحت به رواية الإمام مسلم0

وما ختم به النبى ، حديثه مع المرأة من قوله “والذى نفسى بيده إنكم أحب الناس إلى” هذا منه ، تأكيداً لما قاله مراراً من جعله علامات
الإيمان حب الأنصار، ومن علامات النفاق بغضهم، ثم إن هذه الكلمة قالها النبى ، جهاراً على ملأ من الناس – لنساء وصبيان من الأنصار
كانوا مقبلين من عرس0

ففى رواية البخارى عن أنس بن مالك  قال : “أبصر النبى ، نساءاً وصبياناً مقبلين من عرس فقام ممتـناً فقال “أنتم من أحب
الناس إلى”( )0

فهل بقى بعد كل هذا حجة فى الحديث لمن أرادوا أن يشوشوا به على سيرة النبى ،وهم يوهمون البسطاء أنهم من المحبين للنبى،المدافعين
عنه،فىالوقت الذى يجحدون فيه سنته العطرة، ويطعنون فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، ويسفهون عقول المسلمين القائلين
بقول سلفهم الصالح  ويستخفون بعقول القارئ لهم؟ أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

المبحـث الثالـث
شبهة الطاعنين فى حديثى نوم النبـى  عنـد
أم سليـم، وأم حـرام والـرد عليهـا

أولاً : حديث أم سليم – رضى الله عنها – :
روى البخارى ومسلم – رحمهما الله – عن أنس بن مالك  قال : “إن أم سليم( ) كان تبسط للنبى ، نَطْعاً فَيَقِيلُ عِنْدهَا على ذلك
النطع، قال : فإذا نام ، أخذت من عَرَقِه وشعره فجمعَتْهُ فى قارورة، ثم جمعَتْه فى سُكّ وهو نائم0 قال : فلما حضرَ أنسَ ابن مالك الوفاةُ
أوصى إلىَّ أن يُجعلَ فى حَنوطِه من ذلك السُّكّ، قال فجُعِل فى حَنوطه”( )0

ثانياً : حديث أم حرام –رضى الله عنها- :
روى البخارى ومسلم – رحمهما الله – عن أنس بن مالك  قال : “كان رسول الله  يدخل على أم حرام بنت ملحان( )، فتطعمه،
وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ، فأطعمْتهُ، وجعلت تَفْلِى رَأْسُهُ، فَنَامَ رسول الله ، ثم استيقظ وهو يضحك،
قالت فقلت : وما يضحكك يا رسول الله؟ قال : ناس من أمتى عُرضوا على غُزَاةً فى سبيل الله، يركبون ثَبَجَ هذا البحر مُلُوكاً على الأَسِرَّةِ أو
مِثلَ المُلُوك على الأَسِرَّة، شكَّ –إسحاقُ- قالت فقلتُ : يا رسولَ الله، ادعُ الله أن يجعلنى منهم، فدعا لها رسول الله ، ثم وضع رأسَهُ، ثم
استيقظ وهو يضحك0 فقلتُ : وما يضحكك يا رسول الله؟ قال : ناسٌ من أُمتى عُرضوا على غُزاةً فى سبيل الله –كما قال فى الأول– قالتُ
فقلتُ:يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، قال : أنت من الأولينَ0 فركبتِ البحرَ فى زمن معاويةَ بن أبى سفيان فُصِرعَتْ عن داَّبُتها حين
خرجتْ من البَحِر فهَلَكْت”( )0

بالحديثان السابقان طعن أعداء السنة المطهرة، فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، وزعموا أن الروايات السابقة
يلزم منها أن تكون هناك علاقات خاصة مع النبى ، وهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه0

يقول أحمد صبحى منصور : يريدنا البخارى أن نصدق أن بيوت النبى التى كانت مقصدا للضيوف، كانت لا تكفيه، وأنه كان يترك نساءه بعد
الطواف عليهن ليذهب للقيلولة عند امرأة أخرى، وأثناء نومه كانت تقوم تلك المرأة بجمع عرقه وشعره، وكيف كان يحدث ذلك … يريدنا
البخارى أن نتخيل الإجابة … ونعوذ بالله من هذا الإفك ثم يؤكد البخارى على هذا الزعم الباطل بحديث أم حرام القائل، كان رسول الله يدخل على
أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله فأطعمته، وجعلت تفلى رأسه، فنام رسول الله ثم
استيقظ وهو يضحك، فقالت وما يضحكك يا رسول الله؟ إلخ00 فالنبى على هذه الرواية المزعومة تعود الدخول على هذه المرأة المتزوجة،
وليس فى مضمون الرواية وجود للزوج، أى تشير الرواية إلى أنه كان يدخل عليها فى غيبة زوجها، ويصور البخارى كيف زالت الكلفة
والاحتشام بين النبى وتلك المرأة المزعومة، إذ كان ينام بين يديها وتـفلى له رأسه وبالطبع لابد أن يتخيل القارئ موضع رأس النبى بينما
تفليها له تلك المرأة فى هذه الرواية الخيالية، ثم بعد الأكل والنوم يستيقظ النبى من نومه، وهو يضحك ويدور حديث طويل بينه وبين تلك المرأة
نعرف منه أن زوجها لم يكن موجوداً وإلا شارك فى الحديث0 وصيغة الرواية تضمنت كثيراً من الإيحاءات والإشارات المقصودة، لتجعل القارئ
يتشكك فى أخلاق النبى0 فتقول الرواية “كان رسول الله يدخل على أم حرام فتطعمه…” والبخارى هنا ينزل بالنبى الى درك التشبيه بالحيوانات
الأليفة التى تدخل البيوت، فيعطف عليها حريم البيت ويطعمونها0 ولاحظ اختيار لفظ الدخول على المرأة، ولم يقل كان يزور، ثم يقول عن المرأة
“وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت” فهنا تنبيه على أنها متزوجة، ولكن ليس لزوجها ذكر فى الرواية ليفهم القارئ أنه كان يدخل على تلك
المرأة المتزوجة فى غيبة زوجها، ثم اختيار اسم المرأة “أم حرام” ليتبادر إلى ذهن القارئ أن ما يفعله النبى حرام وليس حلالاً0 ثم يضع الراوى
– بكل وقاحة- أفعالاً ينسبها للنبى –عليه السلام- لا يمكن أن تصدر من أى إنسان على مستوى متوسط من الأخلاق الحميدة، فكيف بالذى
كان على خلق عظيم … عليه الصلاة والسلام، فيفترى الراوى كيف كانت تلك المرأة تطعمه، وتفلى له رأسه، وينام عندها، ثم يستيقظ ضاحكاً
ويتحادثان … نعوذ بالله من الافتراء على رسول الله … ويتركنا البخارى بعد هذه الإيحاءات المكشوفة، نتخيل ما معنى أن يخلو رجل بامرأة
متزوجة فى بيتها، وفى غيبة زوجها، وأنها تطعمه وتفلى له رأسه، أى أن الكلفة قد زالت بينهما تماماً، وأنها تعامله، كما تعامل زوجها … ثم
يقول “وجعلت تفلى له رأسه فنام رسول الله ثم استيقظ …” ولابد أن القارئ سيسأل ببراءة … وأين نام النبى، وكيف نام، وتلك المرأة تفلى له
رأسه، وآلاف الأسئلة تدور حول هدف واحد هو ما قصده البخارى بالضبط( )0

والجـواب :
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى رداً على أحمد صبحى منصور، وعلى من قال بقوله قال : “إن قصة أم سليم، وأم حرام، والتى لم
يتورع أحمد صبحى منصور أن يتخذ منها تكأة للتشويش على شخصية النبى ، وهو يوهم البسطاء أنه من المحبين له المدافعين عنه، وهو لا
يعلم أن التفصيل فى نفى النقص عن الكاملين نقص، خصوصاً إذا دخل فى شئ من التفصيل الممل، أو لعل صاحبنا يعلم هذه الجزئية، ويستغلها
فى تشويه صورة النبى ، والتقليل من هيبته فى نفوس أتباعه، وهذا مطمع قد طمع فيه من هم أكثر من صاحبنا بصراً بالمناهج، ومن هم
أكثر منه حيطة بأساليب البحث والدرس، ومن هم أشد منه قوة وأعز نفراً، فما استطاعوا أن يظهروا به وما استطاعوا أن ينالوا من جدار العز
للنبى  نقباً0

والشئ الذى لم يعرفه هؤلاء، أن الروايات مجمعة تقريباً على أن النبى كان يكثر من التردد، والأكل والشرب، عند أم سليم، وأم حرام0
والباحث الحصيف يسأل هل هناك شئ من العلاقة بين هاتين المرأتين الجليلتين؟

والروايات تجيب أن أم سليم، وأم حرام أختان، يقال لأحدهما الرميضاء، وللأخرى الغميصاء، لا بعينها، فمنهم من يقول : إن
الرميصاء بالراء هى أم حرام، والغميصاء بالغين هى أم سليم، ومنهم من يعكس( )0

والرميصاء، والغميصاء : لفظان يدلان على حالتين فى العين متشابهتين، وهما حالتان خلقيتان ليس بالعين معهما من بأس0

وأم سليم هى أم أنس بن مالك ، وأم حرام خالته، وأنس بن مالك كان فى صباه يخدم النبى عشر سنين وكان النبى يعامله
معاملة تناسب أخلاق النبوة يقول أنس : خدمت النبى عشر سنين، فما قال لى لشئ فعلته لم فعلته، ولا لشئ تركته لما تركته( )0

هؤلاء ثلاثة ليسوا من المجاهيل فى الصحابة والصحابيات، وما الذى جعل علاقة النبى بهم على هذا المستوى من الاهتمام،
وكثرة السؤال عنهم0
إن هذا لا يكون إلا فى حالة واحدة، وهى أن تكون هناك درجة من القرابة تجعل المرأتين من محارم النبى ، سواء أكان ذلك من جهة النسب
كما قال بعض المؤرخين، أو كان من جهة الرضاعة كما قال البعض الآخر( )0
وإلا فهل يمكن عقلاً للنبى ، أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه؟

وهل يمكن عقلاً أو اتفاقاً أن تقوم علاقة غير مشروعة وحاشاه بينه وبين أختين فى وقت واحد؟
وهل يجيز المنطق أو العادة أن يسمح النبى لغير قريبه من الصبيان أن يخدمه فى بيته عشر سنوات كاملات؟
وهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق – زمن النبوة – مثل هذا الموقف دون استغلاله فى الطعن فى النبى ، وفى نبوته؟
أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التى لا تخطئ، والدلالات التى تورث اليقين بأن النبى ، كان قريباً قرابة محرمة لأم سليم، وأختها أم حرام0

وخصوصاً وأن بعض الروايات تقول كان النبى ، يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه( )، ورواية تقول : “نام النبى ، فاستيقظ
وكانت تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت : يا رسول الله أتضحك من رأسى قال لا”( )0

وقد يقول قائل قريبات النبى  معروفات، وليس منهن أم سليم ولا أم حرام0
والجواب أننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات، وخاصة إذا كانت القرابة فى النساء،فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ فى
هذا المجتمع وأهملهن الرواة( )0

قال الإمام النووى – رحمه الله – قوله : “أن النبى  كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وتفلى رأسه، وينام عندها”0
اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له ، واختلفوا فى كيفية ذلك0
فقال ابن عبد البر وغيره : كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون : بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بنى
النجار0
وقوله : “تَفْلِى” بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر اللام أى تفتش ما فى الرأس، وتقتل القمل منه، ولا يعنى وجود ذلك فى رأس النبى 0
وأخذ من ذلك الحديث جواز فلى الرأس، وقتل القمل منه، وجواز ملامسة المحرم فى الرأس وغيره مما ليس بعورة،وجواز الخلوة بالمحرم
والنوم عندها،وهذا كله مجمع عليه( )

يقول فضيلة الدكتور طه حبيشى : “بقى أن يتشدق صاحبنا فيقول : هب أن ذلك صحيح “وهو صحيح قطعاً” فكيف يدخل النبى بيتاً
لمحرمة، وهى أم حرام من غير إذن زوجها عبادة بن الصامت؟

والجواب أن أم حرام كانت قد تزوجت مرتين، تزوجت مرة قبل عبادة بن الصامت وأنجبت، ثم قتل ابنها شهيداً فى إحدى معارك الإسلام، وبقيت
بغير زواج لكبر سنها، ثم شاء الله أن تـتزوج بعبادة بن الصامت، ويبقى معها بعد انتقال النبى ، وقد وقع ذلك فى كلام أنس بن مالك نفسه،
وهو يحدث عن خالته بالحديث الذى هو موضوع كلامنا الآن، ففى بعض روايات الحديث قال : ثم تزوجت بعد ذلك بعبادة بن الصامت0

أما هذه الجملة التى وقع عليها صاحبنا وهى الواردة فى بعض روايات هذا الحديث وهى – كانت تحت عبادة بن الصامت – فقد أجمع العلماء أن
هذه الجملة معترضة، وهى من كلام الراوى يشرح بها حال أم حرام حين ذهبت إلى بلاد الشام، أو إلى جزيرة قبرص، وماتت بها0 قال الحافظ
ابن حجر : والمراد بقوله هنا “وكانت تحت عبادة” الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذى اعتمده النووى، وغيره تبعاً لعياض”( )0

أما ما زعمه أحمد صبحى، وحاول إ يهام القارئ به من أن روايات الحديث فيها أن النبى ، كان يبادل أم حرام كلمات غير
مقبولة، وحاشاه0
فيقول رداً على ذلك فضيلة الدكتور طه حبيشى : “نعم، النبى ، كان عند أم حرام، ونام عندها، واستيقظ يضحك، وسألته أم حرام عن
الأمر الذى يضحك منه، فأخبرها أن أناساً من أمته سيركبون البحر ظهره، ووسطه، ويكونون فيه، وهو أمر فيه أمثال الملوك على الأسرة،
وهذا أمر يسعد النبى ، ويرضيه، لما فيه من المخاطر ما فيه، إن فيه خطر ركوب البحر، وفيه الجهاد وما فى الجهاد من أهوال، وفيه احتمال
الموت والشهادة، وأم حرام تعرف ذلك وتدركه، ثم تطمع فيه وتبتغيه، وتسأل النبى الذى لا ترد دعوته وتقول له:سل الله أن يجعلنى منهم،
والنبى سأل ربه، واستجاب له ربه ، فسألته أم حرام بعد أن نام المرة الثانية فى الوقت نفسه وقام يضحك، مم تضحك يا رسول الله؟ فقال كما
قال فى الأولى : إن أناساً من أمتى سيركبون البحر مثل الملوك على الأسرة، قالت : يا رسول الله أأنا منهم قال، لا، أنت من الأولين0

ومرت الأيام وركبت أم حرام مع زوجها، وعلى ساحل البحر ركبت دابة فسقطت من على دابتها فماتت، وقبرها على رأى البعض
ما يزال ظاهراً، يعرفه الناس فى قبرص باسم قبر المرأة الصالحة0

أى حديث هذا الحديث الذى جرى بين النبى وبين أم حرام، إنه حديث عن المخاطر والأهوال، وهو حديث عن الموت والشهادة، وهو حديث عن
استكمال الذات إلى ساعة الممات، وهو حديث فرح النبى ، بأمته حين ينتشرون بالدين ويحملون لواء الجهاد0 إن مثل هذا الحديث : لهو حديث
الرجولة والكمال، وهو حديث الطمع فى رحمة الله ورضوانه0 فما علاقة مثل هذا الحديث الشاق بأحاديث الرضا ومتابعة هوى النفس0

إن المرء ليسمع الحديث المستقيم،فيدركه على وجهه،إن كان سليم النفس،حسن الطوية
وهو ينحرف به إذا كان إنساناً مريض النفس معوجاً، وهل ينضح البئر إلا بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من
النار ماء؟
وقديماً قالوا : إن كل إناء بما فيه ينضح0
أشهد أن الله  قد قال فى نبيه  : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ( )0
والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم
المبحـث الرابـع
شبه الطاعنين فى حديث سحر النبى 
والــرد عليهــا

روى البخارى ومسلم : عن عائشة -رضى الله عنها- قالت : “سحر رسول الله ، يهودى من يهود بنى زريق يقال له : لَبِيدُ بن
الأَعصَمِ0 قالت : حتى كان رسول الله ، يخيل إليه أنه يفعل الشئ، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله 0 ثم دعا0
ثم دعا0 ثم قال : يا عائشة! أشعرت أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه؟ جاءنى رجلان فقعد إحداهما عند رأسى، والأخر عند رجلى، فقال الذى
عند رأسى، للذى عند رجلى، أو الذى عند رجلى، للذى عند رأسى : ما وجع الرجل؟ قال : مطبوب قال : من طبه؟ قال : لَبِيدُ بن الأَعْصمَ0 قال
فى أى شئ؟ قال فى مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ0 قال وَجْبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ0 قال فأين هو؟ قال : فى بئر ذى أَرْوَانَ0 قالت : فأتاها رسول الله  فى أُناس من
أصحابِه0 ثمَّ قال : “يا عائشة! والله! لكأنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ ولكَأنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشياطينِ”0

قالت : فقلت : يا رسول الله! أفلا أحْرَقْتَهُ؟ قال “لا0 أماَ أناَ فقد عافانى الله، وكرهت أن أُثِيرَ على النَّاسِ شّراً0 فَأَمَرْتُ بها فَدُ
فِنَتْ”( )0
أنكر هذا الحديث بعض المبتدعة قديماً على ما حكاه عنهم غير واحد من الأئمة0

قال الإمام النووى “وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب أنه يحط من مقام النبوة وشرفها ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع”(
) وتابع المبتدعة طعناً فى الحديث أذيالهم من الرافضة، ودعاة اللادينية( )0
وتأثر بتلك الطعون من علماء المسلمين الإمام محمد عبده( ) – رحمه الله – وتابعه على ذلك من سار على طريقته من علماء المسلمين،
وقال بقولهم بعض أدعياء العلم0

قال الإمام محمد عبده رحمه الله : “نعلم أن البخارى أصدق كتاب بعد كتاب الله، وأنا لا أشك أن البخارى سمع هذا من أساتذته،
والبخارى يشترط فى أحاديثه المعاصرة واللقاء، إلا أننى أرى أن هذا لم يحدث مع النبى ، وإن كان قد دس من الإسرائيليات إلى مشايخ
البخارى الذين أخذ منهم، وإلا فإننا إن قد صدقنا أن النبى ، قد سحر فقد صدقنا كلام الظالمين، وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (
)0 وإن صدقنا أن النبى ، قد سحر فقد كذبنا الله سبحانه وتعالى القائل فى كتابة الحكيم : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ( ) وقال  : فَمَنْ
يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا( ) وقال : لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ( ) قال تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ
الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ( )0

ثم قال : وأما الحديث على فرض صحته فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، وعصمة النبى من تأثير السحر فى عقله عقيدة من
العقائد، لا يؤخذ فى نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن المظنون على أى حال فلنا، بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث ولا
نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبى فى عقله – كما زعموا – جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئاً، وهو لم
يبلغه أو أن شيئاً نزل عليه، وهو لم ينزل عليه، والأمر هنا ظاهر لا يحتاج إلى بيان0 ثم ختم كلامه قائلاً : “أحب أن أكذب البخارى، من أن
أنسب إلى رسول الله ، أنه سحر”( )0

والجـواب على الشبه السابقة فيما يلى :
أولاً : إن الحديث صحيح، وثابت، بأصح الأسانيد فى أصح الكتب بعد كتاب الله  فقد رواه الشيخان فى صحيحيهما، ولا يصح لنا أن نقول بصدق
البخارى ثم نكذب شيوخه فإن ما يجرى على شيوخه، يجرى عليه، ولا يصح لنا أن نكذب البخارى وروايته، اعتماداً على رأى ليس له من حظ
فى توثيق الأخبار، وإقرار الحقائق من قريب أو بعيد، ولو أننا سلمنا جدلاً بصدق معطيات العقل لأتينا على كثير من السنة، بل وعلى كثير من
آيات القرآن الكريم نفسه( )0

يقول فضيلة الدكتور محمد الذهبى – رحمه الله – : “إن حديث سحر رسول الله ، راوية البخارى، وغيره من كتب الصحيح، ولكن الأستاذ
الإمام، ومن على طريقته لا يفرقون بين رواية البخارى وغيره، فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخارى، كما أنه لو صح فى
نظرهم فهو لا يعرف أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن( )0

وهذا فى نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنة التى هى بالنسبة للكتاب بمنزلة المبين0 وقد قالوا : إن البيان يلتصق بالمبين( )0
يقول الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم : “وأما قول الأستاذ الإمام عن حديث السحر، وعلى أى حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث، ولا
نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل”0

فهذا كلام خطير جداً يفتح ثغرة ضد الثابت الصحيح من السنة كما يفتح مجالاً لقالة السوء فى الصدام بين الكتاب والسنة، بينما حدد لنا الرسول
فى حديثه الصحيح “تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدى كتاب الله وسنتى”( )0

كما أن الأستاذ الإمام قد ترك للحاقدين فرصة الهجوم عليه بهذا السبب، وبجعله الأخذ بالكتاب، وبدليل العقل فقط، هذا أمر دفع تلميذه محمد
رشيد رضا إلى القول : بأن الأستاذ الإمام كان ضعيفاً فى الحديث، كما أنه وحتى الآن محل نقد من رجال السنة، مما جرهم إلى التهجم عليه،
وعلى أفكاره، بينما أبان هو عن هدفه من ذلك وجعله محدداً فى قوله: “وقد قال الكثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هى النبوة، ولا ما يجب
لها، أن الخبر بتأثير السحر فى النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به”0

ويبدو أن الأستاذ الإمام قد أبدى بعض التراجع عن هذه الفكرة عندما قال : “ثم إن نفى السحر عنه لا يستلزم نفى السحر مطلقاً”
مع أنه قد أقر سابقاً بأن السحر إما حيلة وشعوذة وإما صناعة علمية خفية، يعرفها بعض الناس، ويجهلها الأكثرون … إلى أن قال : “أن
السحر يتلقى بالتعليم، ويتكرر بالعمل فهو أمر عادى قطعاً بخلاف المعجزة”0

ثم يجعل بعد ذلك نفى السحر بالمرة ليس بدعة، لأن الله تعالى لم يذكره ضمن أية ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ
بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ( ) ويجعل سحر سحرة فرعون ضرباً
من الحيلة ويستدل بقوله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى( ) “وما قال أنها تسعى بسحرهم” مع أن أقوى دليل يمكن أن يرد به على
الأستاذ الإمام قوله تعالى : قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ( )0
فكيف غاب عن الأستاذ الإمام النظر فى هذه الآية، وكيف كان يمكن له أن يفسرها على خلاف ما هى عليه من إثبات حقيقة السحر لا كونه
تخييلاً أو وهما0

أما الحديث فقد ثبت فى صحيح البخارى، وهو مرجع أساسى للسنة، فلو شككنا فى حجية الثابت فى البخارى، فكيف يقبل الناس بعد ذلك حديثاً
ورد فى كتب الصحاح أو فى رواية عن غير طريق البخارى؟!

وما دفع الأستاذ الإمام من عاطفة تـنزيه مقام النبوة أو محاولة إظهار الإسلام بمظهر لا يكون فيه موضع اتهام من أعداء الإسلام، أو محاربة
السحر كخرافة بعد أن توسع الناس فى عمل أشياء تتنافى مع عظمة الإسلام،وإنكاره لمظاهر الكهانة والسحر،والشعوذة0

وهذه إن جاز أن تكون دوافع الأستاذ الإمام فلا يجوز أن تكون بحيث تصادم الثابت الصحيح، وهو الذى كثيراً ما وقف عند الثابت عن المعصوم
لا يتعداه، ولا يحاول تأويله، ويسلم به تسليم معتقد لما جاء به، حيث لا مجال للعقل فيه0

ثم ما هو الدافع؛ لأن يتأثر الأستاذ الإمام بالمعتزلة فى ذلك ويحاكى رأيهم وهو الذى كثيراً ما نعى على التقليد والمقلدين وكان أولى به أن يأخذ
برأى الإمام “ابن قيم الجوزية” عندما قال فى هذا الشأن : “وأما قولكم أن سحر الأنبياء ينافى حماية الله لهم فإنه سبحانه كما يحميهم،
ويصونهم، ويحفظهم، ويتولاهم، يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم، ليستوجبوا كمال كرامته، وليتأسى بهم من بعدهم من أممهم، إذا أوذوا من
الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا، ورضوا، وتأسوا بهم”( )0

ومن أجل ذلك أثبت علماء الإسلام هذا الحديث، وأوجدوا له مخرجاً يتفق مع سلامة النسبة إليه ومع مكانة النبوة، فقالوا :
أولاً : الزعم بأن الحديث يحط من منصب النبوة، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، هذا الذى ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل؛ لأن
الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل( )0
ثانياً : أن سحر الرسول ، يرفع من مقام النبوة وشرفها ولا يحط من شأنها؛ فالرسول ، لم يكن معصوماً من الأمراض فلقد كان يأكل،
ويشرب، ويمرض، وتجرى عليه كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم، وليس فى السحر على الهيئة الواردة ما ينقص من قدره
كإمام لسائر الأنبياء والمرسلين( )0

قال القاضى عياض : “وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على عقله
وقلبه واعتقاده0 ويكون معنى قوله فى الحديث : “حتى يظن أنه يأتى أهله ولا يأتيهن” ويروى : “يخيل إليه” بالمضارع كلها : أى يظهر له من
نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعترى المسحور0

بل وكما يعترى الرجل السليم قوى البدن، المحطم للأرقام القياسية فى رفع الأثقال، يظن تحطيم رقم قياسى أعلى، وعند محاولة الرفع لا
يستطيع، ومثل ذلك أيضاً الإنسان فى حالة النقاهة من المرض،يظن أن به قدرة على الحركة،وعندما يهم بذلك لا تحتمله قدماه0

قال القاضى عياض : وكل ما جاء فى الروايات من أنه يخيل إليه فعل شئ ولم يفعله ونحوه، فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى
العقل، وليس فى ذلك ما يدخل لبساً على الرسالة ولا طعناً لأهل الضلالة”( )0
ثالثاً : أن عصمة الرسول ، الواردة فى قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ( ) العصمة هنا المراد بها عصمته ، من القتل، والاغتيال، والمكائد المهلكة، وحمل بعض العلماء العصمة هنا على أنها عصمة
من الغواية، والهوى، والضلال، وعدم الوقوع فى المعاصى والمنكرات، وليست العصمة من الأمراض كما سبق أن ذكرنا، بل الأنبياء جميعاً
غير معصومين من المرض غير المنفر0 فهم جميعاً تجرى عليهم كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم( )0
رابعاً : إن القول بأن الحديث معارض للقرآن الكريم، ويصدق المشركين فى قولهم : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا( ) مردود بأن المشركين
كانوا يقولون إن محمداً بشر، وأنه فقير، وأنه لا يعلم الغيب، فهل نكذبهم فى ذلك؟!

ثم إننا نعلم يقيناً، أن الكفار لا يريدون بقولهم هذا، أن يثبتوا لرسول الله ، ما أثبته هذا الحديث، وهو أن فلاناً من اليهود سحره بضعة أيام،
فأدركه شئ من التغير، وخيل إليه أنه يفعل بعض الشئ، وهو لا يفعله، ثم أن الله شفاه من ذلك، هم لا يريدون هذا، بل يريدون أن رسول الله
إنما يصدر عن خيال وجنون، وأنه لم يوح إليه شئ، فإذا آمنا بما دل عليه الحديث لم نكن مصدقين للمشركين فى دعواهم، فمفهوم الحديث
شئ، ودعواهم شئ آخر0

خامساً : زعمهم أن السحر من عمل الشياطين، وصنع النفوس الشريرة الخبيثة، أما من تحصن بعبادة الله كالأنبياء، فليس للشيطان، ولا
للشريرين عليهم من سلطان، قال تعالى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ( )0

هذا الزعم مردود عليهم بقوله تعالى عن أيوب عليه السلام : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ
وَعَذَابٍ( ) وأخبر  عن سيدنا موسى – عليه السلام–أنه لما قتل القبطى قال:هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ( )0
والاستدلال بقوله تعالى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَعلى أن جميع عباد الله الصالحين ناجون
من أذى الشيطان، خلاف الإجماع، والمشاهد، والنصوص السالفة، والآية تفيد بلا شك أن العباد الصالحين سالمون من إغوائه وإضلاله، كما
قال فى الآية الأخرى : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ( )0
وبعـد فإن الحجة على جواز السحر للأنبياء ثابتة بقول رب العزة : قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى(65)قَالَ بَلْ أَلْقُوا
فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(66)فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى(67)قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى(68)وَأَلْقِ مَا فِي
يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى( ) فقد صرحت الآية بأن سحر أولئك السحار، قد أوقع نبى الله موسى
فى التخييل، حتى تغيرت أمامه الحقائق، فحسب الحبال حيات، والساكنات متحركات…0
إذاً فالحديث صحيح الإسناد والمعنى ولا يعارضه القرآن الكريم ولا المعقول، فوجب قبوله والإيمان به”( )0
قال الإمام المازرى رحمه الله : “مذهب أهل السنة، وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة، كحقيقة غيره من
الأشياء الثابتة، خلافاً لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى فى كتابه وذكر أنه
مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له0
وهذا الحديث أيضاً مصرح بإثباته، وأنه أشياء دفنت وأخرجت، وهذا كل يبطل ما قالوه، فإحالة كونه من الحقائق محال( ) أ0هـ0 والله
أعلم0

الفصـــــل الثامـــــن

حديث “وقــــــــوع الذبــــــــاب فــــــى الإنـــــــاء”

وتحته مبحثان :
المبحث الأول : شبه الطاعنين فـى أحاديـث الطـب النبـوى والـرد عليهـا0
المبحث الثانى : شبه الطاعنين فى حديث “وقوع الذباب فى الإناء” والرد عليها0

المبحـث الأول
شبه الطاعنين فى أحاديث الطب النبوى والرد عليها

الأحاديث الطبية التى أخبر عنها المعصوم ، طعن فيها المبتدعة قديماً بعقولهم0 وتأثر بذلك بعض علماءنا الأجلاء وتوسعوا فى
ذلك بحجة أن الأحاديث الطبية لم يقلها النبى ، بوحى، وإنما بالتجربة والعادة بصفته البشرية فهو لم يبعث ليعلم الناس الطب0

واتخذ أعداء السنة من هذا الكلام سلاحاً قوياً يطعنون به فى حجية السنة، وأنها كلها ليست وحياً0 كما سبق تفصيل ذلك فى اجتهاد النبى (
)0

يقول الإمام ابن خلدون – رحمه الله – : “الطب المنقول فى الشرعيات … ليس من الوحى فى شئ وإنما هو أمر كان عادياً للعرب ووقع فى
ذكر أحوال النبى  من نوع ذكر أحواله التى هى عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه  إنما بعث ليعلمنا
الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له فى شأن تلقيح النخل ما وقع فقال : “انتم أعلم بأمور دنياكم”( ) فلا ينبغى
أن يحمل شئ من الطب الذى وقع فى الأحاديث المنقولة على أنه مشروع؛ فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إذا استعمل على جهة
التبرك، وصدق العقد الإيمانى، فيكون له أثر عظيم فى النفع، وليس ذلك فى الطب المزاجى،وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع فى
مداواة المبطون بالعسل( )أ0هـ0
وأيد الإمام ابن خلدون فى ذلك بعض علمائنا الأجلاء منهم فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوى وغيره ممن قسموا السنة
النبوية إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية( )0

يقول فضيلة الدكتور القرضاوى:”وفى رأيى أن جل الأحاديث المتعلقة بـ “الوصفات الطبية” وما فى معناها … كوصف الرسول 
للمصاب بعرق النسا : ألْيَةُ شاة أعرابيةٍ …إلخ ما جاء فى الحديث( )، فهذا ليس من أمور الدين التى يثاب فاعلها، أو يلام تاركها، بل هو
إرشاد لأمر دنيوى نابع من تجربة البيئة العربية …، ولم يبعث عليه الصلاة والسلام ليقوم بطب الأجسام، فذلك له أهله، وإنما بعث بطب
القلوب، والعقول، والأنفس، ومهما يكن اعتزازنا بما سماه العلماء “الطب النبوى” فمن المتفق عليه : أن النبى ، لم يَدَّع العلم بالطب، ولا بعث
لذلك( ) أ0هـ0

والنتيجة : أن خرج علينا أحد أعداء السنة “نيازى عز الدين” يقول : “الأحاديث التى تحاول أن تنسب للرسول ، علوماً مثل الطب،
كلها أحاديث موضوعة، غايتها حرف الناس عن الحقائق، والعقلية العلمية التى فى آيات القرآن، إلى عقلية تؤمن بالأوهام والخرافات
والأباطيل( )0
ثم ضرب أمثلة على تلك الأحاديث الموضوعة تعمد اختيارها من صحيح الإمام البخارى – رحمه الله – وذلك كأحاديث الرقية “اللهم، رب الناس
مذهب الباس، اشف أنت الشافى، لا شافى إلا أنت، شفاء لا يغادر سقماً”0 وحديث “علاج المبطون بالعسل”0 وحديث “لا عدوى ولا صفر”0 و “

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: