مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 7-14

نهيهم عنه قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً، كالقرآن0 ولو كانوا فهموا عن النبى  أنه يريد ذلك لكتبوا
ولأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة
المعروفة للجمهور بجريان العمل بها”( )0

وأيد الأستاذ رشيد رضا فى ذلك محمود أبو رية( )، وجمال البنا فى كتابه : “السنة ودورها فى الفقه الجديد” إذ يقول: “ولا جدال
فى صحة ما ذهب إليه السيد رضا-رحمه الله- من أن الصحابة “لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً دائماً كالقرآن” فالحق أبلج، ولا يقف فى
سبيله تلك الدعاوى والتعلات”( )، وفى موضع آخر يصرح بذلك من قوله قا ئلاً : “نهى الرسول عن كتابة حديثه ورفض الخلفاء والصحابة
الكتابة، الدلالة الوحيدة التى تستخلص من هذه الوقائع : الرسول والخلفاء الراشدون والصحابة أرادوا عدم تأبيد ما جاءت به السنن من أحكام”(
)
وهكذا يذهب أعداء السنة إلى أن علة النهى عن كتابة السنة هى : أن الرسول  والصحابة أرادوا ألا يجعلوا مع كتاب الله  كتاب
آخر، وأنهم ما أرادوا أن تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم، ويستدلون على ذلك بما مر من حديث أبى هريرة مرفوعاً وحديثى أبى
بكر وعمر الموقوفان، ويزعمون أن تلك الأحاديث صريحة فى دعواهم0

الجواب عن شبهة أن النهى عن كتابة السنة يدل على أن النبى  وأصحابه أرادوا ألا يكون مع كتاب الله  كتاب آخر 0

إن ما استدل به أعداء السنة على زعمهم لا حجة لهم فيه، لأنه إذا جاء فى حديث أبى هريرة قوله  “أكتاب غير كتاب الله” ألم يقل  بعدها
مباشرة (امحضوا كتاب الله أو خلصوه) وهو مما يشير إلى العلة الحقيقية فى النهى، وهى : صيانة كتاب الله مما اختلط به من السنة بلا تمييز؛
بدليل : رواية أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى  وهى أصح سنداً من رواية أبى هريرة0 ثم أليس فى حديث أبى هريرة  أمر النبى 
بالتحديث والتبليغ وهو أبلغ فى حجية السنة كما مر … وكذا حديث أبى بكر  على فرض صحته أليس فيه دليل على كتابة السنة فى عهده ،
وما حرقه  لما جمعه من أحاديث ليس شكاً منه فى حجية السنة، كيف! وقد علل ذلك بخشيته أن يكون الذى حدثه وَهِمَ فَكَرِهَ تقلد ذلك كما
خشى أن يتوهم متوهم أن ما جمعه هو كل ما قاله رسول الله  فيقول هذا المتوهم، كما قال أبو بكر معللاً صنيعه : “لو كان قاله رسول الله 
ما غاب على أبى بكر” ثم يصرح  بعد ذلك مباشرة بأنه حدث بحديث رسول الله  ولم يجمع فى الصحيفة التى حرقها كل أحاديث رسول الله 
فيقول : “إنى حدثتكم الحديث ولا أدرى لعلى لم أتتبعه حرفاً حرفاً”0

أما حديث عمر  ففيه أبلغ حجة على حجية السنة عند الصحابة أجمع  فعمر  عندما هم بكتابة السنة -ليس مجرد الكتابة0
فهى كانت مكتوبة- وإنما المراد بالكتابة تدوينها تدويناً عاماً فى مكان واحد، كما كان  صاحب اقتراح تدوين القرآن الكريم تدويناً عاماً فى
مكان واحد زمن أبو بكر الصديق  وتردد أبو بكر وزيد بن ثابت فى هذا التدوين فى أول الأمر -كان منهم تورعاً كما قالوا : “كيف نفعل شيئاً
لم يفعله رسول الله  ؟!

فهل يستطيع مخلوق على وجه الأرض أن يقول أن تردد أبو بكر وزيد –رضى الله عنهما- دليل على عدم حجية كتاب الله  عندهم( )؟؟
ألم يقل لهم الفاروق عمر “أنه والله خير”، فكان الأمر كما قال0

وعندما هم بتدوين السنة تدويناً عاماً، كالقرآن، واستشار فى ذلك الصحابة هل تردد واحد منهم؟ كلا! كما جاء فى الحديث ”
فأشاروا عليه بأن يكتبها” ولكنه عدل عن هذا التدوين فى زمنه لعدم الأمن من انشغال الناس بها والاهتمام بها على حساب كتاب الله ( ) حتى
لا يبقى المصحف بغبارة لا ينظر فيه كما قال الضحاك، وهذا هو معنى قوله “وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشىء أبداً”، ولم يقل : “حسبنا
كتاب الله”0
ولو كان المراد بالانشغال عن السنة فى قول النبى  والصحابة  خشيتهم أن تكون السنة حجة وكتاباً آخر مع كتاب الله  كما فهم أعداء
الإسلام وزعمهم بأن هذا السبب “ملزم بعدم كتابة الأحاديث إلى يوم يبعثون، ولا يمكن لهذا الأمر أن ينسخ أبداً” كما مر من قول نيازى عز
الدين0

لو كان هذا -الفهم الأعوج- هو المراد بالانشغال الذى كان من أجله النهى عن كتابة السنة :
أ- مـا كان للنبـى  أن يكتــب0
ب- ولما كان له أن يأذن بالكتابة عنـه0
ج- وما كان له أن يأمر بالتحديث عنه0
د-ولما كان للصحابة والتابعين أن يقتدوا بالنبى فيما سبق، من الكتابة والإذن بالتحديث
هـ- ولما كان هناك مَعْنَى [ لَـهِـمِّ ] عمر بالتدوين وإقرار الصحابة له على ذلك ثم عدوله عنه، إذ كيف يهم بتدوين شىء ليس بحجة،
وكيف يجوز على الصحابة أجمع إقراره على هذا التدوين؟
و- بل ولم يجز تدوين السنة تدويناً رسمياً فى عهد عمر بن عبد العزيز 0
ز- ولما جاز إجماع الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا على كتابتها وتدوينها
ح- بل ولما جاز منهم الإجماع على حجيتها واعتبارها المصدر التشريعى الثانى الملازم لكتاب الله  لا ينفصل أحدهما عن الآخر0

ثانياً : الجواب عن شبهة أن النهى عن كتابة السنة يدل على أن النبى  وأصحابه  أرادوا ألا تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم :
إذا بطل هذا الفهم الأعوج من أعداء الإسلام لمعنى”خوف النبى  والصحابة  من الانشغال بالسنة عن كتاب الله، بألا يكون مع
كتاب الله كتاب آخر، بطل أيضاً ما فهموه من أن النهى عن كتابة السنة من النبى  والصحابة والتابعين 0 دلالته عدم صلاحية السنة
لكل زمان ومكان، وعدم تأبيد ما جاء به السنن من أحكام0

وهذا ما تأثر به رشيد رضا -رحمه الله- وعبر عنه بأنهم:”لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً كالقرآن”0
وكيف يصح القول بأن مراد النبى  من نهيه عن كتابة سنته ألا تكون ديناً عاماً دائماً كالقرآن0
1- فعلام إذن يقرنها مع كتاب الله  مبيناً أن الاعتصام بهما عصمة من الضلال فى قوله: “إنى قد تركت فيكم ما إن اعتصتم به فلن تضلوا أبداً
كتاب الله وسنة نبيه”( )0
2- وعلام يأمر بتبليغ سنته المطهرة فى قوله : “ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع( )0
3- وعلام يوصى بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين والعض عليها بالنواجذ عند الاختلاف فى قوله  : “فإنه من يعش منكم : فسيرى
اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ( )0
4- وعلام التحذير الشديد من الكذب  : “إن كذباً على ليس ككذب على أحد0 فمن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”( )0
5- وعلام يحذر ممن يأتيه الأمر مما أمر به أو نهى عنه فيعترض ويقول : “بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا
فيه حراماً حرمناه، ثم يبين  أن ما يجرمه بوحى مثل ما حرمه الله فى كتابه قائلاً : “إلا وإن ما حرم رسول الله  مثل ما حرم الله”( ) وذلك
التحريم دينٌ دائمٌ إلى يوم القيامة كما سيأتى من قول عمر ابن عبدالعزيز : “فما أحل على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على
لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة”0
6- علام يصف الزائغ عن سنته المطهرة بأنه هَالِكٌ كما قال  : “قد تركتكم على البيضاء0 ليلها كنهارها0 لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك”( ) 0
فعلام يدل هذا إذا لم تكن السنة النبوية حجة وديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم!
إن كل ما نقلناه هنا من هذه الأحاديث ونحوها كثير بمثابة التصريح من رسول الله  بأن سنته المطهرة حجة ودينٌ عامٌ دائمٌ ملازمٌ للقرآن
الكريم إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ( )وهذا ما فهمه الصحابة من رسول الله  فهم أول المخاطبين بما
سبق من الأحاديث، وهم أول المخاطبين بكتاب الله  وفيه الأمر بطاعته  والتحذير من مخالفة أمره قال تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( )0

فهل هذا الأمر الإلهى بإتباع أمر نبيه  الوارد فى سنته المطهرة أراد به رب العزة ألا يكون ديناً عاماً دائماً كالقرآن ؟؟؟

إن القول بهذا طعن فى القرآن نفسه، وفى عالمية الدعوة الإسلامية؛ ثم إن رب العزة يقسم بذاته المقدسة على عدم إيمان من لم يحكم رسوله
فى كل شأن من شئون حياته ومن المعلوم بالضرورة أننا نحكم الرسول  بذاته وهو حى، فإذا انتقل الرسول  إلى الرفيق الأعلى حكمنا سنته
المطهرة، على أنه ليس فقط أن نحكم الرسول  وسنته، بل لابد وأن تمتلئ قلوبنا بالرضا والسعادة بهذا الحكم النبوى وأن نخضع له خضوعاً
كاملاً مع التسليم التام قال تعالى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا( ) وعلى ذلك يؤكد النبى  بقوله : “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به”( )0

ولم يخالف فى ذلك أحد من أصحاب رسول الله ، ولا يقول بخلاف هذا إلا من جهل طريقتهم فى العمل بأحكام الدين وكيف كانوا
يأخذونها0

فالصحابة أجمع وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين كانوا يعظمون حديث رسول الله  ويحكمونه فى كل شأن من شئون حياتهم0
فعن ميمون بن مهران( ) قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصم نظر فى كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به، وإن لم
يكن فى الكتاب، وعلم من رسول الله  فى ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال : أتانى كذا وكذا فهل علمتم أن
رسول الله  قضى فى ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله  فيه قضاءاً فيقول أبو بكر : الحمد لله الذى جعل فينا من
يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله  جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به( )
أ0هـ0

وعن جابر بن زيد( )، أن ابن عمر لقيه فى الطواف، فقال له : يا أبا الشعثاء، إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو
سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت( )0
وأخرج الدارمى عن شريح( ) : أن عمر بن الخطاب كتب إليه : “إن جاءك شىء فى كتاب الله فاقض به، ولا يلتفتك عنه الرجال،
فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله فانظر سنة رسول الله ، فاقض بها، فإن جاءك ما ليس فى كتاب ولم يكن فيه سنة من رسول الله  فانظر ما
اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله ولم يكن فى سنة رسول الله  ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أى الأمرين شئت :
إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن فتأخر فتتأخر، ولا أرى التأخير إلا خيراً لك( )، ونحو ذلك روى عن ابن مسعود وابن
عباس وغيرهم( ) -رضى الله عنهم أجمعين-0

وبذلك كانت مصادر الأحكام فى الصدر الأول أربعة :
1- القرآن الكريم : وهو المصدر الأول لهذا الدين وعمدة الملة، وكانوا يفهمونه واضحاً جلياً، لأنه بلسانهم نزل مع ما امتازوا به من
معرفة أسباب نزوله0
2- السنة النبوية : وهى المصدر الثانى الملازم للمصدر الأول، وقد اتفقوا على اتباعها متى ظفروا بها0
3- القياس، أو الرأى المستند إلى كتاب الله أو سنة رسول الله 0
4- الإجماع المستند إلى نص مـن كتـاب أو سنـة أو قيـاس( )0

ولم يزل أئمة الإسلام من المحدثين والفقهاء من التابعين فمن بعدهم إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة على تحكيم سنة رسول
الله  يقول القاسمى : “كان عندهم أنه إذا وجد فى المسألة قرآن ناطق فلا يجوز التحول إلى غيره، وإذا كان القرآن محتملاً لوجوه فالسنة
قاضية عليه، فإذا لم يجدوا فى كتاب الله أخذوا بسنة رسول الله  سواء كان مستفيضاً دائراً بين الفقهاء، أو كان مختصاً بأهل بلد، أو أهل بيت
أو بطريق خاصة، وسواء عمل به الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به، ومتى كان فى المسألة حديث فلا يتبع فيها خلاف أثر من الآثار، ولا
اجتهاد أحد من المجتهدين، وإذا فرغوا جهدهم فى تتبع الأحاديث، ولم يجدوا فى المسألة حديثاً، أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين، ولا
يتقيدون بقوم دون قوم، ولا بلد دون بلد … فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شئ فهو المقنع، وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علماً،
وأورعهم ورعاً، أو أكثرهم ضبطاً، أو ما اشتهر عنهم، … وكانت هذه الأصول مستخرجة عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم( ) كما مر فى
الأحاديث الموقوفة0
فأين الاتفاق الذى زعمه محمد رشيد رضا -ومن قال بقوله من أعداء السنة- أن الصدر الأول من الصحابة  لم يعملوا بالأحاديث القولية
ولم تكن عندهم سنناً متبعة بالعمل؟
بل أين نزاع صحابى واحد فى عدم العمل بالأحاديث القولية وعدم اعتبارها من السنة المطهرة؟!

وكيف يصح هذا القول فى حق أناس أشربت قلوبهم بحب رسول الله  وسنته المطهرة وتعظيمها وتوقيرها وزجر من لم يعظمها
وهجره0

يدل على ذلك ما روى عن عبد الله بن المغفل( )  أنه رأى رجلاً يخذف( ) فقال له لا تخذف فإن رسول الله  نهى عن الخذف أو
كان يكره الخذف-وقال:إنه لا يصاد به صيداً ولا ينكأ( )به عدو،ولكنها قد تكسر السن، وتفقأ العين0ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له أحدثك عن
رسول الله  أنه نهى عن الخذف -أو كره الخذف- وأنت تخذف؟لا أكلمك كذا وكذا”( )،وفى رواية للدارمى:”والله لا أشهد لك جنازة ولا أعودك
فى مرض، ولا أكلمك أبداً”( )
وعن ابن عمر  أن رسول الله  قال : إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها0 فقال فلان ابن عبد الله إذا والله أمنعها!
فأقبل عليه ابن عمر، فشتمه شتمة لم أره شتمها أحداً قبله، ثم قال : أحدثك عن رسول الله  وتقول : إذاً والله أمنعها؟!!( )0

وفى رواية لابن عبد البر : قال بلال بن عبد الله بن عمر( ) فقلت أما أنا فسأمنع أهلى فمن شاء فليسرح أهله فالتفت إلى وقال :
لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله، تسمعنى أقول أن رسول الله  أمر أن لا يُمْنَعْنَ، وقام مغضباً”( )0

وعن عبادة بن الصامت أن النبى  نهى عن درهمين بدرهم، فقال فلان : ما أرى بهذا بأساً يداً بيد، فقال عبادة أقول : قال النبى
 وتقول : لا ارى به بأساً؟!! والله لا يظلنى وإياك سقفٌ أبداً”( )0

وعلى الدرب صار التابعون فمن بعدهم من أئمة المسلمين، فعن قتادة( )، قال : حدث ابن سيرين رجلاً بحديث عن النبى  فقال
رجل : قال فلان كذا وكذا0 فقال ابن سيرين : أحدثك عن النبى  وتقول : قال فلان وفلان كذا وكذا؟ !! لا أكلمك أبداً( )0
وقال الحميدى( ) : سأل رجل الشافعى عن مسألة، فأفتاه قائلاً : قال النبى  كذا وكذا، فقال الرجل : أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟
فقال الشافعى : أرأيت فى وسطى زناراً؟ أترانى خرجت من الكنيسة؟ أقول : قال النبى ، وتقول لى : أتقول بهذا؟ أروى عن النبى  ولا أقول
به( )؟

ومن هنا حث السلف الصالح على التأدب مع السنة المطهرة فيمن دعى إلى التحاكم إليها يقول الإمام النووى -رحمه الله- : ”
وكذلك ينبغى إذا قال له صاحبه : هذا الذى فعلته خلاف حديث رسول الله  أو نحو ذلك أن لا يقول : لا التزم الحديث، أو لا أعمل بالحديث، أو
نحو ذلك من العبارات المستبشعة، وإن كان الحديث متروك الظاهر لتخصيص أو تأويل أو نحو ذلك، بل يقول عند ذلك : هذا الحديث مخصوص
أو متأول أو متروك الظاهر بالإجماع وشبه ذلك”( )0

قوم هذا حالهم فى تعظيمهم وتوقيرهم لسنة نبيهم  وتحكيمها فى كل شأن من شئون حياتهم، وزجرهم وهجرهم -ولو كان
قريباً لهم- من لم يتأدب معها إذا دعى إلى التحاكم إليها، كيف يقال أنهم يريدوا أن يتخذوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً كالقرآن ( )؟!!!
اللهم إن هذا إنكار لإجماع الأمة منذ عهد نبيها  إلى يومنا هذا! وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها – بحجية السنة المطهرة
واتخاذها ديناً عاماً دائماً ملازماً لكتاب الله  وهذا الإجماع قائم على الحقائق الثابتة فى كتاب ربنا ، وسنة نبينا  وسنة الخلفاء الراشدين
والصحابة أجمع  أجمعين وعلى هذا الإجماع أئمة المسلمين من التابعين فمن بعدهم إلى يومنا هذا0

وما أصدق ما قاله عمر بن عبد العزيز فى إحدى خطبه قال : “يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبياً، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذى
أنزله عليه كتاباً، فما أحل الله على لسان نبيه ؛ فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه ؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا إنى
لست بقاض ولكنى منفذ، ولست بمبتدع ولكنى متبع، ولست بخير منكم غير أنى أثقلكم حملاً، ألا وأنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع فى
معصية الله، ألا هل أسمعت”( )0
وقال أيضاً -رحمه الله- “سن رسول الله  وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله  ، واستكمال لطاعة الله ،
وقوة على دين الله ، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فى شئ خالفها، من اهتدى بها فهو المهتد، ومن انتصر بها فهو
منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله تعالى ما تولاه، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً”( )0

وقال الحافظ ابن عبد البر : “ليس لأحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن النبى  ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو إجماع، أو بعمل
يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن فى سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلاً عن أن يتخذ إماماً ولزمه إثم الفسق( ) أ0هـ0
والله أعلم

استعـراض شبهـة
أن النهى عن الإكثار من التحديث دليل على أن الصحابة  كانوا يجتهدون
فى مقابل السنة الشريفة، ولا يأخذون بها والرد عليها

ذهب بعض غلاة الشيعة إلى تقسيم الصحابة إلى مدرستين( )، أو إلى طائفتين( )، باعتبار تعاملهم مع النصوص الصادرة عن الرسول  :
1- المدرسة أو الطائفة الأولى : “طائفة التعبد المحض” وهى التى انتهجت منهاج الطاعة والامتثال المطلق للأحكام الصادرة عن الله
 ورسوله  ويعنون بهم أنفسهم0
2- المدرسة أو الطائفة الثانية : “طائفة الاجتهاد والرأى” وهى التى انتهجت منهاج الاجتهاد فى مقابل النص وخرجوا عليه وتأولوه
-ويعنون بهم أهل السنة من السلف وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون- ( )0
ويستدلون على هذا التقسيم الباطل، بمواقف اجتهادية وقعت من الصحابة زمن النبوة وبعدها0
والجـواب : يبطل التقسيم السابق الذى ذهب إليه بعض غلاة الشيعة ما هو مقرر عند الأصوليين من اتفاقهم على جواز الاجتهاد( ) بعد الرسول
( ) أما فى عصره  فقد اختلفوا فيه، فذهب أكثر أهل الأصول على جوازه فى حضرته وغيبته  والتعبد به( ) ومنع من ذلك الجبائى( ) وأبى
هاشم( )، وهو قول ضعيف كما قال الزركشى : لأنه لا يؤدى إلى مستحيل فإن أرادوا منع الشرع توقف على الدليل وهو مفقود( )0

ويدل على ما سبق، من وقوع الاجتهاد من الصحابة -بما فيهم الإمام علىَّ كرم الله وجهه- زمن النبوة بحضرته وغيبته
، والتعبد بذلك الاجتهاد0

حديث معاذ بن جبل ( )، أن رسول الله  لما بعثه إلى اليمن قال : “كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بما فى كتاب
الله، قال فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله  قال : فإن لم يكن فى سنة رسول الله ؟ قال : اجتهد رأيى، قال معاذ فضرب رسول
الله  صدرى، ثم قال : الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله  لما يرضى رسول الله ( )”0
يقول الإمام ابن قيم الجوزية : “وقد اجتهد الصحابة فى زمن النبى  فى كثير من الأحكام ولم يعنفهم كما أمرهم يوم الأحزاب أن
يصلوا العصر فى بنى قريظة( )، فاجتهد بعضهم وصلاها فى الطريق، وقال لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى،
واجتهد آخرون وأخروها إلى بنى قريظة فصلوها ليلاً، نظروا إلى اللفظ، وما عنف واحداً من الفريقين، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وهؤلاء
سلف أصحاب المعانى والقياس( )0
واجتهد سعد بن معاذ( ) فى بنى قريظة وحكم فيهم باجتهاده، فصوبه النبى  وقال: “لقد حكمت فيهم بحكم الله ”( )0

وعن زيد بن أرقم( )  قال : كان على  باليمن فأتى بإمرأة وطئها ثلاثة نفر فى طهر واحد فسأل اثنين أتقران لهذا بالولد فلم
يقرا، ثم سأل اثنين أتقران لهذا بالولد فلم يقرا، ثم سأل اثنين، حتى فرغ، يسأل اثنين اثنين عن واحد فلم يقروا، ثم أقرع بينهم فألزم الولد الذى
خرجت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثى الدية، فرفع ذلك للنبى  “فضحك حتى بدت نواجذه”0 وفى رواية فقال : “لا أعلم إلا ما قال على ( )”0

وعن البراء بن عازب( )  قال : لما صالح رسول الله  أهل الحديبية كتب على ابن أبى طالب  بينهم كتاباً، فكتب “محمد رسول
الله” فقال : المشركون لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولاً لم نقاتلك فقال لعلى : امحُـهُ0 فقال على : ما أنا بالذى أَمْحاهُ، فَمَحَاهُ رسول
الله  بِيَدِه … الحديث”( )0

ففى امتناعه  من محو اسمه الشريف من الصحيفة أبلغ رد على ما يذهب إليه غلاة الشيعة من تقسيم الصحابة إلى مدرستين
أو طائفتين، زاعمين أن الإمام على  لم يجتهد زمن النبوة وأنه  وشيعته من طائفة التعبد المحض وباقى الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء
الراشدون وسائر أهل السنة من طائفة الاجتهاد والرأى فى مقابل النص0 ولا يخفى أن امتناعه  بعد طلب النبى  محو ما كتب اجتهاد منه فى
مقابل النص النبوى0 وإذا كان هذا موقف اجتهادى منه فى صلح الحديبية، فموقف الفاروق عمر الاجتهادى فى نفس الصلح، طعن به، على
الشهرستانى، فى عقيدة عمر ، وهو قول عمر للنبى  “ألست نبى الله حقاً؟ قال بلى0 قلت فلم نعطى الدَّنِيَّةَ فى ديننا إذاً؟ …إلخ الحديث”( )
استدل بذلك على أنه  شك فى صحة قول الرسول وعدم الاطمئنان بكلامه ، وأن هذا النص يوضح أنه  لم يكن من أتباع مسلك التعبد
المحض( )0

والحقيقة أنه لو لم يرد عن سيدنا عمر  سوى حديث تقبيله الحجر الأسود وقوله  : “إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت
النبى  يقبلك ما قبلتك”( ) لكفى فى بيان أنه من أهل التعبد المحض بالسنة المطهرة، وهو القائل : “إنه سيأتى ناس يجادلونكم بشبهات القرآن
فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله”( )0

والحق أن فى نفس القصة ما يدحض افتراء الشهرستانى ومن قال بقوله، فموقف عمر لم يكن شكاً بل طلباً لكشف ما خفى
عليه، وحثاً على إذلال الكفار، لما عرف من قوته فى نصرة الدين0

فإن أراد على الشهرستانى الشك فى الدين فمردود بما وقع فى رواية ابن إسحاق( )” أن أبا بكر لما قاله له:الزم غَرْزه( ) فإنه رسول الله، قال
عمر:وأنا أشهد أنه رسول الله”( ) 0
وإن أراد على الشهرستانى الشك فى المصلحة وعدمها، فمردود أيضاً0

قال الحافظ ابن حجر : “والذى يظهر أنه توقف منه ليقف على الحكمة فى القصة وتنكشف عنه الشبهة، ونظيره قصته فى الصلاة على رأس
المنافقين عبد الله بن أبى ابن سلول0 فعن ابن عمر -رضى الله عنهما- أنه قال “لما توفى عبد الله بن أبى جاء ابنه عبدالله( ) بن عبد
الله، إلى رسول الله  فأعطاه قميصه، وأمره أن يكفنه فيه، ثم قام يصلى عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال : تصلى عليه وهو منافق،
وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال : إنما خيرنى الله أو أخبرنى الله – فقال “استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر
الله لهم”( ) فقال : سأزيده على سبعين0 قال فصلى عليه رسول الله  وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( )0

يقول الحافظ ابن حجر : “وإن كان فى الأولى (أى فى قصة الحديبية) لم يطابق اجتهاده الحكم بخلاف الثانية طابق اجتهاده الحكم،
ونزل القرآن الكريم مؤيداً لهذا الاجتهاد، بقوله تعالى : وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا
وَهُمْ فَاسِقُونَ( )0

إلا أنه  بالرغم من اجتهاده فى هذا الموقف ترك رأى نفسه، واجتهاده، وتابع النبى  وصلى معه كما جاء فى الحديث : “فصلى
عليه رسول الله  وصلينا معه” وإلا فقد جاء اجتهاده  موافقاً لحكم الله 0

أما موقفه الاجتهادى فى صلح الحديبية، فقد عمل أعمالاً صالحة ليكفر عنه هذا التوقف فى الامتثال للأمر النبوى ابتداءً، وورد
ذلك صريحاً فى رواية ابن إسحاق : “وكـان

رابعاً : إنهم كانوا ينهون أو يمتنعون عن التحديث والإكثار منه، إذا كانت الأحاديث من المتشابهات التى يعسر على العامة، وضعاف العقول
فهمها، فيحملونها على خلاف المراد منها، ويستدلون بظاهرها، ويكون الحكم بخلاف ما فهموا، وقد تؤدى تلك المتشابهات إلى تكذيب الله
ورسوله( )0

وفى ذلك يقول ابن مسعود  : “ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة”( ) ويقول على  “حدثوا
الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله”( )0

يقول الإمام الذهبى:”فقد زجر الإمام على ،عن رواية المنكر،وحث على التحديث بالمشهور، وهذا أصل كبير فى الكف عن بث
الأشياء الواهية والمنكرة من الأحاديث فى الفضائل والعقائد والرقائق،ولا سبيل إلى معرفة هذا من هذا إلا بالإمعان فى معرفة الرجال”( )

ويقول الإمام ابن حجر : والمراد بقوله “بما يعرفون” أى يفهمون0 وقوله : “ودعوا ما ينكرون” أى يشتبه عليهم فهمه0 وفيه
دليل على أن المتشابه لا ينبغى أن يذكر عند العامة0 وممن كره التحديث ببعض دون بعض، الإمام أحمد فى الأحاديث التى ظاهرها الخروج
على السلطان، ومالك فى أحاديث الصفات، وأبو يوسف فى الغرائب، ومن قبلهم أبى هريرة  حيث يروى عنه البخارى أنه قال : “حفظت من
رسول الله  وعاءين : فأما أحدهما فبثثته0 وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم”( )0

قال ابن حجر : وحمل العلماء الوعاء الذى لم يبثه على ما يتعلق بالفتن، واشراط الساعة وتغير الأحوال والملاحم فى آخر
الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه ويعترض عليه من لا شعور له به”( )0 ويؤيد ذلك قول أبى هريرة : “لو حدثتكم بكل ما فى جوفى لرميتمونى
بالبعر” قال الحسن : راوى الحديث عن أبى هريرة : صدق والله … لو أخبرنا أن بيت الله يهدم أو يحرق ما صدقه الناس”( )0

ويؤيد أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها قوله  : “إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة0 ولولا آيتان فى
كتاب الله ما حدثت حديثاً ثم يتلو : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( )0

وأبو هريرة فى كل هذا، بل والصحابة أجمع، لا يكتمون علماً ينتفع به حتى ولو كان هذا العلم ليس فيه حكم شرعى0

كيـف! وهو  الراوى لقوله  : “ما من رجل يحفظ علماً فيكتمه، إلا أتى به يوم القيامة مُلْجَماً بلجامٍ من النار”( )0

وهذا أبو ذر  يقول : “لَوْ وَضَعْتُم الصَّمْصَامَة( ) على هَذِهِ (وأَشارَ إلى قَفَاهُ) ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنىِّ أُنفِذُ كَلَمةً سَمِعْتُها مِنَ النبىِّ  قَبْلَ أَنْ تُجيزوا علىَّ
لأَنْفَذْتُها”( )0

فالمراد بمنع التحديث هنا كما قال الحافظ ابن حجر فى ضابطه : “أن يكون ظاهر الحديث يقوى البدعة، وظاهره فى الأصل غير مراد، فالإمساك
عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب( )0
وهذا يعنى أن من لا يخشى عليه ذلك يبلغونه خروجاً من إثم كتمان العلم0
ويقول صاحب توجيه النظر : “إن المحدث يجب عليه أن يراعى حال من يحدثهم، فإذا كان فيما ثبت عنده ما لا تصل إليه أفهامهم وجب عليه
ترك تحديثهم به دفعاً للضرر، فليس كل حديث يجب نشره لجميع الناس”( )0

وعلى هذا يحمل مرسل ابن أبى مليكه عن أبى بكر الصديق ، فلو كان له أصل فكونه عقب الوفاة النبوية -كما جاء فى
الرواية- يشعر بأنه يتعلق بأمر الخلافة، كأن الناس عقب البيعة بقوا يختلفون، يقول أحدهم : أبو بكر أَهْلُهَا؛ لأن النبى  قال كيت وكيت، فيقول
آخر : وفلان، قد قال له النبى  كيت وكيت، فَأَحَبَ أبو بكر صرفهم عن الخوض فى ذلك، وتوجيهم إلى القرآن وفيه قوله تعالى وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ ( )0

وما فعله الفاروق عمر  وصار فيه على نهجه الصحابة  من المنع من التحديث والإكثار منه كان اتباعاً لمنهاج النبى  القائل
: “كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع”، وعلى الدرب صار أئمة المسلمين من التابعين فمن بعدهم0

فعن ابن وهب قال : قال لى مالك : اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع0 ولا يكون إماماً أبداً، وهو يحدث بكل ما سمع” ونحوه
روى عن عبد الرحمن بن مهدى( )، وغيره0

بقى الكلام على حبس عمر  لبعض الصحابة؛ وهل يكفى لحبسهم أنهم أكثروا من الرواية؟! وهل كان هذا من عمر طعناً منه فى الصحابة،
وتكذيباً لهم كما زعم بعض غلاة الشيعة( )؟!

الجــواب :
أولاً : أما حبس عمر  لبعض الصحابة فعلى فرض صحة الأثر، فليس المراد بالحبس أنه زج بهم فى السجن (وحاشاه من ذلك)، وإنما المراد
أنه  استبقائهم فى المدينة حتى يتثبت من لفظهم ويشهد لذلك رواية الخطيب السابقة (لفظهم سواء) ( ) أى أنه استبقاهم فى المدينة ليتثبت من
لفظهم، ويؤيد ذلك أنهم لما قالوا له تنهانا؟ قال لا، أقيموا عندى، لا والله لا تفارقونى ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم، ونرد عليكم، فما فارقوه
حتى مات” فمع إنكاره عليهم الإكثار لم يمنعهم منه، عندما قالوا له تنهانا؟ فأجاب لا، أقيموا عندى أى استبقاهم فى المدينة لماذا؟ ليس لمنعهم
من الإكثار، وإنما كما قال “نأخذ منكم، ونرد عليكم” فالأمر إذن تثبت فى الحديث فكانوا كما جاء فى الأثر (لفظهم سواء)0

ومما يؤكد لنا أنه لم يزج بأحد فى السجن، ما جاء فى رواية الرَامَهُرْمُزِى من قول شيخه أبى عبد لله البرى قال : “يعنى منعهم الحديث، ولم
يكن لعمر حبس”( ) وهذا على فرض صحة الأثر، وإلا فهو منقطع، لأنه من طريق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ولم يسمع من عمر كما
رجحه الهيثمى وأحمد محمد شاكر، وابن حزم وقال : “ثم هو فى نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلوا عمر من أن يكون اتهم الصحابة،
وفى هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ سنن رسول الله  إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وألاَّ يذكروها لأحد،
فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل هذا، ولئن كان سائر الصحابة متهمين فى الكذب على النبى  فما عمر إلا واحد
منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً، ولئن كان حبسهم، وغيرهم متهمين لقد ظلمهم!
فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أى الطريقتين الخبيثتين شاء، ولابد له من أحدهما0

وإنما معنى نهى عمر  من الحديث عن رسول الله  لو صح، فهو بَيْنٌ فى الحديث الذى أوردناه من طريق قرظة، وهو إنما نهى عن الحديث
بالأخبار عمن سلف من الأمم، وعما أشبه0

وأما نهى عن الحديث بالسنن عن النبى  فهذا ما لا يحل لمسلم أن يظنه بمن دون عمر من عامة المسلمين، فكيف بعمر 0

ودليل ما قلنا أن عمر قد حدث بحديث كثير عن النبى 0 فإن كان الحديث عنه عليه السلام مكروهاً، فقد أخذ عمر من ذلك بأوفر نصيب، ولا
يحل لمسلم أن يظن بعمر  أنه نهى عن شىء وفعله، لأنه قد روى عنه  خمسمائة حديث ونيف، على قرب موته من موت النبى  فصح أنه
كثير الرواية، والحديث عن النبى ، وما فى الصحابة أكثر رواية عن النبىمن عمر بن الخطاب إلا بضعة عشر منهم فقط0فصح أنه قد أكثر
الرواية عن النبى ، فصح بذلك التأويل الذى ذكرناه لكلامه  “( ) أ0هـ0

قلت : وكيف يظن بعمر بنهيه عن الإكثار من الرواية ليتثبت فيها كما سبق، أنه يأمر بكتمان ما أنزل الله  على لسان نبيه 
وهو المعظم الموقر لسنة النبى  الحاكم بها فى كل شأن من شئون حياته، وشئون رعيته( )، وهو القائل  : “تعلموا الفرائض، واللحن
والسنن، كما تعلمون القران”( )، وهو القائل أيضاً : “سيأتى ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب
الله”( ) وهو القائل : “إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأى فضلوا وأضلوا”( )0
فصح بكل هذا أن عمر  أَمَرَ بتعليم السنن، وبين أن أصحابها أعلم الناس بكتاب الله ، وفى المقابل أعداء السنن،وأجهل
الناس بكتاب الله  هم أهل الرأى المذموم0
فهل يصح بعد هذا القول بأن نهى عمر عن الإكثار من الرواية كتماناً للسنة أو أنه أراد ألا تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن؟!! “سبحانك هذا
بهتان عظيم0

أو أنه  كان يتهم الصحابة جميعاً بالكذب على رسول الله  فيكون بهذا متهماً لنفسه بأنه من أصحاب الرأى، ومتهماً لنفسه أيضاً بالكذب فما
هو إلا واحد من الصحابة؛ وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً كما سبق من قول بن حزم0

كما أنه لا يقول بواحد من الأمرين السابقين إلا الرافضة أمثال (مرتضى العسكرى( ) ومروان خليفات( )، وزكريا عباس( )، وعلى
الشهرستانى، الذى مال إلى الأمرين معاً :
أولهما : “إن الخليفة عمر قد أمر بكتمان ما أنزل الله على لسان نبيه  فمنع من التحديث لكتمان ما ورد فى فضائل أهل البيت وما يدل على
إمامتهم”( )0
ثانيهماً: أن الخليفة عمر بن الخطاب وكذا أبو بكر( )؛ كانا يتهما الصحابة جميعاً بالكذب على رسول الله ، وعاب على الإمام ابن حزم، ومن
تبعه من الأعلام قديماً وحديثاً أنهم لم يرتضوا بهذين الأمرين وقال : “لذلك اضطروا إلى حمل نهى عمر على النهى عن التحديث بأخبار الأمم
السالفة، وهذا حمل تبرعى لم يدل عليه دليل من روايات منعه”( )0
وصدق الإمام الذهبى : “فوالله ما يغض من عمر إلا جاهل … أو رافضى فاجر، وأين مثل أبى حفص، فما دار الفلك على مثل
شكل عمر، وهو الذى سن للمحدثين التثبت فى النقل”( )، إن دعوى أن نهى عمر عن الإكثار من الرواية أنه يتهم الصحابة جميعاً بالكذب على
رسول الله  دعوى لا برهان لها، إلا فى كتب الروافض من غلاة الشيعة، ومن قال بقولهم من المستشرقين، ودعاة اللادينية الملحدة0

الجواب عن شبهة : “النهى عن الإكثار من التحديث اتهام من أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما-، للصحابة بالكذب :
إن الصحابة جميعاً وعلى رأسهم عمر، كانوا أبعد الناس فى أن يشك بعضهم فى صدق بعض، والأدلة على هذا متوافرة جداً، فقد كان الصحابى
إذا سمع من صحابى آخر حديثاً صدق به، ولم يخالجه الشك فى صدقه، وأسنده إلى الرسول  كما لو كان سمعه بنفسه، وعلى هذا اعتماد أئمة
الحديث فى مرسل الصحابى( )0

يدل على ذلك ما روى عن عمر  قال : “كنت أنا وجار لى من الأنصار فى بنى أمية بن زيد، وهى من عوالى المدينة، وكنا
نتناوب النزول على رسول الله  ينزل يوماً، وأنزل يوماً،فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحى وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك…”( )، ولو لم
يكن سوى هذا الحديث لكفى فى رد هذه الشبهة، ولكن كما قلنا الأدلة على هذا متوافرة جداً0
فعن البراء بن عازب  قال : “ليس كلنا سمع حديث رسول الله ، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد
الغائب( )، وأخرج الطبرانى عن حميد قال كنا مع أنس بن مالك  فقال : والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله  سمعناه منه، ولكن لم يكن
يكذب بعضنا بعضاً”( )0
وعن عائشة –رضى الله عنها- قالت : “ما كان خلق أبغض إلى أصحاب رسول الله ، من الكذب( ) وعن الأعمش –رحمه الله- قال : “لقد
أدركت قوماً، لو لم يتركوا الكذب إلا حياءً لتركوه”( )0

وأخيـراً : يقول عمر لأبى موسى الأشعرى لما حدثه بحديث (الاستئذان ثلاثاً)، وطلب منه البينة على ذلك( )0 قال : “أما إنى لم
أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ( )0 وفى رواية : “فقال عمر لأبى موسى والله إن كنت لأميناً على حديث رسول الله
، ولكن أحببت أن أستثبت، ونحوه فى رواية أبى بردة حين قال أبى بن كعب لعمر : “يا بن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ،
قال : سبحان الله إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت”( )0

قال ابن عبد البر : يحتمل أن يكون حضر عنده من قرب عهده بالإسلام فخشى أن يختلق الحديث عن رسول الله  عند الرغبة، والرهبة، طلباً
للمخرج مما يدخل فيه، فأراد أن يعلمهم أن من فعل شيئاً من ذلك ينكر عليه حتى يأتى بالمخرج( )، وزاد غيره فأراد عمر سد هذا الباب وردع
غير أبى موسى لا شكاً فى روايته، فإن من دونه إذا بلغته قصته، وكان فى قلبه مرض أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبى موسى،
فالمراد غيره( )0 وفى ذلك يقول الخطيب البغدادى : “وفى تشديد عمر على الصحابة فى رواياتهم حفظ لحديث رسول الله ، وترهيب لمن لم
يكن من الصحابة أن يدخل فى السنن ما ليس منها، لأنه إذا رأى الصحابى المقبول القول، المشهود بصحبة النبى ، قد شدد عليه فى روايته،
كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب، ولما يلقى الشيطان فى النفس من تحسين الكذب أرهب”( )0

وفى القصة دليل على ما كان الصحابة عليه من القوة فى دين الله وقول الحق والرجوع إليه وقبوله، فإن أبياً  أنكر على عمر
تهديد أبى موسى، وخاطبه مع أنه الخليفة (بيا ابن الخطاب) أو يا عمر؛ لأن المقام مقام إنكار”( )0

وفى ذلك رد على الرافضة الطاعنين فى الصحابة ووصفهم بالجبن والتقية خوفاً من درة عمر أو مهابة له، وأنهم وافقوه فى النهى عن كتابة
السنة والإكثار منها تقية منهم وجبناً”( )0
وهكذا كانت ثـقة الصحابة جميعاً وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، ثقة لا يشوبها شك، ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم
بالصدق، وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين”( )0

وبالجملة : ما فعله كبار الصحابة وتبعهم فيه الصحابة أجمع، ومن بعدهم من النهى أو الامتناع عن الإكثار من التحديث، كان
لوجوه وأسباب وردت صراحة فى الآثار الواردة عنهم، وكانوا فى كل سبب من تلك الأسباب مقتدين بسنة النبى ، وهو ما حرصنا على تأكيده
فيما سبق0

فما فعلوه كان احتياطاً للدين كتاباً وسنة ورعاية لمصلحة المسلمين لا زهداً فى الحديث النبوى، ولا تعطيلاً له0

ولا إخفاءً لأحاديث فضائل أهل البيت، وما يدل على إمامتهم كما تزعم الرافضة، فأحاديث فضائل أهل البيت، وما يدل على إمامتهم، وعظيم
منزلتهم، مدونة فى سائر كتب السنة (فى كتب المناقب، وفضائل الصحابة)0

فلا يجوز أن يفهم أو يتوهم من منهاج الصحابة، القائم على المنهاج النبوى ومن تشدد عمر خاصة هجر الصحابة للسنة أو زهدهم فيها لعدم
حجيتها، أو أنهم أرادوا ألا يجعلوها ديناً عاماً دائماً كالقرآن، معاذ الله أن يقول بهذا أحد منهم0

فلا يقول بهذا إلا جاهل مغرور، أو رافضى فاجر، لا علم له بقليل من السنة، ولم تخالط قلبه روح الصحابة، ولا أنار سبيله، قبس من
هداهم0

فقد ثبت عن الصحابة جميعاً تمسكهم بالحديث النبوى، وتعظيمهم، وتوقيرهم له، وتحكيمهم له فى كل شأن من شئون حياتهم،
وزجرهم وهجرهم كل من لم يعظم قوله ، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث النبوى بكل وسيلة تفضى إلى ذلك، فكان لهم جميعاً الفضل
الأول فى المحافظة على كتاب الله ، وسنة نبيه ، وتميز منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عن عمر، وعن أصحاب رسول الله
 أجمعين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أ0هـ0

والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم

ثانياً : شبهة التأخر فى تدوين السنة النبوية والرد عليها

استعراض الشبهة وأصحابها :
روى الإمام البخارى -رحمه الله- فى صحيحه تعليقاً، قال : وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبى بكر بن حزم( )، “انظر ما كان من
حديث رسول الله  فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله ، ، ولتفشو العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا
يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً”( )0

بهذه الرواية تعلق أعداء الإسلام من الرافضة، والمستشرقين، ودعاة اللادينية المتفرنجة، فقالوا : إن السنة لم تدون إلا فى مطلع
القرن الثانى الهجرى، لأن أول من أمر بتدوينها هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، وهو قد تولى الخلافة سنة 99هـ وتوفى سنة
101هـ( )0
وهذه المدة الطويلة تكفى لأن يحصل فيها من التلاعب والفساد ما قد حصل( )0 ولذا حصل فى السنة التبديل والزيادة ككتب أهل
الكتاب، لعدم كتابتها فى عهده ، وعدم حصر الصحابة لها فى كتاب معين، وعدم تبليغها للناس بالتواتر، وعدم حفظهم لها جيداً فى صدروهم،
حتى أباحوا نقلها بالمعنى، واختلفت الرواية عنهم لفظاً ومعنى( )، ولا يمكن بغير الكتابة أن يحصر ما قاله النبى  أو فعله فى ثلاثة وعشرين
عاماً مما سهل على قوم أن يستبيحوا لأنفسهم وضع الحديث ونسبته كذباً إلى رسول الله ( )0

أما غلاة الشيعة : فيزعمون أنهم حفظة السنة وأساس تدوينها، والسبق إلى التدوين فضيلة لهم، فهم أساس بناء مدرسة التعبد المحض( )0
أما أهل السنة وفى مقدمتهم أبى بكر وعمر –رضى الله عنهما- فهم أساس مدرسة الاجتهاد والرأى، وهم الذين منعوا تدوين الأحاديث،
وأضاعوا سنة نبيهم ( )، التى قاموا بتدوينها على رأس المائتين بعد انقراض دولة بنى أمية، وتحول الدولة إلى بنى العباس( )0

أما المستشرقون : فيتلخص موقفهم من السنة النبوية وتدوينها، فى موقف المستشرق اليهودى (جولدتسيهر) الذى ذهب إلى : “أن القسم الأكبر
من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الدينى، والسياسى، والاجتماعى فى القرنين الأول، والثانى، وأنه ليس صحيحاً ما يقال من أنه وثيقة للإسلام
فى عهده الأول، عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام فى عصر النضوج”( )0
وهذا الذى زعمه جولدتسيهر؛ اتخذه المستشرقون وذيولهم “إنجيلاً مقدساً”، ورددوه فى بحوثهم ودوائر معارفهم( )0

وكان هذا الزعم لدى (شاخت)( ) حجر الأساس له، ولكل باحث يريد التشكيك فى السنة النبوية المطهرة، فأكد ما قاله سلفه جولد
تسهير وتجاوزه بزعمه : “أنه لا صحة لأى حديث منسوب للنبى ، وأن المجموعة الأولى المعول عليها من الأحاديث النبوية التى تعرف
بأحاديث الأحكام، قد نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى تقريباً، وهو التاريخ الذى يحدد حسب رأيه، بداية فترة تدوين الأحاديث( )0

وكانت نزعة الشك عند شاخت أكثر شدة منها عند جولدتسيهر، ويتضح هذا من “القاعدة المنهجية” التى تترتب، حسب رأيه، على
استنتاجات جولدتسهير0 وهـى “قاعـدة

السكوت عن الحديث فى موطن الاحتجاج دليل على عدم وجوده” استخدم شاخت هذه القاعدة كثيراً ليثبت عدم وجود كثير من الأحاديث إبان فترة
الإسلام الأولى0
ويعبر عن ذلك بقوله : “إن أحسن طريق لإثبات عدم وجود حديث فى عهد معين، هو أن نظهر أن ذلك الحديث لم يستعمل كدليل فقهى فى نقاش
يستوجب الاستدلال بذلك الحديث لو كان بالفعل موجوداً …”( )0

وهذا الذى زعمه شاخت فى كتابه (أصول الفقه المحمدى) أصبح “إنجيلاً ثانياً” لعالم الاستشراق حيث غير من نظرة سلفه
جولدتسيهر التشكيكية فى صحة الأحاديث إلى نظرة متيقنة فى عدم صحتها بقوله : “إن المجموعة الأولى المعول عليها من الأحاديث النبوية
التى تعرف بأحاديث الأحكام، قد نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى تقريباً لمواجهة أقوال الصحابة وغيرهم”( )0
ويقـول : “يكاد يكون من المستحيل توثيق أى من هذه الأحاديث فيما يتعلق بأمور التشريع الدينى”( )0

ولقد ترك كتابه هذا أثراً عميقاً فى تفكير دارسى الحضارة الإسلامية، حتى تنبأ البرفسور جب قائلاً : “أنه – يعنى كتاب شاخت
سيكون فى المستقبل أساساً لكافة الدراسات عن الحضارة الإسلامية والتشريع، وعلى الأقل فى الغرب”( )0

وعن خطورة هذا الكتاب ومكانته عند المستشرقين يقول الأستاذ الصديق بشير : “وليس من قبيل المبالغة إذا قلت إن كل من كتب
بعده من المستشرقين فى هذا الحقل المعرفى هم عيال عليه، وحسبك أنه لا تكاد توجد جامعة من جامعات الغرب لها اعتناء بالدراسات
الإسلامية إلا ونجد هذا الكتاب مقرراً على طلابها”( ) أ0هـ0
الجواب عن شبهة التأخر فى تدوين السنة النبوية :
بادئ ذى بدء – نحن نجزم بصحة هذه الرواية التى صدرنا بها البحث، وهى التى تفيد أن عمر بن عبد العزيز؛ هو أول من أمر
بتدوين السنة، نجزم بصحتها لأنها وردت فى أوثق مصادرنا، وأصحها بعد كتابه تعالى، ألا وهو صحيح البخارى، ولكننا نهدف من وراء هذا
البحث إلى إثبات حقائق هامة وهى :
1- الحقيقة الأولى : أن الكثيرين خلطوا بين النهى عن كتابة السنة، وبين تدوينها حيث فهموا خطاً أن التدوين هو الكتابة، وعليه فإن السنة
النبوية – ظلت محفوظة فى الصدور لم تكتب إلا فى نهاية القرن الأول الهجرى فى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز-رحمه الله-

ولو أن المعاصرين فهموا حقيقة الكتابة، وحقيقة التدوين، وأدركوا الفرق بينهما،لما تعارضت النصوص فى فهمهم، ولما صح
تشكيك أعداء الإسلام فى السنة النبوية بدعوى تأخر تدوينها مدعين أنه دخلها الزيف،لأن العلم الذى يظل قرناً دون تسجيل لابد وأن يعتريه
تغيير ويدخله التحريف،فإن الذهن يغفل والذاكرة تنسى،أما القلم فهو حصن آمان لما يدون به( )

الكتابة، والتدوين، والتصنيف فى اللغة :
وهذا تعريف موجز للكتابة والتدوين والتصنيف : يتضح منه الفرق بين الكتابة والتدوين :
أ- الكتابة : قال فى اللسان:”كتب الشئ كتباً،وكتاباً،وكتابة،وكتبه خطه” فكتابة الشىء خطه( )0
ب- التدوين : قال فى اللسان : “والديوان مجتمع الصحف”( )0 وقال فى تاج العروس : “وقد دونه تدويناً جمعه0 وعليه فالتدوين هو جمع
الصحف المشتتة فى ديوان ليحفظها( )0
ج- التصنيف : قال فى اللسان : والتصنيف : تمييز الأشياء بعضها من بعض، وصنف الشئ ميز بعضه من بعض0 وتصنيف الشئ جعله
أصنافاً0 وعليه فالتصنيف تمييز الجزئيات، كأن يميز المصنف الصواب من الخطأ، أو الأهم من المهم”( )0
ومن هذه التعاريف : يتضح لنا أن الكتابة غير التدوين، فالكتابة مطلق خط الشئ، دون مراعاة لجمع الصحف المكتوبة فى إطار
يجمعها، أما التدوين فمرحلة تالية للكتابة ويكون بجمع الصحف المكتوبة فى ديوان يحفظها”( )0
أما التصنيف؛فهو أدق من التدوين،فهو ترتيب ما دون فى فصول محدودة،وأبواب مميزة( )0

وعلى ذلك فقول الأئمة إن السنة دونت فى نهاية القرن الأول لا يفيد أنها لم تكتب طيلة هذا القرن، بل يفيد : أنها كانت مكتوبة لكنها لم تصل
لدرجة التدوين وهو : جمع الصحف فى دفتر0

وما فهمه المعاصرون، من أن التدوين هو الكتابة، فهو خطأ منشأه عدم التمييز بين الكتابة والتدوين( )0
وبالتالى فالمقولة “أول من دون العلم ابن شهاب الزهرى”( ) تم ترجمتها خطأ بمعنى: أول من كتب العلم (الحديث) كان ابن شهاب الزهرى،
وانطلاقاً من هذا التفسير الخاطئ انبثـقت نظرية أن كتابة الحديث بدأت متأخرة للغاية حتى عصر الزهرى فى نهاية القرن الأول، أو بداية
القرن، الثانى الهجرى، … ولهذا فالمقولة السابقة يجب تفسيرها على أساس أن أول من دون أو صنف المجموعات المكتوبة من الأحاديث كان
ابن شهاب الزهرى”( )0

والمتتبع لكلام الأئمة السابقين يتضح له أنه كان معلوماً لديهم الفرق بين الكتابة والتدوين، وهم يؤرخون لتدوين السنة حيث كان
مدار حديثهم على التدوين، وليـس فـى

حديثهم شئ يتعلق بالكتابة، كقول الحافظ ابن حجر : “وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهرى على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم
كثر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير”( ) وقال أيضاً : “اعلم، علمنى الله وإياك أن آثار النبى  لم تكن فى عصر الصحابة، وكبار
تابعيهم مدونة فى الجوامع ولا مرتبة( ) أ0هـ0

2- الحقيقة الثانية : أن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – حينما أمر بتدوين السنة لم يبدأ ذلك من فراغ، ولكنه اعتمد على أصول مكتوبة
كانت تملأ أرجاء العالم الإسلامى كله، من خلال روح علمية نشطة، أشعلها الإسلام فى أتباعه، فأصبحوا يتقربون إلى الله تعالى بأن يزدادوا فى
كل يوم علما، وخير العلوم–قطعاً– ما كان متعلقاً بالقران والسنة0

وحينما نثبت أن تدوين السنة قام على أساس المكتوب فى عصر النبى ، وبإذن منه  شخصياً، فإننا لن نتعسف الأدلة أبداً وصولاً إلى تلك
الغاية؛ لأننا لن نقول فى هذا الشأن قولاً إلا ونشفعه بالدليل القوى المستمد من أوثق المصادر وآكدها وأصحها0

كما نحب أن ننبه إلى أننا لسنا أبداً أول من قال بهذا القول، وإنما القول بأن السنة قد بدأت كتابتها منذ عصر النبى  إلى زمن تدوينها تدويناً
رسمياً أصبح حقيقة علمية مؤكدة ثبتت بالبراهين القطعية، وتضافرت على إثبات هذه الحقيقة الساطعة أقوال جملة من الباحثين الثقات الأثبات(
)0

كالدكتور محمد عجاج الخطيب فى كتابه “السنة قبل التدوين” والدكتور محمد مصطفى الأعظمى فى كتابة : “دراسات فى الحديث النبوى”،
والدكتور امتياز أحمد فى كتابه : “دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث”، والدكتور رفعت فوزى عبدالمطلب فى كتابه : “توثيق السنة فى القرن
الثانى الهجرى أسسه واتجاهاته) وغيرهم0

نماذج من أشهر ما كتب من السنة النبوية فى حياة النبى  وبعده إلى زمن التدوين الرسمى :
1- ما ورد عن أبى هريرة  : أنه لما فتح الله  على رسوله  مكة قام الرسول  وخطب فى الناس، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو
شاة فقال : يا رسول الله اكتبوا لى، فقال : اكتبوا له”( )0
2- وأيضاً كتابه  فى الصدقات والديات والفرائض والسنن، الذى أرسله إلى عمرو بن حزم( )، حين بعثه إلى اليمن، أخرجه النسائى، وأبو
عبيد القاسم فى الأموال( )0
3- وَكَتَبَ أبو بكر الصديق  لأنس بن مالك  فرائض الصدقة، الذى سنه رسول الله  لما وجهه إلى البحرين”( )0
4- وكتب عمر بن الخطاب  إلى عتبة بن فرقد( ) بأذربيجان كتاباً فيه أن رسول الله  نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان
الإبهام”( )0
ومع أن الفاروق عمر كان يوصف بأنه واحد من أشد المعارضين لكتابة الحديث، ومنع تدوينها كما يزعم غلاة الشيعة، إلا أننا
على العكس نراه أول متثبت لكتابة الأحاديث بهمِّه بتدوين السنة المطهرة0

فكان أول مقترح بتدوينها حفاظاً لها كما كان أول مقترح بتدوين القرآن الكريم تدويناً عاماً فى مكان واحد حفاظاً لكتاب الله  زمن أبو بكر
الصديق  ففى همِّه بكتابة السنة – ليس مجرد الكتابة -فهى كانت مكتوبة- وإنما المراد بالكتابة تدوينها تدويناً عاماً فى مكان واحد0

وهذا الهمُّ بالتدوين فيه أبلغ حجة وأبلغ رد على غلاة الشيعة الزاعمين أن أهل السنة،وفى مقدمتهم أبى بكر وعمر-رضى الله عنهما-، كانوا
من أنصار منع تدوين السنة0

وهذا يكذبه الواقع، فعمر  عندما همَّ بتدوين السنة استشار فى ذلك أهل الحل والعقد فلم يتردد واحد منهم فى الموافقة كما جاء فى الأثر : ”
فأشاروا عليه بأن يكتبها”( ) فإذا كان الأمر كما يزعمون فلماذا يَهِّمُ عمر  إذن بالتدوين؟

وعلام وافقوه كلهم على هذا؟ ألا يدل هذا الهمّ والموافقة على حجية السنة عندهم كما سبق( )0
ويدل على أنهم من أنصار تدوين السنة المطهرة، وحفظتها رغم أنف الرافضة! ولا يمكن أن نستنتج من همِّ عمر بالتدوين ثم عدوله عنه أنه
لم يكن راغباً فى تدوين الأحاديث فى كتب أو أن التدوين منهى عنه، كلاَّ، إذ كيف يصح أن يهم بشئ منهى عنه ويوافقه عليه الصحابة أجمع؟

وكيف يرفض تدوين السنة فى حين أنه كتب إلى عُمَّاله كتاباً كما مر فى كتابه إلى عتبة بن فرقد ؟ وهو القائل “قيدوا العلم بالكتاب”( )، وهو
الجامع الوثائق الخاصة بالزكاة والخراج والمسائل المالية الأخرى( )، وهو نفسه الذى أدخل نظام الدواوين فى الأعمال الرسمية( )0

كل هذه الحقائق تدحض دعوى الرافضة – الذين امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على الفاروق عمر ، وزعمهم أنه تزعم دعوى منع
تدوين السنة، وصار على دربه الصحابة فمن بعدهم من التابعين وسائر أئمة أهل السنة0

نعم إن السنة لم تدون فى عهد ابن الحطاب لأن التدوين منهى عنه، بل لعلة أساسية هى : إبعاد الأمة الإسلامية عن الخطأ الأثيم الذى ارتكبه
أهل الكتاب من قبل بتبديل كتاب الله التوراة، والإنجيل بوصايا الرسل وجعلوها هى الكتب المنزَّلة( )0

كذلك حفاظاً على كتاب الله  والتمكين له أولاً فى قلوب المؤمنين كما مر فى وصيته لقرظة بن كعب  وهو متوجه إلى الكوفة0

لهذا خشى أن تدون السنة فينكب عليها المسلمون، ويتشاغلوا بها عن القرآن الكريم فيتشبهون بأهل الكتاب كما قال “ثم تذكرت
فإذا أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشئ”( )0
من أجل هذا فهو يمتنع عن التدوين بعد أن استشار، وظل يستخير ربه شهراً كاملاً0

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى “وكان الصواب ما رأى عمر، فالعصر عصر صحابة للنبى  لا عصر تابعين، وهم أشبه ما يكون
بحوارى عيسى عليه السلام، ولنا فى أهل الكتاب تجربة حين سجل أصحاب النبى عيسى عليه السلام ما سمعوه وما رأوه، نسبت الأناجيل إليهم
لا إلى عيسى ولا إلى الله، … فكان الحذر والحيطة من عمر  بالعدول عن التدوين، إذ لو فعل لم يأمن أن تتعدد كتب السنة بتعدد قائليها،
وتتـنوع بتـنوع أسماء كاتبيها، فتكون أناجيل فى الأمة، ويهمل الكتاب الأصلى الذى هو درة التاج وقلادة العقد
لمن هذه البصيرة النافذة إن لم تكن لعمـر بعـد النبـى ؟
ولمن هذا القول الفصل إن لم يكن للفاروق بعد الرسول ؟
ولمن هذا الحرص الشديد إن لم يكن لهذا الغيور على دينـه؟
فياليت قومى يعلمون( ) أ0هـ0

وعودة إلى أشهر ما كتب من السنة فى زمن النبوة وبعده إلى زمن التدوين الرسمى
5- الصحيفة الصادقة التى كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص  عن رسول الله ، وإن لم تصل هذه الصحيفة كما كتبها عبد الله بن
عمرو بخطه فقد وصل إلينا محتواها، لأنها محفوظة فى مسند الإمام أحمد( )، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة
الحديث على عهد رسول الله ، ويزيدنا اطمئناناً إلى صحة هذه الوثيقة أنها كانت نتيجة طبيعة محتومة لفتوى النبى  لعبد الله بن عمرو، عندما
أتى إلى النبى  وقال : “كنت أكتب كل شئ أسمعه منك أريد حفظه فنهتنى قريش وقالوا : أتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله  بشر يتكلم فى
الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، (هنا يفتى النبى ) فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال : “اكتب، فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه إلاَّ حق”( )0

وآية اشتغال ابن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف قول أبى هريرة  : “ما من أصحاب رسول الله  أحد أكثر حديثاً
عنه منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب”( )0
وهذا لا يعارضه ما روى أن أبى هريرة  كان يكتب، فعن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمرى( ) قال : “تحدثت عن أبى هريرة
بحديث فأنكره فقلت إنى سمعته منك، فقال : إن كنت سمعته منى فهو مكتوب عندى، فأخذ بيدى إلى بيته فأرانا كتباً كثيرة من حديث رسول الله
، فوجد ذلك الحديث، فقال : قد أخبرتك أنى إن كنت حدثتك به فهو مكتوب عندى”( )0
ويمكن الجمع بين ذلك بأنه لم يكن يكتب فى العهد النبوى ثم كتب بعده0
قال الحافظ ابن حجر : قلت : وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوباً عنده أن يكون بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب، فتعينَّ أن
المكتوب عنده بغير خطه”( )0
6- والصحيفة الصحيحة التى كتبها همام بن منبه( )، زوج ابنة أبى هريرة  كتبها أمام أبى هريرة، ولهذه الصحيفة مكانة خاصة فى تدوين
الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودونها همَّام بن منبه عن أبى هريرة، فكانت جديرة باسم “الصحيفة الصحيحة”( ) على مثال
“الصحيفة الصادقة” لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد سبقت الإشارة إليها0
ونحب أن ننبه أن مصطلح “صحيفة وكتاب وجزء ونسخة … إلخ لا يعنى بالضرورة “مجموعات صغيرة أو مذكرة عن الحديث” كما كان يعتقد
أحياناً وهذا ما أكد صحته الدكتور امتياز أحمد فى كتابه “دلائل التوثيق المبكر للسنة”( )0
وهذه الكتابات السابقة وغيرها الكثير( )؛ تقطع بكتابة السنة المطهرة فى عصر النبوة والصحابة والتابعين( )0

وتؤكد ما سبق وأن ذكرناه فى التوفيق بين النهى عن كتابة السنة والإذن بكتابتها، وهو أن النهى دائر مع الخوف من علة النهى التى سبق
تفصيلها،والإذن دائر مع الأمن منها( )

وهذا يؤكده أيضاً أن كل من نُقل عنه (أى من الصحابة والتابعين) النهى عن كتابة السنة فقد نُقل عنه عكس ذلك أيضاً( )، ما عدا
شخصاً أو شخصين، وقد ثبتت كتابتهم أو الكتابة عنهم، وبذلك صرح الدكتور محمد مصطفى الأعظمى( )، وأكده باستفاضة فى كتابه (
دراسات فى الحديث النبوى) حيث عقد الفصل الأول من الباب الرابع لبيان كتابة الصحابة ومن كتب عنهم فى حياتهم( )، والفصل الثانى فى ”
كتابة كبار التابعين، ومن كتب عنهم فى حياتهم( )حتى زمن التدوين الرسمى فى عهد عمر بن عبدالعزيز ،بل وبعد زمنه أيضاً( )

كل ذلك يؤكد الحقائق التى سبق ذكرها من الفرق بين الكتابة، والتدوين وأن عمر بن عبد العزيز حينما أمر بالتدوين الرسمى
للسنة لم يبدأ من فراغ ولكنه اعتمد على أصول الكتابات – التى سبق ذكر بعضها وكانت تملأ أرجاء العالم الإسلامى0
وفى ذلك رد على الصنم الأكبر للمستشرقين (جولدتسيهر) ومن تابعه من بنى جنسه، وغيرهم من المفتونين بهم من أدعياء العلم : “من أنه
ليس صحيحاً ما يقال أن الحديث وثيقة للإسلام فى عهده الأول .. إلخ”( )0

نقـد قاعـدة شاخـت :
وأبلغ رد على “جوزيف شاخت” فى أنه لا صحة لأى حديث منسوب للنبى  فى أحاديث الأحكام،وأن المجموعة الأولى من أحاديث
الأحكام، قد نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى0
أبلغ رد عليه فى ذلك ما سبق ذكره من كتاب النبى  إلى واليه (عمرو بن حزم ) والكتاب فى الصدقات، والديات، والفرائض، والسنن،
أليس هذا الكتاب فى الأحكام الفقهية التى يشكك فيها شاخت؟

وكذلك كتاب عمر إلى عامله عتبة بن فرقد بالنهى عن الحرير، وكتابه فى الزكاة، والخراج، والمسائل المالية الأخرى0
وكتاب أبى بكر لعامله أنس بن مالك لما وجهه إلى البحرين0
أليس ذلك وغيره مما ذكرناه، من أحاديث الأحكام الفقهية التى يزعم “شاخت” ومن صار على دربه أنها نشأت فى منتصف القرن الثانى
الهجرى؟!

ويقول الدكتور ظفر إسحاق الأنصارى( ) فى نقد قاعدة شاخت : “إن قراءة عابرة لكتاب (أصول الفقه المحمدى) لجوزيف شاخت
توضح أن قاعدته فى البحث واستدلالاته سطحيان للغاية فقاعدته (المنهجية المزعومة) القائمة على إنكار وجود خبر أو أثر بناء على سكوت
المصادر عنه، وهو ما يقوم عليه موقف شاخت من إنكار توثيق الأحاديث بصفة عامة0 فقوله : “إن حديثاً ما سيعد غير موجود فى وقت من
الأوقات إذا لم يحتج بذلك الحديث فى مواطن الخلاف حيث يكون الاستدلال به أمراً لازماً”( )0
إنَّ التجاء شاخت إلى هذه الحجة بدا كأنه يوحى بأن علماء المسلمين فى القرون الأولى كانوا فى حالة (نقاش وجدل) مستمر،
وهو افتراض يرفضه العقل السليم بداهة ولا تسلم لشاخت قاعدته إلا إذا سلمنا بالافتراضات الآتية :
1- أنه كلما ذكرت الأحكام الشرعية فى القرون الأولى من الهجرة المباركة ذكرت معها أدلتها المؤيدة، ولا سيما الأحاديث0
2- أن الأحاديث المعروفة لفقيه ما (أو محدث) ينبغى أن تعرض بالضرورة عند كل فقهاء عصره ومحدثيه فى زمنه0
3- أن جميع الأحاديث التى (نشرت) فى عهد معين، قد دونت تدويناً كاملاً، وصارت مشهورة على نطاق واسع، وأصبحت محفوظة تماماً، بحيث
أننا إذا لم نجد حديثاً فى كتاب من كتب أحد العلماء المعروفين فهذا يعنى بالضرورة، عدم وجود ذلك الحديث فى عهده، سواء فى منطقته أو فى
سائر أنحاء العالم الإسلامى آنذاك0

ولا يسلم واحد من هذه الافتراضات مع الشهادات التاريخية والحقائق المعروفة فى تلك القرون الأولى0
أولاً : لأن من المصنَّفات المتقدمة مدون فيها أحكام فقهية مستنبطة من آيات القرآن الكريم، ومن أحاديث نبوية دون أى إشارة إلى تلك الآيات
أو الأحاديث حيث كان أولئك المؤلفون يكتفون بتسجيل آراء مذاهبهم، ولم يهتموا بالضرورة، ببيان الأحاديث عن رسول الله  أو عن الصحابة
 لتأييد تلك الآراء، هذا إذا كان عنده علم بها، وقد يكون سبب عدم ذكره للحديث عدم بلوغه وعلمه به أو لأنه لم يثبت عنده، أو
لمعارضة الحديث لما هو أقوى منه سنداً أو دلالة، كالإمام مالك -رحمه الله- فى تقديمه عمل أهل المدينة على خبر الواحد0
ثانياً : “إن الإحاطة بحديث رسول الله  لم تكن لأحد من الأمة، وقد كان النبى  يحدث، أو يفتى أو يقضى، أو يفعل الشئ، فيسمعه أو يراه من
يكون حاضراً، ويبلغه أولئك – أو بعضهم – لمن يبلغونه، فينتهى علم ذلك إلى من شاء الله تعالى من العلماء، من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم0 ثم فى مجلس آخر قد يحدث، أو يفتى، أو يقضى، أو يفعل شيئاً، ويشهده بعض من كان غائباً عن ذلك المجلس ويبلغونه لمن أمكنهم0
فيكون عند هؤلاء من العلم، ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء0 وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم، بكثرة
العلم، أو جودته0 وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله ، فهذا لا يمكن ادعاؤه قط0 واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين  الذين هم أعلم الأمة
بأمور رسول الله  وسنته، وأحواله0

وإذا كان هذا هو حال أعلم الأمة وأفقهها، وأتقاها وأفضلها؛ فمن بعدهم أضعف وخفاء بعض السنة عليهم أولى، فلا يحتاج ذلك
إلى بيان0

فمن اعتقد، أن كل حديث قد بلغ كل واحد من الأئمة، أو إماماً معيناً، فهو مخطئ خطأ فاحشاً قبيحاً”( )0

ثالثاً : لا يسلم الافتراض الثالث لما هو معلوم، وسيأتى أن السنة النبوية قد مرت بمراحل ثلاث : 1-الكتابة، 2-التدويــن، 3-التصنيـف0

“ولا يقولنَّ قائلٌ : إنَّ هذه الأحاديث قد دونت وجمعت فخفاؤها والحال هذه بعيد، لأن هذه الدواوين المشهورة فى السنن، إنما
جمعت بعد ذهاب الأئمة المتبوعين (رحمهم الله) ومع هذا، فلا يجوز أن يدعى انحصار حديث رسول الله  فى دواوين معينة0

ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله  فيها، فليس كل ما فى الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند
الرجل الدواوين الكثيرة، وهو لا يحيط بما فيها”( )0
وهكذا لم يسلم واحد من الافتراضات الثلاثة حتى تسلم لشاخت قاعدته0

يقول الدكتور ظفر : “ويكون من المفيد البحث عن الأحاديث التى وجدت فى الكتب السابقة، ولكنها لم تذكر فى الكتب اللاحقة، وهذا يعنى إمكان
العمل على طريق معاكس لافتراض شاخت، وهذا سوف يأتى بنتائج مهمة للغاية، لأنه إذا كان من الممكن وهو فى نظرنا من الممكن – أن
نثبت أن كثيراً من الأحاديث الواردة فى كتب متقدمة لا توجد فى كتب

متأخرة، فضلاً عن الكتب المعاصرة، وكان ذلك لأن فقهاء العصر الذى نتكلم عنه لم يعتبروا أنفسهـم ملزمين بذكر الأحاديث الكثيرة التى
عرفوها ولو كانت مؤيدة لآرائهم، هذا فضلاً عن الأحاديث التى لم يحيطوا بها علماً كما سبق، فهذا كله يضع استدلال شاخت موضع شكوك
خطيرة،ويبطل قاعدته التى على أساسها كان تشكيكه فى الأحاديث والوثوق بها بصفة عامة

وحتى يظهر بطلان قاعدة شاخت قام الدكتور ظفر بعقد مقارنة لطائفة من الآراء الفقهية لبعض فقهاء القرن الثانى الهجرى،
وذلك من خلال مقارنة “موطأ الإمام مالك” برواية (يحيى الليثى)( ) ورواية (الشيبانى)( ) حيث أن عدداً كبيراً من الأحاديث الموجودة بموطأ
مالك برواية يحيى الليثى، ولا توجد بموطأ رواية الشيبانى0 على الرغم من أن الشيبانى كان الأصغر سناً، وتأخر عهده عن الإمام مالك0
والأعجب من ذلك أننا نرى أحياناً أن بعض أحاديث الموطأ للإمام مالك التى تؤيد آراء مذهب الإمام الشيبانى، لا توجد فى موطأ الشيبانى أصلاً0
وهذا مثالاً لتأكيد ما قلناه : يشتمل باب أوقات الصلاة فى الموطأ برواية يحيى الليثى على ثلاثين حديثاً( )،بينما لا نجد منها فى
موطأ مالك برواية الشيبانى( ) إلا أربعة أحاديث”( )0

وهكذا مرت السنة النبوية منذ عهد النبوة المباركة بمراحل ثلاث حتى ظهور المصنفات الحديثية : 1-الكتابة 2-التدوين 3-
التصنيف0
وفى ذلك يقول العلامة فؤاد سزكين فى “تاريخ التراث العربى” يقول : “فقد مرت مكتبة الحديث بالمراحل التالية :
أ- كتابة الأحاديث : وقد سجلت الأحاديث فى هذه المرحلة فى كراريس الواحد منها له اسم الصحيفة أو الجزء، وتمت هذه المرحلة فى عصر
النبوة والصحابة وأوائل التابعين0
ب- تدوين الحديث : وفى هذه المرحلة ضمنت التسجيلات المتفرقة، وتم هذا فى الربع الأخير من القرن الأول للهجرة، والربع الأول من القرن
الثانى0
ج- تصنيف الحديث : وقد رتبت الأحاديث فى هذه المرحلة وفق مضمونها، فى فصول وأبواب، وبدأ هذا مع الربع الثانى من القرن الثانى،
واستمر إلى أن ظهرت فى أواخر القرن الثانى للهجرة طرق أخرى لترتيب الأحاديث وفق أسماء صحابة رسول الله  فى كتب يحمل الواحد منها
اسم المسند”( ) أهـ0

حتى إذا أطل علينا القرن الثالث الهجرى كانت السنة النبوية قد استقرت فى بطون الكتب المعروفة لدينا الآن وعلى رأسها الكتب الستة( )ومسند
الإمام أحمد،ومن أجل هذا، ولأنه العصر الذىتميز فيه صحيح السنة من ضعيفها اعتبره العلماء العصر الذهبىللسنة المطهرة( )

هذا ولم يكن تدوين السنة قائماً على المكتوب فقط وإنما كان قائماً جنباً إلى جنب بجانب المحفوظ فى الصدور، فالعبرة عند
المحدثين بالعدالة، والضبط وهو نوعان :
1- ضبط صدر وهو : أن يحفظ الراوى ما سمعه ويثبت منه ويعيه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء إن حدَّث حفظاً0
2- ضبط كتاب وهو:أن يصون الراوى كتابه من أن يتطرق إليه خلل من حين كتابته أو سماعه إلى أن يؤدى منه ولا يدفعه إلى من يمكن أن
يغير فيه إن كان منه يروى( )وعلى هذين النوعين كان تبليغ سنة النبىعلى مر العصور، وبالحفظ أكثر فى القرون الأولى( )0
كما أن الحفظ أقوى من الكتابة لبعده عن التصحيف والغلط، ومن هنا فهو مرجح على المكتوب إذا تعارض حديث مسموع وحديث مكتوب0

قال الآمدى : “وأما ما يعود إلى المروى فترجيحات الأول : أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبى  والرواية الأخرى عن كتاب0
فرواية السماع أولى:لبعدها عن تطرق التصحيف والغلط”( )0

ويدل على أن الكتابة دون الحفظ قوة ما هو مقرر عند أهل الحديث والأصول أن أعلى وجوه الأخذ من الشيخ سماع لفظه،
واتفاقهم على صحة رواية الحديث بالسماع( )، واختلافهم فى صحة الرواية بطريق المناولة أو المكاتبة0 مع ترجيح تصحيحهما( )0

وفوق كل هذا دلالة على قوة الحفظ فى المكانة عن الكتابة أن الاعتماد فى نقل القرآن الكريم والقطع به، إنما حصل على حفظ
القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب0 فالحفظ وحده كان الاعتماد عليه فى نقل القرآن الكريم فى عهد النبى ، وعمر وسنين من
عهد عثمان، لأن تلك القطع التى كتب فيها القرآن فى عهد النبى  كانت مفرقة عند بعض الصحابة لا يعرفها إلا من هى عنده، وسائر الناس
غيره يعتمدون على حفظهم0 ثم لما جمعت فى عهد أبى بكر لم تنشر هى ولا الصحف التى كتبت عنها، بل بقيت عند أبى بكر، ثم عند
عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين حتى طلبها عثمان، ثم اعتمد عليه فى عامة المواضع التى يحتمل فيها الرسم وجهين أو أكثر، واستمر
الاعتماد عليه حتى استقر تدوين القراءات الصحيحة”( )، وكان الاعتماد عليها وعلى نقل القرآن بالحفظ0

يقول المحقق ابن الجزرى : ( ) “ثم إن الاعتماد فى نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب0 وهذه
أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، ففى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم أن النبى  قال : “إن ربى قال لى قم فى قريش فأنذرهم، فقلت
له : أى رب إذن يَثْلَغُوا رَأْسى حتى يدعوه خُبْزَةً فقال : إنى بمتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتاباً لا يَغْسِلُهُ الماء، تَقْرَؤُهُ نَائِماً وَيْقَظانَ، فابعث
جنداً أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق ينفق عليك”( )0 فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج فى حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل
يقرأ فى كل حال كما جاء فى صفة أمته : “أنا جيلهم صدورهم”0 وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا فى الكتب، ولا يقرأونه كله إلا
نظراً، لا عن ظهر قلب”( )0

ويقول الشيخ محمد الزرقانى -رحمه الله- : “قلنا غير مرة إن المعوَّل عليه فى القرآن الكريم إنما هو التلقى والأخذ، ثقة عن ثقة، وإماماً عن
إمام إلى النبى ، وإن المصاحف لم تكن ولن تكون هى العمدة فى هذا الباب، إنما هى مرجع جامع للمسلمين، علـى
كتاب ربهم، ولكن فى حدود ما تدل عليه وتعينه، دون ما لا تدل عليه ولا تعينه0 وقد عرفت أن المصاحف لم تكن منقوطة، ولا مشكولة، وأن
صورة الكلمة فيها كانت لكل ما يمكن من وجوه القراءات المختلفة، وإذا لم تحتملها كتبت الكلمة بأحد الوجوه فى مصحف، ثم كتبت فى مصحف
آخر بوجه آخر وهلم جراً0
فلا غرو أن كان التعويل على الرواية والتلقى هو العمدة فى باب القراءة والقرآن( )

نقول : كل هذا رداً على من يشككون فى تدوين السنة على المحفوظ فى الصدور بحجة أن الحفظ خوان( )، وقوة حفظ الحفاظ خرافة( )، لأن
الحفظ وإن كان خوان وضعيف عندهم وعند أهل العصور المتأخرة فى زماننا فلا يصح هذا القول فى عرب العصور الأولى الذين كان جُّل
اعتمادهم فى تواريخهم وأخبارهم وسائر أحوالهم على الحفظ( )0

وازداد عندهم هذا الأمر بعد دخولهم فى الإسلام، وقيضهم الله  لحفظ الشرع وصيانته وحمله وتبليغه لمن بعدهم( )0

فكانوا يتذاكرون حديث رسول الله  فرادى أو مجتمعين مع اليقظة، وشدة التحرى، وبذل الوسع فى إصابة النص الوارد عن المعصوم  وحفظه،
عملاً بتوجيهه ، فى الحث على حفظ السنة وتبليغها فى قوله:”نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من
هو أفقه منه،ورب حامل فقه ليس بفقيه”( ) وقوله  لوفد عبد القيس-بعد أن أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع:”احفظوه وأخبروا به من وراءكم”(
)

فعن أنس بن مالك  قال : “كنا نكون عند النبى ، وربما كنًّا نحواً من ستين إنساناً فيحدثنا رسول الله ، ثم يقوم فنتراجعه بيننا،
هذا، وهذا، وهذا، فنقوم وكأنما قد زرع فى قلوبنا”( )0
وعن أبى هريرة  قال : “إنى لأجزئ الليل ثلاثة أجزاء فثلث أنام وثلث أقوم، وثلث أتذكر أحاديث رسول الله ( )0 كما كان ابن
عباس وزيد بن أرقم يتذاكران السنة( )، كما تذاكر أبو موسى وعمر بن الخطاب حتى الصبح( )0

وحفلت مذاكره السنة بتوجيه الرسول  وتقريره لها0
فعن معاوية بن أبى سفيان قال : … وكنت مع النبى  يوماً فدخل المسجد فإذا هو بقوم فى المسجد قعود، فقال النبى  : ما
يقعدكم؟ قالوا : صلينا الصلاة المكتوبة ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله وسنة نبيه ، فقال  : “إن الله إذا ذكر شيئاً تعاظم ذكره”( )0

بل كان  يستمع لمذاكرتهم، ويوجههم إلى الدقة فى الحفظ وبذل الطاقة فى إدراك النص وحفظه كما جاء فى حديث البراء بن عازب وتعليم
النبى  له دعاء النوم، فلما سمعه من رسول الله  قال : “فرددتهن لاستذكرهن فقلت آمنت برسولك الذى أرسلت قال قل : آمنت بنبيك الذى
أرسلت”( )0

وفى الحث على مذاكرة السنة وحفظها كان الصحابة  يحضون، فهذا أمير المؤمنين على بن أبى طالب  يقول : “تذاكروا الحديث فإنكم إلا
تفعلوا يندرس”( )0
وعن أبى سعيد الخدرى  قال : “تذاكروا الحديث فإن مذاكرة الحديث تهيج الحديث”( ) وروى مثل ذلك عن ابن سعود وابن عباس
وغيرهم، وعلى دربهم صار التابعون فمن بعدهم( )0

الجواب على ما يزعمه بعض غلاة الشيعة بأن لهم فضل السبق فى التدوين :
سبق وأن فصلنا بالأدلة القوية أن السنة النبوية كُتِبت فى عهد النبوة وبإذنه  كما أنها كُتِبت فى عهد الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وأصبحت
كتابة السنة فى مرحلة مبكرة (فى عصر النبى نفسه) حقيقة لا تقبل الشك ولا ينكرها إلا جاحد، وعلى تلك الكتابات بجوار المحفوظ فى الصدور
اعتمد عمر بن عبد العزيز فى التدوين الرسمى للسنة المطهرة فكان له الفضل كل الفضل رغم أنف أعداء السنة المطهرة( )0

ولم لا يكون له الفضل وقد تحقق على يده ما تنبأ به النبى ( ) من تدوين سنته المطهرة فى قوله  : “أى الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا
الملائكة قال : وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ وذكروا الأنبياء قال : وكيف لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم؟ قالوا فنحن؟ قال وكيف
لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا فمن يا رسول الله؟ قال قوم يأتون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بها”( )0 قال الحافظ السخاوى : استدل بهذا
الحديث على الوجادة وهو علم من أعلام النبوة من إخباره عما سيقع، وهو تدوين القرآن وكتبه فى صحفه وكتابة الحديث”( )0
ويقول الدكتور على السالوس : رداً على دعوى أن الشيعة لهم فضل السبق فى التدوين قال : “والفرق التى ظهرت فى تاريخ
الإسلام، ولها عقائد خاصة بها، لم تظهر كتبها إلا بعد استقرار عقائدها، ووضوحها لدى معتنقيها0 وهذا أمر بديهى، لأن الكتب إنما توضع
لتأييد هذه العقائد، والدعوة لها، فلابد أن تسبق العقائد هذه الكتب بل إن هناك مرحلة تلى العقائد وتسبق الكتب، وهى وضع الأخبار وتناقلها
والاحتجاج بها قبل أن تجمع فى كتاب، وقبل أن يوضع كتاب مرة واحدة0

فبالنسبة للشيعة مثلاً : وجدنا بعد موت كل إمام حدوث تفرق جديد، فكانت كل فرقة تحتج بأخبار تؤيد ما انتهت إليه فى تلك
المرحلة، إلى أن تصل إلى الإمام الأخير الذى تستقر عنده آراؤها، وما كانت أى فرقة لتضع أخباراً فى إمام إلا بعد ولادته، لأنها لا تعلم الغيب
فى واقع الأمر، وإن زعم منها من زعم أنه يعلم مثل هذا العلم”0

ثم أخذ فضيلة الأستاذ الدكتور السالوسى يؤكد كلامه ببعض ما جاء فى كتاب من كتب الشيعة أنفسهم، وهو كتاب فرق الشيعة للحسن بن
موسى النوبختى، وسعد بن عبد الله القمى، والاثنان عاشا فى القرن الثالث، وأدركا بداية القرن الرابع وبعد أن فصل ذلك قال : “ونلحظ أن كل
هذه الفرق أكدت أن الحسن العسكرى لا خلف له ما عدا فرقة مع فرقة الإمامية0 ومعنى هذا أن الشيعة الإثنى عشرية لم تبدأ فى وضع الأخبار
التى تتصل بالإثنى عشر إماماً إلا بعد الحسن العسكرى، أى فى النصف الثانى من القرن الثالث0 وبعد هذا تبدأ مرحلة الكتب0 والواقع العملى
يؤيد ما بينته هنا، فكتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم أولها ظهر فى القرن الرابع، وهو الكافى – الذى يعد عندهم مثل البخارى عندنا – ثم
جاء بعده باقى الكتب”( )0 فأين فضل سبق التدوين الذى يزعمونه كذباً؟!
الجواب على ما يزعمه بعض الرافضة أن أهل السنة وفى مقدمتهم أبى بكر وعمر –رضى الله عنهما- أضاعوا سنة نبيهم 

هذا الزعم بهتان عظيم لا يجرؤ على القول به إلا شيعة غلاة ملاحدة ومن قال بقولهم من أعداء الإسلام؛ لأن السنة النبوية من الذكر الذى وعد
رب العزة بحفظه فى قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( )0 وسبق تفصيل ذلك بأدلته من الكتاب، والسنة، والعقل، والتاريخ(
)0

ولو كانت السنة النبوية المطهرة ضائعة غير محفوظة كما يزعم الرافضة ما طالب رب العزة عباده باتباع سنة نبيه  والتحذير من مخالفة
أمره، كما قال تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ) وقال تعالى : وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ( )0

ثم كيف يصح أن يسند رب العزة إلى نبيه  مهمة البيان فى قوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( )
ثم يضيع هذا البيان؟!!
وكيف يصح أيضاً أن يطالب النبى  أمته بالتمسك بسنته كما قال  : “فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا
بها، وعضوا عليها بالنواجذ”( ) وقال : “تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله عز وجل وسنتى؟! ( ) فلو كانت السنة

المطهرة غير محفوظة أو يمكن أن يلحقها التحريف والتبديل والضياع لكان ذلك القول تكذيب لرب الغرة بما أخبر به فى كتابه من الوعد بحفظ
سنة نبيه  التى أمرنا باتباعها وتحكيمها فى كل شئون حياتنا، وذلك فى عشرات الآيات القرآنية0

فالقول بضياع السنة النبوية لا يقوله مسلم، ويكذبه الواقع التاريخى الذى يشهد بنقل سنة النبى  من قول، أو فعل، أو تقرير حتى الحركات
والسكنات، وبالجملة نقلت حياته كلها برمتها فى عباداته ومعاملاته، فى سلمه وحربه، وفى نومه ويقظته، فى أدق الأمور، وفيما نعده من
أسرار حياتنا، كمعاشرته، وما يقوله عندما يخرج من بيته، إلى غير ذلك نقلت حياته برمتها وكلياتها وجزئياتها بماذا؟ بأدق طرق النقل الذى لا
تعرف له الدنيا مثيلاً، فكان فى ذلك التطبيق، وكان فى ذلك النقل، وكان فى ذلك التدوين إشارة قوية إلى أن الله  تكفل بحفظ هذه السنة النبوية
بما هيأ لها من رجال أفنوا أعمارهم فى ضبطها والسهر عليها، وتدوينها، وحفظها، وشرحها وتمييز صحيحها من سقيمها، فنقشوها فى
صفحات قلوبهم الأمينة، وفى كتبهم الواعية، فكان تكفله  بحفظ كتابه فى قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( ) يشمل السنة
النبوية حيث قيض الله لها من ثقات الحفظة من الرواة الثقات العدول، والأئمة الأعلام ما قيض لكتابه العزيز من ثقات الحفظة فى كل قرن،
وإلى أن يرث الأرض ومن عليها( )0

وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى فى المسألة الثانية عشرة : (هذه الشريعة معصومة من الضياع والتبديل إلى أن تقوم الساعة) بعد
أن تحدث عن حفظ القرآن الكريم وقال فيه “أما القرآن الكريم فقد قيض الله له حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال
الأصاغر، فضلاً عن القراء الأكابر” قال عن حفظ السنة النبوية : “ثم قيض الحق سبحانه رجالاً يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله ،
وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة، حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم، وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوى فى الأخذ لفلان عن فلان، حتى استقر
الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله ( ) فى بطون كتب السنة الموجودة بين أيدينا الآن، ولم يفقد منها شئ0 يقول الإمام الشافعى -رحمه
الله- : “لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شئ فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن … وليس قليل ما ذهب من
السنن على من جمع أكثرها : دليلاً على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه، حتى يأتى على
جميع سنن رسول الله ، بأبى هو وأمى،فيتفرد جملة العلماء بجمعها وهم درجات فيما وعوا منها”( )0

يقول الأستاذ أحمد شاكر -رحمه الله- معقباً على كلام الإمام الشافعى : “هذا الذى قاله الشافعى فى شأن السنن : نظر بعيد،
وتحقيق دقيق، واطلاع واسع على ما جمع الشيوخ والعلماء من السنن فى عصره، وفيما قبل عصره0 ولم تكن دواوين السنة جمعت إذ ذاك،
إلا قليلاً مما جمع الشيوخ مما رووا0 ثم اشتغل العلماء الحفاظ بجمع السنن فى كتب كبار وصغار، فصنف أحمد بن حنبل -تلميذ الشافعى-
مسنده الكبير المعروف، وقال يصفه : “إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من
حديث رسول الله  فارجعوا إليه، فإن كان فيه، وإلا فليس بحجة0 ومع ذلك فقد فاته شئ كثير من صحيح الحديث، وفى الصحيحين أحاديث
ليست فى المسند0

وَجَمَعَ العلماء الحفاظ الكتب الستة، وفيها كثير مما ليس فى المسند، ومجموعها مع المسند يحيط بأكثر السنة،ولا يستوعبها
كلها0 ولكننا إذا جمعنا ما فيها من الأحاديث مع الأحاديث التى فى الكتب الأخرى المشهورة، كمستدرك الحاكم، والسنن الكبرى للبيهقى،
والمنتقى لابن الجارود، وسنن الدارمى، ومعاجم الطبرانى الثلاثة، ومسندى أبى يعلى،والبزار: إذا جمعنا الأحاديث التى فى هذه الكتب استوعبنا
السنن كلها إن شاء الله، وغلب على الظن أن لم يذهب علينا شئ منها، بل نكاد نقطع به0 وهذا معنى قول الشافعى : “فإذا جمع علم عامة أهل
العلم بها أتى على السنن”0 وقوله “فيتفرد جملة العلماء بجمعها” وكان الشافعى قد قاله نظراً، قبل أن يتحقق بالتأليف عملاً، لله دره( )0 أ0
هـ0
وبعــد
فهذه سنة النبى  مستقره فى بطون الكتب المعتمدة من علماء الأمة الثقات مميزاً صحيحها من ضعيفها فمنها :

ما هو معلوم الصحة كالصحيحين (للبخارى والمسلم)، والموطأ والمستخرجات، وصحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح أبى عوانة،
والصحاح لابن السكن، والمنتقى لابن الجارود، والمختارة لضياء المقدسى، ومستدرك الحاكم على ما فيه من تعقبات( )0
ومنها ما جمع بين الصحيح، والحسن، والضعيف وهو منبه عليه فى كتبهم أو مميزاً محكوم عليه فى تخريجاتهم، وذلك ككتب السنن وعلى
رأسها السنن الأربعة : وهى سنن أبى داود، والترمذى والنسائى، وابن ماجة، وكذا سنن الدارمى، والدراقطنى وسنن سعيد بن منصور، والسنن
الكبرى للبيهقى، وغيرها الكثير( )، هذا فضلاً عن كتب المسانيد، ومن أشهرها وأجمعها مسند الإمام أحمد، ومسند أبى يعلى الموصلى، ومسند
أبى داود الطيالسى وغيرهم الكثير( )0 وكذا كتب المصنفات كمصنف عبد الرازق، ومصنف ابن أبى شيبة( )، وكتب المعاجم ومن أشهرها
معاجم الطبرانى الثلاثة (الصغير، والكبير، والأوسط) ( )0
وهذه الكتب الحديثية وغيرها الكثير تتحدى فى طرق جمعها وتدوينها وصحتها طرق أهل الكتاب فى جمع وتدوين عهدهم القديم
والجديد( )0

وتتحدى طرق الشيعة الرافضة الممتلئة كتبهم وعلى رأسها أصولهم الأربعة (الكافى) و (من لا يحضره الفقيه) و (التهذيب) و(الاستبصار)
بالكذابين والملاحدة، والشعوبيين، وفاسدى العقيدة، والمذمومين من أئمتهم، وكل ما يخطر ببالك من نقائص (ورغم هذا يصرح علماؤهم بأن
كل ما فى هذه الأربعة صحيح واجب العمل به( )،وسبب ذلك أن دينهم من أصله فاسد، وهل يثمر الفاسد إلا الفساد؟( )أ0هـ0
والله تبــارك وتعالــى
أعلـى وأعلـم
ثالثاً : شبهة رواية الحديث بالمعنى والرد عليها

زعم أعداء السنة من غلاة الشيعة، والمستشرقين، ودعاة اللادينية : أن تأخر تدوين السنة كان له ضرر كبير على السنة من
روايتها بالمعنى، وزعموا بأن رواية الحديث بالمعنى هى القاعدة الأصلية الثابتة المقررة عند علماء الحديث، حيث كان اهتمامهم بالمعنى أكثر
من اهتمامهم باللفظ حتى وصلت إلينا الأحاديث وقد انطمست معالم ألفاظها ومعانيها، ولذلك لم يحتجّ النحاة بالأحاديث المروية، ولم يستشهدوا
بها فى إثبات اللغة أو قواعد النحو، لأن ألفاظها مرهونة بالتأثر الشخصى للرواة ( )0

تلك هى خلاصة شبهة أعداء الإسلام حول رواية الحديث بالمعنى، والتى من خلالها يشككون فى حجية السنة النبوية، ومكانتها
التشريعية0

والجـواب :
أولاً وقبل بيان فساد زعم دعاة الفتنة وأدعياء العلم بأن رواية الحديث بالمعنى هى القاعدة الأصلية الثابتة المقررة عند علماء
الحديث، وأن اهتمامهم بالمعنى أكثر من اللفظ قبل بيان بطلان هذا الزعم، نحرر أولاً القول فى حكم رواية الحديث بالمعنى عند علماء الأمة من
المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، حيث سيتضح جلياً كيف قلب أعداء السنة المطهرة الأصل إلى فرع؟ والفرع إلى أصل؟

من المعلوم أن للعلماء فى رواية الحديث بالمعنى مذاهب عدة( )، نستخلص منها مذهبين :
المذهب الأول : أن رواية الحديث بالمعنى لا تجوز لمن لا يعلم مدلول الألفاظ فى اللسان العربى ومقاصدها وما يحيل معناها والمحتمل من
غيره، والمرادف منها، وذلك على وجه الوجوب بلا خلاف بين العلماء، لأن من اتصف بذلك لا يؤمن بتغييره من الخلل، ووجب على من هذا
حاله أن يروى الحديث بالألفاظ التى سمع بها مقتصراً عليها بدون تقديم، ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص لحرف فأكثر، ولا إبدال حرف أو
أكثر بغيره، ولا مشدَّدٍ بمثـقل، أو عكسه( )؛ “إذ جميع ما يفعله من ذلك تحكم بالجهالة، وتصرف على غير حقيقة فى أصول الشريعة، وتقوُّلٌ
على الله ورسوله بما لم يحط به علماً”( )0

أما من كان عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينهما0 فاختلف فيه السلف
وأصحاب الحديث وأرباب الفقه والأصول، فالمعظم منهم أجاز له الرواية بالمعنى إذا كان قاطعاً بأنه أدى معنى اللفظ الذى بلغه سواء فى ذلك
الحديث المرفوع، أو غيره( )0

المذهب الثانى : المنع من الرواية بالمعنى مطلقاً، بل يجب نقل اللفظ بصورته من غير فرق بين عارف بمعانى الألفاظ أو غير
عارف، وهو مذهب كثير من السلف، وأهل التحرى فى الحديث، وهو مذهب الإمام مالك، ومعظم المحدثين، وهو مذهب الظاهرية( )0
وهنا يظهر لنا جلياً أن الأصل فى رواية الحديث روايته باللفظ للعالم بالألفاظ ومدلولاتها وغيره، والفرع هو الترخص فى الرواية
بالمعنى للعالم دون غيره0 وهذا هو خلاصة المذهب الأول، وهو المختار عند الجمهور من السلف وأصحاب الحديث والفقه والأصول واختاره
منهم الآمدى( ) وقال : ويدل عليه النص والإجماع والأثر، والمعقول0
أما النص : فإن النبى  كان مقرراً لآحاد رسله إلى البلاد فى إبلاغ أوامره ونواهيه بلغة المبعوث إليهم دون لفظ النبى  وهو
دليل الجواز( )0

وأيضـاً : فإن النبى  أمر أصحابه بتبليغ سنته المطهرة فى حياته وبعد وفاته فى أحاديث كثيرة منها : “ألا ليبلغ الشاهدُ الغائبَ،
فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه” ( )0

هذا فى الوقت الذى كان فيه النهى عن كتابة السنة المطهرة : “لا تكتبوا عنى ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه وحدثوا عنى ولا
حرج – الحديث” ( ) فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا تلك الألفاظ التى بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير … لكتبها
أصحاب رسول الله ، فهل جاءنا عن أحد منهم أنه فعل ذلك من أجل رواية الأحاديث بلفظها بلا تقديم ولا تأخير؟!

كيف، وسائر الأخبار تشهد بأنهم كانوا يؤدونها حفظاً وبعضهم كتابة، ويقدمون، ويؤخرون، وتختلف ألفاظ الرواية فيما لا يتغير معناه فلا ينكر
ذلك منهم، ولا يرون بذلك بأساً”( )0
يقول الأستاذ عبد الرحمن المعلمى : “هذا أمر يقينى لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم فى حياة النبى  وبعد وفاته0 من بقى
منهم حافظاً للفظ على وجهة أداه كذلك ومن بقى ضابطاً للمعنى ولم يبق ضابطاً للفظ أداة بالمعنى من غير نكير منهم( )0

يقول الدكتور أبو زهو بعد أن أفاد المعنى السابق : فدل ذلك على أن “المقصود منها (أى السنة) المعنى دون اللفظ، ولذلك لم يتعبد
بتلاوتها، ولم يقع التحدى بنظمها، وتجوز روايتها بالمعنى” ( )0

ويدل أيضاً على أن المقصود من السنة المعنى دون اللفظ ما قاله الإمام الآمدى : “أن النبى  كان يذكر المعنى فى الكرات المتعددة بألفاظ
مختلفة، بل المقصود إنما هو المعنى، ومع حصول المعنى، فلا أثر لاختلاف اللفظ، وهذا أحد وجوه دليل العقل التى استشهد بها الآمدى( )0

وهذا المقصود كان يعيه الصحابة جيداً وحرصوا على تعليمه لمن بعدهم يدل على ذلك ما روى عن أبى نضرة، أنه قال : قلت
لأبى سعيد الخدرى  : إنك تحدثنا عن رسول الله  حديثاً عجيباً، وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص0 قال : أردتم أن تجعلوه قرآناً لا، لا، ولكن
خذوا عنا كما أخذنا عن رسول الله ( )0

فتأمل قول أبى نضرة : (إنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص)0 ثم قول أبى سعيد (أردتم أن تجعلوه قرآناً لا لا، ولكن خذوا عنا …)( )0 فدل ذلك
على أن الأصل فى كتاب الله  اللفظ، لأنه متعبد بتلاوته ومتحدى بأقصر سورة منه، وليست كذلك السنة المطهرة0

وليس هذا هو مفهوم ولا مقصود أبى سعيد الخدرى وحده، بل هو مقصود ومفهوم الصحابة أجمع، ويدل على ذلك روايتهم للقصة الواحدة بألفاظ
مختلفة من غير إنكار من أحد منهم، فكان إجماعاً تصير به الحجة( )0

ويشهد لصحة ذلك أيضاً الرخصة فى قراءة القرآن الكريم على سبعة أحرف( )، وهذه الأحرف الستة الزائدة، عبارة عن أنواع من
المخالفة فى بعض الألفاظ للفظ الحرف الأول بدون اختلاف فى المعنى( )0

واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى عليه السلام وعدوه فرعون بألفاظ مختلفة فى معنى واحد، كقوله تعالى :
بِشِهَابٍ قَبَسٍ( ) وقوله تعالى بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ( )، وكذلك قصص سائر الأنبياء عليهم السلام فى القرآن، وقولهم لقومهم بألسنتهم
المختلفة، وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى( )، لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحد المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمى، ومنه ما يأتى فى موضع
بألفاظ، وفى آخر بغيرها … ويطول فى موضع، ويختصر فى آخر”( )0 وهذا يشهد لجواز التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ متعددة0

ومن أقوى الحج كما قاله الحافظ ابن حجر ما حكاه الخطيب البغدادى من : “اتفاق الأمة من جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم
للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى، فجوازه باللغة العربية أولى”( )0 وهذا هو أحد وجوه أدلة العقل التى استشهد بها الآمدى فى الإحكام(
)0
فإن قيل : إن هذه الأدلة السابقة معارضة لقول النبى  : “نضر الله أمراً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه
إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه”( ) ومعارض لقوله  للبراء بن عازب  لما استذكر دعاء النوم قائلاً : (آمنت برسولك الذى
أرسلت، فقال له النبى ، قل : آمنت بنبيك الذى أرسلت”( )0

أجيب عن الحديث الأول : من وجهين :
الوجه الأول : القول بموجبه، وذلك لأن من نقل معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان يصح أن يقال أدى ما سمع كما سمع0 ولهذا،
يقال لمن ترجم لغة إلى لغة، ولم يغير المعنى، أدى ما سمع كما سمع0 ويدل على أن المراد من الخبر إنما هو نقل المعنى دون اللفظ، ما
ذكره الخبر من التعليل وهو اختلاف الناس فى الفقه، إذ هو المؤثر فى اختلاف المعنى0 وأما الألفاظ التى لا يختلف اجتهاد الناس فى قيام
بعضها مقام بعض، فذلك مما يستوى فيه الفقيه، والأفقه، ومن ليس بفقيه، ولا يكون مؤثراً فى تغيير المعنى0

الوجه الثانى : أن هذا الخبر بعينه يدل على جواز نقل الخبر بالمعنى دون اللفظ، لأن رواة هذا الخبر نفسه قد رووه على المعنى،
فقال بعضهم : رحم الله مكان نضر الله ومن سمع بدل (امرأ سمع) وروى “مقالتى” بدل (منا حديثاً) (وبلغه) مكان (أداه) وروى (فرب مبلغ أفقه
من مبلِّغ) مكان (فرب مبلغ أوعى من سامع)، وألفاظ سوى هذه متغايرة تضمنها هذا الخبر0 فالظاهر يدل على أن هذا الخبر نقل على المعنى،
فلذلك اختلفت ألفاظه، وإن كان معناها واحداً0 فالحديث حجة لنا لا علينا( )0

أما الحديث الثانى “لا ونبيك”؛ ففى الاستدلال به نظر؛ لاحتمال أن يكون المنع؛ لكونها ألفاظ أذكار توفيقية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها
القياس، فيجب المحافظة على اللفظ الذى وردت به”( )0 أو لعله أراد أن يجمع بين الوصفين فى موضع واحد، ولا شك أنه  نبى مرسل، فهو
إذن أكمل فائدة، وذلك يفوت بقوله : (وبرسولك الذى أرسلت) وأيضاً فالبلاغة مقتضية لذلك لعدم تكرار اللفظ لوصف واحد فيه، زاد بعضهم أو
لاختلاف المعنى، لأن برسولك يدخل جبريل وغيره من الملائكة الذين ليسوا بأنبياء”( )0

قلت لا تعارض بين الحديثين المعترض بهما على ما سبق ذكره من الأدلة، فهى كلها تشهد برأى الجمهور المختار وهو أن الأصـل رواية
الحديث باللفظ على فرض التسليم بما اعترض به من حديث : “نضر الله إمراً” وحديث “لا ونبيك”0

والفـرع هو الترخص فى الرواية بالمعنى للعالم بالألفاظ ومدلولاتها دون غيرها، ويشهد لذلك ما سبق ذكره من أدلة، وحينئذ فلا تعارض0

وحتى مع التسليم بأن الأصل هو الرواية بالمعنى، فلسنا نرى أن الرواية بالمعنى تفضى إلى النتائج الخطيرة التى يزعمها دعاة
الإلحاد؛ لأن اختلاف ألفاظ الأحاديث لا يرجع إلى الرواية بالمعنى وحدها، بل يرجع إلى رسول الله  الذى كانت تختلف ألفاظه بتعدد الأزمنة
والأمكنة، والحوادث والأحوال، والسامعين والمستفتين، والمتخاصمين والمتقاضين، والوافدين والمبعوثين، ففى كل ذلك تختلف ألفاظه ، إيجازاً،
واطناباً، وتقديماً، وتأخيراً، وزيادة، ونقصاناً، بحسب ما تقتضيه الحال ويدعوا إليه المقام( )0

فقد يسأل عن أفضل الأعمال مثلاً؛ فيجيب كل سائل بجواب غير جواب صاحبه، … فيظن من لا علم له أن هذا من باب التعارض، أو من عدم
ضبط الرواة، أو من آثار الرواية بالمعنى، وواقع الأمر أن رسول الله  كان طبيب النفوس، فيجيب كل إنسان عن مسألته بما يناسبه، وبما
يكون أنفع له أو للناس فى جميع الظروف أو فى الظرف الذى كان فيه الاستفتاء”( ) أ0هـ0

ويرجع اختلاف الأحاديث أيضاً إلى أنها ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبى  وهى كثيرة، ومنها ما أصله
قولى، ولكن الصحابى لا يذكر القول بل يقول : أمرنا النبى  بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا … وأشباه هذا وهذا كثير أيضاً0 وهذان
الضربان ليسا محل نزاع0 ولا دخل للرواية بالمعنى فيهما، والكلام فى ما يقول الصحابى فيه : قال رسول الله  كيت وكيت، أو نحو ذلك، ومن
تتبع هذا فى الأحاديث التى يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو فى بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذا حكوا قوله 
يهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها، فيقع له تقديم وتأخير أو إبدال الكلمة بمرادفها( )0

ومنهم من يشدد ويصحح ما يسمعه من الرواة من تغيير اللفظ النبوى بالتقديم والتأخير، أو استبدال كلمة بمرادفها، كابن عمر  فعن عُبَيْد بن
عمير( )؛ أن ابن عمر كان جالساً مع أبيه وعندهم مغيرة بن حكيم – رجل من أهل صنعاء – إذ قال : قال رسول الله  : “إنما مثل المنافق مثل
الشاة بين الربيضين( ) من الغنم”، فقال عبد الله بن عمر : ليس هكذا قال رسول الله  فقال رجل : لو علمت علمه، علمت أنه لم يقل إلا حقاً
ولم يتعمد الكذب، فقال : إنه لثقة، ولكنى شاهد رسول الله  يوم قال، هذا فقال كيف يا أبا عبد الرحمن؟ فقال : قال رسول الله  : “مثل المنافق
مثل الشاة بين الغنمين”0 فقال عُبَيْد بن عُمَير هى واحدة إذا لم يجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً، فلا يضرك أن قدمت شيئاً أو أخرته؛ فهو
واحد”( )0

وسمع ابن عمر أيضاً رجلاً يردد حديث الأركان الخمسة، فقدم بعضها وآخر بعضاً مخالفاً بذلك الرواية التى سمعها ابن عمر
بنفسه من رسول الله ، فقال له ابن عمر –رضى الله عنهما- : “اجعل صيام رمضان أخرهن، كما سمعت من فى رسول الله ”( )0

وروى الخطيب بسنده عن العلاء بن سعد بن مسعود قال : قيل لرجل من أصحاب رسول الله  : مالك لا تحدث كما يحدث فلان
وفلان؟ فقال : ما بى ألا أكون سمعت مثل ما سمعوا، أو حضرت مثل ما حضروا، ولكن لم يدرس الأمر بعد، والناس متماسكون، فأنا أجد من
يكفينى، وأكره التزيد والنقصان فى حديث رسول الله ”( )0

وفى عصر التابعين، وأتباع التابعين ظل كثير من الرواة يؤدى حديث رسول الله  بلفظه ونصه، حتى فى الحروف وفى ذلك يقول
الأعمش : “كان العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً”( )0

وكان مالك -رحمه الله- يتقى فى حديث رسول الله  الباء والتاء ونحوهما( )0 وممن اعتمد ذلك الإمام مسلم -رحمه الله- فإنه
فى صحيحه يميز اختلاف الرواة حتى فى حرف من المتن، وربما كان بعضه لا يتغير به معنى، وربما كان فى بعضه اختلاف فى المعنى، ولكنه
خفىٌ لا يفطن له، إلا من هو فى العلم بمكان، وكذا سلكه الإمامان البخارى، وأبو داود، وسبقهما لذلك شيخهما الإمام أحمد( )0

ومن أمثلة ذلك : ما روى عن أبى هريرة  قال : قال رسول الله  : “لأسلم وغفار، وشئ من مزينة وجهينة، أو شئ من جهينة
ومزينة، خير عند الله، قال : أحسبه قال يوم القيامة، من أسد، وغطفان، وهوازن وتميم”( ) وهناك من اشتد حرصه على لفظ سماعه فأبى
تبديل حرف مشدد بمخفف، فعن أم كلثوم بنت عقبة( ) – رضى الله عنها – قالت : “ليس الكاذب من أصلح بين الناس فقال خيراً أو نمى خيراً0
قال حماد سمعت هذا الحديث من رجلين فقال أحدهما : نمى خيراً خفيفة، وقال الآخر : نمى خيراً مثـقلة( )0

وأشد من كل هذا تحرج بعضهم من تغيير اللحن الوارد فى كلام الراوى صحابياً كان أو تابعياً، لأنه سمعه هكذا، فلا ضير من
استعمال (حوث) بدلاً من “حيث”( )، أو “لغيت” بدلاً من “لغوت”( )، و “عوثاء السفر”، بدلاً من “وعثائه”( )؛ ولذلك رووا عن محمد بن سيرين؛
أنه “كان يلحن كما يلحن الراوى”( )0

ثم رأى العلماء أن يميزوا فى هذا الموضوع بين لحن يحيل المعنى، وآخر لا يحيله، فرأوا أنه لابد من تغيير اللحن الذى يفسد
المعنى، وقالوا بضرورة رد الحديث إلى الصواب إذا كان راويه قد خالف موجب الإعراب”( )0

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: