مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 14-14

الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام”0 و”الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين”0 و”من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم
ولا سحر” وغير ذلك من الأحاديث التى نقلها من صحيح الإمام البخارى فى كتاب الطب”( )0وطعن كثير من دعاة الفتنة، وأدعياء العلم فى بعض الأحاديث الطبية، واتخذوا من تقسيم بعض علماء المسلمين “السنة تشريع، وغير تشريع”
متكأً قوياً وهم يطعنون فى حجية السنة المطهرة، ورواتها الثقات الأعلام0وإذا كنا قد بينا سابقاً بالبرهان الواضح أن السنة النبوية كلها وحى، وبينا بطلان تقسيم السنة الشريفة إلى سنة تشريعية، وغير
تشريعية بما يغنى عن إعادته هنا( )0
فسوف نكتفى هنا فى الدفاع عن أحاديث “الطب النبوى” إجمالاً بالرد على ابن خلدون فيما ذهب إليه0
يقول الدكتور محمد أحمد السنهورى : أما قول ابن خلدون : “والطب المنقول فى الشرعيات ليس من الوحى فى شئ وأنه ، لم يبعث لتعريف
الطب”0
هذا الكلام يناقض الواقع، والحقيقة؛ لأنه من المعلوم والبديهى أن الرسول ، كان أمياً ولم يدرى ما الكتاب، والإيمان0
ومن أين له أن يعرف طبائع الدواء أو خصائصه سواء كان هذا الدواء نباتاً أو غذاء إلا إذا كان ربه قد أطلعه عليه؟!والله  يقول عن العسل : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ( ) ولم يبين فى القرآن الأمراض التى يشفيها هذا العسل0
ولكن الرسول عالج به المبطون أو صاحب الإسهال0
فما الذى جعل الرسول ، يحدد هذا الدواء بالذات لعلاج هذا المرض؟ وما الذى جعله يصر على أن يتناوله المبطون أكثر من مرة؟ لابد أن
يكون هذا عن طريق الوحى0

ثم ما الذى جعل الرسول يفضل فى دواء الإمساك “السنا” على “الشُّبْرُمُ” وهما نباتان يستعملان لهذا الغرض( )0 وقد فضَّل الأطباء بعد ذلك ما
اختاره الرسول  وتركوا “الشُّبْرُمُ” وبينوا ضرره وقالوا أنه غير مأمون0
فهل كان الرسول  يملك معملاً للتحليلات؟ كلا إن هذا الأمر لابد أن يكون قد عرف خصائصه من الوحى0

ثم إن كل قانون طبى وضعه الرسول  وكل دواء نوه عليه لم يستطع طبيب إلى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أن يثبت عكس
كلامه فيه0 أو يخرم له قاعدة، بل كل يوم يظهر الطب، والعلم، صحة ما ذهب إليه المصطفى ، وصدق الله  إذ يقول : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى( )0
أما كون ابن خلدون يريد أن يقيس طب النبى ، على قصة تأبير النخل، مدعياً أن طبه كان أمراً عادياً ورأياً شخصياً له0
فهذا قياس خاطئ ومن الواضح أن هناك فرقاً بين هذا وذاك0 فلم يتكلم النبى ، عن خصيصة دواء من الأدوية أو غذاء من الأغذية ورجع
عنه، بخلاف الأشياء التى كانت اجتهاداً منه، والتى لا تخرج عن الوحى أيضاً، على ما سبق تفصيله( )0

وأما ادعاؤه بأن الطب النبوى لا يأتى بثمرة ولا نتيجة إلا إذا استعمل على جهة التبرك0 ويستشهد على هذا بقصة دواء المبطون
بالعسل0
فالرد على هذا بأن أى دواء يستلزم من المريض ثقة منه فى مفعوله، وثقة فى طبيبه الذى يداويه0 وهذا الكلام معلوم عند الأطباء مسلمهم،
وغير مسلمهم قديمهم وحديثهم؛لأن القوى النفسية لها تأثير عجيب فى القوى الجسدية وهذا عام فى كل مريض وكل دواء( )0

والقصة التى وردت عن الرجل الذى شرب العسل بعد أربع جرعات لم تبين لنا حال المريض، وإنما تكلمت عن أخيه الذى كان
واسطة بينه وبين النبى ، ولا نستطيع أن نحكم هل كان الرجل يشرب العسل تبركاً أو كان يشربه على أنه دواء،ولا مانع من البركة أيضاً0

وأيّاً ما كان هذا الأمر : فإن الرجل قد شفى على كل حال، ولو لم تكن فى العسل خاصية ضد مرض الرجل لما شفى من مرضه،
وقد ثبت طبياً احتواء العسل على مواد قاتله للميكروبات، وثبت كونه دواء لهذا المرض0
هذا وقد تناول الرسول ، فى طبه أدواء كثيرة، وبين خصائص كثير من الأدوية، النباتى منها وغير النباتى( )0

يقول ابن قيم الجوزية مميزاً طبه ، عن طب الأطباء : “وليس طبه ، كطب الأطباء، فإن طبه ، متيقن قطعى إلهى صادر عن
الوحى، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب”( )0
ويقول الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة – رحمه الله – فى معرض دفاعه عن حديث الذباب قال : “وقبل أن أذكر رأى الطب الحديث فى حديث
الذباب أحب أن أقول : “إننى لست مع النابتة التى نبتت – وبعضهم من أهل العلم، فزعمت أن الطب النبوى، من قبيل الأمور الدنيوية التى يجوز
على النبى ، فيها الخطأ، ويجعلونه من قبيل تأبير النخل، وقوله : ” أنتم أعلم بأمور دنياكم”( )0

ولا أدرى كيف يقال ذلك فى حديث الذباب مع قوله ، فيه : “فإن فى أحد جناحيه داء وفى الآخر دواء”؟ وقد أتى رسول الله “بأن”
التى هى للتأكيد!!
وكيف يكون هذا الأسلوب المؤكد من قبيل الظن والتخمين فى أمر دنيوى؟!

بل كيف يكون قوله  : “من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر”( )من قبل الظن والتخمين فى أمر دنيوى؟!إن معظم
أحاديث الطب–إن لم تكن كلها– إنما ساقها ، مساق القطع واليقين مما يدل على أنها بوحى من الله – سبحانه وتعالى –0
والطب طبان : طب القلوب والأديان، وبه جاء الأنبياء والمرسلون – عليهم الصلاة والسلام – وطب الأبدان، وهذا نوعان : نوع روحانى
كالرقى والدعوات، ونوع مادى جسمانى كالاستشفاء بالعسل، والتمر والحبة السوداء، والكمأة ونحو ذلك( )0

ووظيفة النبى ، أولاً وبالذات هو طب القلوب والأديان، ولكن شريعته وسنته قد اشتملت على الكثير من طب الأبدان سواء أكان روحانياً أم
جسمانياً( )، وليس أدل على ذلك من الآيات القرآنية العديدة التى تتحدث عن ذلك كقوله تعالى : يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ( )0
والآيات القرآنية التى تتحدث عن تطور الجنين فى بطن أمه فى سورة المؤمنون وغيرها( )0

والآيات العديدة التى تتحدث عن الطهارة، وخطورة إتيان الرجل زوجته الحائض حتى تطهر0 قال تعالى:وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى
فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ( )0وقوله تعالى فى طب عسل النحل:فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ( )

وبالجملة : فقد جمع رب العزة الطب كله فى نصف آية : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا( ) وقال  “ما ملأ آدمى وعاءً شراً
من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه …” الحديث( ) وقال بعض الحكماء : “المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء”( )0

يقول الدكتور أبو شهبة : وليس أدل على اشتمال السنة المطهرة على طب الأبدان سواء كان روحانياً أم جسمانياً مما اشتمل عليه الصحيحان :
صحيح البخارى، وصحيح مسلم وغيرهما من كتب الصحاح، والسنن، والجوامع من “كتاب الطب” ضمن كتبها، وقد جمع بعض العلماء
المحدثين فى ذلك كتباً مستقلة، ككتاب “الطب النبوى” لأبى نعيم، وكتاب “الطب النبوى” للسيوطى، وكتاب “الطب النبوى” لابن قيم الجوزية0

والذى يهمنى من كل هذا، أن أنزع من نفوس النابتة التى نبتت، فزعمت أن الطب النبوى من قبيل الأمور الدنيوية التى تحتمل الخطأ والصواب –
هذا الزعم الباطل الذى لم يقم عليه دليل، بل قامت ضده كثير من الأدلة0

ففى حديث أبى سعيد الخدرى  : “أن رجلاً أتى النبى  فقال : “أخى يشتكى بطنه فقال : اسقه عسلاً، ثم أتى الثانية فقال : اسقه
عسلاً، ثم أتاه الثالثة فقال : اسقه عسلاً، ثم أتاه الرابعة، فقال فعلت – يعنى فلم يبرأ – فقال  : “صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلاً
فسقاه – يعنى فى المرة الرابعة – فبرأ”( )0

ويعجبنى فى هذا المقام ما قاله الإمام ابن قيم الجوزية قال : “ونحن نقول : إن هاهنا أمراً آخر، نسبة طب الأطباء إليه؛ كنسبة طب الطرقية”( )
والعجائز إلى طبهم، وقد اعترف به بعض حذاقهم وأئمتهم، فإن ما عندهم من العلم، منهم من يقول : هو قياس، ومنهم من يقول : هو تجربة،
ومنهم من يقول : هو إلهامات ومنامات، وحدس صائب ومنهم من يقول : أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمة … إلى أن قال : وأين وقع هذا
وأمثاله من الوحى الذى يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحى، كنسبة ما عندهم من العلوم
إلى ما جاءت به الأنبياء، بل هاهنا من الأدوية التى تشفى من الأمراض ما لم يهتد إليه عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم،
وأقيستهم من الأدوية القلبية، والروحانية، من قوة القلب والاعتماد على الله والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانكسار بين يديه والتذلل له،
والصدقة، والدعاء، والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف،والتفريج عن المكروب،فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على
اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير فى الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء،ولا تجربته،ولا قياسه0 وقد جربنا نحن وغيرنا من
هذا أموراً كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء( )0

يقول الدكتور نور الدين عتر : “ولقد أقر كبار الأطباء الذين اطلعوا على أحاديث “الطب النبوى” بما أتت به هذه الأحاديث، بل قال
لى أستاذ فى كلية الطب بجامعة دمشق : “إن النبى  لم يأت بوصفات طبية سابقة لعصرها فحسب، بل إنه فوق ذلك جاء مقنناً للطب والأطباء(
) أ0هـ0 والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم
المبحـث الثانـى
شبه الطاعنين فى حديث “وقوع الذباب فى الإناء”
والــرد عليهــا

روى الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن أبىهريرة  أن رسول الله  قال: “إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم
ليطرحه، فإن فى إحدى جناحيه شفاءً، وفى الآخر داءً”( )0
هذا حديث صحيح ثابت عن النبى  وقد تلقته الأمة بالقبول، وآمنت بمضمون ما جاء فيه0 وهو معجزة من معجزات نبينا  الذى لا ينطق
عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى( )0

وقد طعن أهل البدع والضلال قديماً فى صحته بحجة أنه مخالف للعقل، والواقع، وأثاروا الشبه من حوله فانبرى للرد عليهم،
وكشف شبههم، ودحضها علماء أجلاء، فواجهوهم بالحجج الدامغة، والأدلة البينة، فأزالوا تلك الشبه، وبينوا فسادها0

من أولئك العلماء الأفاضل الإمام ابن قتيبة قال فى كتابه “تأويل مختلف الحديث” أن هذا الحديث صحيح ومن حمل أمر الدين على ما شاهد،فجعل
البهيمة لا تقول،والطائر لا يسبح … والذباب لا يعلم موضع السم، وموضع الشفاء، واعترض على ما جاء فى الحديث، مما لا يفهمه، فإنه
منسلخ من الإسلام، معطل … مخالف لما جاء به الرسول ، ولما درج عليه الخيار من صحابته، والتابعين لهم بإحسان0

ومن كذب ببعض ما جاء به رسول الله ،كان كمن كذب به كله…وما علمت أحداً ينكر هذا إلا قوم من الدَّهرَّية( )، وقد اتبعهم على ذلك قوم
من أهل الكلام، والجهمية”( )0
وممن دافع عن الحديث الإمام الطحاوى – رحمه الله – فى كتابه (مشكل الآثار) فقال بعد ذكره للحديث، ومن رواه فى الصحابة 
: “قائل من أهل الجهل بآثار رسول الله  وبوجوهها : وهل للذباب من اختيار؟ حتى يقدم أحد جناحيه لمعنى فيه، ويؤخر الآخر لمعنى فيه خلاف
ذلك المعنى؟

فكان جوابنا فى ذلك له بتوفيق الله  وعونه أنه لو قرأ كتاب الله  قراءة متفهم لما يقرأ منه، لوجد فيه ما يدل على صدق قول رسول الله ،
هذا وهو قوله تعالى : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ
رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ( )0 وكان وحى الله إليها هو إلهامه إياها أن تفعل ما أمرها به0
فمثل ذلك : الذباب ألهمه  ما ألهمه، مما يكون سبباً لإتيانه لما أراده منه، من غمس أحد جناحيه فيما يقع فيه مما فيه الداء،والتوقى بجناحه
الآخر الذى فيه الشفاء( ) أ0هـ0

وجاء المُحَدَثُون وأعداء السنة فطعنوا فى هذا الحديث( )، كما طعن فيه أسلافهم، أهل الابتداع من قبل، لم ينزجروا بردود العلماء
السابقين، فزادوا على شبه أولئك شبهاً أخرى أنتجتها عقولهم التى جهلت حرمة النصوص، وران عليها ظلام قائم فلم تستوعب، ولم تع معانى
تلك النصوص فسارعت إلى الإنكار والرد والطعن، كما هو ديدنها، ومنهجها بكل نص جهلت معناه0
وهذا ملخص شبه هؤلاء المحدثين حول هذا الحديث، والتى رددها أعداء السنة( ) :
أولاً : الحديث من رواية أبى هريرة وقد ردوا له أحاديث كثيرة، وقد انفرد به ابن حُنَين( )، ثم
طعن فيه بأوجه( )0
ثانياً : أنه حديث آحاد يفيد الظن، فلا إشكال فى رده، وهو غريب عن التشريع، لأنه ينافى قاعدة تحرير الضار، واجتناب النجاسة، وغريب عن
الرأى لأنه يفرق بين جناحى الذباب، فيدعى أن أحدهما به سم ضار، والآخر ترياق نافع0
ثالثاً : أثبت العلم بطلانـه، لأن العلـم يقطـع بمضـار الذبـاب0
رابعاً : موضوع متنه ليس من عقائد الإسلام، ولا من عباداته، ولا من شرائعه، ولم يعمل به أحد من المسلمين وهو فى أمر من أمور الدنيا
كحديث “تأبير النخل” وبالتالى من ارتاب فيه لم يضع من دينه شيئاً0
خامساً : تصحيحه من المطاعن التى تنفر عن الإسلام، ويفتح على الدين شبهة يستغلها أعداء الإسلام0
سادساً : البحث فيه عقيم، لا يجب أن يشغل الناس به، وقد وصلوا إلى مخترعات ومكتشفات من العلوم0 ولذا يجب ترك البحث فيه إلى ما
وصل إليه العلم من أحكام لا تنقض ولا ترد( )0

ويجاب على هذه الشبه بما يلى :
أولاً : لم ينفرد البخارى–رحمه الله–بإخراج هذا الحديث، كما أن أبا هريرة لم ينفرد بروايته عن النبى ، وعُبيد بن حُنين، لم ينفرد بروايته عن
أبى هريرة أيضاً0

فقد أخرجه أبو داود، وابن ماجة، والدارمى، وأحمد، والبيهقى، وابن خزيمة، وابن حبان، والبغوى، وابن الجارود، من حديث أبى هريرة (
)0
وأخرجه النسائى، وابن ماجة، وأحمد، والبيهقى، وابن حبان، والبغوى من حديث أبى سعيد الخدرى ، وأخرجه البزار، والطبرانى من حديث
أنس بن مالك ( )، ورواه عن أبى هريرة جماعة من التابعين( )0

ولو لم يرد هذا الحديث إلا فى صحيح البخارى، لكان صحيحاً مقبولاً، إذ البخارى هو أصح الكتب بعد كتاب الله وأحاديثه فى أعلى
درجات الصحة0

يقول فضيلة الدكتور أبو شهبة : “ولم أجد لأحد من النقاد، وأئمة الحديث طعناً فى سنده؛ فهو فى درجة عالية من الصحة، وكل ما
وقع فيه من الطعن من بعض المتساهلين، والجهلاء، والمبتدعة، إنما هو من جهة متنه( )0
ولو تفرّد به أبو هريرة  لما وجدوا إلى الطعن فى صحته سبيلاً0خلافاً لبعض غلاة الشيعة الجعفرية، ومن تبعهم من الزائغين،حين طعنوا فى
الصحابى الجليل لأن الحديث من روايته واتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله ، وحاشاه من ذلك0

فهذا هو التحقيق العلمى يثبت صدق أبى هريرة، وأنه برئ من طعن الطاعنين، وأن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه، لأنهم رموا صحابياً
بالبهت، وردوا حديث رسول الله  لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة! وقد رواه غيره من الصحابة كما علمت0

وليت شعرى هل علم هؤلاء بعدم تفرد أبى هريرة بالحديث، وهو حجة لو تفرد، أم جهلوا ذلك؟
فإن كان الأول فلماذا يتعللون برواية أبى هريرة إ ياه، ويوهمون الناس أنه لم يتابعه أحد من الصحابة الأجلاء؟!
وإن كان الآخر فهلا سألوا أهل الاختصاص والعلم بالحديث الشريف؟ وما أصدق القائل:

فإن كنت تدرى فتلـك مصيبـة
*** وإن كنت لا تدرى فالمصيبة أعظم( )

وعُبَيد بن حُنَين ثقة لا مطعن فيه، ولم يذكره الحافظ فيمن تكلم فيهم من رجال البخارى فى هدى السارى، ولم أقف على من طعن فى توثيقه
من العلماء، ولعمرى لو تفرد برواية الحديث عن أبى هريرة لقبل تفرده، فإن تفرد مثله لا يقدح فى صحة الحديث0 كما هو مقرر فى علم
مصطلح الحديث( )0

ثانياً : وكون الحديث آحاداً ومن أجل ذلك سهل رده، قول مردود، وحجة داحضة، وقد سبق الكلام عن ذلك فلا إعادة ههنا( )0

وقول السيد رشيد رضا بأنه : غريب عن التشريع؛ لأنه ينافى قاعدة تحريم الضار، واجتناب النجاسة0
يرد عليه : بأن الحديث لم ينف ضرر الذباب بل أثبت ذلك، فذكر أن فى أحد جناحيه داء،ولكنه زاد ببيان أن فى الآخر شفاء،وأن ذلك الضرر
يزول إذا غمس الذباب كله( )0

يقول الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – : “وأعلم أن فى الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم، والحكمة العارضة عن
لسعة، وهى بمنزلة السلاح، فإذا أسقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه، فأمر النبى  أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه فى جناحه الآخر من
الشفاء، فيغمس كله فى الماء والطعام، فيقابل المادة السمية المادة النافعة، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدى إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل
هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به، بأنه أكمل الخلق على الإطلاق،
وأنه مؤيد بوحى إلهى خارج عن القوة البشرية( )0

وقال الشوكانى – رحمه الله – : “والفائدة فى الأمر بغمسه جميعاً هى أن يتصل ما فيه من الدواء بالطعام أو الشراب كما اتصل
به الداء، فيتعادل الضار والنافع فيندفع الضرر”( )0
والقول بنجاسة الذباب لا دليل عليه؛ لأنه لا ملازمة بين الضرر والنجاسة، ولذا كان هذا الحديث من أدلة العلماء على أن الماء
القليل لا ينجس بموت ما لا نفس له سائلة فيه، إذ لم يفصل الحديث بين موت الذباب، وحياته عند غمسه( )0

قال الإمام الخطابى –رحمه الله- :”فيه من الفقه:أن أجسام الحيوان طاهرة، إلا ما دلت عليه السنة من الكلب وما لحق به فى
معناه0وفيه دليل:علىأن ما لا نفس له سائلة إذا مات فى الماء القليل لم ينجسه، وذلك أن غمس الذباب فى الإناء قد يأتى عليه0 فلو كان
نجسه إذا مات فيه، لم يأمر بذلك0 لما فيه من تنجس الطعام، وتضييع المال، وهذا قول عامة العلماء”( )0

والقول بأنه لا فرق بين جناحى الذباب بأن يحمل أحدهما سماً، والآخر شفاء0
قول يناهض الحديث، بل ويخالف الواقع من اجتماع كثير من المتضادات فى الجسم الواحد كما هو مشاهد معروف0 وقد أجاب عن ذلك العلماء
فى السابق0
ولا أدرى أجهل ذلك الشيخ رشيد رضا – رحمه الله – مع سعة إطلاعه ونصرته للسنة – أم تجاهله؟ وكلا الأمرين ذميم فى حقه، وقد ذكر ذلك
معاصروه( )0

قال الحافظ ابن حجر : “وقال الخطابى : تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له فقال كيف يجتمع الشفاء والداء فى جناحى الذباب؟
وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الداء، ويؤخر جناح الشفاء، وما ألجأه إلى ذلك؟ قلت : وهذا سؤال جاهل، أو متجاهل، فإن كثيراً من
الحيوان قد جمع الصفات المتضادة0 وقد ألف الله بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان0
وإن الذى ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها أوان حاجتها، وأن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت،
لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحاً، وتؤخر آخر0

وقال ابن الجوزى : ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب، فإن النحلة تعسل من أعلاها، وتلقى السم من أسفلها، والحية القاتل سمها تدخل
لحومها فى الترياق الذى يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الإثمد لجلاء البصر”( ) أ0هـ0

ثالثاً : والقول بأن العلم يثبت بطلانه لأنه قطع بمضار الذباب، قول من جهل معنى الحديث، وعجز عن فهمه0 والحديث كما أسلفت لم ينف ضرر
الذباب بل نص على ذلك صراحة0 وهل علماء الطب وغيرهم أحاطوا بكل شئ علماً؟!!

حتى يصبح قولهم هو الفصل الذى لا يجوز مخالفته0 بل هم معترفون كل الاعتراف بأنهم عاجزون عن الإحاطة بكثير من الأمور(
)0 وهنالك نظريات كانت تؤخذ على وجه التسليم تبين فسادها فيما بعد، إذ علومهم خاضعة للتجارب والاختبارات0
بينما الذى نطق به رسول الله  وحى من عند الله تعالى، العليم بخفاء ما غاب عن الخلق جميعاً0 ولا زال علماء الطب يطِلّون
على العالم فى كل يوم باكتشافات جديدة لعقاقير طبية وأدوية واقية لم تكن عُرفت من قبل0

ثم هل يتوقف إيماننا بصدق كل حديث ورد فيه أمر طبى عن النبى ، حتى يكشف لنا الأطباء بتجاربهم صدقة أو بطلانه؟
وأين إيماننا إذن بصدق نبوة رسول الله ، ووحى الله إليه؟!

إن حديث رسول الله ، برهان قائم بنفسه لا يحتاج إلى دعم خارج عنه، فعلى الأطباء بل والناس جميعاً التسليم بما جاء فى هذا
الحديث والتصديق به إن كانوا مسلمين، وإن لم يكونوا كذلك فليزمهم التوقف إن كانوا عقلاء0
والمسلم لا يهمه كثيراً ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب ما دام ثبت عن رسول الله ( )
هذا كله يقال على فرض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة0

ومع ذلك فقد وجد من الأطباء المعاصرين من أيد مضمون ما جاء فى هذا الحديث من الناحية الطبية، وهنالك كثير من البحوث
والمقالات فى هذا الجانب، منها المطول ومنها المختصر0
اختار منها ما ذكره أحد الأطباء المصريين العصريين بجمعية “الهداية الإسلامية” بالقاهرة قال – رحمه الله – : “يقع الذباب على المواد القذرة
المملوءة بالجراثيم التى تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضاً، فيتكون فى جسمه من ذلك مادة سامة يسميها
علماء الطب بـ “مبعد البكتريا” وهى تقتل كثيراً من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير فى جسم الإنسان
فى حال وجود مبعد البكتريا0 وأن هناك خاصية فى أحد جناحى الذباب، هى أنه يحول البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا فإذا سقط الذباب فى شراب
أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه فى ذلك الشراب، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأول واق منها هو مبعد البكتريا الذى يحمله الذباب فى
جوفه قريباً من أحد جناحيه0 فإن كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمس الذباب كله وطرحه كاف لقتل الجراثيم التى كانت عالقة، وكاف فى
إبطال عملها0 وقد كتب بعض الأطباء الغربيين نحو ذلك0
وبذلك ظهر أن هذا الحديث صحيح السند والمتن، فهل بقى للمنكرين من حجة يحتجون بها؟ اللهم إلا الهوى( )0

رابعاً : الزعم بأن موضوعه ليس من عقائد الإسلام ولا من عباداته … إلخ0
زعم قُصِدَ من وراءه، تحقير الحديث وتهوين لأمره، وتنفير الناس عنه، وهى دعوى تتردد وتتكرر كلما عجزوا عن إقامة الدليل
على عدم صحة حديث ما، ولذلك يكثرون من ذكر هذه العبارات التى لا تدل إلا على تـنصل صاحبها من إتباع سنة رسول الله  والعمل بها
والإسلام دين كامل، بعقائده، وعباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، لا يحقر جزء من جزئياته، ولا فرع من فروعه، ولا يستهان به0
وقد أمر الله المؤمنين بالتمسك بكل شعب الإيمان وشرائع الإسلام من غير تفريط فى جانب منها مع القدرة على ذلك قال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ( )0

قال الحافظ ابن كثير فى معنى هذه الآية : “يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه،
والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك”( )0

والقول بأنه لم يعمل به أحد من المسلمين، قول عار عن الصحة، ودعوى جريئة جاء الحق بخلافها0

روى عبد الله بن المثنى( )، عن عمه ثمامه( )؛ أنه حدثه قال : كنا عند أنس، فوقع ذباب فى إناء فقال أنس( ) بأصبعه فغمسه فى ذلك الإناء
ثلاثاً ثم قال : بسم الله0 وقال : إن رسول الله ، أمرهم أن يفعلوا ذلك( )0

وروى أحمد من طريق سعيد بن خالد( ) قال : “دخلت على أبى سلمة فأتانا يزيد وكتلة( )،فأسقط ذباب فى الطعام، فجعل أبو سلمة( ) يمقله
بأصبعه فيه فقلت:يا خال! ما تصنع؟ فقال : إن أبا سعيد الخدرى حدثنى عن رسول الله  : “إن أحد جناحى الذباب سم، والآخر شفاء، فإن وقع
فى الطعام، فأمقلوه( )، فإنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء”( )0
فأنس صحابى، وأبو سلمة تابعى، وقد عملا بمضمون هذا الحديث، فكيف يزعم بأن أحداً من المسلمين لم يعمل به؟( )0
هذه دعوى، وغيرها كثير، يطلقها أولئك القوم من غير علم ولا تحقيق؛ ليخدعوا بها السذج من الناس، ويحدث من جرائها شر وفساد عريض(
)0

والقول بأن الحديث لا دخل له فى التشريع، وأنه من أمور الدنيا0
قول يحتاج إلى ما يدل عليه، فالحديث فيه أمر إرشادى من النبى ، لعلاج حالة إذا وقعت ولا حيلة للمرء فى دفعها، وهى “إذا وقع الذباب” أى
رغماً عنكم، ولم يكن لكم حيلة فى دفعة، وأردتم الانتفاع بما وقع فيه من طعام أو شراب، فعليكم بغمسة كله0
فالأمر بالغمس أمر إرشاد لا أمر إ يجاب، يأثم تاركه، إذ لم يقل بذلك أحد( )0
أما قياس حديث الذباب بحديث تأبير النخل فغير صحيح0
فحديث الذباب حديث تشريعى، وأفاد حكماً شرعياً، بأن ما لا نفس له سائلة إذا مات فى الماء القليل لم ينجسه( )0
كما أفاد جواز أكل أو شرب ما وقع فيه الذباب بعد غمسه كله لمن شاء ورغب فى ذلك0 ولا شك أن كل ذلك حكم شرعى( )0

خامساً:أما القول بأن تصحيح الحديث من المطاعن التى تنفر عن الإسلام…إلخ ما ذكروه0
فقول ساقط يحمل بين طياته استدراكاً على النبى ، الذى كان أحرص الناس على دين الله ، وسد كل منافذ الطعن والقدح فيه0

وكيف يكون فى شريعة الله ما ينفر وهو القائل  : “بشروا ولا تنفروا0 ويسروا ولا تعسروا”( )0
وهل يعقل أن تكون أقواله التى نطق بها، وأفعاله التى فعلها منفرة للناس؟!

وأين موضع التنفير فى هذا الحديث؟ إلا أنه أثبت أن فى جناح الذباب شفاء؟ أيكون هذا تنفيراً؟ يالخفة العقول!
وأين هذه الشبهة التى يفتحها على الدين حتى يستغلها أعـداء الإسـلام؟
وهل وقف أعداء الإسلام فيما يثيرونه من شبه عند حديث الذباب وحده؟

بل قد أثاروا شبهاً لا حصر لها فى أمور لا تخفى على أحد، بل حتى القرآن الذى نقل بالتواتر جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر؛ هل سلم
وسلمت أحكامه من شبه أعداء الإسلام؟

وهل إذا رددنا حديث الذباب، بل ورددنا السنة كلها، يكف ذلك شبههم عنا؟! ويستجيبون بعد ذلك لديننا ويلتزمون بشريعتنا؟
بل لو تتبعنا شبههم – قاتلهم الله – ورددنا كل أمر اشتبهوا فيه ما بقى لنا من ديننا ما نتمسك به0
ولماذا هذه المجاملة، وهذا التنازل لأعداء الإسلام على حساب ديننا؟
وما الذى يضرنا من شبههم، ونحن موقنون بأن ما جاءنا به رسول الله هو الحق الذى لا مريه فيه، وما يقذف به أعداء الإسلام شبه باطلة
داحضة لا قيمة لها من الصحة0 وهل بعد ظهور ما يؤيد صدق الحديث من الناحية الطبية، تظل شبههم عالقة به؟( )0

سادساً : أما القول بأن البحث فى الحديث عقيم … إلخ0
فهو قول من جهل مقام النصوص، وضعف احترامه لها، إن لم يكن قد عدم تماماً0 إن ما بذله بعض الأطباء الأفاضل من جهود
حول تأييد هذا الحديث من الناحية الطبية، يجب أن يشكروا عليه ولا يذموا بما قدموا، إذا كانوا يهدفون من وراء ذلك دفع الشبه التى ألصقت
بهذا الحديث، وبيان أن العلم الحديث لا ينافيه0

والحقيقة إن هذه البحوث وإن كانت تزيد الإنسان إيماناً بصدق الحديث، إلا أن الإيمان لا يتوقف عليها، إذ الحديث حجة قائمة
بنفسه0

ويكفى فى فصل هذه البحوث أنها نقضت الذى طبل من أجله أعداء السنن وزمروا، من أمثال النظام، وأتباعه من المستشرقين،
وغلاه الشيعة، وأتباعهم أمثال محمود أبو ريه، الذى ذهب إلى وجوب ترك البحث فى هذا الحديث إلى ما وصل إليه العلم بأبحاثه الدقيقة،
وتجاربه الصحيحة التى لا يمكن نقضها، ولا يرد حكمها0

والذى يعجب منه الإنسان أن نظريات الغرب المتناقضة المختلفة التى لا تستقر على حال، تصبح عند هؤلاء أحكاماً مسلمة لا تنقض، ولا ترد،
وحديث النبى  الصادق الذى لا ينطق عن الهوى، يطعن فيه، ويرد بغير حجة، ولا دليل0

يقول الشيخ أحمد محمد شاكر : “والحق أنه لم يعجبهم هذا الحديث، لما وقر فى نفوسهم من أنه ينافى المكتشفات الحديثة، من الميكروبات
ونحوها، وعصمهم إيمانهم عن أن يجرؤوا على المقام الأسمى، فاستضعفوا أبا هريرة0
والحق أيضاً أنهم آمنوا بهذه المكتشفات الحديثة أكثر من إيمانهم بالغيب ولكنهم لا يصرحون! ثم اختطوا لأنفسهم خطة عجيبة :
أن يقدموها على كل شئ0 وأن يؤولوا القرآن بما يخرجه عن معنى الكلام العربى، إذا ما خالف ما يسمونه “الحقائق العلمية “وأن يردوا من
السنة الصحيحة ما يظنون أنه يخالف حقائقهم هذه! افتراء على الله، وحباً فى التجديد”( ) أ0هـ0
وبعـد
فهذه نماذج قليلة من الأحاديث الصحيحة التى وجهت إليها نقود من أعداء السنة قديماً وحديثاً، لا يهام المسلمين أنها غير
صحيحة، وأنها تتعارض مع عقولهم الزائغة، أو مع كتاب الله ،أو مع العلم أو غير ذلك من أصولهم الفاسدة التى حكموا بها على الأحاديث
صحة أو ضعفاً0
والحق أن هؤلاء الجاهلين من الغباء بحيث لا ينبغى أن يعبأ بهم أو يكترث بما يقولون0

فالتصدى للأحاديث الصحيحة، ومحاولة تضعيفها يكشف عن أن أصحابها لا يعرفون شيئاً أو يتجاهلون ليثبتوا كيدهم للسنة بل للإسلام”( )0

وحقيق بكل مسلم أن يعلم أن للحديث الصحيح ثمرات طيبات ونتائج باهرات نذكر بعضها فى الفصل التالى0

الفصــــل التاســـع
ثمـــــــرات ونتائــــج الحديــــــث الصحيـــح

للحديث الصحيح ثمرات طيبات ونتائج باهرات منها :
1- إذا صح الحديث وجب العمل به، حتى ولو لم يخرجه الشيخان ما دامت قد ثبتت صحة الحديث، وعلى ذلك اتفاق العلماء( )0

يقول فضيلة الدكتور مروان شاهين : “ودع عنك يا أخى ترهات المعاندين فى هذه المسألة، فإن القضية متعلقة بالإيمان وعدمه،
والمؤمنون لا يقدمون أبداً أى قول على قول الله تعالى ورسوله ، ولا يمكن لمسلم أبداً أن يتوقف فى العمل بحديث ثبتت صحته عند العلماء،
وحاشاه أن يكون من المعاندين، إن المؤمن يسارع إلى تنفيذ حكم الله تعالى، وتنفيذ ما ثبت صحته من حكم رسول الله ، وهكذا شأن أئمة
الإسلام جميعاً، الأئمة الأربعة وغيرهم، وتواترات على ذلك أقوالهم، والإمام الشافعى وغيره قد قال : “إذا صح الحديث فهو مذهبى”( )0
2- العمل بالحديث الصحيح واجب، حتى ولو كان عمل أكثر الأمة بخلافه، لأن الأصل المقدم دائماً هو قول الله تعالى، وقول رسوله ،
ومعنى وجوب العمل بالحديث الصحيح هنا، الاحتجاج والعمل به بوجه عام، باعتباره وحياً أوحى الله  به إلى رسوله ، أو أقره عليه( )0
3- لزوم العمل بالصحيح متى علمنا به بدون إبطاء، وقد تراجع كثير من الصحابة عن القول بآرائهم متى بلغهم حديث رسول الله 0
4- متى صح الحديث صار أصلاً من الأصول، ولا يحتاج إلى عرضه على أصل آخر والأصول تتوافق، وما يبدوا من ظاهرها من
التعارض أحياناً، فإن العلماء قد بينوا وجوه الجمع بينها بحيث يندفع التعارض فى النهاية بإذن الله( )0
5- ينبغى أن يفهم عن الرسول ، مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده، وما
قصده من الهدى والبيان0
وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب،مالا يعلمه إلا الله ، بل سوء الفهم عن الله ورسوله  أصل كل بدعة،
وضلالة، نشأت فى الإسلام0

وهل أوقع القدرية،والمرجئة،والخوارج،والمعتزلة،والجهمية،والرو افض،وسائر طوائف أهل البدع والإلحاد قديماً وحديثاً فى زيغهم؛إلا سوء الفهم
عن الله  ورسوله ؟!( )0
هذا وللعلامة القاسمى فى قواعد التحديث، كلام طيب ورائع، حول ثمرات الحديث الصحيح، فليراجعها من يشاء؛ فإنها مفيدة”( )0

الفصــــل العاشـــــر
“مضــــــار رد الأحاديـــث النبويـــــة الصحيحـــــة”

التشكيك والطعن فى الأحاديث النبوية الصحيحة، وردها، له مضاره الخطيرة على ديننا، وعلى وحدة أمتنا الإسلامية، ومن تلك
المضار :
أولاً : إخراج ما هو من الدين : فكما أن وضع الأحاديث بالإختلاف والكذب يدخل فى الدين ما ليس منه، فإن رد صحيحها يخرج من الدين ما
هو منه، وهذا عين الإبتداع، لأنه يكون بالزيادة والنقص0
ثانياً : إشاعة البلبلة الفكرية، وتلك مصيبة كبرى لا يدرك أخطارها الحالية والمستقبلية هؤلاء اللاعبون بالنار؛ لأنها تفتح الباب على مصراعيه
لفقد النصوص قداستها وحرمتها وتمهد السبل لأذناب العلمانية ومن يشاطرهم الكيد للإسلام، والتطاول، على النصوص، والاستخفاف بها، وأخذ
ما يتفق مع الأمزجة وهجر ما عداها( )0
وسيتحمل هؤلاء إثم تفرقة الأمة الإسلامية، وإثارة البلبلة بين صفوفها 0أهـ

وفى الختام … نسأله –جلا جلاله- أن يجعلنا ممن يكون هواه تبعاً لما جاء به المصطفى  قدوتنا فى حياتنا كلها، الشخصية، والاجتماعية،
وأن ينفع بهذا البحث أمة الإسلام فى مشارق الأرض ومغاربها وأن يكون سهاماً مسمومة فى نحور أعداء الإسلام فى كل زمان ومكان0

والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل …

الخاتمـــــــــة
فـــــــــــــــى
نتائج هذه الدارسة
ومقترحـــــــــــــــــــــــــــــــــات
وتوصيــــــــــــــــــــــــــــــــــــات

الخاتمـــــــــــــــة

وفى نهاية المطاف نلخص أهم ما وصلت إليه هذه الرسالة من نتائج ومقترحات وتوصيات :
1- أن مؤامرة التشكيك فى حجية السنة المطهرة ومكانتها التشريعية أخذت طريقها إلى عقول بعض الفرق فى الماضى، كما أخذت
طريقها إلى عقول المستشرقين، ومن استمالوهم من أبناء المسلمين فى الحاضر0
2- أن معركة أعداء الإسلام مع السنة المطهرة تتسم من جهة أعدائها بالدقة، والتنظيم، والكيد المحكم، كما تتسم من جهة المسلمين
بالبراءة، والغفلة، والدفاع العفوى، دون إعداد سابق أو هجوم مضاد0
3- أن القواعد التى ينطلق منها أعداء السنة قديماً وحديثاً فى الكيد لها واحدة فشبهات القدماء هى نفسها شبهات المعاصرين0
وصدق الله العظيم إذ يقول : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ( ) وقال  : أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ( )0
4- تأثر الفرق الكلامية بالفلسفة اليونانية، وأعطوها صبغة إسلامية ليستعينوا بها على نظرياتهم وجدلهم، فكان ذلك ذا أثر بالغ فى
رد النصوص بالعقل، وفتح باب شر عظيم على أمة الإسلام،دخل منه كثيرون من أعداء الإسلام،وتأثر بذلك بعض أبناء المسلمين
5- مخالفة الفرق الكلامية منهج السلف فى فهم النصوص، وعجز عقولهم عن الفهم الصحيح لها، أدى بهم إلى الاضطراب، وعدم
الاستقرار المنهجى0
6- أن أهل السنة والجماعة هى الفرقة الوحيدة التى حالفها الصواب والسداد فى فهم النصوص من الكتاب والسنة، حيث لم يقدموا
العقل على نصوص الوحى، ولم يلغوا عمله، بل وقفوا به عند حده الذى حده الله له، فأعملوه حيث جاز له أن يعمل، ووقفوا به حيث حق له أن
يقف0
7- فساد منهج المستشرقين فى دراستهم للإسلام، مهما حاولوا إدعاء المنهجية العلمية التى يزعمونها، وسبب ذلك عدم تخلصهم
من العصبية والعداء للإسلام وأهله0
8- نجاح الاستشراق فى استقطاب كثير من أبناء الإسلام الذين انخدعوا بأفكاره وآرائه وتأثروا بثقافاته ومناهجه، وكثير منهم يمثلون
رموزاً بارزة فى بلدانهم، فكان لذلك أثر بالغ فى نشر تلك الأفكار بين المسلمين،وانخداع السذج منهم بها،وتفلت كثير منهم بسببها من التمسك
بالشرع،فكان خطرهم أعظم،وفسادهم أكبر،لأنهم يهدمون السنة من داخلها0
9- أظهر البحث بما لا يدع مجالاً للشك، أنه لو سلمنا جدلاً أنه يكفى الاستناد على القرآن وحده فى تحليل، الحلال وتحريم الحرام …
ولم نعبأ بالسنة أبداً، وتركنا القرآن يخطئ فيه المخطئون، ويتعمد فيه الكذب الكذابون، ويتلاعب فيه الملحدون، ويخوض فيه المنافقون بما
تسوله لهم نفوسهم، وتمليه عليهم رؤساؤهم وشياطينهم، فإن الخلاف بين الناس لا يزول كما هو معلوم بالضرورة، وإنما سيزيد ويستفحل،
ويصل بهم إلى مدارك الهاوية، ويتفرق بهم فى دروب التيه0
10- أكد البحث أن عدم الأخذ بالسنة دعوة إلحادية، يريد أصحابها لنا الإعراض عن هدى النبوة، وينسون أنهم يتمسكون بتشريعات
واهية، لا أساس لها تقوم عليه، ولو سلمنا لهم جدلاً أنه يجب إبطال السنة، مع صحة نقلها بالإسناد المتصل؛ الذى هو منَّة عظيمة خص الله
بها الأمة الإسلامية دون سائر الأمم، لكان لزاماً علينا من باب أولى أن نبطل جميع التشريعات المتداولة فى الدنيا مهما كان مصدرها سماوياً
أو وضعياً لأن من المُسَلمَّ أن البقاء للأصح سنداً، والأصدق رواية0
11- إن منكرى السنة بجملتها تسول لهم نفوسهم المريضة وتصور لهم عقولهم المتحجرة، ادعاء العلم بدين الله وأسرار شريعته أكثر
من رسوله  – والعياذ بالله – وإلا فكيف يتجرؤون أن ينكروا سنته، وإذا كان ذلك كذلك فمن الذى يطاع : رسول الله ، أم الخارجين عن دين
الله؟!
12- قرر البحث أن السنة ضرورة دينية، وأن كثيراً من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، والتى أجمع عليها الفقهاء؛ متوقفة
على حجيتها، فلو لم تكن حجة، كيف يتوقف الضرورى – وهو الإجماع – على ما ليس بضرورى – وهى السنة؟!
13- إن الأدلة الشرعية جميعها متوافقة متآلفة متلائمة، لا اختلاف، ولا تنافر، ولا تضارب بينها، كما يشهد لذلك قول الحق تبارك
وتعالى : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا( ) ومن هنا فالشريعة خالية البتة من كل تناقض،
وتعارض حقيقيين لإستلزامهما العجز والجهل المحالين على الله تعالى، هذا وإن أى تعارض يراه الباحث إنما يكون بحسب الظاهر فقط بالنسبة
إليه، أو لكونه يتوهم ما ليس بدليل دليلاً، أو لتصوره أن نصين من النصوص يدلان على حكمين متعارضين مختلفين،بينما النصان فى واقع
الأمر لا تعارض، ولا اختلاف فى حكمهما، بل لكل واحد منهما جهة غير جهة الآخر، فالتعارض حينئذ يكون سببه عجز الباحث وعدم
درايته،لكونه غير معصوم من الخطأ،لا فى النص ولا فى مدلوله على الحكم0
14- إن دعوى وجود عقليات مخالفة للشرع، لا حقيقة لها عند الاعتبار الصحيح، بل هى أوهام وخيالات، وشبه عارية عن الصواب،
إضافة إلى أنه لا ضابط عند من يرد النصوص بالقرآن والعقل يفرق به بين ما يرد، وما لا يرد0
15- رد النصوص عقلاً أوجد أثراً بالغاً فى زعزعة كثير من العقائد، وعدم احترام نصوص الوحى الاحترام اللائق، والتهوين من
شأنها0
16- أن جميع ما يتناقله الشيعة الرافضة، وأهل البدع فى كتبهم من المطاعن العامة والخاصة فى أصحاب رسول الله ، لا يعرج
عليها ولا كرامة، فهى أباطيل وأكاذيب مفتراه إذ دأب الرافضة، وأهل البدعة رواية الأباطيل، ورد ما صح من السنة المطهرة، والتاريخ0
17- وجدت من خلال صحبتى لبعض خصوم السنة، أنهم جميعاً من أصحاب الترف، والكبر، الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم من
مظانه، ومن أهله، فهم كما تنبأ بهم المصطفى  بقوله “لا ألفينَّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه
فيقول لا ندرى، ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه”( )0

هذه أهم نتائج الدراسة فى موضوع : “السنة النبوية فى كتابات أعداء الإسلام فى الكتابات العربية” وإذا كان لى أن اقترح أو أوصى بشئ فى
هذا المقام؛ فإنى اقترح وأوصى بما يلى :
1- دراسة شبهات أعداء السنة قديماً وحديثاً، وبيان بطلانها من خلال تدريس تاريخ السنة وعلومها0
2- إخضاع الكتابات المتعلقة بما يمس السنة النبوية للتدقيق والتمحيص، وسد منافذ الاجتراء على السنة النبوية بديار المسلمين،
وتجريم ذلك فى جميع الوسائل0
3- الحكم بالارتداد على منكرى السنة النبوية، وتنفيذ أحكام الله فيهم بمعرفة القضاء؛ لأن منكر السنة منكر للقرآن0
4- الحكم بالابتداع على رادى الأحاديث النبوية الصحيحة، وإقامة عقوبة التعزير عليهم وإرشادهم إلى الحق0
قال نعيم بن حماد – رحمه الله – : “من ترك حديثاً معروفاً، فلم يعمل به، وأراد له علة، أن يطرحه، فهو مبتدع”( )0
5- العمل على أن يكون للمحدثين رابطة على مستوى العالم الإسلامى؛ تجمع شملهم، وتقنن أعمالهم، وتلم شعث جهودهم0
6- مواصلة العمل الجاد، وتضافر الجهود،وتشابك الأيدى،وإخلاص النية،كى نبين ما ينطوى عليه الغرض الخبيث الذى يلتقى عليه
أعداء الله للنيل من سنة رسوله ، ومن رواتها الثقات الأعلام، ومن ثم وقف هذه الحملة الشرسة المسعورة التى تستهدف هدم القرآن وكل
ما يتصل به من سنة، وتاريخ، وأمة تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها0
وبعـد
فهذا آخر ما فتح الله على به، ووفقنى لكتابته فى هذا الموضع الجليل، والبحث الخطير، الذى اعترف فيه بالعجز والتقصير0

ولعلى أكون قد أصبت فى بعض مسائله، وشفيت الغليل فى شئ من مباحثه0 فإن يكن ذلك حقاً : فبفضل الله، وهدايته، وحسن
توفيقه، وعنايته0

وفـى الختــام0 أسأل الله  الصفح والغفران، فيما زلت فيه قدمى، وانحراف فيه عن جادة الحق قلمى0

اللهم تقبل هذا الجهد الضئيل خالصاً لوجهك الكريم
وانفع به المستفيدين، وارزقنى دعوة صالحة منهم، ينالنى بها عفوك ورضاك
وآخر دعوانا : “أن الحمـد لله رب العالميـن”
وصلى الله على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين
وعلى آله، وصحبه، والمتمسكين بسنته أجمعين0

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: