مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 8-14

وبكل ذلك يسقط قول دعاة الفتنة وأدعياء العلم : “أن الرواية بالمعنى هى القاعدة الثابتة فى رواية الحديث( )، وأن الرواة تناقلوا
الحديث بألفاظهم فى جميع العصور( )0″ومن أجل ذلك كله نستطيع أن نقول ونحن مطمئنون : “إن الرواية بالمعنى لم يكن لها أثر فى ثبوت السنة وحجيتها ولم تفض إلى النتائج
الخطيرة التى يزعمها دعاة الإلحاد، لأنها كانت قبل فساد اللسان العربى، من صحابة عايشوا الوحى، وتـنزلاته، وخالطوا صاحب الشرع ،
ومن أئمة كبار فى اللغة والشرع معاً، وكانوا يرونها رخصة عند الاضطرار( )، وكان نسيانهم قليلاً، بل نادراً، فإن كان ففى بعض حروف
العطف، أو المفردات، أو بعض الجمل”( )0 وكانوا يقيدون ذلك ببعض العبارات الدالة على الحيطة والورع فى روايتهم بالمعنى
كقولهم : “أو كما قال”، “أو كما ورد” “أو نحوه” “أو شبهه”( )0يقول الأستاذ محمد أسد : “إذا كان مئات الصحابة قد حفظوا جميع القرآن الكريم غيباً بلفظه، وبما فيه من فروق ضئيلة فى الرسم (التهجئة) فلا
ريب فى أنه كان ممكناً لهم، وللتابعين من بعدهم أن يحفظوا أقوال الرسول  متفرقة كما حفظوا القرآن سواء بسواء، ولكن من غير أن يزيدوا
على الأحاديث أو أن ينقصوا منها شيئاً0 إن المحدثين يرون أن الحديث الصحيح ما رُوى واحداً فى معناه ولكن بأسانيد مختلفة مستقلة”( )0

الاحتجاج بالسنة والاستشهاد بها فى قواعد النحو واللغة :
عرفنا فيما سبق أن الأصل فى رواية الحديث روايته بلفظه، وذلك منذ عصر النبوة المباركة، والصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى
عصر التدوين الرسمى للسنة0 والفرع هو الترخص فى روايته بالمعنى للعالم بالألفاظ ومدلولاتها، كما عرفنا كيف كانوا يتشددون فى الرواية
باللفظ والاعتراض على من يقدم ويؤخر فى اللفظ النبوى، أو يستبدل كلمة بمرادفها، بل كان سقوط أحدهم من السماء أحب إليه من أن يزيد فى
الحديث واواً أو ألفاً أو دالاً، وبلغ من شدة المحافظة على اللفظ النبوى أن بعضهم يأبى تبديل حرف مشددَّ بمخفف أو العكس، بل ويأبى بعضهم
تغيير اللحن الوارد فى كلام شيخه ما دام سمعه منه، حتى إذا شك الراوى فى لفظين أوردهما جميعاً متشككاً كما جاء فى الحديث : “وهل يكُبُّ
النَّاسَ فى النَّارِ على وُجُوهِهِمْ أَوْ على مَنَاخِرِهِمْ إلا حَصَائِدُ أَلْسَنِتْهم”( )0
وهكذا حافظ رواة السنة على لفظ النبى ، حتى وصلت إلينا سنة المصطفى  سالمة من كل تحريف وتبديل0

نعـم : وصلت إلينا السنة المطهرة بلفظ النبى ، بلفظ أبلغ ما عرف فى لغة العرب، وعرف الدارسون من البيان البشرى، وفى
ذلك يصف أبو حيان بلاغة السنة قائلاً : “والثانى : سنة رسول الله ، فإنها السبيل الواضح، والنجم اللائح، والقائد الناصح، والعلم المنصوب
والأمر المقصود، والغاية فى البيان والنهاية فى البرهان، والمفزع عند الخصام، والقدرة لجميع الأنام”( )0

من أجل ذلك؛ فإن الاحتجاج بالحديث فى اللغة، والنحو أمر طبيعى، وما زعمه المانعون من عدم الاحتجاج به؛ لأنه روى بالمعنى،
ولا نستطيع الجزم بأنه لفظ النبى ( ) فهذا الزعم يسقط بما سبق ذكره، وتفصيله من أن الأصل فى رواية الحديث أن تكون باللفظ، والفرع هو
الترخص فى روايتها بالمعنى للعالم بالألفاظ ومدلولاتها، ولفظه فى هذه الحالة أيضاً حجة، ولِمَ لا، وعلماء اللغة عندما جمعوا اللغة العربية
النقية البعيدة عن الخطأ واللحن كانوا يذهبون إلى البوادى ليستمعوا إلى اللغة من فصحاء العرب، ومن بلغاء البادية مختارين القبائل التى
اشتهرت بفصحاتها، مثل قريش،وتميم، وهذيل وأسد وغيرهم0

وكانوا يتحرون فى اختيار الفصحاء، فلم يأخذوا إلا من الذى وثـقوا فى فصاحته، ولم يشكوا فى مخالطته لغير العرب، وقد حدد
العلماء بعض العصور التى أخذوا عنها اللغة؛ كالعصر الجاهلى، وصدر الإسلام،وبنى أمية، حتى القرن الثانى الهجرى، ولم يلتفتوا إلىما جاء
بعد ذلك عن العرب من شعر ونثر، باعتبار أنه لا يحتج به( )0 وكل هذا ينطبق على رواة السنة والأحاديث المروية، لأن الرواية بالمعنى كانت
فى القرن الأول قبل فساد اللسان العربى وعلى قلة وفى حدود ضيقة، هذا فى الوقت الذى كانت فيه كتابات عديدة للصحابة فى زمن النبوة
وبعده، وكذلك كتابات التابعين فمن بعدهم حتى زمن التدوين الرسمى للسنة فى القرن الأول نفسه، مما يرجح أن الذى فى مدونات الطبقة الأولى
لفظ النبى  نفسه، فإن كان هناك إبدال لفظ بمرادفه فالذى أبدله عربى فصيح يحتج بكلامه العادى، حتى إذا دونت السنة المطهرة منع من
الرواية بالمعنى وتغيير الفظ المدون بلا خلاف كما قال ابن الصلاح( )0

ويقول الدكتور محمد الصباغ : “ومهما يكن من أمر الحديث فإنه أحسن حالاً بكثير من الأشعار والأبيات التى يلجأ إليها النحويون
ويملؤون بها كتبهم، وبعضها منحول، والآخر مشكوك فيه، أو مجهول لا يعرف قائله( )0

ويقول الأستاذ سعيد الأفغانى : “إن ما فى روايات الحديث من ضبط ودقة وتحر لا يتحلى ببعضه كل ما يحتج به النحاة،
واللغويون من كلام العرب( )0 ثم إن المطلوب فى نقل قواعد اللغة والنحو من حديث رسول الله  هو غلبة الظن، والغالب على الظن أن
الحديث لم يتغير لفظه( )0
أما ما زعموه من وقوع اللحن فى بعض الأحاديث بسبب عجمة بعض الرواة( )؛ فهو شئ –إن وقع- قليلٌ جداً، لا ينبنى عليه حكم، ولا يقوم
بهذا الزعم حجة لأحد ولا يصح أن يمنع من أجله الاحتجاج بالحديث الصحيح( )، وهل يمنع عاقل الاحتجاج بالقرآن إذا لحن به بعض
الناس؟!!0 ثم إن اللحن كان موجوداً فى غير نصوص السنة من موارد اللغة التى اعتمد عليها النحاة من شعر ونثر، ورغم ذلك فقد قبلت؛ لأن
العبرة بغلبة العصر لا بلحن الأفراد0 ولم يقل أحد أنه لا يحتج بهما فى اللغة والنحو( )0 ثم إن ما ذكره هؤلاء من اللحن فى الأحاديث الصحيحة
لم يكن لحناً وإنما هو لغة من لغات العرب – وسيأتى بعد قليل أمثلة على ذلك – وقد حذر العلماء من اللحن فى الحديث أشد التحذير، وعد
بعضهم الحديث الملحون كذباً على النبى  : قال الأصمعى( ) : “إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل فى جملة
قوله  : “من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”( )0 لأنه لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فيه( ) فقد كذبت عليه( )0
أما ما زعموه من أن أحداً من أئمة النحو المتقدمين لم يحتج فى كتبه بالحديث( )0 فذلك إن صح كما يقول الدكتور محمود فجال : فليس معناه
أنهم كانوا لا يجيزون الاستشهاد به إذ لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به، فـ (سيبويه) مثلاً إذا ذهبنا نقرأ كتابة
المسمى بـ (الكتاب) فلن نجد فيه كلاماً رفعه للنبى  ولا مرة واحدة، وفى (الكتاب) نصوص كثيرة توافق الأحاديث النبوية … ولكن (سيبويه)
لم يستشهد بها على أنها أحاديث من النبى  بل على أنها من كلام العرب0

قال (سيبويه) فى كتابة( ) : “وأما قولهم : كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه”( ) فانظر
كيف جعله كلاماً صادراً من العرب الذين يحتج بكلامهم( )0
يقول الدكتور محمود فجال : إن عدم استدلال بعضهم بالحديث على أنه مرفوع للنبى  لا يعنى أنهم لا يجيزون الاستدلال به،
وإنما يعنى عدم خبرتهم بهذا العلم الدقيق، وهو علم رواية الحديث ودرايته، لأن تحصيله بحاجة إلى فراغ، وطول زمان، كما يعنى عدم تعاطيهم
إياه( )0

أما (ابن مالك) فهو إمام فى الحديث بالإضافة إلى إمامته فى علم العربية، وهذا هو السبب الذى حدا به إلى الاستشهاد بالحديث0
قال (الصلاح الصفدى) : كان-ابن مالك-أمة فى الإطلاع على الحديث، فكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهدٌ
عَدَلَ إلى الحديث، فإن لم يكن فيه شاهدٌ عَدَلَ إلى أشعار العرب( )0

والقدامى لم يثيروا هذه القضية، ولم يناقشوا مبدأ الاحتجاج بالحديث، وبالتالى لم يصرحوا برفض الاستشهاد به، وإنما هو استنتاج
من المتأخرين الذين لاحظوا – خطأ – أن القدامى لم يستشهدوا بالحديث، فبنوا عليه أنهم يرفضون الاستشهاد به ثم حاولوا تعلل ذلك0 إذاً فقد
كان المتأخرون مخطئين فيما أدعوه من رفض النحاة القدامى الاستشهاد بالحديث وكانوا واهمين حينما ظنوا أنهم هم أيضاً برفضهم الاستشهاد
بالحديث إنما ينهجون نهجهم0 ونحن نحمل (ابن الضائع) و “أبا حيان” تبعة شيوع هذه القضية الخاطئة فهما أول من روج لها، ونادى بها،
وعنهما أخذها العلماء، دون تمحيص أو تحقيق ثقة فى حكمهما … ولعل منشأ تلك الفكرة الخاطئة، هو أن القدماء سكتوا عن الاستشهاد
بالحديث، واكتفوا بدخوله تحت المعنى العام لكلمة (نصوص فصحاء العرب) ثم حين جاء من بعدهم ودونوا هذه الفكرة كانوا يفهمون ذلك فلم
يخصوا الحديث النبوى بنص مستقل، فلما جاء (ابن الضائع) و (أبو حيان) وغيرهما ولم يجدوا نصاً مستقلاً يعد الحديث من مصادر الاحتجاج،
ظنوا أن القدماء لم يكونوا يستشهدون به، وسجلوا هذا الظن على أنه حقيقة واقعة، وجاء من بعدهم فنقلوا عنهم دون تمحيص، وتابعوهم من
غير بحث0

ويؤيد هذا الافتراض أن (السيوطى) استنبط من قول صاحب (ثمار الصناعة) : (النحو علم يستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب
الله تعالى – وكلام فصحاء العرب) أن النحاة لم يكونوا يستشهدون بالحديث، فعقب على ذلك بقوله : “فقصره عليهما، ولم يذكر الحديث”( )

يقول الدكتور محمود فجال:”وهناك أسباب كثيرة تحمل على الشك فى صحة ما نسب إلى الأقدمين من رفضهم الاستشهاد بالحديث،
بل هناك من الدلائل ما يكاد يقطع-إن لم يكن يقطع فعلاً – أنهم كانوا يستشهدون به، ويبنون عليه قواعدهم، سواء منهم من اشتغل باللغة أو
النحو أو بهما معاً0 ولهذا لا يسع الباحث المدقق أن يسلم بما ادعاه المتأخرون0 وسنده فى ذلك ما يأتى :
أولاً : أن الأحاديث أصح سنداً من كثير مما ينقل من أشعار العرب، ولهذا قال (الفيومى) بعد أن استشهد بحديث : “فأثنوا عليه شراً” على صحة
إطلاق الثناء على الذكر بشر( ) قال: “قد نقل هذا العدل الضابط، عن العدل الضابط عن العرب الفصحاء عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل
أهل اللغة؛ فإنهم يكتفون فى النقل عن واحد ولا يعرفون حاله( )0
ثانياً : أن المحدثين الذين ذهبوا إلى جواز الرواية بالمعنى شرطوا فى الراوى أن يكون محيطاً بجميع دقائق اللغة،وإلا فلا يجوز له الرواية
بالمعنى0على أن المجيزين الرواية بالمعنى معترفون بأن الرواية باللفظ هى الأولى، ولم يجيزوا النقل بالمعنى إلا فيما لم يدون فى الكتب وفى
حالة الضرورة فقط( )0وقد ثبت أن كثيراً من الرواة فى الصدر الأول كانت لهم كتب يرجعون إليها عند الرواية، ولا شك أن كتابة الحديث تساعد
على روايته بلفظه وحفظه عن ظهر قلب مما يبعده عن أن يدخله غلط أو تصحيف0
ثالثاً : أن كثيراً من الأحاديث دون فى الصدر الأول قبل فساد اللغة على أيدى رجال يحتج بأقوالهم فى العربية، فالتبديل على فرض ثبوته، إنما
كان ممن يسوغ الاحتجاج بكلامه0 فغايته تبديل لفظ يصح الاحتجاج به بلفظ كذلك( )0
رابعاً : أن اللغويين احتجوا بالحديث فى اللغة، لأجل الاستدلال على معانى الكلمات العربية، وهو ما دفع (السهيلى) إلى أن يقول : “لا نعلم أحداً
من علماء العربية خالف فى هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان فى شرح التسهيل، وأبو الحسن بن الضائع فى شرح الجمل، وتابعهما
على ذلك الإمام السيوطى( ) أ0هـ0

ويقول الدكتور صبحى الصالح معللاً عدم احتجاج أئمة النحو المتقدمين بالحديث قال: “فذلك إن صح – عائد إلى أن كتب الحديث لم
تكن متوفرة لغير ذوى الاختصاص فى ذلك الحين، ولولا ذلك لاقتصروا على الاستشهاد بها دون الأشعار، وقد تلافى المتأخرون هذا، فكانوا
يحتجون دائماً بأحاديث رسول الله  فى معجماتهم التى اشتملت على أنقى الألفاظ وأفصحها مصحوبة بشروحها وشواهدها، كما فى “تهذيب”
الأزهرى، و (صحاح) الجوهرى و(مقاييس) ابن فارس، و (فائق) الزمخشرى وغيرهم( )0

وفاقهم فى ذلك كله (ابن مالك) وبلغ الذروة فى كتابه “شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح” فقد عقده للأحاديث
التى يشكل أعرابها، وذكر لها وجوهاً يستبين بها أنها من قبيل العربى الصحيح( )0 بل إن (ابن الضائع) و (أبا حيان) وهما على رأس من
رفض الاستشهاد بالحديث لم تخل كتبهما من بعض الأحاديث وقد فطن إلى هذا (ابن الطيب الفاسى) فقال : “بل رأيت الاستشهاد بالحديث فى كلام
أبى حيان نفسه مرات، ولا سيما فى مسائل الصرف، إلا أنه لا يقر له عماد، فهو فى كل حين فى اجتهاد”( )0

ويقول الأستاذ سعيد الأفغانى : “وأغلب الظن أن من لم يستشهد بالحديث من المتقدمين لو تأخر به الزمن إلى العهد الذى راجت
فيه بين الناس ثمرات علماء الحديث من رواية ودراية لقصروا احتجاجهم عليه بعد القرآن الكريم، ولما التفتوا قط إلى الأشعار والأخبار التى لا
تلبث أن يطوقها الشك إذا وزنت بموازين فن الحديث العلمية الدقيقة( )0

ويمكننا أن نعد قرار مجمع اللغة العربية فى مصر قولاً معتمداً فى موضوع الاحتجاج بالحديث فى اللغة والنحو0 وهذا القرار هو
: “إن العرب الذين يوثق بعربيتهم، ويستشهد بكلامهم هم عرب الأمصار إلى نهاية القرن الثانى وأهل البدو من جزيرة العرب إلى آخر القرن
الرابع”( )0

كما رأى المجمع الاحتجاج بأنواع من الأحاديث لا ينبغى الاختلاف بالاحتجاج بها فى اللغة، وهى : الأحاديث المدونة فى الصدر
الأول، ككتب الأصول الستة فما قبلها، على أن يحتج بها على الوجه التالى :
أ- الأحاديــث المتواتـــرة والمشهـــورة0
ب- الأحاديث التى تستعمل ألفاظها فى العبـادات0
ج- الأحاديث التى تعد مـن جوامــع الكلــم0

د- كتب النبى  ومعاهداته0
هـ- الأحاديث المروية لبيان أنه كان  يخاطب كل قوم بلغتهم0
و- الأحاديث التى دونها مـن نشـأ بيـن العـرب الفصحـاء( )0
ن- الأحاديث التى عرف من رجال روايتها أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى، مثل القاسم بن محمد ورجاء بـن حيـوة، وابـن
سيريـن0
ج- الأحاديث المروية من طرق متعددة، وألفاظها واحدة( )0

يقول الأستاذ جواد رياض بعد أن نقل قرار مجمع اللغة السابق : “ومن هنا؛ فإننا نستطيع أن نعتمد على الأحاديث الصحيحة
اعتماداً كلياً فى تأييد بعض قواعد النحو التى نطق بها رسول الله ، والتى توافق لغة من لغات العرب، حتى ولو خالفت رأى جمهور النحاة، لأن
قول الرسول حجة فى تصحيح أقوالنا كما هو حجة فى تصحيح أعمالنا، وما ذكره هؤلاء من اللحن فى الأحاديث الصحيحة لم يكن لحناً وإنما
هو لغة من لغات العرب0 مثل ما روى عن أنس  عن النبى  أنه نهى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُل قائماً، قال قَتَادَةُ فَقُلْنَا فالأَكْلُ فقال : “ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ
أَخْبَثُ”( )0

وفى حديث آخر قال : “… فوالَّذى نَفْسِى بِيَده إِنَّهُمْ لأَخْيَرُ مِنْهُمْ”( )0 وطبقاً لما هو معروف عند أهل اللغة، فإنهم ينكرون لفظ ”
أَشَرَّ” و “أَخْيَرُ” ويقولون الصواب (خير) و (شر) بدون ألف كما قال تعالى : أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ( ) وقال تعالى : أُولَئِكَ شَرٌّ
مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا( )0 ولكن لا يقبل إنكارهم فإن لفظ “أشـر” و “أخيـر”

صحيح أيضاً، وهو عربى فصيح، وهو لغة من لغات العرب، وإن كانت قليلة الاستعمال، وبالتالى فلا يقبل إنكار هذه اللغة أو ردها ما دامت قد
تكررت فى الأحاديث الصحيحة، ويوجد لها نظائر مما لم يكن معروفاً عند اللغويين وجارياً على قواعدهم، لأن النحويين كما قال الإمام النووى
لم يحيطوا إحاطة قطعية بجميع كلام العرب، ولهذا يمنع بعضهم ما ينقله غيره من العرب كما هو معروف( )0

ومن هنا يتبين أن قول الرسول  (أَشَرَّ) و (أَخْيَرُ) صحيح حتى ولو كان مخالفاً لرأى جمهور النحاة، فالاحتجاج بالحديث الصحيح هو الأولى(
)0

وأخيـراً : (لا نملك إلا أن نرد قضية الاحتجاج إلى معيار لا يخطئ أبداً، وهو معيار الفصاحة والصفاء والسلامة من الفساد، فلا يحتج فى
الحديث، ولا فى غيره، بمن لابس الضعف لغته، وخالطت العجمة كلامه، وتسربت الركة إلى لفظه مهما يَسمُو مقامه0 وكان هذا المعيار الدقيق
كفيلاً – لو عرفه اللغويون المتقدمون فى وقت مبكر – بإرساء قواعد اللغة وأصول النحو على دعائم ثابتة قوية، وبقطف ثمار تلك الأصول فى
نتاج نحوى غنى بالشواهد كنتاج ابن مالك، وابن هشام، من رجال النحو المتأخرين وأئمته الأعلام”( )0 ومذهبهم هو الأصل السديد الصحيح،
وهو الذى أخذ به جمهور علماء اللغة الذين امتلأت معجماتهم التى تركوها بالحديث، وكذلك كتب أئمة النحو المتقدمين؛ كابن فارس، وابن جنى،
وابن برى، والسهيلى، حتى قال ابن الطيب : “لا نعلم أحد من علماء اللغة خالف هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان (745هـ) فى شرح
التسهيل، وأبو الحسن بن الضائع (680) فى شرح الجمل، وتابعهما فى ذلك الإمام السيوطى( ) أ0هـ0
والحق ما قاله الإمام مالك لا ما قاله أبو حيان، وكلام ابن الضائع كلام ضائع( )0 وما احتجوا به على منعهم للاحتجاج ظهر لك
ضعفه، لأن ما تعللوا به ورد بصورة أدق وأضبط من الذى احتجوا به هم أنفسهم من شعر ونثر( )0 أ0هـ والله أعلم0
رابعاً : شبهة أن الوضع وكثرة الوضاعين للحديـث
أضعفـت الثقـة بالسنة النبوية

استعراض الشبهة وأصحابها :
زعم أعداء السنة المطهرة من غلاة الشيعة، والمستشرقين، وأذيالهم من دعاة اللادينية، أن من آثار تأخر تدوين الحديث إلى ما
بعد المائة الأولى من الهجرة، أن اتسعت أبواب الرواية وفاضت أنهار الوضع بغير ضابط ولا قيد – منذ فتنة عثمان بن عفان  حتى لقد بلغ
ما روى من الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف لا يزال كثير منها منبثاً بين تضاعيف الكتب المنتشرة بين المسلمين فى مشارق الأرض
ومغاربها، مما يجعل الثقة بصحة الأحاديث ضعيفة، ويجعل المرء لا يطمئن إلى السنة النبوية من حيث ورودها( )0

هذه هى خلاصة شبهتهم التى طعنوا بها فى حجية السنة المطهرة، وفى مصدريتها التشريعية، كما طعنوا بها فى عدالة حملة
الإسلام من أهل القرون الثلاثة الفاضلة الذين شهد لهم المصطفى  بالخيرية من صحابته الكرام  والتابعين لهم بإحسان من أئمة المسلمين
من المحدثين والفقهاء0

فطعنوا بهذه الشبهة فى حجية السنة حيث ذهب الصنم الأكبر للمستشرقين جولد تسيهر إلى (أن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا
نتيجة للتطور الدينى والسياسى والاجتماعى للإسلام فى القرنين الأول والثانى، وأنه ليس صحيحاً ما يقال أنه وثيقة للإسلام فى عهده الأول
عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جمهور الإسلام فى عصر النضوج، وتابعه على ذلك سائر المستشرقين( )، وذيولهم من دعاة الفتنة، وأدعياء
العلم فى أمتنا الإسلامية؛ مثل أحمد صبحى منصور القائل : “بدلاً من أن يعكف المسلمون على القرآن ومنهجه العقلى فإنهم أضاعوا قروناً فى
تأليف الروايات والاختلاف حولها، وفى تأليف الخرافات والبحث عنها”( )0

ويقول أيضاً : “… لأن تلك المرويات التى كانت تعبر عن عصور السابقين وثقافتهم أصبحت فى عصرنا تسئ للإسلام، علاوة
على أنها أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان( )، فتأمل هل هناك فرق فى المعنى بين ما قاله أحمد صبحى وجولدتسيهر؟!!

ومن أسباب وضع الحديث طعن أعداء الإسلام فى عدالة حمل الإسلام من صحابة رسول الله  وأئمة المسلمين من الفقهاء
والمحدثين0
1- فاتهموا الصحابة العدول الثقات  بالكذب على رسول الله ، وأنهم كانوا يكذِّب بعضهم بعضاً، وأنهم تسارعوا على الخلافة وانقسموا شيعاً
وأحزاباً (وأخذ كل حزب يدعم موقفه بحديث يضعه على النبى ، واشتد ذلك الأمر فى العصر الأموى، والعباسى حيث تحولت تلك الأكاذيب إلى
أحاديث، وتم تدوينها فى العصر العباسى ضمن كتب الحديث الصحاح) ( )0
2- واتهموا أئمة المسلمين الثقات من المحدثين والفقهاء بأنهم نافقوا الحكام والسلاطين، وكانوا لهم جنوداً واخترعوا لهم من الأحاديث ما يثبت
ملكهم وسلطانهم، وعلى دربهم صار علماء المسلمين إلى يومنا هذا0 وفى ذلك يقول نيازى عز الدين : “السلطان( ) كان يستخدم الأحاديث،
وعلماء الحديث، ورجال الدين أصلاً من أجل إقناع الشعب الذى هو الرأى العام عنده بوجهة نظره دائماً، فكل هؤلاء كانوا يعملون للسلطان بأجر
موضوع يقابل خدماتهم المطلوبة، فعليهم تنفيذ الأوامر (لذلك سميناهم فى هذا الكتاب بجنود السلطان؛ لأنهم يتلقون الأوامر وعليهم الطاعة
الدائمة لتلك الأوامر مهما كانت)( ) ويقول فى موضع آخر : “وجنود السلطان استخدموا الأحاديث التى وضعوها ظلماً باسم الرسول ؛ ليتوصل
السلطان إلى ما يريد من إخضاع الشعب بأقل تكاليف ممكنة”( )0

وهذا الكذب ترديد لما قاله قديماً جولد تسيهر فى العقيدة والشريعة فى الإسلام قائلاً: “ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة
للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول  أو هى من عمل رجال الإسلام القدامى … فالحق أن كل
فكرة، وكل حزب وكل صاحب مذهب يستطيع دعم رأيه بهذا الشكل، وأن المخالف له فى الرأى يسلك أيضاً هذا الطريق ومن ذلك لا يوجد فى
دائرة العبادات أو العقائد أو القوانين الفقهية أو السياسية مذهب أو مدرسة لا تعزز رأيها بحديث أو بجملة من الأحاديث، ظاهرها لا تشوبه أى
شائبة”( )0

ونفس هذا الكذب ردده حسين أحمد أمين فى كتابه دليل المسلم الحزين قائلاً : “ومن ثم فقد لجأ الفقهاء والعلماء إلى تأييد كل رأى
يرونه صالحاً ومرغوباً فيه بحديث يرفعونه إلى النبى ( )0

وردده أحمد أمين فى فجر الإسلام قائلاً : “فلا تكاد ترى فرعاً فقهياً مختلفاً فيه إلا وحديث يؤيد هذا وحديث يؤيد ذلك”( )0
وردده أحمد صبحى مؤيداً فى ذلك أحمد أمين قائلاً فى دفاعه عن حل زواج المتعة : “وذلك يذكرنا بما قاله العلامة أحمد أمين فى
كتابة فجر الإسلام0 “أن الخلافات الفقهية كانت من أهم أسباب اختراع الأحاديث”( )0

ويقول أيضاً : “إن كل ما كتبه الأئمة السابقون (يعنى ما دونوه فى كتب السنة المطهرة) ليس ديناً وإنما هو فكر دينى يقبل الخطأ
والصواب( )0

وردد ذلك من غلاة الشيعة على الشهرستانى فى كتابه (منع تدوين الحديث أسباب ونتائج” قائلاً : “السنة المتداولة اليوم ليست
سنة الرسول بل هى سنة الرجال فى كم ضخم من أبوابها ومفرداتها”( ) وفى موضع آخر : يصف السنة المطهرة بأنها “فقه الرجال”( )0

الجواب على شبهة أن الوضع وكثرة الوضاعين للسنة أضعفـت
الثقـة بالسنـة الشريفـة
تمهيـد :
صحيح : أنه كان هناك وضاعون وكذابون لفقوا أقوالاً، ونسبوها إلى رسول الله 0 ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة التى تخيلها
أصحاب هذه الشبهة، وأثاروا بها الوساوس فى النفوس، وقد جهلوا أو تجاهلوا الحقائق التى سادت الحياة الإسلامية فيما يتعلق بالسنة النبوية0
فقد كان إلى جانب ذلك عدد وفير من الرواة الثقات المتـقنين العدول، وعدد وفير من العلماء الذين أحاطوا حديث رسول الله  بسياج قوى
يعسر على الأفاكين اختراقه

واستطاع هؤلاء المحدثون بسعة إطلاعهم، ونفاذ بصيرتهم، وجدهم واجتهادهم ومثابرتهم أن يعرفوا الوضاعين، وأن يقفوا على
نواياهم ودوافعهم، وأن يضعوا أصابعهم على كل ما نسب إلى رسول الله  على سبيل الوضع والكذب والافتراء0
فهؤلاء الوضاعون لم يترك لهم الحبل على الغارب يعبثون فى الحديث النبوى كما يشاؤون، ولم يترك لهم المجال لأن يَنْدَسُوا بين رواة الأحاديث
النبوية الثقات العدول دون أن يعرفوا0
فقد أدرك العلماء الثقات من المحدثين هذا الاتجاه عند الوضاعين فضربوا عليهم حصار فكرياً، وعلمياً، وعملياً، وميزوهم،
وكشفوهم، وكشفوا أساليبهم، وأهدافهم، ودوافعهم، وذكروهم فرداً فرداً وبينوا حكم الدين فى كل منهم( )، كما استعدوا عليهم الحكام والأمراء
بمنعهم من التحديث، كما ميزوا الصحيح والضعيف والموضوع فدون كل على حده، وتلك مزية للسنة لم يصل إليها أى علم من العلوم، إلا أن
أعداء الإسلام استطاعوا أن يصوروا هذه المزية على أنها عيب!!! بزعمهم أن الموضوع يوجد فى السنة بلا تمييز( )0

وإذا كان العلماء قديماً وحديثاً اتسعت مباحثهم فى التعريف بالحديث الموضوع، وبدايته، وأسبابه، وحكم روايته، وضوابط معرفته، وأشهر
المصنفات فيه، وكتبوا فى ذلك ما يفى بالغاية – حتى يصح أن يقال : لم يدع الكاتبون زيادة لمستزيد فيه، فلنذكر خلاصة بعض تلك المباحث
ففيها بيان جهود علماء الحديث فى مقاومة حركة الوضع والوضاعين، وهتك سترهم، حتى خرجت السنة النبوية المطهرة سالمة من تحريفهم
وإفكهم0فإلى بيان ذلك0

التعريف بالحديث الموضوع لغة واصطلاحاً :
الموضوع لغـة : اسم مفعول، مأخوذ من وضع الشئ يضعه وضعاً، إذا حطه وأسقطه0 أو مأخوذ من الضعة، وهى الانحطاط فى
الرتبة ويأتى (وضع) لمعانٍ عدة، منها : الإسقاط، كوضع الجنابة عنه أى أسقطها وكوضع الأمر، أو الشئ عن كاهله، أى أسقطه0 ويأتى
بمعنى الترك، ومنه : إبل موضوعة، أى متروكة فى المرعى0 ويأتى بمعنى الافتراء والاختلاف كوضع هذه القصة، أى : اختلقها وافتراها0
والأحاديث الموضوعة : المختلقة( )0

والموضوع فى اصطلاح المحدثين : هو الحديث الكذب، المختلق، المصنوع فهو مما نسب إلى النبى  كذباً واختلاقاً، مما لم يقله أو يفعله أو
يقره، فالمناسبة بين المعنى اللغوى، والاصطلاحى ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط، وفيه انحطاط فى رتبته عن غيره، وفيه معنى
التوليد وإيجاد ما لم يكن موجوداً( )0

وتسمية الكلام (الموضوع) : حديثاً، لا مانع منها، فهو حديث بالنظر إلى المعنى اللغوى، كما أشار إليه الحافظ السخاوى فى فاتحة كتابه
المقاصد الحسنة بقوله : “ولاحظت فى تسميتها أحاديث – المعنى اللغوى –”( )، وهو أيضاً (حديث) بحسب زعم واضعه، وبالنظر إلى ظاهر
الأمر قبل البحث والكشف له، وإن كان اصطلاحاً ليس بحديث0

ويشهد لتسمية الكلام المكذوب (حديثاً) قوله  : “من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين”( )، ففى هذا الحديث سمى
النبى ، الكلام المكذوب (حديثاً)0

والحديث الموضوع : تارة يكون كلاماً يخترعه الكذاب من عند نفسه، ثم يضيفه إلى رسول الله ، وهو أكثر الأحاديث الموضوعة0

وتارة يأخذ الواضع كلام غيره كبعض كلمات السلف الصالح من الصحابة والتابعين، أو بعض كلمات الحكماء،أو بعض الأخبار
الإسرائيليات،أو غير ذلك، ثم ينسبه للرسول 0

وتارة يأخذ الواضع حديثاً ضعيف الإسناد، فيركب عليه إسناداً صحيحاً ليروج ويقبل0 وتارة ينسب الكلام المستقيم ككلام بعض
الصحابة أو غيرهم إلى النبى  خطأ وغلطاً، فيقال فيه أيضاً : حديث موضوع( ) أ0هـ0

بداية الوضع فى الحديث وبراءة الصحابة  منه :
اختلف العلماء فى بداية ظهور الوضع فى الحديث إلى قولين :
1- القول الأول : ذهب إلى أن بدايته فى عهد النبوة المباركة، وبه قال الدكتور صلاح الدين الأدلى( )، والدكتور فاروق حماده( )، واستدلوا
على ذلك بما روى عن بُرَيْدَة ( ) قال: جاء رجل إلى قوم فى جانب المدينة فقال : إن رسول الله  أمرنى أن أحكم برأيى فيكم، فى كذا وكذا0
وقد كان خطب امرأة منهم فى الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، فبعث القوم إلى النبى  يسألونه، فقال : “كذب عدو الله”0 ثم أرسل رجلاً فقال : “إن
أنت وجدته ميتاً فأحرقه” فوجده قد لدغ فمات، فحرقه، فعند ذلك قال النبى  : “من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”( )0
2- القول الثانى : ذهب إلى أن بداية الوضع فى الحديث، كانت باندلاع الفتنة التى أشعل فتيلها أقوام من الحاقدين على الإسلام، ويعتبر الدكتور
السباعى سنة أربعين من الهجرة هى الحد الفاصل بين صفاء السنة وخلوصها من الكذب والوضع، وبين التزايد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة
الأغراض السياسية والانقسامات الداخلية بعد أن اتخذ الخلاف بين علىّ ومعاوية -رضى الله عنهما- شكلاً حربياً سالت به دماء وأزهقت منه
أرواح، وبعد أن انقسم المسلمون إلى طوائف متعددة( )0 وربما بدأ قبل ذلك، فى الفتنة التى كانت زمن عثمان ، هذا إذا اعتبرناها الفتنة
المذكورة فى خبر ابن سيرين، والتى جعلها بداية لطلب الإسناد0

وأياً كانت بداية الوضع فى الحديث “زمن النبوة المباركة” أو “زمن الفتنة” فلا يمكن أن يكون الوضع فى الحديث وقع من صحابة
رسول الله  العدول الثقات المعروفين بالخيرية، والتقى، والبر والصلاح، والذين يدور عليهم نقل الحديث0

وعلى فرض صحة الروايات التى تشير إلى أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة0 فليس فيها ما يشكك فى صدق الصحابة، ولا ما يطعن فى
عدالتهم، إذ كان معهم منافقون، وهم الذين كانت تصدر منهم أعمال النفاق، فلا يبعد أن يكون الرجل الوارد فى تلك الروايات واحد من
المنافقين، وبذلك قال الدكتور صلاح الدين الأدلبى( )، والدكتور فاروق حمادة( ) دفاعاً عن تهمة الصحابة بالكذب عليه  فى زمانه، وهما من
أصحاب القول الأول أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة0

أما ما زعمه غلاة الشيعة والمستشرقون ودعاة اللادينية : أن بداية الوضع كانت فى زمن النبى  ووقعت من صحابته الكرام، واستدلالهم على
ذلك بالروايات السابقة( )0 وغيرها مما جاء فيها تخطئة بعض الصحابة لبعضهم، واستشهادهم بذلك على أنهم كانوا يشكون فى صدق بعضهم
بعضاً0

فهذا لا يقوله إلا قوم امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على من اختارهم واصطفاهم ربهم  لصحبة نبيه  وتبليغ رسالته إلى الخلق
كافة0

يقول الدكتور أبو لبابة حسين : “لا يختلف منصفان فى أن العصر الأول للإسلام يعد أنظف العصور وأسلمها من حيث استقامة
المجتمع وتوفيق رجاله وصلاحهم ولا غرو،فإن جلّ القيادات كانت من الصحابة( )، كما أن التربية القرآنية التى غرسها  فى صحبه، وتعهدها
بالرعاية كانت عاملاً فعالاً فى تطهير نفوس الأصحاب مما يطرأ عادة على القلوب والنفوس من أهواء ورغائب تكون مدعاة للكذب والافتراء،
ولا سيما والقرآن الكريم يتوعد الكاذبين بأشد الوعيد، ويصف الكذب بأنه ظلم قال تعالى:فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ
جَاءَهُ( )،قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ( )0

وكيف يكذبون! وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله  : “من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”( ) وكيف نتصور
وصفهم بالكذب وعشرات من الآيات القرآنية، وعشرات أخرى من الأحاديث النبوية تزكيهم وتصفهم بالصدق، والإخلاص، والتقوى؟!!
بل إنه كما يقول الدكتور السباعى –رحمه الله- : “ليس من السهل علينا أن نتصور صحابة رسول الله  الذين فدوا الرسول
بأرواحهم وأموالهم وهجروا فى سبيل الإسلام أوطانهم وأقرباءهم، وامتزج حب الله وخوفه بدمائهم ولحومهم : ليس من السهل أن نتصور
هؤلاء الأصحاب يقدمون على الكذب على رسول الله  مهما كانت الدواعى إلى ذلك( ) … ولقد دلنا تاريخ الصحابة فى حياة الرسول وبعده،
أنهم كانوا على خشية من الله وتقى يمنعهم من الافتراء على الله ورسوله، وكانوا على حرص شديد على الشريعة وأحكامها، والذب عنها،
وإبلاغها إلى الناس، كما تلقوها عن رسوله يتحملون فى سبيل ذلك كل تضحية ويخاصمون كل أمير أو خليفة أو أى رجل يرون فيه انحرافاً عن
دين الله  لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، لا اضطهاداً0

نماذج من جراءة الصحابة فى حفظ الشريعة :
1- فهذا الفاروق عمر  الذى تهابه أعتى الإمبراطوريات ويخاف سطوته العادلة أشجع الرجال، تقف فى وجهه امرأة لتقول له : لا، وذلك حين
دعا إلى أمر رأت فيه هذه المرأة مخالفة لتعاليم القرآن، فقد خطب الناس يوماً فقال : “أيها الناس لا تغالوا فى مهور النساء لو كان ذلك مكرمة
عند الله لكان أولاكم بها رسول الله 0 فتتصدى له امرأة على مسمع من الصحابة فتقول له : “يا أمير المؤمنين! كتاب الله  أحق أن يتبع أو
قولك؟ قال : بل كتاب الله ، فما ذلك؟ قالت نهيت الناس آنفاً أن يغالوا فى صدق النساء والله  يقول فى كتابه العزيز : وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا
فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا( ) فقال عمر : كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثاً ثم رجع إلى المنبر فقال للناس : إنى نهيتكم أن تغالوا فى صدق
النساء ألا فليفعل كل رجل فى ماله ما بدا له( )
2- ويذهب أبو بكر  إلى محاربة الممتنعين عن أداء الزكاة فيعارضه عمر طالما أن نصاً نبوياً يمنع دماء من يشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله وهو قوله  “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه
وحسابه على الله”، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعونى عقالاً كانوا يؤدونه إلى
رسول الله ، لقاتلتهم على منعه فقال عمر بن الخطاب : فوالله ما هو إلا أن رأيت الله  قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه حق”( )0
3- وهذا على بن أبى طالب  يعارض عمر  فى همه برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فقال له علىّ : ليس ذاك لك : إن الله  يقول فى كتابه
وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا( ) فقد يكون فى البطن ستة أشهر، والرضاع أربعة وعشرين شهراً فذلك تمام ما قال الله : ثلاثون شهراً، فخلى
عنها عمر”( )0
4- وهذا أبو سعيد الخدرى  ينكر على مروان من الحكم والى المدينة تقديم الخطبة على صلاة العيد مبيناً أنه عمل مخالف للسنة النبوية( )0
5- وها هو ابن عمر-كما يروى لنا الذهبى فى “تذكرة الحفاظ” يقوم-والحجاج( )يخطب فيقول : أى ابن عمر متكلماً عن الحجاج : عدو الله
استحل حرم الله وخرب بيـت الله وقتـل

أولياء الله، وروى الذهبى أن الحجاج خطب فقال : إن ابن الزبير بدل كلام الله، فقال ابن عمر: كذبت لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله
ولا أنت، قال الحجاج : إنك شيخ قد خرفت اقعد0 قال ابن عمر : أما إنك لو عدت عدت)( )0

مثل هذه الأخبار، ومئات أمثالها قد استفاضت بها كتب التاريخ، وهى تدل دلالة قاطعة على ما كان عليه الصحابة من الشجاعة،
والأمانة، والجرأة فى الحق، والتفانى فى الدفاع عنه، بحيث يستحيل أن يكذبوا على رسول الله  اتباعاً لهوى أو رغبة فى دنيا، إذ لا يكذب إلا
الجبان، كما يستحيل عليهم أن يسكنوا عمن يكذب على رسول الله  وهم الذين لا يسكتون عن اجتهاد خاطئ يذهب إليه بعضهم بعد فكر وإمعان
نظر0 وهذا غاية ما يكون بينهم من خلاف فقهى لا يتعدى اختلاف وجهات النظر فى أمر دينى وكل منهم يطلب الحق وينشده( )0

وما يرد من ألفاظ التكذيب على ألسنة بعضهم، فإنما هو تخطئة بعضهم لبعض، وبيان ما وقع فيه بعضهم من وَهَم الكلام0

والكذب بهذا المعنى لا يعصم منه أحد، لا من الصحابة، ولا ممن دونهم، وقد جاءت كلمة “الكذب” فى أحاديث كثيرة بمعنى الخطأ،
من ذلك : قول النبى  : “كذب من قال ذلك”( ) فى الرد على من ظن أن عامر بن الأكوع( ) : “قتل نفسه فى غزوة خيبر حيث أصابه سيفه،
وهو يبارز “مرحباً” ملك اليهود وقوله  : “كذب أبو السنابل( )، ليس كما قال، قد حللت فانكحى”0 وذلك فى الرد على أبى السنابل الذى قال
لسبيعة بنت الحارث( )، وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام : إنك لا تحلين حتى تمكثى أربعة أشهر وعشراً0 فذكرت ذلك لرسول الله 
فقال : “كذب أبو السنابل، ليس كما قال”( )0
وعلى نحو هذا الاستعمال لكلمة “كذب” جاء استعمال الصحابة لها، كقول ابن عباس – رضى الله عنهما – عن نوف البكالى( ) :
“كذب نَوْف” عندما قال صاحب الخضر ليس موسى بنى إسرائيل، وإنما موسى آخر – ونوف من الصالحين العباد، ومقصود ابن عباس : اخطأ
نوف( )0
ومنه قول عبادة بن الصامت  : “كذب أبو محمد” حيث قال : “الوتر واجب” ومنه قول عائشة – رضى الله عنها – لما بلغها أن
أبا هريرة يحدث بأنه “لا شؤم إلا فى ثلاث” قالت : “كذب – والذى أنزل على أبى القاسم – من يقول : “لا شؤم إلا فى ثلاث – ثم ذكرت الحديث”(
)0 “واسْتَمَعَ الزبير بن العوام ، إلى أبى هريرة يحدث، فجعل يقول كلما سمع حديثاً : كذب … صدق … كذب، فسأله عروة ابنه : يا أبت ما
قولك : صدق … كذب0 قال : يا بنى : أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ، فلا شك فيه، ولكن منها ما يضعه على مواضعه،
ومنها ما وضعه على غير مواضعه”( )0 فعائشة والزبير-رضى الله عنهما – لا يريدان بقولهما – كذب أى اختلق – حاشاهم من ذلك – وإنما
المراد اخطأ فى فهم بعض الأحاديث ووضعها فى غير محل الاستشهاد بها، كما صرح الزبير بن العوام ، فعدالة أبى هريرة بين الصحابة أعظم
من أن تمس بجرح، وما اتهم به كذباً من أعداء الإسلام تصدى للرد عليه رهط من علماء الإسلام( )0

فهذا كله من الكذب الخطأ، ومعناه “اخطأ قائل ذلك”0 وسمى كذباً، لأنه يشبهه؛ لأنه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن
افترقا من حيث النية والقصد( ) وما استدرك به بعض الصحابة بعضاً فى الرواية لا يعد كذباً، كيف لا والصحابة يتفاوتون فى روايتهم عن النبى
 بين مكثر ومقل، يحضر بعضهم مجلساً للرسول  يغيب عنه آخرون، فينفرد الحاضرون بما لم يسمعه المتخلفون، حتى يبلغوا به فيما بعد0
ومن هذا القبيل كتاب “الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة” للإمام بدر الدين الزركشى0 كما وقع لجماعة من الصحابة غيرها،
استدركوا على مثيلهم، ونفوا ما رواه وخطؤوه فيه0

ويدل على ما سبق ما رواه الحاكم عن البراء بن عازب  : “ليس كلنا كان يسمع حديث النبى ، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن
كان الناس لم يكونوا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب”( )0

وعن القاسم بن محمد( ) قال : “لما بلغ عائشة قول عمرو بن عمر مرفوعاً : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه قَالَتْ إِنَّكُم
لَتُحَدِّثُونِّىٍ عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلاَ مُكَذَّبَيِنْ وَلِكَنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ( )، وفى رواية قالت : “يغفر الله لأبى عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسى

أو اخطأ، إنما مر رسول الله  على يهودية تبكى عليها فقال : إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب فى قبرها”( )0

كل ذلك وغيره الكثير، يدل على ثقة الصحابة بعضهم ببعض، ثقة لا يشوبها شك ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم بالصدق،
وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين وصدقت عائشة – رضى الله عنهما – ما كَانَ خُلُق
أَبْغضَ إلى أصحاب رسول الله  من الكذب( )0

وعلى هذا : فإذا ورد على لسان أحد من الصحابة نفى ما رواه نظيره، أو قوله فى مثيله : كذب فلان …، أو نحو هذا من
العبارات، فالمراد به أنه أخطأ أو نسى؛ لأن الكذب عند أهل السنة هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه عمداً أو نسياناً أو خطأ، ولكن الإثم
يختص بالعامد، كما جاء فى الحديث : “من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”( )0 قال الإمام النووى بعد تعريفه للكذب عند أهل السنة :
“وقالت المعتزلة، شرطة العمدية ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا، فإن قيده عليه السلام بالعمد، لكونه قد يكون عمداً، وقد يكون سهواً، مع أن
الإجماع والنصوص المشهورة فى الكتاب والسنة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسى والغالط، فلو أطلق  الكذب لتوهم أنه يأثم
الناسى أيضاً فقيده وأما الروايات المطلقة، فمحمولة على المقيدة بالعمد( )0 أ0هـ0

الرد على زعم أعداء السنة المطهرة بأن لفظه “متعمداً” فى حديث “من كذب علىّ” مختلفة :
زعم أعداء السنة بأن لفظة “متعمداً” مختلقة، وأدرجها العلماء ليسوغوا بها، وضع الحديث على رسول الله  حسبة من غير
عمد، كما كان يفعل الصالحون من المؤمنين ويقولون “نحن نكذب له لا عليه” أو يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ،
أو الوهم أو سوء الفهم … إلخ”( )0

الجـواب : هذا الزعم كله هراء لأن “لفظة متعمداً” أخرجها البخارى فى صحيحه فى أكثر رواياته( )،واتفق معه الإمام مسلم فى
تخريجها فى صحيحه( )0
وأفاض الحافظ ابن حجر فى بيان ثبوتها( )، ورغم ذلك يكذب محمود أبو رية بذكره للبخارى وابن حجر ضمن من لا يثبتون هذه الزيادة( )0

يقول فضيلة الدكتور محمد أبو شهبة : ولا أحد يدرى – كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إن معنى الحسبة أن يقصد
الواضع وجه الله، وثوابه، وخدمة الشريعة – على حسب زعمه – بالترغيب فى فعل الخير والفضائل، وهم قوم من جهلة الصوفية، والكرامية،
جوزوا الوضع فى الترغيب والترهيب، وربما تمسكوا بقوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ( )0 وقوله
 “من كذب علىَّ ليضل به الناس”( )0 فكيف يجامع قصد الوضع، عدم التعمد؟! وتفسير الحسبة بأنها عن غير عمد غير مقبول ولا مسلم0

ثم إن رفع إثم الخطأ أو السهو ليس بهذه الكلمة، وإنما ثبت بأدلة أخرى، وقد تقرر فى الشريعة أنه لا إثم على المخطئ والناسى،
ما لم يكن بتقصير منه فذكر الكلمة لا يفيد هؤلاء الرواة شيئاً ما دام هذا أمراً مقرراً، والسر فى ذكرها أن الحديث لما رتب وعيداً شديداً على
الكاذب، والمخطئ، والساهى، والناسى، لا إثم عليهم، كان من الدقة والحيطة فى التعبير التقييد بالعمد، وذلك لرفع توهم الإثم على المخطئ
والغالط والناسى، وهو ما نقله الإمام النووى عن مذهب أهل السنة والمعتزلة أيضاً0

على أن أئمة الحديث وإن قالوا برفع الإثم عن المخطئ، والناسى، والغالط، فقد جعلوا ما ألحق بالحديث غلطاً، أو سهواً، أو خطأً،
من قبيل الشبيه بالموضوع فى كونه كذباً فى نسبته إلى الرسول ، ولا تحل روايته إلا مقروناً ببيان أمره، وإلى هذا ذهب الأئمة، الخليلى، وابن
الصلاح، والعراقى، وغيرهم، وقد اعتبره بعض أئمة الجرح – كابن معين، وابن أبى حاتم – من قبيل الموضوع المختلق، وذهب بعض الأئمة
إلى أنه من قبيل المدرج، ومهما يكن من شئ فقد جعلوا هذا النوع من الغلط أو الوهم مما يطعن فى عدالة الراوى وضبطه( ) أ0هـ0

فأين هذا الذى يقرره الجهابذة من المحدثين مما يزعمه الأفاكون أمثال محمود أبو رية، فى قوله كلمة “متعمداً” “يتكئ عليها
الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ، أو الوهم أو سوء الفهم … إلخ” ؟!!

يقول الشيخ المعلمى اليمانى : “ولا يتوهمن أحد أن كلمة “متعمداً” تخرج من حدث جازماً وهو شاك، كلا فإن هذا متعمد
بالإجماع، ولا نعلم أحداً من الناس حتى من أهل الجهل والضلالة زعم أن كلمة “متعمداً” تخرج هذا، وإنما وجد من أهل الجهل والضلال من
تشبث بكلمة “علىَّ” فقال : نحن نكذب له لا عليه0 فلو شكك محمود أبو ريه، ومن قال بقوله، فى كلمة “علىَّ” لكان أقرب( )0

جهود حملة الإسلام من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين فى مقاومة حركة الوضع فى السنة النبوية

للوضع فى الحديث أسبابه التى فصلها علماء المسلمين قديماً وحديثاً( )، والذى يهمنا هنا هو بيان جهود حملة الإسلام، ورواة
السنة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم فى مقاومة تلك الأسباب وأصحابها( )، وبيان زيف أعداء السنة بأن الفتن التى وقعت بين المسلمين
كانت ضرراً كبيراً على السنة حتى اختلط الموضوع بالصحيح منها، وأصبحت غير مميزة مما يضعف الثقة بحجية السنة، وكذلك بيان
إفكهم بأن الكذابين، والجهلة، والفسقة من الوضاعين، كانوا من علماء المسلمين الأثبات، وأن الملوك والأمراء استغلوهم فى وضع ما
يوافق رغباتهم ويثبت ملكهم0

بادئ ذى بدء نحب أن نقرر أنه إذا كانت الفتن التى وقعت بين المسلمين والتى بدأت بمقتل سيدنا عمر  واشتدت بمقتل سيدنا
عثمان  وتوالت بفتنة على ومعاوية -رضى الله عنهما – إذا كانت تلك الفتن ذات أثر سلبى على السنة النبوية، فإنها كانت فى الوقت
نفسه سبباً فى بناء أقوى الطرق العلمية للنقد والتمحيص، ليس فى الحديث فقط بل فى سائر العلوم الإسلامية0

يقول الدكتور همام سعيد : “مما لا شك فيه أن فتناً كثيرة وقعت فى عصر الصحابة أولها مقتل عمر ، ثم مقتل عثمان ، ثم الفتنة الكبرى بين
على ومعاوية – رضى الله عنهما – ولقد استهدفت هذه الفتن الإسلام فى أصوله وفروعه، وأراد موقدوها أن يفسدوا على المسلمين أمور
دينهم، ومما لا ريب فيه أن الفتنة ذات أثر سلبى، ولكنها فى الوقت نفسه كانت سبباً فى بناء المنهج الإسلامى، ليس فقط فى الحديث وحده، بل
فى العقيدة والفقه، وأصوله0 وفى الحقيقة إذا كان المسلمون قد أضاعوا دولتهم من خلال الفتنة، فقد وجدوا المنهج من خلال الفتنة وأثر الفتنة
فى بناء المنهج أمر لابد أن نلتفت إليه، وما ظهر الجرح والتعديل، وطلب الإسناد وسائر علوم الحديث إلا من خلال وجود الفتنة، تماماً كما ظهر
علم النحو من خلال وجود اللحن فى اللغة( )0

ولعل بروز الفتنة فى ذلك العصر المبكر، والصحابة متوافرون كان فى غاية الفائدة بالنسبة للسنة النبوية0 وكم ستكون المشكلة
كبيرة لو أن هذه الفتن وقعت بعد انتهاء عصر الصحابة 0
إن حدوث الفتن أفاد السنة المطهرة فائدة كبيرة، ويمكن أن نقارن هذا الأثر الإيجابى بأثر اللحن على اللغة العربية، إذ عندما ظهر
اللحن وفشا، واختلط العرب بالعجم، ظهرت الحاجة إلى تقعيد النحو وضبطه وتدوين شواهده، فكان اللحن مفسدة من جهة أثره على الفطرة
اللغوية السليمة، ولكنه كان حافزاً لحفظ اللغة وتأسيس مناهجها0 وإن فشو اللحن فى ذلك الزمن المبكر حيث الفصاحة والبيان والفطرة اللغوية
فى قلب الجزيرة العربية، قد مكن العلماء من استنباط القواعد وجمعها، والتوصل إلى مناهج الضبط اللغوى0 ولو تأخر اللحن حتى زالت
السليقة عن طريق الاختلاط بين العرب والعجم لحدثت مشكلة لا حل لها ولا علاج0

وكذلك الحال بالنسبة للحديث، فقد ظهرت الفتن والصحابة أحياء، والرواية قريبة من مصدرها الأصلى، وخطوط الاتصال بين
الصحابة والنبى  قائمة مفتوحة كل هذا ساعد على استقرار المنهج، ولو تأخرت الفتنة، ووقعت بعد عصر الصحابة، وقد بعدت الرواية عن
مصدرها، فإنه لا يمكن عندئذ استكمال القواعد المنهجية0

لقد أثرت الفتنة على النظام السياسى الإسلامى، ولكنها فى الوقت ذاته ساعدت على تأصيل مختلف العلوم الإسلامية، وأبرزت
مناهجها0

ولقد خاب ظن أعداء الإسلام من غلاة الشيعة، والمستشرقين، ودعاة الإلحاد المتكئين على الفتنة باعتبارها مصدر تشكيك بالسنة
النبوية0 وكان الأجدر أن يعلموا أن الحديث قد أخذ من المغانم أكثر مما دفع من المغارم0
وهذا ابن عباس -رضى الله عنهما- يأتيه من يحدثه، فلا يلتفت لحديثه، تطبيقاً لقاعدة (إن من لا يعرف حاله لا يقبل حديثه)0
جاء بُشَير العدوى( ) إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال : يا ابن
عباس، مالى لا أراك تسمع حديثى؟ أحدثك عن رسول الله  ولا تسمع؟ فقال ابن عباس : “إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول : قال رسول الله ،
ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف” وفى رواية عن ابن عباس قال : “إنا
كنا نحدث عن رسول الله  إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه”( )0

كما كان الصحابة أول من نبهوا إلى صفة من يقبل حديثه ومن يرد0 ويروى لنا الخطيب فى ذلك، عن ابن عباس –رضى الله عنهما- أنه قال
: “لا يكتب الحديث عن الشيخ المغفل”( )0

فهذه النصوص وغيرها مما سبق( )، تدل بجلاء على تشمير الصحابة لتحذير الناس من الوقوع فى أحابيل الكذب، كما تدل على
أنهم لم يكونوا فى غفلة عن ظاهرة الوضع، بل انتبهوا لها، وقاوموا الوضاعين بالتشهير والتحذير0

وعلى نهج الصحابة فى التثبت والتحرى، درج الأئمة من التابعين وأتباعهم، فها هو محمد بن سيرين، التابعى الكبير، يعلن عن
أثر الفتنة، على البحث والنقد، فيقول : “لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ
حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم( )0 وفى رواية عنه قال : “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”( )0

وكثيراً ما كان التابعون، وأتباعهم يتذاكرون الحديث، فيأخذوا ما عرفوا ويتركوا ما أنكروا، قال الإمام الأوزاعى : “كنا نسمع الحديث فنعرضه
على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزيف، على الصيارفة فما عرفوا منه أخذنا، وما تركوا تركناه( )، وروى الإمام مسلم فى مقدمة صحيحه عن
ابن أبى مليكة قال : كتبت إلى ابن عباس أن يكتب لى ويخفى عنى0فقال: ولد ناصح أنا اختار له الأمور اختياراً وأخفى عنه : فدعا بقضاء
علىّ0 فجعل يكتب منه أشياء0 ويمر به الشئ فيقول : والله ما قضى بهذا علىّ إلا أن يكون ضل( )0

وكانوا دائماً يرجعون إلى من يثقون به، قال سفيان الثورى “كنا إذا اختلفنا فى شئ سألنا عنه مِسْعَر( ) وكان أئمة الحديث على
جانب عظيم من الوعى والإطلاع، فقد كانوا يحفظون الصحيح، والضعيف، والموضوع حتى لا يختلط عليهم، وعلى من بعدهم الحديث، وليميزا
الخبيث من الطيب، وفى هذا يقول الإمام سفيان الثورى : “إنى لأروى الحديث على ثلاثة أوجه : أسمع الحديث من الرجل اتخذه ديناً، وأسمع من
الرجل أقف حديثه، وأسمع من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته( )0

وروى الخطيب عن الإمام أحمد بن حنبل( ) أنه رأى يحيى بن معين بصنعاء فى زاوية، وهو يكتب صحيفة معمر( ) عن أبان( )
عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد بن حنبل : تكتب صحيفة مَعْمَر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل
: إنك تتكلم فى أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال : رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق( ) عن معمر، على
الوجه، فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجئ بعده إنسان فيجعل بدل أَبَان، ثابتاً( )، ويرويها عن مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس ابن
مالك، فأقول له : كذبت إنما هى عن مَعْمَر عن أبان، لا عن ثابت( )أ0هـ
بالإضافة إلى ما سبق فإن المحدثين كانوا يحاربون الكذابين علانية ويمنعونهم من التحديث، ويستعدون عليهم السلطان0

يقول الإمام الشافعى رحمه الله : “لولا شعبة( ) ما عرف الحديث بالعراق، كان يجئ إلى الرجل فيقول : لا تحدث وإلا استعديت
عليك السلطان”( )0

ومن تلك القواعد التى قاوم بها علماء الحديث حركة الوضع نقد الرواة وبيان حالهم، فلم يقبلوا رواية إلا من كان عدلاً ضابطاً،
وعلى ذلك إجماع جماهير أئمة الحديث والفقه والأصول0

يقول ابن الصلاح : “أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه،وتفصيله أن يكون
مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق، وخوارم المرؤة، متيقظاً غير مغفل،حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدث من كتابه،
وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالماً بما يحيل المعانى”( )

وخرج بشرط العدالة : الكافر، والفاسق، والمبتدع، والصبى غير البالغ، والمجنون، والخارم للمروءة بفعل الذنوب الصغائر التى
تدل على الخسة كسرقة الشئ الحقير أو فعل المباحات التى تورث الاحتقار، وتذهب بكرامة الإنسان، كالبول فى الطريق بحيث يراه الناس، وفرط
المزاح الخارج عن حد الأدب، والأكل فى الطريق، ونحو ذلك، فلا تقبل رواية الكافر بالإجماع سواء أعلم من دينه الاحتراز عن الكذب أم لم
يعلم، وكيف تقبل رواية من يكيد للإسلام ليل نهار، وكيف نأتمنهم على حديث رسول الله ، ثم إن الله  أمرنا بالتوقف فى خبر الفاسق فى قوله
تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ( ) فإذا كان الفاسق لا تقبل
روايته مع صحة اعتقاده فإن الكافر لا تقبل روايته من باب أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة0

ولا تقبل رواية صاحب البدعة إذا كفر ببدعته؛ كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط من شأن أبى بكر وعمر- رضى الله عنهما –
والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة كما قال الحافظ الذهبى( )0

كما خرج بشرط العدالة الكذاب، أو المتهم بالكذب، فبإجماع أهل العلم لا يؤخذ حديث من كذب على النبى  تغليظاً وزجراً بليغاً عن
الكذب على رسول الله  لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة
ليست عامة، فلا يقاس الكذب فى الرواية على الكذب فى الشهادة أو فى غيرها، ولا على أنواع المعاصى الأخرى( )0

وخرج بشرط الضبط من عرف بالتساهل فى سماعه أو إسماعه، كمن لا يبالى بالنوم فى السماع منه أو عليه، أو يحدث لا من
أصل صحيح مقابل على أصله أو أصل شيخه أو عرف بقبول التلقين فى الحديث، بأن يلقن الشئ فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه،
أو عرف بكثرة السهو فى روايته، إذا لم يحدث من أصل صحيح، بخلاف ما إذا حدث منه فلا عبرة بكثرة سهوه، لأن الاعتماد حينئذ على الأصل
لا على حفظه، أو عرف بكثرة الشواذ والمناكر فى حديثه( )، وكل هذا يخرم الثقة بالراوى وبضبطه0
وبالتأمل فى الضوابط والقيود الموضوعة لمعرفة من تقبل روايته ومن ترد، يتبين لك عبقرية واضعها من علماء هذه الأمة،
والدقة المتناهية فيما وضعوا من قواعد ألمت بصغائر الموضوع، ودقائقه فكانت منهجاً دقيقاً متفرداً لم ولن تعرف له الدنيا نظيراً
هيهـات لا يأتى الزمان بمثله *** إن الزمـان بمثلـه لشحيـح

وتبين لك مما سبق كيف أن تلك الضوابط والقيود أخرجت أصناف الوضاعين الوارد ذكرهم فى أسباب الوضع، فلم تقبل مروياتهم،
فحفظت بذلك السنة النبوية المطهرة من خبثهم ومكرهم( )، وليس الأمر كما يصوره أعداء الإسلام من اختلاط أمرهم على المحدثين، وضياع
مروياتهم فى كتب السنة الصحاح بلا تميي،ز‍ فعلماء الأمة عندما اشترطوا فيمن تقبل روايته : أن يكون عدلاً ضابطاً، لم يتساهلوا فى ذلك
البتة، وما وقع من تساهل كان فى فعل بعض المباحات، مثل الإفراط فى المزاح، والمداعبة، والأكل فى الأسواق، ونحو ذلك من ضروب
المباحات التى لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وإن كانت تنتقص من مقامات فاعليها لما تعارف عليه الناس واشتهر عندهم على أنها من
خوارم المروءة، وهى فى نفس الوقت لا تؤثر لا على عدالة الراوى بالسقوط للتفاوت المعروف بين المتشددين والمتساهلين فى قبول ورد من
خرمت مروءته ببعض الصغائر( )0 وكذلك لا تؤثر أيضاً على عدم الوثوق فى هذا المنهج العظيم الذى هو غاية الاعتدال والإنصاف، لا شطط
ولا غلو( )0

ومما يؤكد عدم تساهل المحدثين فى شروط من تقبل روايته ومن ترد، اتفاقهم على أن العدالة وحدها، غير كافية فى قبول رواية
الراوى، بل لابد معها من الضبط، يدل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم فى مقدمة صحيحه عن أَبِى الزِّنَاد – رحمه الله – قال : “أدركت بالمدينة
مِائَةً كُلُّهُمْ مَأَمُونٌ0 ما يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الحَدِيثُ يُقَالُ : لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ”0 وعن عبد الله بن المبارك : قال قلت لسفيان الثورى : إن “عَبَّادَ بْنَ كَثِير” من
تعرف حاله وإذا حدث جاء بأمر عظيم0 فترى أن أقول للناس : لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان بلى قال عبد الله : فكنت، إذا كنت فى مجلس ذكر فيه
عَبَّادٌ، أثنيتُ عليه فى دينه وأقول : “لا تَأْخُذُوا عَنْه”0 وعن يحيى بن سعيد القطان قال : “لم نَرَ الصَّالحينَ فى شئ أَكْذَبَ منهم فى الحديث”0 وعن
أيوب السختيانى قال : “إن لى جاراً0 ثم ذكر من فضله0 ولو شهد عندى على تَمْرتَين ما رأيتُ شهادَتَهُ جَائِزَةً0

وعن عبد الله بن المبارك – رحمه الله – قال : “بَقِيُّة صُدَوُقُ اللِّسَانِ0 ولكنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنُ أَقْبَلَ وأَدْبَرَ”( )0 وقال يحيى بن معين
رحمه الله : “إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم فى الجنة منذ أكثر من مائتى سنة”( ) قال السخاوى : “أى أناس صالحون، ولكنهم
ليسوا من أهل الحديث”( ) ويقول الإمام مالك : “لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك لا يؤخذ من رجل صاحب هوى يدعو الناس
إلى هواه، ولا سفيه معلن بالسفه، وإن كان من أروى الناس0 ولا من رجل يكذب فى أحاديث الناس، وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول
الله ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة لا يعرف ما يحدث”( )0

وبلغ من دقة المحدثين فى تتبع صفات الراوى الثقة المقبول الرواية،تتبعهم لما يطرأ على ضبط الرواة من تغير،كمن ضعف حديثه
فى بعض الأوقات دون بعض،ومن ضعف حديثه فى بعض الأماكن دون بعض، ومن ضعف حديثه عن بعض الشيوخ دون بعض( )

وصدق الإمام الشعبى : “والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة، واخطأت مرة لعدوا على تلك الواحدة( )0
وهكذا بهذا المنهاج العظيم الذى لا تعرف له الدنيا بأسرها مثيلاً خاب ظن الوضاعين من الكفره، والزنادقة، والمبتدعة، والجهلة
من الصالحين، والمتصوفة، كما قال الإمام الشعرانى فى العهود الكبرى : “واعلم يا أخى، أن أكثر من يقع فى خيانة هذا العهد المتصوفة الذين
لا قدم لهم فى الطريق، فربما رووا عن رسول الله  ما ليس من كلامه، لعدم ذوقهم، وعدم فرقانهم بين كلام النبوة وكلام غيرها، وسمعت
شيخنا شيخ الإسلام زكريا -رحمه الله- يقول : “إنما قال بعض المحدثين أكذب الناس الصالحون، لغلبة سلامة بواطنهم، فيظنون بالناس الخير،
وأنهم لا يكذبون على رسول الله ، فمرادهم بالصالحين : المتعبدون الذين لا غوص لهم فى علم البلاغة، فلا يفرقون بين كلام النبوة وغيره،
بخلاف العارفين فإنهم لا يخفى عليهم ذلك”( )0

وواضح مما سبق أن صلاح الكذابين : ليس المراد منه الصلاح الحقيقى الذى يتمثل فى صلاح العلماء، وأئمة الدين، وحفاظ
الحديث، بل هو الصلاح الذى تحدث عنه الأئمة سابقاً، وإلا كان يجب أن يكون سعيد بن المسيب، وعروة، والشافعى، ومالك، وأحمد، وأبو
حنيفة والبخارى، ومسلم، وغيرهم من أئمة المسلمين، من أكذب الناس فى الحديث، وهل هناك مسلم يقول بذلك؟ ( )0

وإذا كان أئمة المسلمين هم أكذب الناس فى الحديث – وحاشاهم من ذلك – فمن إذن الذى كشف كذبهم؟ الكفرة والزنادقة وغلاة
المبتدعين( )؟

ومن الذى عرَّف بالموضوع، وبأسبابه، وبأصنافه، وبعلاماته، وصنف فيه المصنفات المتعددة؟ أهم الكفرة والزنادقة أم ماذا؟

كلا إنهم حراس الأرض، وخلفاء وجنود الله فى أرضه، إنهم الجهابذة الذين قال فيهم ابن المبارك لما قيل له : هذه الأحاديث
المصنوعة؟ قال : يعيش لها الجهابذة وتلا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( )0 وفيهم قال يحيى بن يمان : “إن لهذا الحديث
رجالاً خلقهم الله  منذ يوم خلق السماوات والأرض، وإن وكيعاً منهم”( ) رجال قال فيهم هارون الرشيد لما أخذ زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال
له الزنديق : لم تضرب عنقى؟ قال : لأريح العباد منك0 فقال : يا أمير المؤمنين : أين أنت من ألف حديث؟ وفى رواية من أربعة آلاف حديث
وضعتها فيكم، أحرم فيها الحلال، وأحلل فيها الحرام ما قال النبى منها حرفاً؟ فقال له هارون الرشيد : أين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق
الفزارى( ) وعبد الله ابن المبارك؟ ينخلانها – نخلاً – فيخرجانها حرفاً حرفاً؟” ( )0

والحقيقة أن المحدثين، وما ابتكروه من علم مصطلح الحديث، الذى تفردت به الأمة الإسلامية عن سائر الأمم، وتميزت بتأسيسه،
وإنشائه، وتقعيده، والتفنن فيه، كان من أكبر النتائج النافعة التى تولدت عن تلك الحملة الضارية على السنة النبوية المطهرة0

قصدت مساتى فاجتلبت مسرتى
*** وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدرى( )

كما كان هذا العلم صخرةً صلبةً تكسرت عليها كل المؤامرات التى حيكت فى الظلام على أحاديث النبى ، وخرجت السنة النبوية من المعركة
الطويلة سليمة منتصرة( )، ولا يمكن أن تكون حركة الوضاعين وما وضعوا من أحاديث دليلاً على ضعف السنة بمجموعها، وبالتالى
عدم حجيتها0 لأن الوضاعين وما وضعوه لم يخف قط على المحدثين0

يقول الأستاذ محمد أسد : “فوجود الأحاديث الموضوعة إذن لا يمكن أن يكون دليلاً على ضعف نظام الحديث فى مجموعه، لأن
تلك الأحاديث الموضوعة لم تخف قط على المحدثين كما يزعم بعض النقاد الأوربيين عن سذاجة، وتابعهم على ذلك بعض أدعياء العلم من
أبناء أمتنا الإسلامية”( )0

ونختم هذه الشبهة بما ذكره الإمام ابن القيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة قال : قال الإمام أبو المظفر( ) : [فإن قالوا
قد كثرت الآثار فى أيدى الناس واختلطت عليهم، قلنا : ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها؛ فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة
الدراهم والدنانير، فيميزون زيوفها ويأخذون خيارها، ولئن دخل فى أغمار الرواة من وسم بالغلط فى الأحاديث، فلا يروج ذلك على جهابذة
أصحاب الحديث، وورثة العلماء حتى أنهم عدو أغاليط من غلط فى الإسناد والمتون، بل تراهم يعدون على كل واحد منهم كم فى حديث غلط،
وفى كل حرف حرف، وماذا صحف، فإن لم ترج عليهم أغاليط الرواة فى الأسانيد، والمتون، فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة، وتوليدهم
الأحاديث التى يرويها الناس حتى خفيت على أهلها0 وهو قول بعض الملاحدة، وما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذاب يريد أن يهجن بهذه
الدعوة الكاذبة صحاح أحاديث النبى ، وآثاره الصادقة، فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى، وما احتج مبتدع فى رد آثار رسول الله  بحجة
أوهن ولا أشد استحالة من هذه الحجة، فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يسف فى فيِهِ، وينفى من بلد الإسلام]( ) أ0هـ0

شبهة أن حملة الإسلام من الصحابة والتابعين فمن بعدهم كانوا جنوداً للسلاطين والملوك فى العصر الأموى، والعباسى والرد عليها

استعراض الشبهة وأصحابها :
زعم أعداء السنة المطهرة، من أن حملة الإسلام من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم من أئمة المسلمين، من الفقهاء والمحدثين
كانوا جنوداً للسلاطين والملوك فى العصر الأُموى، والعباسى، يضعون لهم من الأحاديث ما يوافق رغباتهم ويثِّبت ملكهم0

ويستدلون على ذلك بأحاديث منها :
الأحاديث التى تدعوا إلى طاعة الحكام، والأمراء، وتدعوا إلى اجتناب الفتن، والنجاة من شرورها :
مثل قوله  “من رأى من أميره شيئاً يكرهه، فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً، فمات؛ فميتَةٌ جاهليةٌ”( )0

وقوله  : “إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون0 فمن كِرهَ فقد بَرئَ، ومن أَنكر فقد سَلِمَ0 ولكن من رَضِىَ وتَابع” قالوا :
يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟ قال : “لا ما صَلَّوْا”0 أى من كره بقلبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ( )0

وقوله  : “إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسى كافراً،ويمسى مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد
فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من الساعى، قالوا فما تأمرنا؟ قال : “كونوا أحلاس بيوتكم”(
)0

ونحو ذلك من الأحاديث التى استشهد بها جولد تسيهر على أن أهل الحديث أو الفقهاء كما يسميهم لعبوا دوراً خطيراً فى تثبيت
أنظمة الحكم بوضع هذه الأحاديث التى تأمر بطاعتهم أو باعتزال الأمر وتركه( )0

وعلى هذا الزعم بنى نيازى عز الدين كتابه (دين السلطان)؛ فهو يعنى بالسطان معاوية بن أبى سفيان ، وسيدنا معاوية فى زعمه هو الذى
فتح باب الروايات بالأحاديث المفتراة لتحل محل القرآن، وأصبحت ديناً، وساعده على ذلك جنوده من الفقهاء، والمحدثين، وفى ذلك يقول : ”
والتاريخ الإسلامى يحدثنا أن معاوية كان من دهاة العرب … فأعاد عقلية الجاهلية بتوقيفه أحكام القرآن، من خلال فتح باب الروايات
بالأحاديث المفتراة لتحل محل القرآن0 وقد وجد كثيراً من المساعدين من بين أصحاب المصالح من علماء السوء، والحساد، والمنافقين من
أعداء الإسلام”( )0
وبنفس هذا الزعم تقول الرافضة طاعنين بذلك فى عقيدة أهل السنة0

يقول صالح الوردانى بعد أن ذكر نماذج من الأحاديث السابقة وما فى معناها قال : “إن هذه الروايات، وهذه العقيدة، هى التى خلقت فقهاء
السلاطين، وخلقت الحكام الطغاة الظالمين فى تاريخ المسلمين … ولولا هذه الروايات وهذه العقيدة ما هيمنت القبلية، والأموية، والعباسية،
على واقع المسلمين0 فإن جميع الحكومات التى قامت من بعد الرسول ، اعتمدت هذه الروايات فى دعم سلطانها ونفوذها وإضفاء المشروعية
عليها”( )0
ويقول رافضى آخر زكريا عباس داود : “إننا عندما نبحث فى أسباب الوضع نلاحظ أن الجانب السياسى، كان دافعاً قوياً لمعاوية
كى يوظف السنة لخدمة أهدافه …، ولذا عمد لاستخدام مجموعة من الصحابة، والتابعين، كى يضعوا أحاديث تبرر له أعماله، وتضفى الشرعية
الدينية على ملكه( )0

وممن قال بذلك أيضاً : عبد الحسين شرف الدين( )، ومرتضى العسكرى( )، ومحمود أبو رية( )، ومحمد نجيب( )، وعلى
الشهرستانى( )، وعلى الوردى( )، وجمال البنا( )، وعبدالجواد ياسين( )، وإدريس الحسينى( )، والسيد صالح أبو بكر( )0

والناظر فيما قاله أعداء السنة سابقاً يرى أنهم يطعنون فيما يأتى :
أولاً : فى صحة إسلام معاوية ، ووصفهم له بأنه كان منافقاً اعتماداً على ما ورد من أنه أسلم يوم الفتح، وكان من الطلقاء المؤلفة قلوبهم،
وأنه فتح باب الوضع فى السنة، وصرح بذلك الرافضة السابق ذكرهم، وتبعهم على ذلك دعاة اللادينية0

ثانياً : وصفهم حملة الإسلام من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة المسلمين من الفقهاء والمحدثين، بأنهم كانوا كذابين وفقهاء سلطة0
ثالثاً : طعنهم فى الملوك والأمراء الأمويين، والعباسين، بأنهم بعيدين عن تعاليم الإسلام مستغلين علماء المسلمين بوضع مـا يثبـت
ملكهـم0
رابعاً : طعنهم فى أحاديث طاعة أولى الأمر، وأحاديث الفتن0

والجواب عما سبق فيما يلى :
أولاً : الجواب عن الطعن فى صحة إسلام سيدنا معاوية ، وأنه فتح باب الوضع فى السنة النبوية :
ما طعن به أعداء السنة المطهرة فى صحة إسلام سيدنا معاوية ، دافع عنه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة بقوله : “وقد غاب عن
أعداء الإسلام أن الكاتبين فى تاريخ الصحابة ذكروا عن الواقدى، وابن سعد، أنه أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وأنه أخفى إسلامه مخافة أهله،
وأنه كان فى عمرة القضاء مسلماً، وإذا كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم فى رأى البعض، ففى رأى الكثيرين أنه ليس من المؤلفة قلوبهم،
قال ابن عبد البر : “معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ذكره فى ذلك بعضهم”، وهو يشعر بأن الكثيرين لا يرون هذا الرأى، ولذا نجد الحافظ
المحقق ابن حجر لم يذكر فى ترجمته شيئاً من هذا، وإنما ذكر فى ترجمة أبيه أنه من المؤلفة قلوبهم( )0

ومهما يكن من شئ فقد أسلم وحسن إسلامه، وحتى لو كان ممن أسلموا يوم الفتح، فلا يقدح ذلك فى عدالته وصحبته، بعد تزكية رب العزة
لمن أسلموا بعد الفتح أيضاً قال تعالى : وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( )0 وكيف يصح الطعن فى صحة
إسلامه ، وقد كان أحد كتبه الوحى بين يدى النبى ( )، يدل على ذلك ما روى عن ابن عباس – رضى الله عنهما – أن رسول الله  بعث إلى
معاوية ليكتب له، فقال : أنه يأكل، ثم بعث إليه، فقال : إنه يأكل، فقال رسول الله  : “لا أشبع الله بطنه”( )0

يقول الأستاذ محب الدين الخطيب( ) – رحمه الله – : “قد يستغل بعض الفرق من أعداء الإسلام( )0 هذا الحديث ليتخذوا منه
مطعناً فى معاوية  وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبى ؟!

فالظاهر أن هذا الدعاء منه  غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية كقوله : تربت يمينك0

ويمكن أن يكون ذلك منه  بباعث البشرية التى أفصح عنها هو نفسه  فى أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة – رضى الله عنها –
مرفوعاً : “… أَوَ مَاَ عَلِمْتِ مَا شَرَطْتُ عَلَيْهِ رَبِىِّ؟ قُلْتُ : اللَّهُمَّ “إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَىُّ المُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاَةً وَأَجْراً”( )0
ولم تعرف عن معاوية  دخلة فى إيمانه ولا ريبة فى إخلاصه لإسلامه ولا فى إمارته0

يقول القاضى أبو بكر بن العربى، مبيناً ما اجتمع فى معاوية من خصال الخير إجمالاً قال : “معاوية اجتمعت فيه خصال : وهى أن
عمر جمع له الشامات كلها وأفرده بها، لما رأى من حسن سيرته، وقيامه بحماية البيضة وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو،
وسياسة الخلق0 وقد شهد له فى صحيح الحديث بالصحبة والفقه، فيما رواه البخارى فى صحيحه بسنده عن ابن أبى مليكه قال : “أوتر معاوية
بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال : دعه؛ فإنه صحب رسول الله 0 وفى رواية أخرى قيل لابن عباس : هل
لك فى أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال : إنه فقيه( )

يقول ابن العربى : “وشهد بخلافته فى حديث أم حرام – رضى الله عنها– فيما رواه أنس بن مالك  أن رسول الله  نام عندها
القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك؛ لأنه رأى ناساً من أمته غزاة فى سبيل الله يركبون ثبج البحر – أى وسطه ومعظمه – ملوكاً على الأسرة0 ثم
وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى فقالت له أم حرام : أدع الله أن يجعلنى منهم، فقال، أنت من الأولين”، فركبت أم حرام
البحر فى زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر0 فهلكت”( )0

قال الحافظ ابن كثير : يعنى بالأول جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها سنة 27 أيام عثمان بن عفان، بقيادة معاوية، عقب إنشائه الأسطول
الإسلامى الأول فى التاريخ، وكانت معهم أم حرام فى صحبة زوجها عبادة بن الصامت0 ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهم0
وماتت أم حرام فى سبيل الله وقبرها بقبرص إلى اليوم0

قال ابن كثير : ثم كان أمير الجيش الثانى يزيد بن معاوية فى غزوة القسطنطينية0 قال : وهذا من أعظم دلائل النبوة( ) فى الشهادة لسيدنا
معاوية، وابنه يزيد بالفضل، والمغفرة والجنة كما جاء فى حديث أم حرام مرفوعاً : “أول جيش من أمتى يركبون البحر قد أوجبوا( )0 وأول
جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور لهم0 فقلت : أنا فيهم يا رسول الله ؟ قال : لا”( )0

يقول الإمام ابن تيمية : “لم يكن من ملوك المسلمين ملك خيراً من معاوية، ولا كان الناس فى زمان ملك من الملوك خيراً منهم
فى زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبى بكر وعمر ظهر التفاضل0

وقد روى أبو بكر بن الأثرم – ورواه ابن بطه من طريقه عن قتادة قال : “لو أصبحتم فى مثل عمل معاوية لقال أكثركم : هذا
المهدى”0 وروى ابن بطه بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال : لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدى0

وروى الأثرم عن أبى هريرة المكتب قال : كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبدالعزيز وعدله، فقال الأعمش، فكيف لو أدركتم
معاوية؟ قالوا فى حلمه؟ قال : لا والله، بل فى عدله0 وعن أبى إسحاق السبيعى أنه ذكر معاوية فقال : لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم :
كان المهدى0

وهذه الشهادة من هؤلاء الأئمة الأعلام لأمير المؤمنين معاوية صدى استجابة الله  دعاء نبيه  لهذا الخليفة الصالح
يوم قال  : “اللهم اجعله هادياً، مهدياً، واهد به”( )0

وقبل أن ننهى الكلام على شهادات الصحابة، والتابعين، وآراء العلماء، فى معاوية، ننقل رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون
فى اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين قال : “إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغى أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخيارهم فهو تاليهم فى
الفضل والعدالة والصحبة( )0
ويقول أيضاً فى مقدمته : مدافعاً عن إيثاره ابنه يزيد بالعهد، دون من سواه قال : “إنما هو مراعاة المصلحة فى اجتماع واتفاق أهوائهم باتفاق
أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بنى أمية … وهم عصابة قريش( ) وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره … حرصاً على
الاتفاق، واجتماع الأهواء الذى شأنه أهم عند الشارع، ولا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة
لذلك وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم فى الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة فى قبول الحق فإنهم
كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه”( )0

“نذكر جميع هذه الشهادات، وقبلها الأحاديث النبوية فى فضل معاوية( )، مع اعترافنا يشهد الله بفضل على بن أبى طالب ، وأنه
أفضل منه والحق غالبه معه، وكل كان مجتهداً( )0 وقد جاء فى الحديث الصحيح : “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم
فاجتهد، ثم اخطأ؛ فله أجر”( )0

وقد أوردنا هذه الأمثلة القليلة التى لا يسع المقام لأكثر منها؛ ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية  تخالف الصورة الكاذبة
التى يصورها الزنادقة من الرافضة ومن تابعهم من أعداء الإسلام، والسنة المطهرة، تلك الصورة التى تنكر ما جاء فى السنة المطهرة عن
رسول الله ، وعن الصحابة، والتابعين، من الشهادة له بالصحبة، والفقه، والملك العادل، وحسن السيرة، حتى شهد له من أدركه كمجاهد
والأعمش بأنه المهدى0
فهل من كان هذا حاله يكون له دخل أو حتى رضا بالوضع فى السنة المطهرة سواء فى فضائله، وفضائل الشام أو فى وضع ما
يثبت ملكه، أو غير ذلك مما يزعمه أعداء الإسلام من الرافضة ومن شايعهم؟! نعم إذا لم تستح فأصنع ما شئت0

ثانياً : الجواب عن اتهام رواه السنة بأنهم كانوا كذابين وفقهاء سلطة :
أما ما زعمه دعاة الفتنة وأدعياء العلم، من أن حملة الإسلام من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين من الفقهاء، والمحدثين،
كانوا كذابين وفقهاء سلطه؛ فقد رد هذا الزعم الدكتور السباعى تحت عنوان “هل استجاز علماؤنا الكذب دفاعاً عن الدين؟ فقال : “إن أعداء
الإسلام من غلاة الشيعة، والمستشرقين، ودعاة الإلحاد، لم يصلوا ولن يصلوا إلى مدى السمو الذى يتصف به رواة السنة من الترفع عن الكذب
حتى فى حياتهم العادية، بل لم ولن يصل أعداء الإسلام إلى مبلغ الخوف الذى استقر فى نفوسهم بجنب الله خشية ورهبة،ولا مدى استنكارهم
لجريمة الكذب على رسول الله  حتى قال منهم من قال بكفر من يفعل ذلك، وقتله وعدم قبول توبته( )، إن أعداء الإسلام معذورون إذ لم
يفهموا عن علمائنا هذه الخصائص؛ لأنه لا يوجد لها ظل فى نفوسهم ولا فيمن حولهم، ومن اعتاد الكذب ظن فى الناس أنهم أكذب منه، واللص
يظن جميع الناس لصوصاً مثله … وإلا فمن الذى يقول فى قوم جاهروا بالإنكار على بعض ولاتهم لأنهم خالفوا بعض أحكام السنة؛ وتعرض
بعضهم للضرب والإهانة والتنكيل فى سبيل الجهر بكلمة الحق – أنهم استباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله  ليضيفوا إلى سنته المطهرة
أحكاماً لم يقلها 0
أيها الناس أليست لكم عقول تحكمون بها؟ أم أنتم تتكلمون لقومٍ لا عقول لهم( )؟!

نعم إن قوماً لم يحابوا فى حكمهم على الرجال أحداً لا أباً، ولا ابناً، ولا أخاً، ولا صديقاً، ولا أستاذاً، لذلك عنوان صدق
ديانتهم، ونزاهتهم، وأمانتهم، وعنوان غلاء الحفاظ على السنة الشريفة لديهم، وأنها عندهم أغلى من الأباء والأجداد، والأولاد، والأحفاد، فكانوا
مضرب المثل فى الصدق والتقوى والأمانة( )0
وهاك أمثلة على نزاهتهم فى حكمهم على الرجال :
المجرحـون لآبائهـم :
الإمام على بن المدينى سأل عن أبيه فقال : “سلوا عنه غيرى” فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع رأسه فقال : “هو الدين، إنه ضعيف”( )0

المجرحون لأبنائهم :
الإمام أبو داود السجستانى “صاحب السنن قال : ابنى عبد الله كذاب( )، ونحوه قول الذهبى فى ولده أبى هريرة، أنه “حفظ القرآن، ثم تشاغل
عنه حتى نسيه( )0

المجرحون لإخوانهم :
زيد بن أبى أُنَيْسة قال : لا تأخذوا عن أخى يحى المذكور بالكذب( )0

المجرحون لأختانهم :
شعبة بن الحجاج قال : لو حَاَبْيتُ أَحَداً لحابيت هِشَام بْنُ حَسَّان كان ختنى( )،ولم يكن يحفظ”( )0
المجرحون لبعض أقاربهم :
أبو عروبة الحرانى : قال الذهبى فى ترجمة الحُسَيْنُ بن أبى السَّرِىّ العسقلانىُّ : “قال أبو عروبة الحرانى : هو خال أمى، وهو كذاب”( )0

من الذين لم يحابوا مشايخهم :
يحيى بن سعيد القطان : روى الإمام ابن أبى حاتم عن عبد الرحمن بن مهدى قال : اختلفوا يوماً عند شعبة، فقالوا : اجعل بيننا وبينك حكماً
فقال : قد رضيت بالأحول يعنى يحيى بن سعيد القطان، فما برحنا حتى جاء يحيى فتحاكموا إليه فقضى على شعبة – وهو شيخه ومنه تعلم وبه
تخرج، فقال له شعبة : ومن يطيق نقدك أو من له مثل نقدك يا أحول؟!”0

قال ابن أبى حاتم : “هذه غاية المنزلة – ليحيى بن سعيد القطان – إذ اختاره شيخه شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من دالته
بنفسه وصلابته فى دينه أن قضى على شعبة” شيخه ومعلمه( )0

وبلغ من نزاهة أئمة الحديث أنهم كانوا لا يقبلون شفاعة إخوانهم للسكوت عمن يرون جَرْحه، وكيف يرتضون تلك الوساطة، وهم الذين طَعَنُوا
فى أبنائهم، وآبائهم، وإخوانهم، لما رأوا منهم ما يستوجب القّدْحَ0

وقد ضَرَبَ شعبة بن الحجاج فى هذا أروع الأمثال لما كلمه حماد بن زيد، وعباد ابن عباد، وجرير بن حازم، كلموه فى رجل ليكف عنه،
قال حماد ابن زيد، فكأنه لان وأجابنا0 قال : فذهبت يوماً أريد الجمعة فإذا شعبة ينادينى من خلفى، فقال: ذاك الذى قلتم لى فيه لا
أراه يسعنى”0 قال عبد الرحمن ابن مهدى : كان شعبة يتكلم فى هذا حسبة( )0

نماذج لما كان عليه سلفنا الصالح من جراءة فى الحق مع خلفائهم وملوكهم وأمراءهم، لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، ولا اضطهاداً :
أما موقف الصحابة مع خلفائهم فقد سبق بما يغنى عن إعادته هنا عند الحديث عن بداية الوضع وبراءة الصحابة منه( )0

ونزيد هنا بموقف لأبى بن كعب  مع الفاروق عمر  أخرجه ابن راهوية عن الحسن أن عمر بن الخطاب  رد وعلى أبى بن
كعب  قراءة آية، فقال أبى : لقد سمعتها من رسول الله  وأنت يليهك يا عمر الصفق بالبقيع0 فقال عمر  : صدقت إنما أردت أن أجربكم هل
منكم من يقول الحق؟ فلا خير فى أمير لا يقال عنده الحق ولا يقوله”( )0
وروى أن أبى بن كعب قرأ : الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ( ) فقال عمر  كذبت0 قال : أنت أكذب0 فقال رجل : تكذب أمير
المؤمنين؟ قال : أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك0 ولكن كذبته فى تصديق كتاب الله ، ولم أصدق أمير المؤمنين فى تكذيب كتاب الله ،
فقال عمر : صدق”( )0

فانظر كيف يمتحن عمر الصحابة فى مدى جهرهم بكلمة الحق إذا عدل عنها الأمير، وانظر كيف كان الصحابة يعرفون لأمرائهم حقهم، فإذا
عدلوا عن الحق لم تأخذهم فى الله لومة لائم0
أما عن موقف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الإسلام، من ملوكهم وأمراءهم، فقد مر موقف أبو سعيد الخدرى من
مروان وإلى المدينة، وكذا موقف ابن عمر من الحجاج( )0 وسيأتى موقف آخر للإمام الزهرى مع هشام بن عبد الملك الأموى، بعد ذكر بعض
المواقف لأئمة الإسلام من ملوك وأمراء بنى العباس0 منها ما ذكره الحافظ الذهبى فى ترجمة – ابن أبى ذئب الإمام الثبت – قال الإمام أحمد :
“دخل بن أبى ذئب على المنصور فلم يهبه أن قال له الحق، وقال الظلم ببابك فاش، وأبو جعفر، أبو جعفر”0

وعن محمد بن إبراهيم تلميذ بن أبى ليلى قال : “كنت عند أبى جعفر المنصور – وعنده بن أبى ذئب، فقال أبو جعفر : ما تقول فى الحسن بن
زيد -وكان والياً للمدينة أيام المنصور- قال يأخذ بالإحنة – أى الحقد ويقضى بالهوى0 فقال له الحسن : الله الله، والله ما سلم منه أحد، وإن
شئت فسله عن نفسك يا أمير المؤمنين0 قال محمد بن إبراهيم – فجمعت ثيابى والسياف قائم على رأس أبى جعفر، مخافة أن يأمر به فيقتل،
فيصيب دمه ثوبى، قال ما تقول فى؟ قال – اعفنى يا أمير المؤمنين0 قال لابد أن تقول0 قال إنك لا تعدل فى الرعية ولا تقسم بالسوية0 فتغير
وجه أبى جعفر فقام إبراهيم بن يحيى والى المدينة أيام المهدى- وقال : طهرنى بدمه يا أمير المؤمنين؟ قال له ابن أبى ذئب – اقعد يا بنى
فليس فى دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله طهور”( )0

وموقف سفيان الثورى – رحمه الله – مع أبى جعفر المنصور مشهور؛ فقد كان سفيان –رحمه الله- قوالاً بالحق، شديد الإنكار،
حتى مات فى البصرة مختبئاً من المهدى( )، وما موقف المحدثين – وعلى رأسهم أحمد بن حنبل – رحمه الله – مع الأمراء العباسيين فى
محنة خلق القرآن ببعيد0 وغير ذلك الكثير، ولولا أن المقام لا يحتمل المزيد لنقلت لك أخباراً مشرقة عن هؤلاء الأفذاذ( )0

صلة علماء المسلمين بالملوك والأمراء :
زعم أعداء السنة، أعداء الإسلام، أن صلات علماء المسلمين بالملوك والأمراء مكنت لهم أن يستغلوهم فى وضع الأحاديث
الموافقة لأهوائهم وتثبيت سلطانهم0

يقول الدكتور السباعى رداً على ذلك : “ولا ندرى كيف تكون الصلة بين أئمة المسلمين الثقات الأثبات، وبين الملوك والأمراء علامة على
استغلالهم لهم، وقديماً كان العلماء يتصلون بالخلفاء والملوك، دون أن يمس هذا أمانتهم فى شئ، فقديماً تردد الصحابة على معاوية، وتردد
التابعون0

فهؤلاء الأئمة إذا اتصلوا بهؤلاء الأمراء والملوك، أو اتصلوا هم بهم، لا سبيل إلى أن يؤثر ذلك فى دينهم، وأمانتهم، وورعهم،
والمستفيد منهم على كل حال، هم المسلمون الذين يغدو علماؤهم ويروحون من حلقات العلم إلى مجالس الخلفاء يروون حديثاً، أو يبثون فكرة،
أو يبثون حكماً، أو يبينون حكماً، أو يؤدبون لهم ولداً، أو يذكروهم بما للأمة عليهم من حقوق وما عليهم من واجبات0

انظر:إلى ما رواه ابن عساكر بسنده إلى الشافعى -رحمه الله- أن هشام بن عبدالملك سأل سليمان بن يسار عن تفسير قوله
تعالى : وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ) فقال هشام : كذبت : إنما هو على بن أبى طالب، ويظهر أن هشاماً لم يكن جاداً فيما
يقول، ولكنه يريد أن يختبر شدتهم فى الحق – فقال سليمان بن يسار : أمير المؤمنين أعلم بما يقول، ثم وصل ابن شهاب، فقال له هشام : من
الذى تولى كبره منهم؟ فقال الزهرى: هو عبد الله بن أبى بن سلول، فقال له هشام : كذبت0 إنما هو على بن أبى طالب، قال الزهرى وقد امتلأ
غضباً : أنا أكذب؟ لا أبالك! فوالله لو نادانى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت…حدثنى فلان،وفلان،أن الذى تولى كبره منهم،هو
عبدالله بن أبى بن سلول،… وفى القصة فقال هشام:إنا نهيج الشيخ0مما يدل على أنه لم يكن جاداً فى قوله “كذبت”0

ألا ترى فى هذه الحادثة ما يدلك على أن الصلة بين العلماء والخلفاء أدنى وأضعف من أن تصل إلى دينهم وأمانتهم؟ رجل يقول لخليفة
المسلمين : لا أبا لك! وهى كلمة لا يقولها رجل عادى لآخر مثله يحترمه، لدليل على أن صلتهم بالخلفاء والأمراء ليست صلة ضعيف بقوى،
ولا مخدوع بخادع بل صلة واثق بدينه، معتز بعلمه يغضب إن كُذِّب، ويثور إذا حُرِّفت حقيقة من حقائق التاريخ المتصل بصحابة رسول الله ،
ورجل يزأر فى وجه الخليفة زئير الأسد لأنه كذَّبه فى تفسير آية من كتاب الله  خلاف ما يعلم أهل العلم من قبله، هل من المعقول أن يميل إلى
أهواء الخليفة، فيضع له أحاديث عن رسول الله  لا أصل لها؟! ألا ترى إلى قول الزهرى : “أنا أكذب؟ لا أبالك! فوالله لو نادانى مناد من
السماء إن الله أحل الكذب ما كذبت”0

إن الزهرى كان من ذلك الطراز الممتاز فى تاريخ الإنسانية الذين ربَّاهم محمد  وأخرجهم للدنيا آيات باهرات فى صدق اللهجة وسموا النفس،
والترفع عن الكذب حتى ولو كان مباحاً( )0 أ0هـ0

يقول الأستاذ الصديق بشير : “ثم هل أولئك الفقهاء من الخور، وقلة الورع بحيث يستغلهم الحكام لتثبيت حكمهم؟! إن تاريخ
هؤلاء ينفى ذلك بشدة، حتى بلغ الأمر ببعضهم أن حرم على نفسه مخالطة السلاطين الظلمة( )0 بل وصل الأمر ببعضهم إلى أن يضرب،
ويحبس، لرفضه تولية القضاء كأبى حنيفة -رحمه الله-( )0

وانظر كيف كان الخلفاء يهابون العلماء، هاهو الخليفة المهدى يدخل مسجد النبى  فلم يبق إلا قام إلا ابن أبى ذئب فقيل له : قم، فهذا أمير
المؤمنين، قال : إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدى : دعوه فقد قامت كل شعرة فى رأسى( )0

وانظر كيف يتمنى أبو جعفر المنصور أن يجلس فى وسط المحدثين لينال من صالح دعائهم لما قيل له : هل بقى من لذات الدنيا
شئ لم تنله؟ قال : بقيت خصلة، أن أقعد فى مصطبة، وحولى أصحاب الحديث، يقول المستملى : من ذكرت، رحمك الله، قال : فغدا عليه
الندماء، وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر، فقال : لستم بهم، إنما هم الدنسة ثيابهم المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، برد الآفاق، ونقلة
الحديث( )0

ثم ماذا يبتغى هؤلاء من مسايرتهم لأهواء الأمويين والعباسيين أيبتغون المال؟ أم الشهرة؟ إن التاريخ يشهد بأنهم لم
يستعبدهم المال ولا الشهرة، وقد قيل أنه لم ير السلاطين والملوك والأغنياء فى مجلس أحقر منهم فى مجلس الأعمش، مع شدة حاجته وفقره(
)0

وهل يبلغ الحمق، والغباوة بهم، أن يبيعوا دينهم، وسمعتهم بين المسلمين، وهم لا يطمعون فى مال ولا جاه ولا منصب؟ أ0هـ0

ثالثاً : الجواب عن اتهام الملوك والأمراء الأمويين العباسيين، فى دينهم، ودعوى استغلالهم لعلماء المسلمين لوضع ما يثبت ملكهم :
حال الملوك والأمراء الأمويين والعباسيين من الدين :
يحرص أعداء الإسلام، والسنة المطهرة، أن يصوروا لنا الأمويين، والعباسيين، جماعة دنيويين ليس لهم هم إلا الفتح،
والاستعمار، والحقد على آل البيت، وأنهم كانوا فى حياتهم العادية جاهليين لا يمتون إلى تعاليم الإسلام وآدابه بصلة، وهذا افتراء على الواقع
والتاريخ فمن المسَّلم به أن ما بين أيدينا من نصوص التاريخ التى تمثل لنا العصر الأموى، والعباسى، لا تعدوا إلا أن تكون أخباراً تناقلتها
الألسنة دون تحقيق، وهى من وضع غلاة الشيعة، والروافض الذين أحدثوا الفتنة فى صفوف الأمة الإسلامية، منذ مقتل الفاروق عمر، فعثمان،
فعلى،  استمراراً بصراعهم مع الأمويين والعباسيين، فهؤلاء الرافضة هم الذين ناصبهم الأمويون، والعباسيون العداء، وحاربوهم، تماماً كما
حاربهم الإمام علىّ 0

وما ناصبوا العداء يوماً قط لآل البيت  وإنما هى الفتنة التى كان يشعلها الرافضة بين آل البيت، وبين أمية وبنى العباس، على
مر التاريخ0
ومن هنا فلا يصح الاعتماد بدون تمحيص على كتب الأخبار والتاريخ فيما يتعلق بالأمويين والعباسيين( )0

يقول الدكتور محمد مظهر صديقى : “لأنها كتبت فى الأمصار العراقية، وبخاصة فى الكوفة والبصرة وبغداد – بيئة الفتنة والرافضة، ولم تنج من
تعصب المؤلفين ورواة الأخبار الذين لم يبتعد أكثرهم عن العصبية بكافة أنواعها”( )0

يقول الدكتور السباعى : “هذا شئ، وشئ آخر أنه حتى فى هذه الحالة فإنا نجد نصوصاً كثيرة تكذب أعداء السنة فيما رموا به
أمراء الأمويين، والعباسيين، من إنحراف عن

الإسلام وتحدٍّ لأحكامه، فابن سعد، يروى لنا فى طبقاته، عن نُسك، عبد الملك، وتقواه، قبل الخلافة، ما جعل الناس يلقبونه بحمامة المسجد،
حتى لقد سئل بن عمر  أرأيت، إذا تفانى أصحاب رسول الله  من نسأل؟ فأجابهم : سلوا هذا الفتى وأشار إلى عبد الملك( )0

وهذا مالك  قد احتج بقضاء عبد الملك بن مروان فى موطأه وأبرزه فى جملة قواعد الشريعة( )0 أما أبوه مروان بن الحكم فأقضيته وفتاواه
كثيرة فى الموطأ( )،وفى الصحيح عن عبد الله بن دينار قال : شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك ابن مروان كتب : إنى أقر
بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله، وسنة رسوله ، ما استطعت، وإن بنى قد أقروا بمثل ذلك( )0

وقل مثل ذلك فى الوليد بن عبد الملك، فلقد أنشئت فى عصره أكثر المساجد المعروفة اليوم، حتى كان عصره للمسلمين عصراً
عمرانياً، وقل مثل ذلك فى بقية الخلفاء بما فيهم يزيد ابن معاوية  الذى اتهم كذباً وزوراً بأكاذيب من صنع الرافضة0

ولا ندرى كيف يتهم بالفسق من شهد له رسول الله ، له بالخير والمغفرة، فى قوله  “… وأول جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور
له”؟( ) وكان هذا الجيش هو جيش يزيد بن معاوية – وكان أميراً عليه فى غزوة القسطنطينية( )0
وكيف يعهد له أبوه (معاوية)  بالخلافة “وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق0 حاشا الله معاوية من ذلك”( )0

وكيف يصح وصف يزيد بالفسق وهو يحدث نفسه إن ولى الإمارة أن يسير على سيرة الفاروق عمر  لما قال له أبوه : كيف تراك فاعلاً إن
وليت؟ قال : كنت والله يا أبة عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب0 فقال معاوية : سبحان الله يا بنى، والله لقد جهدت على سيرة عثمان فما
أطقتها، فكيف بك وسيرة عمر؟ ( )0

ويقول العلامة ابن خلدون مدافعاً عن أمراء الدولة الأموية قائلاً : “… وإن كانوا ملوكاً فلم يكن مذهبهم فى الملك مذهب أهل
البطالة، والبغى، إنما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم، إلا فى ضرورة تحملهم على بعضها، مثل خشية افتراق الكلمة الذى هو أهم لديهم
من كل مقصد0 يشهد لذلك ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء، وما علم السلف من أحوالهم ومقاصدهم0 فقد احتج مالك فى الموطأ بعمل عبد
الملك، وأما مروان فكان فى الطبقة الأولى من التابعين، وعدالتهم معروفة ثم تدرج الأمر فى ولد عبد الملك وكانوا من الدين بالمكان الذى
كانوا فيه”( )0

ويقول أيضاً مدافعاً عن أمراء الدولة الأموية والعباسية معاً فى معرض دفاعه عن أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد : “ثم إنه وقع مثل ذلك من بعد
معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك، وسليمان، من بنى أمية، والسفاح، والمنصور، والمهدى، والرشيد
من بنى العباس، وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم، وحسن رأيهم للمسلمين، والنظر لهم، ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم، وخروجهم عن
سنن الخلفاء الأربعة فى ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دينياً( )، وهى حفظ
وحدة المسلمين، وإنه لفى رواية الإمام مالك فى موطأه لأمراء بنى أمية مثل عبد الملك بن مروان وأبوه مروان، وجمعه لموطأه فى أيام بنى
العباس، والدولة لهم، والحكم بأيديهم، لأكبر دليل على أنه لم يكن هناك صراع بين بنى أمية وبنى العباس، وإنما كان الصراع بينهم وبين أعداء
الإسلام على مر التاريخ من الرافضة والزنادقة0

وحتى لو فرض أنه كان هناك صراع، فلم يكن لهذا الصراع أى تأثير على علماء المسلمين فيما يحفظون، ويدونون من حديث رسول الله  وإلا
فلِمَ لم يغير وينكر أمراء بنى العباس ما فى الموطأ؟

وأين ما زعمه أعداء الإسلام من استغلالهم لعلماء المسلمين فى وضع ما يوافق رغباتهم؟ نعم كان هناك من يتقرب إلى الملوك والأمراء
بوضع ما يوافق فعلهم، ولكن هؤلاء الأدعياء لم يكونوا يمتون إلى العلم بصلة، وهم غير العلماء الذين نهضوا لجمع الحديث وتدوينه ونقده،
وفى نفس الوقت لم يغفل الأمراء عن كذبهم كما حدث من غياث بن إبراهيم النخعى( ) مع الخليفة المهدى العباسى( )لما رآه يلعب بالحمام
فحدثه بحديث أبى هريرة  : “لا سبق إلا فى خف أو نصل أو حافر” وزاد فيه : “أو جناح” فأمر المهدى بعشرة آلاف درهم، فلما قام قال المهدى
: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ، وإنما استجلبت ذلك أنا فأمر بذبح الحمام فذبحت0

يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة – رحمه الله تعالى – :”لم يكن المهدى مغفلاً ولا جاهلاً، بل كان عاقلاً عالماً، من الملوك
الذين ينشأون فى العلم الذى هو شرط من شروط الولاية، فعامل المتزلف إليه بجود الملوك، وأراد قطع السبب الذى تزلف به الكذاب، وفطم
نفسه عن التعلق بالحمام فذبحها – ولم يأت فى الخبر أنه طرحها – ولم ينتفع بها آكل، ومثل هذا لا يغيب عن مثل الخليفة المهدى العالم( )0
الذى نكل بالزنادقة أيما تنكيل أيام دولته، وعين لهم رجلاً سماه “صاحب الزنادقة” وكل إليه أمر إبادتهم والقضاء عليهم وأمر الجدليين من أهل
البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب فى الرد على الملحدين، وإقامة البراهين على المعاندين وإيضاح الحق للشاكيِّن، وأوصى ابنه الهادى بالعمل
على إبادة الزنادقة، وشرح له أمرهم، وسوء نيتهم نحو الإسلام والمسلمين، وجاء عنه أنه قال : “والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى
لا أترك منها عيناً تطرف” وقد أنفذ الهادى وصية أبيه بكل أمانة”( )0

وخلاصـة القول : أن ما وقع من وضع فى السنة أيام الأمويين والعباسيين، وقع من غلاة الشيعة الرافضة، والزنادقة، وغيرهم
ممن لا يمتون إلى العلم بصلة، وأمثال هؤلاء هم الذين كانوا فى صراع دائم مع الدولة الأموية، والعباسية، أما ما يزعمه أعداء الإسلام،
والسنة المطهرة، بأن الوضع وقع من العلماء الذين دأبوا على نشر السنة المطهرة، وحفظها وتنقيتها أمثال الزهرى، والأوزاعى، والثورى،
وابن حنبل، والبخارى، وغيرهم من رواة السنة، فذلك كذب وافتراء يرده تاريخنا الإسلامى السالم من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل
الجاهلين0

رابعاً:الجواب عن طعن أعداء السنة فى أحاديث طاعة أولى الأمر،وأحاديث الفتن
ما زعمه أعداء السنة من أن أحاديث طاعة أولى الأمر، وأحاديث اجتناب الفتن وضعها أهل الحديث لتثبيت أنظمة الحكم، فتلك دعوى يردها النقل
والنظر0

يقول الأستاذ الصديق بشير : “فأما النقل : فإن الأحاديث التى ذكروها – ومعظمها فى الصحيحين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب
الله  وهى تدعو إلى طاعة الحكام والأمراء، وتدعوا إلى اجتناب الفتن، والنجاة من شرورها، ويظن أنها وضعت من أجل تثبيت الحكام، إما
بطاعتهم، أو باعتزال الأمر وتركه، فهذه الأحاديث لو افترضنا جدلاً صحة ادعائهم، فالقرآن الكريم يؤكدها ويصدقها، قال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ( ) ووجوب طاعة ولى الأمر بطاعته لله ورسوله، وقول تعالى : ذاماً الفتن ومحذراً من
الارتكاس فيها وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً( )0 وقال تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ( )0 وكون الفتنة أشد من القتل لأن
شرورها لا تنقطع كالنار لا تبقى على شئ0 فهذا إذن أكبر دليل على أن مجموع تلك الأحاديث التى تحض على الطاعة، وتجنب الفتن سبقت
الخلافات والنزاع حول الحكم0

وأما النظر : فإنه يكذب هذا الادعاء، لأن اجتماع الفقهاء أو أهل الحديث أو جمعيهم على وضع هذه المبادئ كما يسميها”
جولدتسيهر” ويقول بها الرافضة، ومن قال بقولهم0لا يمكن أن يتحقق، واجتماعهم على الكذب على الرسول  لا يتأتى0 ففى زمن بنى أمية
كان هناك كثير من الصحابة أمثال : أنس بن مالك (ت93هـ)، وعبد الله بن عمر (ت 73هـ)، وعبدالله ابن عباس (ت 68هـ)، وأبو هريرة
(ت 59هـ)، وعبد الله بن عمرو (ت 65هـ)، والنعمان بن بشير (ت 64هـ)0

وكان هناك عدد كبير من الفقهاء والأعلام أمثال : سعيد بن المسيب (ت 91هـ)، وعروة بن الزبير (ت 94هـ)، وخارجة بن
زيد (ت 100هـ) وبقية الفقهاء السبعة المشهورون0 وأمثال : سالم بن عبد الله (ت 106هـ)، والشعبى (ت 105هـ)، وابن سيرين
(110هـ)، وهذه الدولة العباسية بدأت بخلافة أبى العباس السفاح سنة (132هـ)، وكان ممن حضر قيامها من أئمة الفقهاء ربيعة الرأى (ت
134هـ)، وعطاء الخراسانى (ت 135هـ) والأوزاعى (ت 157هـ)، وأئمة المذاهب الأربعة0

فهل من الممكن أن يتفق أمثال هؤلاء – وهم من هم فى الورع والعلم – على تثبيت نظام من الأنظمة، ودعوة الناس إلى
مؤازرته والخضوع له، ولو أدى بهم ذلك إلى اختلاق الأحاديث، لتأكيد هذه الدعوة، وكأنهم شرذمة من المتآمرين؟! وإذا صح لغيرهم أن يفعلوا
ذلك، فهل يرضى هؤلاء بذلك، وهم يعلمون أنه خطر يهدد الإسلام، وأن السكوت عليه خيانة للمسلمين؟!
وكيف ترضى الفرق الأخرى التى تنازع نظام الحكم القائم بهذا الصنيع وهى تعلم أنه دس واختلاق؟! والعقل يقول : إنه لو أحس
هؤلاء بأن تلك الأحاديث موضوعة لغرض تثبيت نظام الحكم الذى ينازعونه لشنعوا بذلك أيمَّا تشنيع، ولشهَّروا بواضيعها أيما تشهير، ولكن هذا
لم يوجد؛ لأنه لم يصح إلا فى ذهن الرافضة وجولدتسهير، ومن تبعهم فى ملتهم من أبناء جلدتنا0 وكيف فاتهم أن عصر بنى أمية وبنى العباس
لم يخل من علماء نقد الحديث، وهم علماء الجرح والتعديل أمثال : شعبة بن الحجاج (ت 159هـ)، وسفيان الثورى (ت 161هـ)، وعبد
الرحمن بن مهدى (ت 198هـ)، ويحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ)، وهم وغيرهم الذين غربلوا الحديث، وحذفوا الموضوعات
وأظهروها، فهل غابت عنهم تلك الأحاديث التى ذكرها أعداء الإسلام، ومعظمها فى الصحيحين، حتى يأتى أدعياء العلم فى آخر الزمان ليبينوا
لنا أنها موضوعة؟!

ثم ما المنهج الذى اتبعوه فى النقد؟ ليس ثمة منهج إلا مجموعة أفكار فاسدة وهواجس تعشعش فى أذهانهم، ولو افترضنا أن أعداء الإسلام لا
يقصدون أنهم وضعوا هذه الأحاديث، أى اختلقوها فإن مجرد تسخيرهم لها لتثبيت دعائم الحكم الأموى مرة، والحكم العباسى مرة أخرى، مسبة
أيضاً، وفرية لا يقولها عاقل!

كما أن إشاعة هذه الأحاديث النبوية مصلحة للناس قبل أن تكون مصلحة للحكام؛ لأنه فى أغلب الفتن لا يتأذى بويلاتها إلا الناس،
ولا يبلغ الحكام إلا دخانها، وفى الفتن تختلط الأمور وتتداخل، فيدعى كل طرف فيها أنه على حق، وأن غيره على باطل، ومن لم يتبين أى
الأطراف على حق، كان أولى به أن يعتزل الفتن، وهو الصواب0

كما أن هذا الدين الحنيف جاء داعياً إلى التكتل والجماعة، وحذر من الفرقة والانقسام لأن هلاك المسلمين فى تفرقهم شيعاً
وأحزاباً، يقول تبارك وتعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ( ) ويقول : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
( ) ويقول : وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ( )0
والأحاديث النبوية التى تدعوا إلى الجماعة، وعدم الخروج عنها توضح هذه الحقيقة القرآنية، حقيقة أن فساد أمر المسلمين
بافتراقهم، وهى حقيقة يعيها جيداً أعداء الإسلام، إلاَّ أنهم يتجاهلون هذه الحقيقة ليزعموا أن هذه الأحاديث موضوعة، لخدمة الحكام، وذلك

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: