مقتطفات من كتاب السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام / عماد الشربيني / من 4-14

الاحتمال الخامس : أنتم الذين تلقحون النخل بالمدينة، ومثلكم جميع الناس، أعلم بشئون دنياكم، وما يصلح لكم من غيركم،
والكلام على قاعدة : مقابلة الجمع بالجمع، تقتضى القسمة آحاداً، تقول : أعطيت الطلاب كتباً على معنى أعطيت كل طالب كتاباً، فيصبح المعنى
كل واحد أعلم من غيره بشئون ومصالح نفسه، وهذا الاحتمال إن صح فى المباحات، لا يصح فى الواجبات والمحرمات، فالشرع وحده هو الذى
حددها على أنها المصلحة( )، بنـاء علـى
سبق علم الله الذى خلق0 ثم إن هذا الاحتمال لا يتناسب مع قصة الحديث، ومما هو واضح أن الاحتمال الثانى هو المراد، ثم يليه الأول، وعلى
كل حال لا يصح الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير فى المعاملات؛ لأن الحديث – كما رأينا – تطرق إليه أكثر من احتمال، والدليل إذا تطرق
إليه الاحتمال سقط به الاستدلال0احتمال دخول المعاملات مستبعد :
مع أن احتمال دخول المعاملات فى الحديث كأحد الاحتمالات مستبعد أصالة وابتداء( )؛ لأن المعاملات كما يفهم من معناها علاقة
الأفراد والجماعات بعضهم ببعض فيما يتعلق بمعاشهم، وهذه العلاقة تحكمها دائماً قواعد وأصول وضوابط، لئلا يحيف بعض الأطراف على
بعض، والأمم غير الإسلامية وضعت لذلك قوانين، والإسلام وضع لها أرقى أنواع التشريع وليس من المعقول أن الله  الذى أنزل أطول آياته
فى القرآن : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ
بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى
وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ
تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( ) وحدد فيها كتابة الدين، ومواصفات الكاتب وواجباته، وحق المدين فى الإملاء، وإملاء وليه فى حالة
عدم صلاحيته، وصفات الشهود، وشروطهم، وواجباتهم، وقال تعالى : “ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ”0 ليس من المعقول أن الله الذى اهتم بالدَّين هذا
الاهتمام يترك البيع والشراء وتفصيل الربا، والرهن، والشركة وغيرها من المعاملات دون تشريع0هل يعقل أن يترك البشرية هَمَلاً يأكل بعضهم مال بعض ظلماً وعدواناً تحت عنوان “أنتم أعلم بشئون دنياكم”؟

هل يعقل مسلم أن يترك الله تعالى هذه القوانين لمحمد  دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأمة مجتمعة بالخطأ أربعة عشر
قرناً حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها، ويخالف حكم محمد ؟ أظن أن العقل المسلم يستبعد ذلك كل الاستبعاد0

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين : “بقى فى نفسى تساؤل بخصوص حديث تأبير النخل ربما يثور فى نفوس البعض، هو
: لماذا ألهم الله رسوله  أن يشير عليهم بهذه الإشارة مع أنها لم تكن فى مصلحتهم؟

ولماذا جعلهم الله يستسلمون لمجرد الإشارة، وهم المعروفون بالمراجعة والنقاش وكثرة السؤال؟
ولماذا لم يتدارك الله هذه المشورة بالتصحيح قبل أن تنتج شيصاً للمسلمين يسخر منه اليهود، وأعداء الإسلام حين يصح
نخلهم ويسوء نخل المسلمين بسبب مشورة نبيهم ؟0

وسنحاول تلمس حكمة لهذه الحادثة، فإن حصلت بها قناعة واطمئنان فالحمد لله، وإلاَّ فنحن مؤمنون أرسخ الإيمان بأن لله  فى
ذلك حكمة، وهو الحكيم الخبير0 ولعل الحكمة فى ذلك تدور حول ثلاث أمور :
أولاً : صرف بلاء الأعداء عن المؤمنين الذين لم تقوا شوكتهم بعد0 ألم يكن من الجائز أن يطمع الكافرون فى المدينة وتمرها، فيهاجموها من
أجل نزول محمد  فيها؟ فخروج التمر شيصاً جعلها غير مطمع، وصرف الله بذلك هجوم الكافرين حتى يستعد المؤمنون؟ احتمال0
ثانياً : تعليمهم الأخذ بأسباب الحياة بهذا الدرس العملى الذى كان قاسياً عليهم فتنافسوا بعده فى أسباب الحياة0
ثالثاً : اختبارهم فى صدق إيمانهم، فهذه الحادثة حتى اليوم فى هذا البحث ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة – رضوان الله عليهم – فى هذا
الاختبار القاسى – وهم فى أول الإيمان، نجاحاً باهراً، فقد استمروا فى طاعة أوامره ، ولم يرد إلينا ردة أحد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم
لرسول الله  عليها رغم خسارتها، مما يشهد لهم بالإيمان الصادق المتين( )0 ولعل تلك الحكمة الأخيرة هى أوجه الحكم فى هذه الحادثة0
والله أعلم بحكمته0

وبعـد : إذا كانت عصمة النبى  دليل على حجية الكتاب، والسنة معاً، فلننتقل إلى الدليل الثانى من أدلة حجية السنة، وهو
القرآن الكريم0

المطلـب الثانـى
من أدلة حجية السنة المطهرة القرآن الكريم

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور مروان شاهين : لقد اشتدت عناية القرآن الكريم بتلك المسألة فوَّجه إليها آيات كثيرة تنوعت بين آيات تأمر فى
وضوح بوجوب الإيمان به ، وبين آيات أخرى تأمر بوجوب طاعته، طاعة مطلقة، فيما يأمر به، وينهى عنه، وبين آيات أخرى تنهى عن
مخالفته وتحذِّر من ذلك وتبين جزاء المنافقين المرجفين فى دين الله  العاملين على هدم كيان السنة النبوية، والذين حصروا معنى الآيات
الواردة فى طاعة الرسول ، فى طاعته فى القرآن الكريم فقط( )0

ونحن لن نستطيع ذكر هذه الآيات كلها – وإلا طال المقام بنا جداً، ولكننا سننبه إلى بعض هذه الآيات فقط، ودلالتها على حجية
السنة النبوية الشريفة ووجوب التمسك بها( )0
1- من هذه الآيات قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ( )0
2- وقوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( ) فمقتضى ذلك أن نؤمن بالله
وبرسوله، والإيمان معناه هنا التصديق والإذعان برسالتهوبجميع ما جاء به من عند اللهمن كتاب وسنة،بمقتضى عصمته التى توجب
التصديق بكل ما يخبر به عن رب العزة0كقوله  فى حق القرآن:”هذا كلام الله ، وقوله فى الأحاديث القدسية:”قال رب العزة كذا”أو نحو هذه
العبارة وقوله :”ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه”وقد سبق تفصيل ذلك قريباً فى مبحث العصمة( ) فالإيمان بالرسول  جزء من الإيمان بالله
تعالى، والشك والارتياب فى ذلك الإيمان، شك وارتياب فى الإيمان بالله ورسوله معاً، وحينئذ لا يكون هناك إيمان أبداً0

يقول الإمام الشافعى فى رسالته : “فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذى ما سواه تبع له الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به، ولم يؤمن
برسوله  : لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله معه( )، ومن هنا وجبت طاعة الرسول  – بمقتضى هذا الإيمان – فى
كل ما يبلِّغه عن ربه، سواء ورد ذكره فى القرآن أم لا0

يقول الإمام الشافعى : “وما سنَّ رسول الله فيما ليس لله فيه حكم : فبحكم الله سنَّه، وكذلك أخبرنا الله فى قوله تعالى : وَإِنَّكَ
لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ( )، وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب0 وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه،
وجعل فى اتباعه طاعته، وفى العدول عن اتباعها معصيته التى لم يعذر بها خلقاً، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجاً”( )0
3- ومن أهم الآيات دلالة على حجية السنة، ووجوب التمسك بها قوله تعالى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( ) يقول ابن قيم الجوزية : “أقسم سبحانه بنفسه، وأكده بالنفى قبله على نفى الإيمان عن
العباد، حتى يحكِّموا رسوله فى كل ما شجر بينهم، من الدقيق والجليل، ولم يكتف فى إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده، حتى ينتفى عن صدورهم
الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليما، وينقادوا انقيادا( )0

ويقول أيضاً فى مختصر الصواعق المرسلة : “فقد أقسم الله سبحانه بنفسه على نفى الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على
ما جاء به الرسول ، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه، وإن آمنوا بلفظه”( )0

ويقول فى موضع آخر : “وفرض تحكيمه، لم يسقط بموته، بل ثابت بعد موته، كما كان ثابتاً فى حياته، وليس تحكيمه مختصاً
بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد( )0

4- ويقول رب العزة : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا( ) ودلالة الآية على حجية السنة من عدة وجوه :
أولاً : النداء بوصف الإيمان فى مستهل الآية : “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ” ومعنى ذلك أن المؤمنين لا يستحقون أن ينادوا بصفة الإيمان إلا إذا نفذوا
ما بعد النداء وهو طاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله ، وأولى الأمر( )0
ثانياً : تكرار الفعل “أَطِيعُوا ” مع الله ، ومع رسوله ، وتكرار ذلك فى آيات كثيرة وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ( ) وقوله تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( )0
يقول الإمام الشاطبى : “تكراره الفعل “وَأَطِيعُوا” يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما فى الكتاب، ومما ليس فيه مما هو من
سنته”( )0

وقال العلامة الألوسى : “… وأعاد الفعل : “وَأَطِيعُوا” وإن كان طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله ، اعتناءً بشأنه  وقطعاً لتوهم
أنه لا يجب امتثال ما ليس فى القرآن، وإيذاناً بأن له  استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد فى قوله : “وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” إيذاناً
بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول ( )، بل طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ورسوله، فإن هم أطاعوا الله ورسوله فلهم علينا حق
السمع والطاعة وإلا فلا، لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق( )0

ومما هو جدير بالذكر هنا أن فرض الله  طاعة رسوله ليست له وحده بل هى حق الأنبياء جميعاً قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ( )0 فرب العزة جل جلاله يقرر هنا قاعدة:”أن كل رسول جاء من عنده جل جلاله يجب أن يطاع”

ولماذا لا يطاع هذا الرسول الذى جاء بالمنهج الحق الذى يصلح الخلل فى تلك البيئة التى أرسل إليها؟ إن عدم الطاعة حينئذ –
هو نوع من العناد والجحود والتكبر0 كما أن فى عدم الطاعة اتهاماً للرسالة بالقصور، واتهاماً للرسول فى عصمته من الكذب فى كل ما يبلغ
به عن ربه  من كتاب أخبرنا عنه بقوله “هذا كتاب الله”، ومن سنة مطهرة أخبرنا عنها بقوله : “أوتيت القرآن ومثله معه”( ) وقوله : “وإن
ما حرم رسول الله كما حرم الله”( )0

3- ثالث الوجوه دلالةً على حجية السنة من آية النساء قوله تعالى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ فالرد إلى الله  هو
الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول  هو الرد إليه نفسه فى حياته، وإلى سنته بعد وفاته( )0 وعلى هذا المعنى إجماع الناس كما قال ابن قيم
الجوزية( )0
وتعليق الرد إلى الكتاب والسنة على الإيمان كما فى قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعنى أن الذين يردون
التـنازع فى مسائل دينهم وحياتهم، دقها وجلها، جليها وخفيها – إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله ، هم فقط المؤمنون حقاً كما وصفتهم
بذلك الآية الكريمة، أما غيرهم فلا ينطبق هذا الوصف عليهم0

ثم يحدثنا الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة، عن أناس يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله0 ومقتضى هذا الإيمان أن يحكموا كتاب
الله وسنة رسوله  فى كل شئون حياتهم – ولكنهم – لا يفعلون ذلك وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفرو به
قال تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا( )0 ففى نهاية الأمر حكم الله تعالى على
من يعرض عن حكم الله تعالى ورسوله ويتحاكم إلى الطواغيت بأنهم منافقون( )، وصدق رب العزة : وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(47)وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ(48)وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ
الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ(49)أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ(50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ
الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(51)وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( )0

ويتأكد هذا المعنى جلياً فى قول الله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ( ) “فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار يعد قضائه جل جلاله وقضاء ورسوله ،
ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالاً مبيناً”( )0

ونختم المطاف مع الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول  طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، بقوله تعالى : وَمَا ءَاتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا( ) وهناك آيات كثيرة لم نتعرض لذكرها خشية الإطالة0 فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التى تحذر من
معصية الرسول  وتنهى عن مخالفته نجدها كثيرة ونشير أيضاً إلى بعضها قال تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا
خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ( ) وقال تعالى : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا(41)يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا
الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ( )0
وفى سورة التوبة قال تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ( ) وفى
سورة النور قال تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( )0
أين أمر رسول الله  فى القرآن، لمن زعموا أن آيات طاعة الرسول فى القرآن مراد بها طاعته فى القرآن فقط؟0

وفى سورة الأحزاب : إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا(64)خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(65)يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا( )0

وفى سورة محمد قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ
شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ( )0

وفى سورة المجادلة قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ
وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ( )0 وفى سورة المجادلة أيضاً قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ( ) إن الآيات السابقة
تصرح بأن مخالفة منهج الله ورسوله، يدخل النار، ويورث الذل، والخزى، والفتنة، والكبت، ويحبط العمل0 فليختر المسلم لنفسه ما يشاء( )
أ0هـ0
المطلـب الثالـث
من أدلة حجية السنة، السنة النبوية نفسها

الأحاديث الدالة على حجية السنة كثيرة منها قوله  : “ألا إنى أُوتيتُ القُرآن ومِثْلَهُ مَعَهُ ألا يُوشكُ رجُلُ شبعان على أريكته يقول :
عليكم بهذا القرآن، فما وَجَدْتُمْ فيه من حَلاَلٍ فأحلُّوهُ، وما وجدتم فيه من حرام فَحرِّمُوهُ، ألا لا يَحلُّ لكم الحمار الأَهْلِى، ولا كُلُّ ذى ناب من
السِّبَاع، ولا لُقَطَةُ مُعَاهِد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها”0

وهذا الحديث صحيح ثابت لا مطعن فيه، لا من جهة النقل والرواية، ولا من جهة العقل والدراية( )0
أما النقل والرواية فالحديث صحيح رواه الأئمة أبو داود، والترمذى، وابن ماجة، والدارمى فى سننهم( )0

وأما العقل والدراية : فإن بناء الفعل للمجهول “أوتيت” يدل على أن الله تعالى أعطى لرسوله  القرآن ومثله معه0 فما هو
المماثل للقرآن الذى تلقاه الرسول  عن ربه؟ لا يمكن أن يكون هذا المماثل شيئاً غير السنة الشريفة؛ لأن الرسول  جاءنا بهذين الأصلين
معاً القرآن والسنة – ولم يأتنا بشئ غيرهما – علماً بأن الحديث القدسى مندرج فى السنة الشريفة( )0 وقد دل على هذا الفهم القرآن الكريم،
مما سبق ذكره من الآيات الكريمات الدالة على حجية السنة0ودل على ذلك الفهم أيضاً الأحاديث المتكاثرة التى تؤيد هذا المعنى0

نقول هذا رداً على المرجفين فى دين الله  العاملين على هدم كيان السنة المطهرة، الطاعنين فى صحة الحديث، وفى معناه( )0
أما الأحاديث التى تؤيد المعنى السابق، وتؤكد حجية السنة المطهرة، قوله  : “نضر الله امرءاً منا شيئاً، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من
سامع( )0 ووجه دلالة الحديث على حجية السنة كما يراها كبار العلماء : “أن رسول الله  ندب إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها … فدل
على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه، إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدى عنه حلال يؤتى، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ
ويعطى، ونصيحة فى دين ودنيا”( )0

وقال الإمام البيهقى : “لولا ثبوت الحجة بالسنة لما قال  فى خطبته، بعد تعليم من شهده أمر دينهم : “ألا فليبلغ الشاهد منكم
الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع”( )0

وعن أبى هريرة  قال:قال رسول الله :”ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم”( ) وهذا يؤكد قوله تعالى فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ( ) وقال  : “كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا ومن يأبى يا رسول الله؟ قال : “من أطاعنى؛ دخل الجنة، ومن
عصانى؛ فقد أبى”( )0

وهذا يؤكد ما سبق ذكره من الآيات الدالة على أن طاعة رسول الله  طاعة مستقلة0 والأحاديث غير ذلك كثيرة( )، مرت
الإشارة إلى بعضها0 كحديث “عليكم بسنتى”( ) وغيره( ) أ0هـ0 والله تعالى أعلى وأعلم0
المطلـب الرابـع
من أدلة حجية السنة النبويـة الشريفـة الإجماع

أجمعت أمة الإسلام من الصحابة – رضى الله عنهم أجمعين -، والتابعين، والأئمة المجتهدين، وسائر علماء المسلمين من
بعدهم إلى يومنا الحاضر، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ على حجية السنة النبوية، ووجوب التمسك بها، والعض عليها بالنواجذ،
والتحاكم إليها، وضرورة تطبيقها، والسير على هديها فى كل جوانب حياة المسلمين، ولم يمار فى هذه الحقيقة الساطعة إلا نفر ممن لا يعتد
بخروجهم على إجماع الأمة من الخوارج، والروافض، ومن أحيا مذاهبهم من دعاة الإلحاد فى عصرنا0 قال الإمام الشوكانى – رحمه الله – :
“إن ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف فى ذلك إلا من لاحظَّ له فى دين الإسلام”( )0

فالكتب الإسلامية المعتمدة كلها، تزخر بشتى الأدلة التى تشهد، بأن علماء الأمة الأجلاَّء متفقون اتفاقاً يقينياً منذ عصر الرسول 
حتى يومنا هذا، على وجوب الاحتكام إلى السنة المطهرة، إن تعذَّر العثورُ على الدليل فى القرآن الكريم، وعدم تجاوزها أبداً إلى غيرها من
الأدلة الأخرى التى أشار إليها القرآن إن وجد الدليل فيها، بل كان الواحد منهم يرجع عن اجتهاده فوراً وبدون أدنى تردد، حينما يجد حديثاً
صحيحاً عن رسول الله  يخالف ما أفتى به( )0 وقد دللنا فيما سبق على ذلك، ولا داعى لإعادة الأدلة وهنا أو سرد أكثر مما ذكرنا فى هذا
المقام سابقاً( )0

وعلى ذلك أيضاً تشهد كتب علم الكلام، وعلم الأصول : يقول الدكتور عبد الغنى عبدالخالق – رحمه الله – : “لا نجد فى كتب
الغزالى، والآمدى، وفخر الدين الرازى، والجوينى، وأبى الحسين المعتزلى، والسرخسى، وجميع من اتبع طرقهم فى التأليف، : من الأصوليين
تصريحاً ولا تلويحاً : بأن فى هذه المسألة خلافاً0 وهم الذين استقصوا كتب السابقين ومذاهبهم، وتتبعوا الاختلافات حتى الشاذة منهم، واعتنوا
بالرد عليها أشد الاعتناء0 بل نجدهم – فى هذه المسألة – لا يهتمون بإقامة دليل عليها، وكأنهم قصدوا بعدم التصريح بإقامة دليل عليها :
إكبارها وإجلالها، وإعظام شأنها عن أن ينازع فيها منازع، أو يتوقف فيها متوقف( )0

فصاحب المُسلم وشارحه يقولان : “إن حجية الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، من علم الكلام، لكن تعرض الأصولى لحجية الإجماع،
والقياس؛ لأنهما كثر فيهما الشغب من الحمقى؛ من الخوارج، والروافض : خذلهم الله تعالى0

وأما حجية الكتاب والسنة : فمتفق عليها عند الأمة : ممن يدعى التدين كافة فلا حاجة إلى الذكر( )0
يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق وليت شعرى، كيف يتصور : أن يكون نزاع فى هذه المسألة بين المسلمين، وأن يأتى رجل : فى رأسه
عقل، ويقول : أنا مسلم، ثم ينازع فى حجية السنة بجملتها؟ مع أن ذلك مما يترتب عليه عدم اعترافه بالدين الإسلامى كله من أولة إلى
آخره0 فإن أساس هذا الدين هو الكتاب، ولا يمكن القول بأنه كلام الله مع إنكار حجية السنة جملة، فإن كونه كلام الله، لم يثبت إلا بقول
الرسول الذى ثبت صدقه بالمعجزة : “إن (هذا كلام الله وكتابه)” وقول الرسول (هذا من السنة) التى يزعم : أنها ليست بحجة0 فهل هذا إلا إلحاد
وزندقة، وإنكار للضرورى من الدين : يقصد به تقويض الدين من أساسه؟

وهل إنكار حجية شئ من أقواله، أو أفعاله، أو تقريراته  بعد الاعتراف بعصمته التى ذكرناها : إلا القول : بوجود الليل، مع
الاعتراف بطلوع الشمس( )؟!

أعداء الإسلام وطعنهم فى حجيـة الإجمـاع
الدال على حجية السنة والرد عليهم

ومما هو جدير بالذكر هنا، أن ذيول الحمقى من الخوارج، والروافض فى عصرنا الحاضر، أكثروا من الشغب فى حجية الإجماع،
وهم يشككون فى حجية السنة، ويطعنون فى الشريعة الإسلامية( )0

دليـل حجيـة الإجمـاع :
وحجية الإجماع وعدمه، مسألة قتلها علماء الأصول والكلام بحثاً وخلاصة القول كما فى فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت : “أن الإجماع
حجة قطعاً، ويفيد العلم الجازم عند الجميع من أهل القبلة، ولا يعتد بشرذمة من الحمقى الخوارج، والشيعة، والنظام من المعتزلة، لأنهم حادثون
بعد الاتفاق يشككون فى ضروريات الدين؛ مثل السوفسطائية فى الضروريات العقلية”( )0
يقول الآمدى : “وقد احتج أهل الحق فى ذلك بالكتاب والسنة والمعقول”( )0أما من الكتاب فقوله تعالى : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ
لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا( )0
وهذه الآية هى أقوى الأدلة وبها تمسك الإمام الشافعى –رحمه الله- ووجه الاحتجاج بها، جمع الله تعالى بين مشاقة الرسول،
واتباع غير سبيل المؤمنين فى الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحاً لما جمع بينه وبين المحرم من مشاقة الرسول ، فى التوعد
كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح؛ فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة، ومتابعة غير سبيل المؤمنين :
عبارة عن متابعة قول أو فتوى غير قولهم، وفتواهم0 وإذا كانت تلك محظورة، وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة( )0

ومن السنة قوله  : “إن الله لا يجمع أمتى أو قال أمة محمد  على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار”( )
وقال  : “…عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة؛ فليلزم الجماعة، من
سرته حسنته وساءته سيئته؛ فذلك المؤمن”( )0

أما دليل العقل : فيقول إمام الحرمين الجوينى : “والدليل على كونه حجة أنا وجدنا العصور الماضية، والأمم المنقرضة متفقة على
تبكيت من يخالف إجماع العلماء، علماء الدهر، فلم يزالوا ينسبون المخالف إلى المروق، والمحادة، والعقوق، ولا يعدون ذلك أمر هيناً بل يرون
الاجتراء على مخالفة العلماء ضلالاً مبيناً( )، ويستحيل أن يكون ذلك إلا لدلالة أو أمارة وإلا استحال اتفاقهم على المنع من مخالفته( )0 أ0
هـ0 والله أعلم0

المطلـب الخامـس
من أدلة حجية السنة المطهرة العقـل والنظر

لقد دلّ الاستقراء على أن الكتاب العزيز فرض على الناس فرائضَ مجملة تحتاج إلى تفسير، وشرح وبيان، كأداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام
بمناسك الحج0 لذلك، فقد ذهب العلماء، والمحققون (دون اعتبار لقول من شذ من المرجفين فى دين الله تعالى، العاملين على هدم كيان السنة
النبوية)( ) إلى أنه يتحتم شرعاً وعقلاً الرجوع إلى السنة لتفصيل مجمله وبيان كيفية أدائه لوضع الصور التطبيقية لتوجيهاته0

ومما يستعان به فى تأييد ذلك :
1- ما روى أن رجلاً قال لعمران بن حصين  : لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له عمران: “إنك امرؤ أحمق : أتجد فى كتاب الله الظهر أربعاً لا
تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة، ونحو هذا، ثم قال : “أتجد هذا فى كتاب الله مفسَّراً؟ إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنَّة تفسِّر
ذلك( )0
2- وروى أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير( ) : لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف : “والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد
من هو أعلم بالقرآن منا”0
3- وفى هذا المعنى قال الأوزاعى : “الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب”0 قال ابن عبد البر : “يريد أنها تقضى عليه – أى تفصل
فيه – وتبين المراد منه”( )0
4- وقال يحيى بن أبى كثير : “السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضياً على السنة”( )0
ويوضح الإمام الشاطبى ما يقصد العلماء بقولهم إن السنة قاضية على الكتاب فيقول : “الجواب أن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى
تقدمها عليه، واطراح الكتاب، بل إن ذلك المعبر فى السنة هو المراد فى الكتاب، فكأن السنة بمنزلة التفسير، والشرح لمعانى أحكام الكتاب( )0

وهذا ما صرح به الإمام أحمد-رحمه الله-وتحاشا أدباً لفظ(قاضية على الكتاب) عندما سئل عن الأثر السابق فقال:”ما أجسر على هذا أن
أقوله،ولكن السنة تفسر الكتاب وتبيِّنهُ”( )0

ماذا لـو اكتفينـا بالإستناد إلى القـرآن وحـده،
ولـم نعبـأ بالسنـة المطهرة

ثم لو سلمنا جدلاً أنه يكفى الاستناد إلى القرآن وحده، ولم نعبأ بالسنة أبداً، وتركنا القرآن يخطئ فيه المخطئون، ويتعمد فيه الكذب
الكاذبون، ويتلاعب فيه الملحدون الذين طمس الله على قلوبهم وأعمى بصيرتهم، ويخوض فيه المنافقون بما يمليه عليهم رؤساؤهم
وشياطينهم، ويعبث فيه أهل الأهواء والبدع والضلال، بما تسوله لهم نفوسهم0

هل يزول الخلاف بين الناس أم يزيد؟ مما لا ريب فيه أنه يزيد( ) لأن هؤلاء الذين يزعمون أنهم قادرون على استنباط كل شئ من القرآن
الشريف بدون رجوع إلى بيان صاحب الرسالة 0 نراهم يكثرون من المسائل العجيبة التى استنبطوها بزعمهم من القرآن، ومن الغرائب أن
كثيراً من الأحكام التى يردونها لثبوتها بالسنة نجد أصلها موجوداً فىالقرآن الكريم عند

إمعان النظر، وأغرب من ذلك تناقضهم واختلافهم فى ما يستنبطون من القرآن، فكل واحد منهم مستقل بنفسه مخالف للآخر( )0 بحيث تراهم
فى سذاجتهم وتدليسهم يعبثون بعقول الناس غاية العبث، يدخلون على الشريعة أموراً ليست منها، ويخرجون منها أموراً هى من أساساتها0
ودونك الأمثلة :

نماذج من المسائل العجيبة التى استنبطها أعداء السنة من القرآن الكريم بدون
رجوعهم إلى بيان النبى ، واستعراض بدائهم عن السنة المطهرة

الذين يقولون : إن القرآن قد احتوى على كل شئ وفصله تفصيلاً، ولا داعى للسنة، لو أنك واجهتهم بالصلاة، وكيفية أدائها،
لرأيت بعضهم يقول : “إن القرآن يفرض على المسلم أن يصلى فى كل وقت من أوقات الصلاة أكثر من ركعة، ولم يحدد له عدداً مخصوصاً
وتركه يتصرف كما يشاء” وبعبارة أخرى : إن الإنسان يجب عليه أن يصلى ركعتين على الأقل، وله أن يزيد على ذلك ما شاء أن يزيد بحيث لا
يخرج عن الاعتدال والقصد … وبعد ذلك فللمسلم الاختيار فيما يفعل على حسب ما يجده من نفسه ومن قوته، أما الصلاة المعروفة اليوم
بمواقيتها وهيئاتها، فما كان يعرفها الرسول نفسه ولا أصحابه، وهى غير واجبة على الأمة الإسلامية فى جميع الأزمنة والأمكنة، أو فهى لا
تدل على وجوب ما فوق الركعتين”( )0

وفى موضع آخر يقول : “وإذا فليس عندنا دليل قطعى على وجوب هذه الأعداد – من الصلوات والركعات – والله لا يتعبدنا بالظن،
وحيث أن هذا الأمر لم يصل إلينا بالتواتر القولى دل ذلك على أن الله لا يريد منا المحافظة على هذه الأعداد والاستماتة عليها وهو المطلوب”(
)0
فإذا كان الدكتور توفيق صدقى لا يؤمن بالصلاة المعروفة اليوم؛ لأنها متواترة عملاً لا قولاً فى نظره، نجد آخر على مذهبه يؤمن
بالصلاة المعروفة اليوم بمواقيتها وعددها وهيئتها … إلخ ويكفيه نقلها بالتواتر العملى( )0 وهو ما لم يكف توفيق صدقى!
وقائل آخر يذهب إلى أن كيفية أداء الصلاة لم تأت مفصلة فى الشريعة الإسلامية فى كتاب الله ،وإنما جاءت مفصلة فى شريعة أخرى، وهى
شريعة سيدنا إبراهيم-عليه السلام-، فإذا سألت وكيف نقلت إلينا شريعة إبراهيم وأين هى ؟! ومن أولئك الذين نقلوها؟ قالوا لك : لقد نقلت
إلينا جيلاً بعد جيل، وتوارثها الذين نقولها أبو جهل، وأبو لهب، وغيرهم من مشركى قريش، كانوا يؤدون الصلوات الخمس مثلنا تماماً ويحجون
مثلنا( )0

وإذا كان توفيق صدقى يذهب إلى أن عدد الركعات فى كل صلاة لا يقل عن ركعتين، وإنما يزيد وأجاز تلك الزيادة على حسب ما يجده الإنسان
من وقته0 نرى آخر يرفض كل ما سبق، ويلزم بأن الصلوات كلها واحدة ركعتين ركعتين( )0

وإذا تأملنا فى الصلوات المفروضة عندهم لرأينا ما يضحك ويبكىمن التناقض البين فيما يستنبطون بفهمهم السقيم من كتاب الله  فالصلوات
المفروضة عند بعضهم أربع، وعند آخر ست0

أما من قال هى أربع : فقال : هى طرفى النهار أى فى (أولة) وهى صلاة الصبح، وآخر النهار، وهى صلاة المغرب، وطرفى
الليل أى فى أوله، وهى صلاة الفجر، وفى آخره وهى صلاة العشاء0

أما صلاة الظهر فهى عنده من الفروض التى لا ذكر لها فى القرآن، وهى من الفروض التى زادها أعداء الإسلام( )، هكذا يهزي
محمد نجيب فى كتابه (الصلاة) ( )0

أما من يقول بأنها ست فيزيد على الصلوات الأربع السابقة صلاتى الظهر والليل، أما الظهر؛فهى تبدأ عنده من ساعة توسط
الشمس (كبد) السماء،وإلى أن يصير ظل كل شئ مثله!
أما صلاة الليل فهى عنده اثنتين صلاة الليل الأولى، وتبدأ من دلوك الشمس إلى (الغسق) باستمرار غير منقطع، والثانية وهى من
غياب الشفق إلى منتصف الليل، هذا فضلاً عن صلاة قيام الليل وهى مندوبة عنده( )0

أما أحمد صبحى منصور فيذهب إلى : “أن فرائض الصلاة وركعاتها معروفة للعرب مثل معرفتهم لأيام الأسبوع، فإن القرآن يذكر
بعض الفرائض مثل الفجر، والظهر، والعشاء فى سياق حديثه عن تشريع آخر قال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ( )0

فتأمل هنا كيف يقر أحمد صبحى، وكذا من سبقه مصطفى المهدوى، بأن الظهر من فرائض الصلاة، وهى عندهم لها دليل من
القرآن الكريم، وهو ما ينكره محمد نجيب ويصف، من يقول بذلك بأنه من أعداء الإسلام؟

وعن قبلة المسلمين الأولى، والتى لا ذكر لها فى القرآن الكريم تراهم يتناقضون فى تحديدها حسب استنباط كل منهم من القرآن
الكريم0

فيذهب محمد نجيب إلى : أن القبلة الأولى هى بيت الرسول ، لا بيت المقدس، ويعلل ذلك بأنه : “قد ورد فى القرآن الكريم أن الله
 أمر سيدنا موسى وسيدنا هارون باتخاذ بيوتهما قبلة لهما وللمؤمنين عندما يصلون متجهين إليها قال تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ
تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( ) فكان لابد للرسول وللمسلمين معه أن يقتدوا بسيدنا موسى،
ويتخذوا من بيت النبى الذى اختاره ليكون قبلة كما اتخذ موسى بيته قبلة( )، ويذهب إلى أن تلك القبلة لم تنسخ فيقول : “والأمر بالقبلة الأولى
ليس أمراً قد انتهى أمره فلا لزوم له فى القرآن إذ أنه أمر موجود ليتبعه المسلمون إذا اقتضى الأمر ذلك( ) أ0هـ0

هذا فى حين نرى مصطفى المهدوى يذهب إلى أن القبلة الأولى منسوخة، ويصرح بأن تلك القبلة الأولى لا علم له بها فيقول : ”
وكان الله –تبارك وتعالى- قد شاء أن يستقبل رسوله فى صلاته قبلة أخرى، الله أعلم بها حيث جعلها من سنة نبيه ثم نسخها بقرآن”( )0

أما أحمد صبحى؛ فيقر بتوجه النبى ، ومن آمن معه نحو بيت المقدس فيقول : “فالعرب مسلمون ومشركون كانوا يتوجهون فى
الصلاة إلى الكعبة، وامتحنهم الله بأن أمرهم بالتوجه نحو القدس، وأطاع النبى والمؤمنون معه، وصبروا على أقاويل السفهاء، وبعد أن نجح
النبى، والمؤمنون فى الاختبار نزل الوحى يجيب برجاء رسول الله بالعودة إلى التوجه للبيت الحرام( ) أ0هـ0
ولم يبين لنا أحمد صبحى من أين دليله فى توجه النبى  ومن آمن معه نحو بيت المقدس؟!!
ثم إن إقراره بذلك يتناقض مع عدم إيمانه بالنسخ فى الشريعة الإسلامية بمعنى الحذف والإلغاء( )0 حيث نسخ القرآن الكريم ما ورد فى السنة
المطهرة من التوجه فى الصلاة أول الأمر إلى بيت المقدس0

ومن طرائف أحمد صبحى منصور؛ أنه عندما زعم أن فرائض الصلاة وركعاتها كانت معروفة للعرب وعلينا اتباعها ذهب إلى أن
: “تشريع الوضوء والطهارة والغسل والتيمم لم يكن معروفاً من قبل (أى فى الجاهلية) وجاء بيانه فى آيتين فى المدينة : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ
مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا( ) فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا( ) وهذا يعنى أن أهل
الجاهلية وهم يعرفون الصلاة بركعاتها وهيئتها … إلخ كانوا يصلون من غير طهارة؟!!

ولأن الدليل الإسلامى على تشريع الوضوء والطهارة … إلخ مدنى كما فى آية النساء، وكذا آية المائدة( )0 فالمسلمون أيضاً
طوال الفترة المكية كانوا يصلون من غير طهارة؟!!
ونقول لهؤلاء جميعاً ما زعمتموه عبثاً من أن الصلوات المفروضة على المسلمين فى اليوم والليلة، إنما هى مرتان أو أربع أو ست، وأن
طريقة الصلاة كذا وكذا لا كما يصليها المسلمون0
فالواجب عليكم أن تثبتوا لنا أن النبى ، وأصحابه، ما كانوا يصلون فى اليوم والليلة إلا مرتين، أو ست، وأنهم ما كانوا يصلون إلا بالطريقة
التى تزعمونها، وأنه بعد تدوين كتب الحديث صار المسلمون يصلون خمس مرات، وزادوا فيه كذا وكذا من الأركان تبعاً للمحدثين، والفقهاء،
فإن لم تستطيعوا إثبات ذلك – ولن تستطيعوه إلى يوم القيامة – يكون مآل دعواكم أن النبى  اخطأ فى فهم الوحى الذى أنزل عليه (حاشاه من
ذلك) وأنتم (أيها الأعاجم الجهلة) وفقتم لإصلاح ذلك الخطأ وبيان الصواب0

فهل يمكن لمسلم، بل لعاقل أن يتفوه بهذا الكلام الجنونى؟ أعاذنا الله من ذلك( )0 وعن بقية أركان الإسلام من شهادة أن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومن صيام، وزكاة، وحج، حدث ولا حرج عن شذوذ ما يستنبطون بما تمليه عليهم نفوسهم المريضة0

فشهادة أن محمداً رسول الله، والتى هى جزء لا يتجزأ من شهادة أن لا إله إلا الله، هذه الشهادة تكرارها بجانب شهادة أن لا إله
إلا الله؛ يعد شركاً أكبر( )0

ويقول المتنبئ الكذاب رشاد خليفة عن صيغة التشهد، وما فيها من حمد وتمجيد، لرسول الله ، وآله : “لقد أمرنا الله ألا نذكر أى
اسم فى الصلاة سوى اسمه : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا( ) إلا أن جماهير المسلمين اليوم ابتدعوا بدعة، حمد محمد، وإبراهيم
وتمجيدها وهم يصلون لربهم … لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة “التشهد”، حيث يمطرون محمداً وإبراهيم بالحمد والتمجيد0 أليس
هذا شركاً صارخاً ‎؟( )

ويعلل محمد نجيب بأن حمد وتمجيد نبيين (محمد وإبراهيم) –عليهما الصلاة والسلام- دون غيرهما فيه تفريق بين رسل الله( )
وبذلك حدثنى مصطفى منصور أحد أتباع أحمد صبحى عن أحمد صبحى أنه قال : “لا يجب تكرار شهادة أن محمداً رسول الله فى الآذان حتى لا
يكون هناك تفرقة بين رسل الله ، ولأننا لو قلنا بهذه الشهادة لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله، وعيسى
رسول الله … وهكذا وهو أمر يطول0

وتناسى هؤلاء أن الإيمان بمحمد  وإعلان تلك الشهادة هو إيمان بكل الأنبياء، لأنه  خاتمهم، قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا
ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ
فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ( )0

وما قيل فى الصلاة من تناقض، يقال مثله فى بقية أركان الإسلام من صيام، وزكاة، وحج، فتلك العبادات جاءت مفصلة فى
شريعة سيدنا إبراهيم – عليه السلام – يقول المتنبئ الكذاب رشاد خليفة : “جميع العبادات بتفاصيلها (عدد الصلوات وعدد الركعات، ومقدار
الزكاة، وكيفية الصيام، وكيفية الحج) نزلت على إبراهيم-عليه السلام-أما محمد-عليه السلام-فكانت مهمته الوحيدة هى تبليغ القرآن (ما على
الرسول إلا البلاغ): وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ
بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ( )0 وهكذا نتعلم من القرآن أن الصلاة بتفاصيلها، والزكاة بتفاصيلها، والصيام
بتفاصيله، والحج بتفاصيله؛ قد تم تعليمهم لإبراهيم –عليه السلام-، ثم تواترت إلينا جيلاً بعد جيل”( ) أ0هـ0

وهذه الشعائر الإسلامية عدم ذكر تفاصيلها فى القرآن الكريم فى نظر بعض أعداء السنة؛ لأنها متروكة لأولى الأمر لاختيار
المناسب منها كل حسب الزمان والمكان0
يقول توفيق صدقى : “إن ربع العشر فى الزكاة إذا قام بإصلاح حال الفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، والغارمين، وبالنفقة منه على العاملين
على الزكاة، والمؤلفة قلوبهم، وفى سبيل الله، وفى تحرير الرقاب، إذا قام بكل هذه الشئون فى زمن أو بلد فليس ضرورياً أن يكون كافياً كذلك
فى زمن آخر، أو فى بلدة أخرى0 ومن ذلك تعلم حكمة الله فى عدم تعيين شئ من ذلك فى كتابه تعالى، فما بينته السنة للعرب فى ذلك لا
يصلح لجميع الأمم فى الأوقات المختلفة”( )0 وممن قال بذلك محمود محمد طه( )، وتابعه عبد الله أحمد النعيم( )، وجمال البنا الذى يصرح بأن
الحكمة فى عدم ذكر القرآن الكريم تفاصيل الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والشورى … إلخ؛ أن بيان الرسول  ليس تشريعاً دائماً ولازماً؛
فتركنا الإسلام لما يستجد فى كل زمان ومكان0 ولو فصل القرآن لأوقع الحرج على الأجيال الآتية، ولا مانع من تأبد السنة إذا كانت فى أخلاق
النبى  وسياسته، وصدقه، وكرمه أو موقفه كقائد ورجل دولة0 ولكن عندما يكون الأمر أمر “الأحكام” فلا تأبد للسنة، فهذا ما يتفاعل مع
الزمان والمكان ويتأثر بالأوضاع( )0

ويقول محمد شحرور : “علينا اعتبار كل الأحاديث المتعلقة بالحلال والحرام والحدود التى لم يرد نص فيها فى الكتاب على أنها
أحاديث مرحلية قيلت حسب الظروف السائدة”( ) وينكر مصطفى المهدوى الحدود فى الإسلام زاعماً أنها ما هى إلا الأحكام الشرعية مثل أحكام
الصيام، وأحكام الطلاق، وأحكام المواريث( )0 وعند ذكره لقوله تعالى : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ( )0

قال : “إن الله يرخص لأولى الأمر اختيار الجزاء المناسب دون تحديد؛ كالحبس، والغرامة، والتوبيخ، والحرمان من بعض الحقوق
المدنية والسياسية”( ) أ0هـ0

ويتجرأ الدكتور أحمد زكى أبو شادى من مصر : على جواز تبدل الأحكام وفق الظروف والأسباب ليس فى السنة النبوية فقط، بل
فى القرآن الكريم أيضاً فيقول : “القرآن الكريم، والأحاديث النبوية مبادئ خلقية وسلوكية مسببة، بحيث أن أحكامها عرضة للتبدل بتبدل الأحوال
والأسباب، ففيه شواهد هادئة على ضوئها وأسبابها وظروفها، لا أحكام متزمتة لا تقبل التعديل وفقاً لتبدل الأسباب والظروف”( )0

ولا يقف الأمر عند هؤلاء النابتة الضالة عند هذا الحد، وإنما نجدهم ينكرون من الأمور المتواترة والبديهية ما لا ينكره إلا جاهل
مغرور حيث تجد بعضهم ينكر زواج سيدنا إبراهيم -عليه السلام- بهاجر، ويزعم أن إسماعيل -عليه السلام- ليس ابن إبراهيم يقول مصطفى
المهدوى : “إننا لا نعرف لإبراهيم -عليه السلام- إلا زوجاً واحدة، هى التى بشرها الله بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، أما إسماعيل –
عليه السلام- فلم يقل أحد أنه ابن إبراهيم من زوج أخرى إلا اليهود فى أسفارهم، ومن شايعهم فى ذلك من المسلمين فيما جاؤوا به من
الأساطير”( )، ثم يذهب المهدوى إلى أن هبة إسماعيل لإبراهيم فى قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ
رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ( ) هذه الهبة هبة عون وتوفيق، كما قال  فى حق سيدنا موسى -عليه السلام – : وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ
نَبِيًّا( ) ولكن ماذا هو قائل فى قوله تعالى : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ( ) هل الهبة هنا
هبة عون وتوفيق؟

ويؤكد المهدوى ما يهذى به قائلاً : “وليس فى القرآن بينةٌ ظاهرة على أن إسماعيل كان ابناً لإبراهيم، ولا نعلم له زوجاً غير
التى جاءتها البشرى ولا نعلم أن له ابناً غير إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب”( ) وهكذا أعمى الله بصيرته عن البينة الظاهرة فى كتابه بأن
إسماعيل كان ابناً لإبراهيم من زوجته هاجر فى قوله تعالى : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ( ) وقوله تعالى
: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ(100)فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ(101)فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى( )
فالذبيح فى الآية الكريمة : إنما هو ابنه إسماعيل –عليه السلام – باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، وما حملهم على تحريف الذبيح بأنه إسحاق
إلا لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز والذين منهم رسول الله  فحسدوهم0 على أمر الله فى إسماعيل – عليه السلام –
والفضل الذى ذكره الله منه لصبره لما أمر به فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه، وهم قوم بهت، ولم يقروا بأن
الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء0

ومن أحسن ما استدل به محمد بن كعب القرظى( )، على أن الذبيح إسماعيل، وليس إسحاق من قوله تعالى : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ
إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ( )0 قال فكيف تقع البشارة بإسحاق، وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟” ( ) أ0هـ0

ومن العجيب أن المهدوى ذكر قصة ابتلاء سيدنا إبراهيم – عليه السلام – بابنه الذبيح ولم يصرح لنا بمن هو الذبيح؟!! ( ) فإن
قال هو إسحاق فهذا مما جاء فى أسفار اليهود التى ينكرها وينكر ما جاء فيها أيضاً من زواج سيدنا إبراهيم – عليه السلام – بهاجر وأن له
منها ابنه إسماعيل عليه السلام!! وإن قال الذبيح هو إسماعيل وهو الحق فذلك من السنة المطهرة التى يجحدها، والتى تصرح، بأن إسماعيل
بن إبراهيم – عليهما السلام – من زوجته هاجر!! فياترى من يكون الذبيح عنده؟!!
ويذهب مصطفى المهدوى إلى إنكار زواج النبى  بأكثر من أربع فيقول : “ولا نعلم عدد أزواجه ، ولكننا نعلم بيقين : أنه لم
يكن ليجمع بين أكثر من أربع زوجات فى وقت واحد”( )!!

ويفرق بين الاحتلام، والجنابة فى وجوب الغسل فيقول : “إنه ليس من المنطق فى شئ أن نقيس الاحتلام بالجنابة، كما يقول
البعض، فيفرض الاغتسال من الاحتلام كما فرض الاغتسال من الجناية”( ) أ0هـ0

وليس هذا فقط، بل نجد من شواذ استنباط أعداء السنة من القرآن الكريم تصريح بعضهم بأن لحم الكلب والحمار حلال؛ لاقتصار
المحرمات فى القرآن الكريم على قوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ
خِنْزِيرٍ( )0

بل ويحللون الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فى وقت واحد :
يقول جمال البنا : “هناك أحاديث جاءت بما لم يأت به القرآن، نحن نحكم عليها فى ضوء القرآن فما لا يخالف القرآن يقبل، وما يخالفه يستبعد،
فتحريم زواج المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم لحم الحمر الأهلية أمور لا نرى مانعاً فيها، ونجد فيها قياساً سليماً( )0
وهكذا يفترون على الشريعة بما فهموا ويدينون به ويخالفون الراسخين فى العلم وإنما دخلوا فى ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم،
واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط( )0

وليت شعرى إذا كان إهمال السنة يؤدى إلى كل هذا الهراء واللغط فى القرآن الكريم، ألا يكون حفظه وفهمه متوقفاً على حفظها ومستلزماً له؟!
نعم الكتاب أحوج إلى السنة، من السنة إلى الكتاب0

كلمة أخيـرة فى بدائل السنة عنـد أعدائهـا

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى بعد أن تعرض للبديل عن السنة النبوية المطهرة فى نظر أعدائها قال : “والقوم قد أرادوا أن يملأوا هذه
الساحة بواحدة من ثلاث :
1- أرادوا أن يملأوهـــا بالإبراهيميـــة0
2- وأرادوا أن يملأوها بما تعارف عليه الناس0
3- وأرادوا أن يملأوها بإعادة صياغة المنظومة الإسلامية على ما يريدون، فانتهوا بعد هذا العناء كله إلى نتيجة محددة وهى أنهم
قد ملأوا الفراغ بالفراغ، وقبضوا فى أيديهم على الماء والهواء، وشددوا القبضة ظانين أن الهواء لا يتفلت، وأن الماء لا يتسرب، وسوف
يفتحون أيديهم يوماً فيجدونها صفراً، وسوف يقدمون على الله يوماً فلا يجدون إلا تحقيق هذا النص الكريم : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ
بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ
مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ( )0

قال الحافظ ابن عبد البر : “أهل البدع أجمع أضربوا عن السنن وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة، فضلوا وأضلوا، وأخرج بسنده عن ابن
مسعود  قال : “ستجدون أقواماً يدعونكم إلى كتاب الله عز وجل وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع،
وعليكم بالعتيق( ) أ0هـ0

ويقول الأستاذ محمد أسد مؤكداً ما سبق أن ذكرناه أن غياب السنة يزيد الخلاف بين الناس فى فهم تعاليم القرآن الكريم قال : ”
وفى الحقيقة يجب علينا أن نعتبر أن السنة إنما هى التفسير الوحيد لتعاليم القرآن الكريم والوسيلة الوحيدة لاجتناب الخلاف فى تأويل التعاليم
وتطبيقها فى الحياة العملية”( ) أ0هـ0

وفى موضع آخر يقول : “من أجل هذا كله نرانا مضطرين إلى أن نعمل بسنة بنينا  قلباً وقالباً إذا أردنا أن نخلص وجهنا
للإسلام( ) أ0هـ0

يا أهـل الكتاب، ويا أهل الهوى، تعالوا لننظر ماذا يوجد فى الحديـث،
وأى مقدار منه يصلح أن يكون مجالاً للبحث والمناقشة

وأقول للمنكرين لسنة النبى  المتمسحين كذباً بإيمانهم بكتاب الله  تعالوا لننظر ماذا يوجد فى الحديث، وأى مقدار منه يصلح أن
يكون مجالاً للبحث والمناقشة :
1- لا يخفى أن القسم الأعظم من الحديث تاريخى، أعنى أنه يشتمل على أخبار الرسول ، وأصحابه الكرام، ووقائعهم، وبيان جليل أعمالهم،
وهذا القسم غير قابل للبحث والمناقشة عند كل ذى عقل سليم، لأنه عبارة عن جزء من تاريخ العالم، مثل سائر تواريخ الأمم، إلا أنه يمتاز
عنها بصحة المأخذ وضبط الرواية، وتسلسل الأسانيد، ومطابقتها لأصول النقد0 بحيث أن هذا الوصف لا يشاركه فيه تاريخ أمة من الأمم، لا
الرومان، ولا الفرس، ولا اليونان، ولا الهند، ولا مصر … إلخ0
2- والقسم الثانى : أخلاقى تهذيبى، يحتوى على الحكم والآداب والنصائح، مثل مدح الصدق، والعدل، والإحسان، والاتحاد، والتعاون، وسائر
الفضائل والحث عليها وذم الكذب، والظلم، والفسق، والفساد، وسائر الرذائل والصد عنها0 فهذه الأمور تؤيدها الفطرة الإنسانية، وأصولها
موجودة فى القرآن فهل فيها شئ يستحق الرد ؟!!
3- العقائد : أصول العقائد مذكورة فى القرآن( )، مثل التوحيد، والصفات الإلهية، والرسالة، والبعث، وجزاء الأعمال0 ولا يوجد فى الحديث
الصحيح إلا ما يؤيد هذه الأصول ويوضحها ويقررهها، أو يكون من جزئياتها ونظائرها، ولا يوجد فيها ما يكون مخالفاً لعقائد القرآن، أو زائداً
عليها بحيث لا يكون له أصل فى القرآن0 وكل ما يستشكل من الأحاديث الصحيحة فى العقائد تجد مثله فى القرآن، ويجرى فيه ما يجرى فى
القرآن من التفويض أو التأويل، حسب اختلاف مدارك الأفهام والطبائع الإنسانية، فمنها ما يقبل التسليم والتفويض، ومنها ما لا يقنعه إلا التأويل
الموافق لعقله والذى يطمئن به قلبه0 وأما الأحاديث التى فيها مخالفة للقرآن أو العقل السليم فلا تجدها إلا من الموضوعات والواهيات0
ومثلها لا يجوز ذكرها إلا مع بيان وضعها – فضلاً عن التمسك بها0 وهذا بإجماع المسلمين0
4- الأحكام : هذا القسم أكثره ثابت بالأحاديث المستفيضة المشهورة، وهى قد رويت بطرق كثيرة صحيحة، ولكنها لم تبلغ حد التواتر وبعضها
من الآحاد ولكنها صحاح0 وأما الأحاديث الضعيفة فهى عند الجمهور من المحدثين والفقهاء لا تقبل فى الأحكام، والمحققون لا يقبلونها فى
غير الأحكام أيضاً( )0
فأما الاحتجاج بالخبر المستفيض المشهور فلا يتصور وجود عاقل ينكر ثبوت الحكم بمثل هذا الخبر، ولزوم العمل به لمن يبلغه،
وإلا بطل نظام العالم، فهذه قوانين الحكومات إذا نشرت فى عدة جرائد معتبرة، أو فى الجريدة الرسمية للحكومة يلزم العمل بتلك القوانين لكل
أحد من رعايا تلك الحكومة، ولا يسعه الاعتذار بأنها لم تبلغه بالتواتر0

وأما الآحاد الصحاح فكذلك العمل بها جار فى سائر أنحاء العالم، مثلاً إذا أتانا رجل معتبر، وبلغنا أن فلاناً يطلبك، فحالاً نلبى
طلبه، ولا نسأله أن يأتينا بالشهود على صحة قوله، إلا إذا وجدت هناك قرينة مانعة عن قبول خبرة فحينئذ نتثبت قبل الذهاب0

وهكذا الأمر فى الأحاديث الآحادية الصحيحة : تقبل فى الأحكام ويعمل بها ما لم يوجد أمر مانع من قبولها، مثل كونها مخالفة
للقرآن أو السنة المتواترة أو المشهورة، أو كونها متروكة العمل فى زمن الخلفاء الراشدين والصحابة، ففى هذه الحالة يحق لكل عالم أن
يتوقف – وأقول يتوقف ولا يرد ويجحد – العمل بها، وأن يبحث عنها إلى أن يزول الإشكال، ويطمئن إليه الخاطر0 وأما ترك العمل بالآحاد
الصحاح مطلقاً من غير وجود علة مانعة من قبولها فغير معقول، ومخالف لما هو جار فى سائر المعاملات الدنيوية”( ) أ0هـ0

أما زعمكم بأن أحاديث الأحكام من العبادات (صلاة، وصيام، زكاة، وحج) ومن معاملات وحدود … إلخ أحاديث غير صالحة لكل
زمان ومكان، والأمر فيها متروك لأولى الأمر كل يختار ما يناسب زمانه ومكانه، حتى لو اقتضى الأمر تركها بالكلية والأخذ بما يخالفها من
تشريعات وضعية0

فهذا ما لا يقوله مسلم يؤمن بالله رباً، وبمحمد  نبياً ورسولاً، وبالإسلام عقيدة وشريعة صالحة لكل زمان ومكان0

لأن أحاديث الأحكام التى توجد فى الأحاديث الصحيحة هى مأخوذة ومستنبطة من القرآن الكريم، استنبطها النبى  من القرآن
بتأييد إلهى، ووحى ربانى وهذا الاستنباط يسمى فى اصطلاح القرآن تارة “تبيناً” وتارة “إراءة” قال الله تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ

لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( ) وقال جل جلالة : إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ( )0
وأصبح لهذا البيان صفة المبين من حيث وجوب قبوله ووجوب العمل به وصالحيته لكل زمان ومكان، ولا يقول بخلاف هذا مسلم0

ويقول الأستاذ محمد أسد رداً على من يفرقون فى الالتزام بين أوامر الرسول فى العبادات وبين غيرها من الأوامر التى تنظم حياة
المجتمعات : “وإنه لمن الجهل بالإسلام أن يحاول أحدنا أن يفرق بين أوامر للرسول تتعلق بأمور تعبدية روحية خالصة، وبين غيرها من التى
تتصل بقضايا المجتمع وقضايا حياتنا اليومية، وإن القول بأننا مجبرون على اتباع الأوامر المتعلقة بالنوع الأول، ولكننا لسنا مجبرين على أن
نتبع الأوامر المتعلقة بالنوع الثانى، إنما هو نظر سطحى، وهو فوق ذلك مناهض فى روحه للإسلام، مثل الفكرة القائلة بأن بعض أوامر القرآن
الكريم قد قصد بها العرب الذين عاصروا نزول الوحى، لا النخبة من الأكياس (الجنتلمان) الذين يعيشون فى القرن العشرين0 إن هذا بخس شديد
لقدر النور النبوى الذى قام به المصطفى ( ) أ0هـ0

كلمة أخيرة للمنكرين للسنة النبوية، والقاصرين مهمة الرسول 
على بـلاغ القـرآن الكريـم فقـط
ونقول لمن ينكرون هذا البيان النبوى قاصرين مهمة النبى  على بلاغ القرآن الكريم فقط متبجحين فى قولهم : “محمد ممنوع
من التفوه بأى تعاليم دينية سوى القرآن”( )، وقولهم:”أمر محمد بتبليغ القرآن فقط بدون أى تغيير،وألا يختلق أى شئ آخر”( )وقولهم:”إن مهمة
الرسول الوحيدة:هى تبليغ القرآن بدون أى تغيير، أو إضافة، أو اختزال، أو شرح”( )0
نقول لكم والله ما نبغى بالقرآن بدلاً ولكن أخبرونا كيف نفهم القرآن؟ أو بعبارة أعم من هذه : كيف نفهم مراد القائل من كلامه؟

ولا يخفى أن علم أصول الفقه جل مباحثه تدور حول هذه المسألة، أعنى طريقة فهم معنى الكلام والاستنباط منه؛ فمثلاً إذا وردت
فى القرآن الكريم كلمة لها معان متعددة عند العرب، أو كلمة لها معنى حقيقى ومعنى مجازى، فكيف نعين المراد بتلك الكلمة؟ أو إذا ورد لفظ
عام فكيف نعلم أن المقصود منه جميع أفراده أو بعضها، أو إذا ورد حكم مطلق فكيف نعرف هل هو باق على إطلاقه أم قيد منه شئ؟ إلى غير
ذلك من المسائل0

وهناك أمر آخر، وهو أن المعانى المفهومة من الكلام على أنواع : فمنها ما يفهم من ألفاظه صراحة، ومنها ما يفهم منه بطريق
الإشارة والكناية، ومنها ما يفهم من سياق الكلام، فلا يقال لشئ منها أن هذا الكلام لا يشمله0

فكذلك الأمر فى القرآن، أعنى إذا كان الشئ غير مذكور فيه صراحة ولكنه يفهم من سياقه أو إشاراته، فلا يقال إنه ليس فى
القرآن مطلقاً0 وإذا كان النبى  مأموراً بتبين القرآن والحكم بين الناس بما أراه الله  كما سبق فى آيتى النحل، والنساء، ونزلت مثلاً آيات
الصيام، ولم يذكر فيها حكم الأكل والشرب بالنسيان فى الصوم، فجاء رجل إلى النبى  وقال : يا رسول الله أكلت ناسياً فى الصوم0 فأفتاه النبى
 بأن صومه صحيح( ) لأن الخطأ والنسيان معفو عنهما، مستنبطاً من قوله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ( )0

فهل يقال : إن هذا الحديث مخالف للقرآن؛ لأنه ليس فيه أن الصوم لا يفسده الأكل بالنسيان؟ أو يقال : إنه لم يكن للنبى  أن
يستنبط هذا الحكم من الآية الأخرى التى لا تتعلق بالصوم؟!!
وهنا نريد أن نسأل هؤلاء المنكرين لسنة النبى  : إذا كان يجوز لكم أن تستنبطوا من القرآن كل ما تريدون، وتفسروه كما
تفهمون، مع بعدكم عن العصر والمحيط اللذين نزل فيهما القرآن، ومع كونكم أعجاماً من غير أهل اللسان أفما كان يحق هذا لمن نزل عليه
القرآن، وأمر بتبيينه على الوجوب( )، وكان أفصح أهل اللسان، بل أحق الناس بالبيان، والاستنباط من القرآن؟!

تفـاوت الأفهـام :
ثم لا يخفى على أحد أن كل الناس ليسوا سوء فى الاستعداد والفهم وصفاء الذهن، ولهذا السبب يقرأ القرآن الكريم كل أحد ولكنهم
يختلفون فى فهم معانيه، فالعالم يفهم منه ما لا يفهمه الجاهل، وقد سبق بيان نماذج من المسائل الشاذة التى استنبطها الشواذ بعقولهم من
القرآن الكريم، وتناقضوا تناقضاً فاضحاً فيما بينهم0 فإذا كان العالم يفهم ما لا يفهمه الجاهل، والعلماء أيضاً متفاوتون فى الفهم والعلم كما قال
رب العزة : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ( ) فأى فهم أولى بالقبول، وبتوحيد كلمة المسلمين، أفهم رسول الله  أم فهم المنكرين لسنته؟!!

قال تعالى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ( ) وقال تعالى فَاسْأَلُوا أَهْلَ
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ( )0

وقديماً دخل رجل من أهل الكوفة على الإمام أبى حنيفة، والحديث يقرأ عنده، فقال الرجل : دعونا من هذه الأحاديث! فزجره الإمام أشد الزجر،
وقال له : لولا السنة ما فهم أحد من القرآن0 ثم قال للرجل : ما نقول فى لحم القرد؟ وأين دليله من القرآن؟ فأفحم الرجل، فقال للإمام : فما
تقول أنت فيه؟ فقال : ليس هو من بهيمة الأنعام( ) أ0هـ0
علاقة القرآن الكريم بالسنة الشريفة :
تبين فيما سبق أن الله  قد أوكل إلى رسوله  مهمة بيان ما فى القرآن الكريم وذلك فى قوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( ) وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ( )0

ومن هنا نستطيع القول أن علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة هى علاقة البيان، وهذا البيان له أنواع متعددة، يمكن حصرها
فى ثلاثة أقسام رئيسية( ) :
أولاً : أن تأتى السنة مؤكدة لما جاء فى القرآن الكريم ومثبتة له0
ثانياً : أن تأتى السنة مبينة لما فى القرآن الكريم ويأتى هذا البيان على أربعة أنواع :
1- تفصيل المجمل 2- تقييد المطلـق
3- تخصيص العام 4- توضيح المشكل
ثالثاً : أن تستقل السنة بتأسيس الأحكام من غير أن يسبق لها ذكر فى القرآن الكريم :
والأصل فى ذلك ما ورد فى القرآن الكريم من آيات توجب على المؤمنين طاعة الرسول  طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، وتحذر من
مخالفة أمره، وسبق تفصيل ذلك فى مبحث الأدلة القرآنية على حجية السنة( )0

أولاً : تأكيد السنة للقرآن الكريم :
بمعنى أن يأتى ذكر الشئ فى القرآن الكريم، ونفس الشئ أيضاً تذكره السنة المطهرة والعلاقة الجامعة بينهما – حينئذ – هو تأكيد
السنة لما ورد فى القرآن الكريم فمن ذلك مثلاً قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ( ) ونجد نفس
المعنى تقريباً فيما روى عن أبى موسى  قال : قال رسول الله  : “إن الله  يملى للظالم0 فإذا أخذه لم يفلته” ثم قرأ : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا
أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ( ) ومن ذلك أيضاً قوله تعالى فى حق سيدنا إبراهيم -عليه السلام- فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( )
ونجد نفس المعنى فى قول النبى  : “لم يكذب إبراهيم النبى – عليه السلام – قط، إلا ثلاث كذبات0 ثـنتين فى ذات الله قوله : “إِنِّي سَقِيمٌ”0
وقوله تعالى : “بل فعله كبيرهم هذا”0 وواحدة فى شأن سارة … الحديث”( )0

والأمثلة على تأكيد السنة الشريفة للقرآن الكريم كثيرة جداً فيما يتعلق بالعبادات من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، ووسائل
ومقدمات تلك العبادات من الطهارة، وكذا تأكيد السنة للقرآن الكريم فيما يتعلق بالمعاملات من البيع، والربا، والقرض، والرهن، والشركة،
والوكالة … إلخ، وكذا تأكيد السنة للقرآن فيما بتعلق بالجنايات، والحدود فى الإسلام، وكذا التأكيد فيما يتعلق بالأحوال الشخصية من
زواج،وطلاق،وميراث…إلخ وقد استوعب تفصيل ذلك بالأمثلة الأستاذ محمد سعيد منصور فى كتابه (منزلة السنة من الكتاب وأثرها فى الفروع
الفقهية)( ) :

وبالجملة فهذا النوع من البيان النبوى وهو التأكيد، يشمل كل جوانب التشريع القرآنى0

ثانياً : بيان السنة لما جاء فى القرآن الكريم ولهذا البيان أنواع( ) منها :
1- تفصيل المجمل( ) : بمعنى أن يأتى الشئ فى القرآن الكريم مجملاً وموجزاً لا نستطيع

أن نفهم المراد منه إلا بعد تفصيله، فتتولى السنة ذلك التفصيل( )0
من ذلك مثلاً ما ورد فى القرآن الكريم عن الصلاة وهى ركن الإسلام الأول بعد الشهادتين، وبها يتحدد الفرق بين المؤمنين
وغيرهم، فماذا جاء عن الصلاة فى القرآن الكريم؟ لقد جاء الحديث عنها موجزاً ومختصراً، فى قوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
كِتَابًا مَوْقُوتًا( )0 وقال تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ( )0 وقال تعالى:وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ( ) إن هذه الآيات توضح : أن الله
تعالى قد أوجب الصلاة على المؤمنين من غير أن يبين لنا أوقاتها، والفرائض الواجبة علينا، وعدد ركعات كل فرض – وأركان الصلاة
وشروطها – وغير ذلك مما يتعلق بالصلاة0

فجاءت السنة الشريفة، وفصلت ذلك المجمل، وعلمت الناس الصلاة، وكل ما يتعلق بتفصيلاتها فى قوله  :”صلوا كما رأيتمونى
أصلى”( )ولولا السنة لما عرفنا كيف نصلى!

ومثل ما قلناه عن الصلاة نقوله عن سائر العبادات من زكاة، وصيام، وحج؛ فقد جاء ذكر كل ذلك مجملاً فى القرآن
الكريم،وتولت السنة المطهرة تفصيله وبيان المراد منه

روى الخطيب البغدادى فى كتابه (الكفاية فى علم الرواية) ( ) : “أن عمران بن حصين  كان جالساً ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم : لا
تحدثونا إلا بالقرآن0 فقال له : أدنه – أى قرب منى – فدنا، فقال : أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر
أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ فى اثنتين؟!! أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً،
والطواف بالصفا والمروة؟ ثم قال : أى قوم – أى : يا قوم-، خذوا عنا فإنكم – والله إن لا تفعلوا لتضلن” وفى رواية من طريق آخر : “أن
رجلاً قال لعمران بن حصين : ما هذه الأحاديث التى تحدثوناها؟ وتركتم القرآن! قال عمران : أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن، من
أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتها كذا، وصلاة المغرب كذا، والموقف بعرفه، ورمى الجمار
كذا، واليد من أين تقطع؟ أمن هاهنا أم هاهنا أم من هاهنا؟ ووضع يده على مفصل الكف، ووضع عند المرفق، ووضع يده عند المنكب0 اتبعوا
حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم”( ) أ0هـ0
هاهى أركان الإسلام الأساسية – التى بنى عليها الإسلام – يتوقف القيام بها على السنة المطهرة0

ونستطيع أن نقول : لولا السنة ما تمكن المسلمون من إقامة بنيان الإسلام، ولم يقتصر الأمر على العبادات فقط – بل مقدماتها ووسائلها، من
أحكام الطهارة وما يتعلق بها، وكذا المعاملات، والجنايات، والأحوال الشخصية، وغير ذلك( )0
فكيف تكون حياة الناس مستقيمة لو لم يأت تفصيل كل ذلك فى السنة المطهرة؟!

إن هذا النوع فقط من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم – وهو تفصيل المجمل – يؤكد فى جلاء ووضوح أن القرآن الكريم محتاج إلى السنة
الشريفة، كما يثبت فى يقين؛ أنه لولا السنة لضاع القرآن – بعدم فهمه – وهذا ما يهدف إليه أعداؤنا حينما يشككون فى السنة الشريفة0 فما
بالنا ببقية الأنواع التى سنوالى ذكرها ؟!!0
2- تقييد المطلق( ) : وذلك بأن يأتى الشئ مطلقاً فى القرآن الكريم، وتقيده السنة مثل قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً
بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( )0 والآية الكريمة لم تقيد قطع اليد بموضع محدد، لأن اليد تطلق على الأصابع، والكف، والرسغ،
والساعد، والمرفق، والعضد0 ولكن السنة الشريفة بينت ذلك وقيدت القطع بمقدار الكف فقط من يد واحدة0 وذلك حينما أتى بسارق إلى النبى 
فقطع يده من مفصل الكف( ) فلولا السنة لما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح0
3- تخصيص العام( ) : وذلك بأن يأتى اللفظ عاماً ينطبق على كثيرين فتأتى السنة الشريفة وتبين أن هذا العموم ليس مراداً، بل المراد بعض
أفراد ذلك العام فقط، وليس الجميع، ويكون ذلك تخصيصاً من السنة للجميع، ويكون ذلك تخصيصاً من السنة لما ورد عاماً فى القرآن الكريم
مثل قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ( )0
وهذا عام يثبت فى كل أب وأم موروثين ويثبت أيضاً فى كل ابن وارث، فجاءت السنة فخصصت المورث بغير الأنبياء وذلك بقوله
، “لا نورث ما تركناه صدقة”( )، وخصصت السنة الوارث أيضاً بغير القاتل وذلك بقوله  : “ليس لقاتل شئ”( ) كما خصصت السنة الإثنين معاً
بقوله  : “لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم”( )0

فكأن معنى الآية بعد التخصيص هو أن كل مورث من أب وأم يرثه أبناؤه إلا أن يكون الموِّرث نبياً، فإن الأنبياء لا يورثون، وإلا أن يكون
الوارث قاتلاً لأصله المورث فإنه – فى هذه الحالة – لا يرثه وإلا أن يختلف الدِّين بين المورث والوارث0 فإنه لا توارث عند اختلاف الدِّين(
)0
4- توضيح المشكل( ) : وذلك بأن تكون هناك بعض الألفاظ فى القرآن الكريم لا نفهم معناها، فتوضحها لنا السنة الشريفة، مثل ما روى فى
الصحيحين عن عائشة-رضى الله عنها – قالت : قال رسول الله  : “من حوسب يوم القيامة، عذب” قالت فقلت : أليس قد قال الله  : فَسَوْفَ
يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ( )؟ فقال : “ليس ذاك الحساب0 إنما ذاك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب”( )0

فالسيدة عائشة – رضى الله عنها – أشكل عليها الحساب فى قوله تعالى : فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا0 لما سمعت النبى  يقول : “من
حوسب يوم القيامة عذب” فبين لهى  بأن المراد بالحساب فى الآية الكريمة العرض، وأنه من نوقش الحساب يوم القيامة عذب0
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور مروان شاهين : ليس معنى أن السنة تفصل مجمل القرآن الكريم، أو تقيد مطلقه، أو تخصص عامه،
أو توضح مشكلة أقول : ليس معنى ذلك أن كل عام فى القرآن يحتاج إلى تخصيص، وأن كل مطلق يحتاج إلى تقييد، وأن كل مجمل يحتاج إلى
تفصيل؟ كلا ليس المراد ذلك0 فإن كثيراً من عام القرآن باق على عمومه لأن عمومه مراد، وكثيراً من إطلاق القرآن باق على إطلاقه؛
لأن إطلاقه مراد، وهكذا فى المجمل0
وإنما المراد : أن ما يحتاج إلى شئ من ذلك – فقط – هو الذى يتولى الرسول  بيانه بواحد من أنواع البيان – كما ذكرناه سلفاً( ) أ0هـ0

أنواع بيان السنة للقرآن الكريم تسمى نسخاً
عنـد السلـف الصالـح

مما هو جدير بالذكر هنا أن تفصيل المجمل، وتقييد المطلق، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، ونحو ذلك من أنواع بيان السنة
– كان يعرف بالنسخ عند السلف الصالح، من الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم حتى الإمام الشافعى0 ويبين ذلك الإمام ابن قيم الجوزية –
رحمه الله – فيقول : مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ، رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام، والمطلق،
والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى أنهم يسمون الاستثناء، والشرط، والصفة، نسخاً
لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد( )0

وأكد الإمام الشاطبى هذا المعنى فقال : “يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم فى الإطلاق أعم منه فى كلام الأصوليين، فقد
يطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخاً، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخاً، كما يطلقون على
رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر نسخاً”( )0

ثم ساق الإمام الشاطبى أمثلة عديدة لما اعتقده السلف أنها قضايا نسخ، وهى فى حقيقة الأمر من باب تقييد المطلق أو تخصيص العام، أو بيان
المجمل ونحو ذلك( )0

وإذا كانت أنواع بيان السنة للقرآن الكريم تسمى نسخاً عند المتقدمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن سبقوا الإمام
الشافعى، رأيت أن الأمر يهون وتختفى معظم الإشكالات، والنزاعات المتشعبة بين العلماء فى النسخ بين القرآن والسنة؛ لأن من أنكر نسخ
السنة (متواترة كانت أو آحاداً) للقرآن الكريم، جعل المسائل التى قيل فيها نسخ من السنة للقرآن نوع من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم،
وهذا البيان واجب العمل به0 وهذا هو المطلوب فى مسألتنا هذه، حيث أن القضية لا تعدو الخلاف فى الاصطلاح0 فمن سمى البيان نسخاً من
المتقدمين، ومن جعل نسخ السنة للقرآن بياناً من المتأخرين كل منهما يعمل بالسنة المطهرة، ويحتج بها ويعرف مكانتها بالنسبة لكتاب الله 
بل وللإسلام كله0

يقول الإمام الآمدى : “ثم إننا نرى أنه من الأهمية بمكان أن نقرر أنه لا خلاف بين العلماء المجيزين للنسخ فى جواز نسخ القرآن بالقرآن،
ونسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة، ونسخ الآحاد بالآحاد، ونسخ الآحاد بالمتواتر من باب أولى( )، وأن ذلك كله ليس له فى الواقع كبير
أثر، إلا فى المسألة التى نحن بصددها وهى أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، أو نسخ الكتاب بالسنة أ0هـ0
إنكـار أعـداء الإسـلام للنسخ لأنـه بيـان
للسنـة وهـم يجحدونـه

إذا عرفنا أن أنواع بيان السنة للقرآن الكريم تسمى نسخاً عند السلف الصالح، أدركنا لماذا ينكر أعداء الإسلام من ملاحدة،
ومبشرين، ومستشرقين، النسخ فى الشريعة الإسلامية( )0 وأمعنوا فى هذا النكران بشبهات ساقطة وتأويلات غير سائغة، طعنوا بها فى صدر
الدين الحنيف، ونالوا من قدسية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة( )0 وخلاصة القول فى مسألة النسخ عند أهل الأصول ما قاله الإمام
الشوكانى : “أن النسخ جائز عقلاً واقع سمعاً، بلا خلاف فى ذلك بين المسلمين، إلا ما يروى عن “أبى مسلم الأصبهانى”( ) فإنه قال : إنه جائز
عقلاً، غير واقع، وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة الإسلامية جهلاً فظيعاً، وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه
الخلاف فى كتب الشريعة، فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين، لا بخلاف من بلغ من الجهل إلى هذا الغاية0

وأما الجواز : فلم يحك الخلاف فيه إلا عن بعض طوائف اليهود والنصارى( )، وليس بنا إلى نصب الخلاف بيننا وبينهم حاجة، ولا
هذه بأول مسألة خالفوا فيها أحكام الإسلام، حتى يذكر خلافهم فى هذه المسألة، ولكن هذا من غرائب أهل الأصول0 على أنا قد رأينا فى التوراة
فى غير موضع أن الله سبحانه رفع عنهم أحكاماً لما تضرعوا إليه، وسألوا منه رفعها، وليس النسخ إلا هذا( )0

والحاصل : أن النسخ جائز عقلاً، واقع شرعاً، من غير فرق بين كونه فى الكتاب أو السنة0 وقد حكى جماعة من أهل الأصول
اتفاق أهل الشرائع عليه فلم يبق فى المقام ما يقتضى تطويل المقال( )0

وما حكى عن أبى مسلم الأصبهانى؛ فالنقل عنه مضطرب، فمن قائل : إنه يمنع وقوع النسخ سمعاً على الإطلاق0 ومن قائل :
إنه ينكر وقوعه فى شريعة واحدة ومن قائل : إنه ينكر وقوعه فى القرآن خاصة0
يقول الشيخ الزرقانى – رحمه الله – ورجحت هذه الرواية الأخيرة بأنها أصح الروايات، وبأن التأويلات المنقولة عنه لم تخرج عن حدود ما
نسخ من القرآن0 وأبعد الروايات عن الرجل هى الرواية الأولى؛ لأنه لا يعقل أن مسلماً، فضلاً عن عالم كأبى مسلم، ينكر وقوع النسخ جملة،
اللهم إلا إذا كانت المسألة ترجع إلى التسمية فقط، فإنها تهون حينئذ، على معنى أن ما نسميه نحن نسخاً، يسميه هو تخصيصاً بالزمان مثلاً0
وإلى ذلك ذهب بعض المحققين0 قال التاج السبكى( ) : “إن أبا مسلم لا ينكر وقوع المعنى الذى نسميه نحن نسخاً، ولكنه يتحاشى أن يسميه
باسمه، ويسميه تخصيصاً”( ) أ0هـ0

أهمية علم الناسخ والمنسوخ فى الشريعة الإسلامية

إن معرفة علم الناسخ والمنسوخ، والإحاطة به فى القرآن الكريم، والسنة المطهرة، من أولويات ما يجب أن يعرفه كل من
يتصدر للقضاء أو الفتيا أو بيان الحلال والحرام0 إذ لا يمكن استنباط الأحكام من أدلتها من غير معرفة الناسخ والمنسوخ، والذى بدونه
يوجب الإنسان على نفسه، وعلى عباد الله أمراً لم يوجبه الله  أو يضع عنهم فرضاً أوجبه الله0

وفى ذلك يقول : يحيى بن أكثم( ) : ليس من العلوم كلها علم هو واجب على العلماء، وعلى المتعلمين، وعلى كافة المسلمين، من علم ناسخ
القرآن ومنسوخه، لأن الأخذ بناسخه واجب فرضاً، والعمل به واجب لازم ديانة، والمنسوخ لا يعمل به، ولا ينتهى إليه، فالواجب على كل عالم
علم ذلك لئلا يوجب على نفسه، وعلى عباد الله أمراً لم يوجبه الله أو يضع عنهم فرضاً أوجبه الله”( )0

وقد اهتم السلف الصالح بمعرفة الناسخ والمنسوخ، وأولوه عناية كبيرة منذ عصر الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة
المسلمين إلى يومنا هذا0
فعن عبد الله بن حبيب السلمى( ) قال : “مر على بن أبى طالب  على قاصٍ فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال : لا0 قال “هلكت
وأهلكت”( )0

وعن محمد بن سيرين، قال : سئل حذيفة عن شئ فقال : إنما يفتى أحد ثلاثة : من عرف الناسخ والمنسوخ، قالوا : ومن يعرف ذلك؟ قال
عمر، أو رجل ولى سلطانً، فلا يجد من ذلك بدا أو متكلف”( )0

وعن الضحاك بن مزاحم قال : مر ابن عباس بقاص يقص فركضه برجله، فقال : تدرى ما الناسخ من المنسوخ؟ قال : لا0 قال
هلكت، وأهلكت”( )0

وأقوال أئمة المسلمين فى هذا الباب تكثر جداً( )، نختار منها قول الإمام القرطبى: قال : “معرفة هذا الباب – أى الناسخ
والمنسوخ – أكيدة، وفائدته عظيمة، لا يستغنى عن معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل فى الأحكام،
ومعرفة الحلال من الحرام”( ) أ0هـ0

بيـان رتبـة
السنـة النبويـة مـن القـرآن الكريـم

قبل أن نتحدث عن النوع الثالث من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم وهو: “استقلالها بتشريع الأحكام دون أن يسبق لها ذكر فى
القرآن الكريم” نبين هنا رتبة السنة الشريفة من القرآن الكريم لما فى ذلك من ارتباط بهذا النوع الثالث من أنواع بيان السنة لكتاب الله 0

يقول الأستاذ محمد سعيد منصور : “لا خلاف بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً إلا من شذ من بعض الطوائف المغرضة
المنحرفة-من غلاة الشيعة، والخوارج، والروافض، والمستشرقين، وبعض المتكلمين حديثاً ممن يتكلمون بلغتنا وينتسبون إلى أمتنا – فى أن
كلاً من الكتاب والسنة وحى من عند الله تعالى، وحجة لمعرفة الحلال والحرام، ودليل يجب على المجتهد التمسك به والعمل بمقتضاه، وكذلك لا
نزاع بينهم فى أن الكتاب الكريم، يمتاز عن السنة، ويفضل عنها، بأن لفظه من عند الله ، متعبد بتلاوته، معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله
بخلافها فهى دونه منزلة فى هذه النواحى”( )0

يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق -رحمه الله- : ولكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من حيث الحجية : بأن تكون
مرتبتها التأخر عن الكتاب فى الاعتبار والاحتجاج، فتهدر ويعمل به وحده، لو حصل بينهما التعارض0

وإنما كان الأمر كذلك : لأن حجية الكتاب إنما جاءت من ناحية أنه وحى من عند الله تعالى0 ولا دخل للأمور المذكورة
فيها0 فلو لم يكن الكتاب معجزاً ولا متعبداً بتلاوته، وثبتت الرسالة بغيره من المعجزات؛ لوجب القول بحجيته؛ كما كان الأمر كذلك فى الكتب
السابقة والسنة المطهرة مساوية للقرآن من هذه الناحية؛ فإنها وحى مثله0 فيجب القول بعدم تأخرها عنه فى الاعتبار0 ثم إن التحقيق عند
علماء الكلام : أن الرسول لا يشترط فى رسالته نزول كتاب، بل الشرط : إنما هو نزول شريعة ليبلغها الأمة، وإظهار المعجزة على يده، كما
هو بين فى شرح العقائد النسفية وحواشيه( )0
ويدل على ذلك أيضاً : أن الله تعالى أرسل موسى – عليه السلام – إلى فرعون؛ ليأمره بالإيمان به، والاهتداء بهديه، وإرسال
بنى إسرائيل معه0 ولم يكن قد نزل عليه – فى ذلك الحين – التوراة : لأنها إنما نزلت بعد هلاك فرعون، وخروج بنى إسرائيل من مصر –
كما هو معلوم – ومع ذلك قامت الحجة على فرعون بهذا الأمر : لما أقام له موسى –عليه السلام- المعجزة، فلما خالفه اعتبر عاصياً ربه،
مستحقاً اللعنة، والعذاب0

فحجية الوحى الغير المتلو لا تتوقف على ورود المتلو بها : لأن كلا منهما من عند الله0 وهذا تثبته المعجزة – قرآناً أو غيره – المثبتة
لعصمة الرسول  فى تبليغ ما جاء به عن الله تعالى0

ولو سلمنا استلزام الفرعية للتأخر مطلقاً، لقلنا : إن ما كان أقل من سورة لم تثبت قرآنيته إلا بقوله  : هذا كلام الله، كما تقدم
بيانه فى مبحث العصمة( )0 فعلى هذا يقال : إن الكتاب متأخر عنها فى الاعتبار؟‍‍

بل الحق : أن كلاً منهما معضد للآخر، ومساوٍ له : فى أنه وحى من عند الله، وفى قوة الاحتجاج به، وأنه لا يؤثر فى ذلك نزول
لفظ الكتاب ولا إعجازه، ولا التعبد بتلاوته، ولا أنه قد ورد فيه ما يفيد حجيتها0

وحيث إنهما من عند الله : فلا يمكن الاختلاف بينهما فى الواقع، ويستحيل أن يوجد كتاب وسنة – كل منهما قطعى الدلالة والثبوت
– بينهما تعارض مع الاتحاد فى الزمن وغيره، مما يشترط لتحقق التعارض فى الواقع0

وأما أنهما قد يتعارضان فى الظاهر – إذا كانت دلالتها أو دلالة أحدهما ظنية، أو كانت دلالتها قطعية ولم يتحد الزمن : فهذا أمر
جائز واقع كثيراً0 وحينئذ يجب على المجتهد اعتبارهما كما لو كانا آيتين أو سنتين : حيث أنهما متساويان فينسخ المتأخر منهما المتقدم إذا ثبت
له تأخره، ويرجح أحدهما على الآخر بما يصلح مرجحاً، ويجمع بينهما إن أمكن0 وإلا توقف إلى أن يظهر الدليل فأما أن نقول بإهدار أحدهما
مباشرة – بدون نظر فى أدلة الجمع والترجيح والنسخ : فهذا لا يصح بحال أن يذهب ذاهب إليه0
ولذلك نجد علماء الأصول، والفقه، والحديث، يقولون : بتخصيص السنة لعام الكتاب، وتقييدها لمطلقه، ونسخها له، وأنها تؤوله
وتوضح مجملة، وتبين أن المراد منه خلاف ظاهره0 كما يحصل ذلك من الكتاب بالنسبة للسنة0

نعم فى بعض هذه المسائل خلافات كثيرة، ولكن يجب أن يعلم أن مرجعها إلى مدارك أخرى وذلك كظنية الطريق فى خبر الواحد،
وقطعية القرآن، وليس مرجعها إلى السنة من حيث ذاتها، ومن حيث أنها متأخرة عن الكتاب، بدليل أن من يمنع نسخ القرآن بخبر الواحد مثلاً،
يمنع نسخ السنة المتواترة به أيضاً، ويجوز نسخ القرآن بالخبر المتواتر وبالعكس0 ولو كان المدرك التأخر فى الاعتبار لما قال إلا بنسخ
السنة بالقرآن0

ومن ذلك كله : تعلم بطلان ما ذهب إليه الإمام الشاطبى فى الموافقات( ) : من أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب فى الاعتبار”(
)0
ثم ذكر الدكتور عبد الغنى شبه الإمام الشاطبى وردها( )0
وقد سبق الدكتور عبد الغنى فى قوله هذا الإمام الشافعى فى الرسالة( )، وابن حزم فى الإحكام( )، وحديثاً الدكتور السباعى( )0

بيان أن الخلاف فى المسألة لفظى

الحق : أن قول الإمام الشاطبى بتأخر رتبة السنة عن الكتاب فى الاعتبار راجعة إلى المدارك التى ذكرها الدكتور عبد الغنى عبد
الخالق كظنية الطريق فى خبر الواحد، وقطعية القرآن، وهو ما عبر عنه الإمام الشاطبى فى أول حججه على تأخر رتبة السنة عن الكتاب قال :
“أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة”( )0 ولو تأملنا فى بقية حججه لرأينا أنه ليس فيها ما يدل على التفضيل بين الكتاب والسنة من حيث
الحجية، ووجوب العمل بهما، بحيث إذا وقع تعارض ظاهرى بينهما يعمل بالكتاب دون السنة، بدون نظر فى أدلة الجمع والترجيح والنسخ0 فهذا
لا يصح بحال أن يذهب ذاهب إليه، ولا يصح نسبة ذلك إلى الإمام الشاطبى0 وما قد يفهم من قوله فى السنة الزائدة : “إن لم تكن بياناً فلا يعتبر
بها إلا بعد أن لا يوجد فى الكتاب”( ) فهذا الكلام لا يفهم منه رد الإمام الشاطى للسنة الزائدة الصحيحة عن النبى  (وحاشاه من ذلك) كل ما فى
الأمر أنه يذهب إلى أن السنة كلها، بيانية كانت أو زائدة، داخلة فى البيان النبوى للقرآن الكريم – كما سنفصله بعد قليل –0

يدل على ذلك ما ذكره فى مسألة “أصول السنة فى القرآن الكريم”( ) ومسألة : “السنة التشريعية لا يلزم أن يكون لها أصل فى الكتاب”( )0

فكل سنة زائدة عما فى القرآن الكريم عند من يرى استقلال السنة بالتشريع هى عنده لها أصل فى القرآن الكريم،ويدخلها فى السنة البيانية،ولم
ينازع فى حجيتها،ووجوب العمل بها خلافاً لمن تأول كلامه فى هذه المسألة، ومسألة (استقلال السنة بالتشريع) ونازع فى الحجية0
وهنا نرى أنه ليس فى حقيقة الأمر خلاف! وإنما هو إن صح التعبير، صورة خلاف اعتبارية لمدارك بعيدة كل البعد عن منزلة
السنة التشريعية، وحجيتها، ووجوب العمل بها0 وتتلخص هذه المدارك فيما كان عليه السلف الصالح إذا عرض عليهم قضاء، يبحثون أولاً فى
كتاب الله ، فإذا لم يجدوا فى كتاب الله، انتقلوا إلى السنة المطهرة( )0

وهل فى ذلك ما يخدش فى أصل مسألتنا وهى : أن القرآن والسنة فى مرتبة واحدة، فى الاحتجاج ووجوب العمل بهما؟

وإلى ذلك ذهب الأستاذ محمد سعيد منصور ثم قال : “وجملة القول : أن السنة إذا صحت تكون منزلتها ومنزلة الكتاب، سواء
بسواء فى الاعتبار، والاحتجاج عند المجتهدين عامة”( ) أ0هـ0
ويقول المستشار الدكتور على جريشة رداً على من وهن من رتبة السنة المطهرة فجعلها فى مستوى المذكرة التفسيرية بالنسبة
للقانون، قال : “السنة ليست مذكرة تفسيرية، لأن المذكرة التفسيرية لا يمكن أن ترتفع إلى نفس مرتبة التشريع، بل وتحوى أى إلزام، والسنة
غير ذلك … ترتفع مع الكتاب إلى أن تكون المصدر الرئيسى للشرعية0

وربما كان مرجع الشبهة أن السنة فى جزء كبير منها مبينة للكتاب …، لكن بيان السنة منه التخصيص، والتقييد، والتأكيد، ثم التفصيل
والتفسير …، إلى جواز السنة الزائدة التى تأتى بأحكام مستقلة … وفى الجزء المفسر، والمفصل يتوافر الإلزام كما يتوافر للقرآن…، ولا تهبط
السنة إلى مستوى عدم الإلزام، كما تهبط المذكرة التفسيرية للقانون( )”0

ومما يؤسف له أن بعض علماء المسلمين قد أساؤا فهم الإمام الشاطبى فى مسألتنا هذه، ومسألة استقلال السنة بالتشريع، فأنكروا السنة
الزائدة، كما اتخذ أعداء السنة المطهرة من كلام الشاطبى فى المسألتين ستاراً، للتشكيك فى حجية السنة النبوية واستقلالها بتشريع الأحكام أ0
هـ0

استقـلال السنـة بتشريـع الأحكـام

لا يقتصر دور السنة على بيان ما فى القرآن الكريم فقط، فتؤكده تارة، أو تفصل مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتوضح
مشكله، تارة أخرى0

نقول : لا يقتصر دور السنة على ذلك فقط – رغم أهمية هذا وخطورته، بل لها مهمة أخرى جليلة وعظيمة0 وهى أنها تؤسس
أحكاماً على جهة الاستقلال وهذا ما عنيناه بالمهمة الثالثة للسنة فى تقسيمنا السابق( )0 إذ أن فى السنة أحكاماً كثيرة جديدة لم ترد فى القرآن
لا نصاً ولا صراحة، ويتفق العلماء أجمع على وجود تلك الأحكام، ولكنهم يختلفون خلافاً لفظياً حول تسمية تلك الأحكام التى استقلت السنة
المطهرة بتأسيسها0

فالجمهور من العلماء يقولون : إن هذا هو الاستقلال فى التشريع بعينه؛ لأنه إثبات لأحكام لم ترد فى الكتاب0
أما الإمام الشاطبى ومن نحا نحوه : فإنهم مع إقرارهم بوجودها، إلا أنهم يقولون : إنها ليست زيادة على شئ ليس فى القرآن،
وإنما هى زيادة الشرح، المستنبط من المشروح بإلهام إلهى، ووحى ربانى، وتأييد سماوى( )0 وبعبارة أخرى هى داخلة تحت أى نوع من
أنواع السنة البيانية، أو داخلة تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم0

يقول الدكتور السباعى : “وأنت ترى هنا أن الخلاف لفظى، وأن كلا منهما يعترف بوجود أحكام فى السنة لم تثبت فى القرآن الكريم، ولكن
أحدهما لا يسمى ذلك استقلالاً، والآخر يسميه0 والنتيجة واحدة( )، وهى حجية تلك الأحكام الزائدة ووجوب العمل بها0

بيان أن الخلاف لفظى مع فريق وحقيقى مع آخر :
لقد ذكر الإمام الشاطبى ستة مآخذ للمخالفين فى بيان أن كل ما ورد فى السنة مبين فى الكتاب، الخمسة الأولى منها أيدها الإمام
الشاطبى، وكان الخلاف فيها بين الفريقين خلافاً لفظياً لا ينبنى عليه عمل( )0

أما الذين أثاروا خلافاً حقيقياً حول هذه المسألة؛ فهم أصحاب المأخذ السادس، إذ يقولون فيه : “ومنها – يعنى أن جميع
السنة بيان للكتاب – النظر إلى تفاصيل الأحاديث، فى تفاصيل القرآن، وإن كان فى السنة بيان زائد، ولكن صاحب هذا المأخذ يتطلب أن يجد كل
معنى فى السنة مشاراً إليه – من حيث وضع اللغة لا من جهة أخرى – أو منصوصاً عليه فى القرآن( )0
فهذا هو المأخذ الذى لو تم، لكان مبطلاً لما اتفق عليه الجميع، من وجود سُّنة جاءت بما لم ينص عليه الكتاب نصاً، ويمكن
للمجتهد أن يأخذ به بحسب أوضاع اللغة، ومعانيها الحقيقية والمجازية، ولكنه لن يتم ولا يمكن تطبيقه على جميع ما ورد فى السنة، ومحاولة
تطبيقه محاولة فاشلة( )0

وقد اعترف الإمام الشاطبى نفسه بذلك بعد أن غاص فى عمق أدلة هذا المأخذ، وكانت الغاية التى انتهى إليها الاعتراف ببطلان
هذا المأخذ وانحراف أصحابه، إذ يقول تعليقاً على هذا المأخذ : “ولكن القرآن لا يفى بهذا المقصود على النص والإشارة العربية التى تستعملها
العرب أو نحوها، وأول شاهد فى هذا الصلاة، والحج، والزكاة، والحيض، والنفاس، واللقطة، والقراض، والمساقاة، والديات، والقسامات، وأشباه
ذلك من أمور لا تحصى0
فالملتزم لهذا (أى المأخذ السادس) لا يفى بما ادعاه، إلا أن يتكلف فى ذلك مآخذ لا يقبلها كلام العرب، ولا يوافق على مثلها
السلف الصالح، ولا العلماء الراسخون فى العلم، ولقد رام بعض الناس فتح هذا الباب( ) الذى شرع فى التنبيه عليه فلم يوف به إلا على
التكلف المذكور، والرجوع إلى المأخذ الأول فى مواضع كثيرة لم يتأت له فيها نص ولا إشارة إلى خصوصات ما ورد فى السنة، فكان ذلك نازلاً
بقصده الذى قصد( )0
إذاً فهو قول غير صحيح، وبعيد كل البعد عن الحقيقة أ0هـ0

الإمام الشاطبى ومن أساء فهمه من علماء المسلمين ومن اتخذ
كلامه من أعداء السنة ستاراً للتشكيك فى حجية
السنة، واستقلالها بتشريع الأحكام

عرفنا فيما سبق أن الإمام الشاطبى عندما قال بتأخر مرتبة السنة عن الكتاب، كان ذلك لمدارك بعيدة كل البعد عن منزلة السنة
التشريعية، وحجيتها ووجوب العمل بها0 فكان الخلاف ببينه وبين جمهور العلماء خلافاً لفظياً – كما سبق -0

وعرفنا أيضاً : أنه فى مسألة استقلال السنة بالتشريع، أقر بوجود الأحكام التى استقلت بها السُّنة، إلا أنه لم يسم ذلك (استقلالاً)
وإنما سماه (بياناً) فهو يرى أن وظيفة السنة البيان بأنواعه، من تفصيل مجمل، وتقييد مطلق، وتخصيص عام، وتوضيح مشكل، وما جاء زائداً
فى السُّنة هو فى نظره نوع من أنواع البيان، وداخل تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم0

وفى كل الأحوال هذا البيان حجة ويجب العمل به0 ومن هنا كان الخلاف بينه وبين جمهور العلماء فى تلك المسألة أيضاً خلافاً
لفظياً لا يترتب عليه عمل0

اللهم إلا أصحاب المأخذ السادس الذين أنكروا ورود السنة بما لم ينص عليه الكتاب0فكان الخلاف بينهم وبين الجمهور خلافاً حقيقياً، وقد علمت
أن الإمام الشاطبى لم يتابعهم على ذلك0
إلا أن بعض علماء المسلمين أساء فهم الإمام الشاطبى فى المسألتين (تأخر مرتبة السنة فى الاعتبار عن القرآن) و (استقلال السنة بالتشريع)
التى عنون لها بـ (أصول السنة فى القرآن الكريم) ( )0 والتى فصلها فى عنوان (كيفية رجوع السنة إلى الكتاب)( )، حيث فهموا أن الإمام
الشاطبى لا يؤمن إلا بالسنة البيانية المفسرة، أما المستقلة فلا، حيث زعموا أنه يرى أن السنة لا تستقل بتشريع أحكام زائدة، فمهمة الرسول
البلاغ والبيان فقط0

وممن فهم ذلك الشيخ محمد عبد العزيز الخولى – رحمه الله – فى كتابه (مفتاح السنة)بعد أن استشهد بكلام الشاطبى فى أن
السنة راجعة فى معناها إلى الكتاب،تفصل مجمله، وتبين مشكله،وتبسط مختصره،وذكر بيان الشاطبى فى كيفية رجوع السنة إلى الكتاب0

قال الأستاذ عبد العزيز الخولى : “وأما ما ورد فى السنة من الأحكام، فإن كان مخالفاً لظاهر القرآن فالقرآن مقدم عليه، ويعتبر ذلك طعناً فى
الحديث من جهة متنه ولفظه، وإن صح سنده، فإن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم سنده ومتنه من الطعن، ولذلك أجاز بعض المسلمين نكاح
المرأة على عمتها أو خالتها( )0

وهنا يظهر واضحاً جلياً كيف أساء الشيخ فهم كلام الإمام الشاطبى حتى اتخذ الخولى لنفسه مذهباً فى العمل بظاهر القرآن فقط،
والذهاب إلى عدم حجية السنة المبينة أيضاً0 بدليل أنه بعد أن ذكر نماذج من الأحكام التى استقلت بها السنة، مثل : تحريم الجمع بين المرأة
وعمتها، والمرأة وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية، وكل ذى ناب من السباع، ورجم المحصن- الذى زعم أن الأدلة فيه مضطربة، ويصح أن
تشمله آية إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا
مِنَ الْأَرْضِ( )0

بعد أن ذكر ذلك قال : “وإن كان ما فى السنة لا يخالف ظاهر القرآن، فهو اجتهاد من الرسول  يرجع إلى أصل قرآنى عرفه
الرسول، وجهلناه نحن أو عرفناه( )0
فتأمل قوله فى البيان النبوى : (وجهلناه نحن أو عرفناه) إذ العبرة عنده فى أول الأمر وآخره، هى : ظاهر القرآن سواء عرف السنة البيانية،
أم جهلها، فهى فى حالة معرفته بها لم تضف جديداً، وفى هذه الحالة العبرة بالقرآن، وفى حالة استقلالها بتشريع أحكام جديدة، تكون السنة
مخالفة لظاهر القرآن؛ فلا حجة فيها هكذا يزعم!

يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق : “وليت شعرى إذا لم تكن السنة مبينة، ولا مستقلة فماذا بقى فى السنة، مما يكون
حجة – إلا المؤكد؟ وكيف يمكن الجمع بين قوله هذا، وبين قوله( ) : “وإن الرسول  وظيفته البيان، وتبليغ ما أنزل إليه من ربه”( )0
فلا أدرى علام إذن يستشهد بكلام الإمام الشاطبى الذى يقول : بأن السنة بيان للقرآن الكريم، وحتى ما استقلت به السنة داخل فى هذا البيان
الواجب العمل به!!

وإذا كان حقاً فهم مراد الشاطبى من كلامه، فلم لم يؤمن بما آمن به الشاطبى من أن الأحكام الزائدة فى السنة داخلة فى القرآن
الكريم فى بيانه أو قواعده( )؟!
تلك الأحكام التى انكرها الشيخ مع إيمان الإمام الشاطبى بها كما سبق وسنفصله بالأمثلة بعد قليل0

وأعجب من هذا كله زعمه بأن الذى أجاز نكاح المرأة على عمتها أو خالتها بعض المسلمين – وهم فى نظره الخوارج والشيعة، والروافض(
)0 فهل هؤلاء مسلمون؟!!

وممن أساء فهم الإمام الشاطبى أيضاً، وأساء فى النقل عنه فضيلة الشيخ عبد الله المشَّد – رحمه الله – فى فتواه المشهورة
التى سئل فيها عن حكم من أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم يعد كافراً أم لا؟ ( )0

إذ يقول الشيخ مستشهداً بالإمام الشاطبى : “إن السنة لا تستقل بإثبات الواجب والمحرم، لأن وظيفتها فقط تخصيص عام القرآن،
وتقييد مطلقه، وتفسير مجمله، “ويجب أن يكون ذلك بالأحاديث المتواترة لا الآحادية0

وقال أيضاً : “وأجاب الشاطبى عما أورده الجمهور عليه من قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ( ) بأن المراد من
وجوب طاعة الرسول، إنما هو فى تخصيصه للعام، وتقييده للمطلق، وتفسيره للمجمل، وذلك بالحديث المتواتر”( )0 وليت شعرى من يجرؤ
على القول بأن بيان السنة للقرآن أو استقلالها بإثبات الواجب والمحرم، يجب أن يكون بالسنة المتواترة؟
فإذا كان هذا الكلام من زيادات الشيخ على كلام الإمام الشاطبى فأين دليله على ما زعمه؟!!

وإذا كان هذا من كلام الإمام الشاطبى كما يوهمه كلام الشيخ، فغير صحيح، لأن الشاطبى فى كلامه عن بيان السنة للقرآن
الكريم فى أكثر من موضع فى كتابه “الموافقات” لم يشترط هذا الشرط لا صراحة ولا إشارة( )0

ويشهد لصحة ما أقول أن الإمام الشاطبى – رحمه الله – فى كل مواضع كلامه عن بيان السنة للقرآن استشهد بأحاديث كثيرة كلها آحاد0 بما
فى ذلك الموضع الذى تكلم فيه عن استقلال السنة بتشريع أحكام زائدة عما فى القرآن، من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة، وخالتها،
وتحريم كل ذى ناب من السباع، والحمر الأهلية، ونكاح المتعة، وإيجابه حد الردة، والرجم، وحد شرب الخمر، وغير ذلك الكثير مما ثبت بالسنة
إيجاباً وتحريماً، وكانت السنة فى كل ذلك آحاداً( )، ولم يشترط التواتر، ولا حتى نسب هذا الشرط إلى أحد ممن يعتد به، فلا أدرى من أين جاء
الشيخ المشد بها الشرط؟!!
كيف والإمام الشاطبى هو القائل : “وأخبار الآحاد هى عمدة الشريعة، وهى أكثر الأدلة”( )0

وفى كتابه الاعتصام يقول رداً على من طعن فى أخبار الآحاد، لأنها تفيد الظن قال: “فعلى كل تقدير : خبر الواحد صح سنده،
فلابد من استناده إلى أصل فى الشريعة قطعى، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقاً”( )0
ويقول فى كتابه الموافقات : “الظنى الراجع إلى أصل قطعى إعماله أيضاً ظاهر، وعليه عامة أخبار الآحاد، فإنها بيان للكتاب”( ) أ0هـ0

ولو لم يكن إلا هذا لكفى فى الرد على ما نسبه الشيخ المشد إلى الإمام الشاطبى، أو اشترطه هو بغير بينة0
ولكن كيف : والإمام الشاطبى فى كل مواضع كلامه عن بيان السنة للقرآن، يحتج بأحاديث آحاد على إثباتها للواجب والمحرم، ويكفى أن تنظر
لصحة ما أقول : المسائل الآتية فى كتابه الموافقات : “من مقاصد الشرع، عدم التسوية بين المندوب، والواجب”، و”البيان والإجمال فى المباح
والمكروه والمندوب”، و”البيان والإجمال فى المكروه والحرام”( )0

وأعجب مما سبق تضعيف الشيخ المشد لحديث المقدام بن معد يكرب ، ونسبته هذا التضعيف إلى الإمام الشاطبى وهو من هذا
التضعيف برئ0

يقول الشيخ المشد : “وقد رد الشاطبى( ) على ما استدل به الجمهور مما روى عن النبى  قوله : “يوشك الرجل متكئاً على
أريكته يحدث بحديث من حديثى فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، إلا وإن ما
حرم رسول الله  مثل ما حرم الله” بأن من بين رواة هذا الحديث “زيد بن الحُباب” وهو كثير الخطأ، ولذلك لم يرو عنه الشيخان حديثاً واحدا”(
)0
وسبقه إلى القول بهذا الشيخ محمد عبد العزيز الخولى فى كتابه (مفتاح السنة) ( ) أ0هـ0

والحق أن الحديث صحيح لا مطعن فيه، فقد أخرجه الأئمة أبو داود، والترمذى وقال فيه حسن صحيح،وأخرجه ابن حبان فى
صحيحه،وحكم بصحته ابن حزم،وغيره من العلماء( ) والحديث فى كل الطرق السابقة ليس فيه”زيد بن الحُباب”إنما هو فى رواية ابن ماجة0

ومع ذلك فقد قال الحافظ ابن حجر فى التقريب “زيد بن الحُباب” صدوق يخطئ فى حديث الثورى”( ) ورواية زيد هنا فى حديثنا إنما هى من
حديث معاوية بن صالح، وليست من حديث سفيان الثورى( )0

وفى نفس الوقت لم ينفرد (زيد بن الحُباب) بالرواية عن معاوية بن صالح، فقد أخرجه الحاكم فى المستدرك من طريقين عن عبد
الله بن صالح عن معاوية بن صالح، ومن طريق أحمد( ) فى المسند عن عبد الرحمن بن مهدى، عن معاوية بن صالح( )0

وما نسبه الشيخ المشد من نسبة تضعيف الحديث إلى الإمام الشاطبى يبطله قول الإمام الشاطبى : قوله  : “يوشك الرجل منكم
متكئاً على أريكته” إلى آخره لا يتبادل ما نحن فيه (أى مسألة استقلال السنة بتشريع الأحكام) فإن الحديث إنما جاء فيمن يطرح السنة
معتمداً علىرأيه فى فهم القرآن،وهذا لم ندعه فى مسألتنا هذه،بل هو رأى أولئك الخارجين عن الطريقة المثلى0وقوله :”ألا وإن ما حرم
رسول الله مثل ما حرم الله”( )صحيح أ0هـ0

أليس فى هذا حكم من الإمام الشاطبى باعتماده صحة الحديث، وأخذه بما حرم رسول الله  مما هو زائد من الأحكام التى ليست
فى كتاب الله  وله حكم ما حرم رب العزة فى كتابه العزيز من الحجية، ووجوب العمل به، إلا أنه لا يسمى هذا الزائد استقلالاً، وإنما يسميه
بياناً، وهو مما لم يستوعبه الشيخ المشَّد–رحمه الله–حتى ختم فتواه بقوله : “إن الإيجاب والتحريم لا يثبتان إلا بالدليل اليقينى القطعى الثبوت
والدلالة،وهذا بالنسبة للسنة لا يتحقق إلا بالأحاديث المتواترة، وحيث أنها تكاد تكون غير معلومة لعدم اتفاق العلماء عليها فإن السنة لا تستقل
بإثبات الإيجاب والتحريم–إلا أن تكون فعلية أو تنضاف إلى القرآن الكريم وعلى هذا فمن أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم، فهو منكر
لشئ اختلف فيه الأئمة، ولا يعد مما علم بالضرورة، فلا يعد كافراً”( )0

وهذه الفتوى تمسح بها دعاة الفتنة وأدعياء العلم، وهم يشككون فى حجية السنة المطهرة، مثل أحمد صبحى منصور استشهد بها
فى كتابيه “حد الردة”( )، “ولماذا القرآن”( ) وسعيد العشماوى فى كتابيه “الربا والفائدة فى الإسلام”( )، “وحقيقة الحجاب”( )، وجمال البنا فى
كتابه (كلا لفقهاء التقليد ثم كلا لأدعياء التنوير)( )0

وممن تغالى فى إساءة فهم كلام الإمام الشاطبى واتخذه ستاراً لمذهبه، وهو يشكك فى حجية السنة، أحمد حجازى السقا إذ يقول
: “اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن القرآن مصدر الشريعة، وما عدا القرآن من أقوال النبى ، وأفعاله، وتقريراته، لم يتفقوا على قبوله
كله مصدراً للشريعة كما اتفقوا على قبول القرآن كله0 فما كان من أقواله وأفعاله وتقريراته مفسراً ومبيناً وشارحاً وصح سنده0 فقد اتفقوا
على قبوله مع القرآن0 وما كان غير مفسر، ومبين وشارح لم يتفقوا عليه كلهم”( )0

ولم يبين لنا حقيقة هذا الاختلاف، وقد علمت أنه خلاف لفظى لا ينبنى عليه عمل0 ورغم ذلك يضلل أحمد حجازى بقوله عن الأحكام التى

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: