الحديث حجة بنفسه في العقائد و الأحكام

الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام
تأليف
محمد ناصر الدين الألباني

    إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه  ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
    يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يأيها الناس إتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيباً . يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وقولوا قولاً سديداً ، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما .
    ” أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ” ( * ) .
الفصل الأول

وجوب الرجوع إلى السنة وتحريم مخالفتها

    أيها الإخوان الكرام : إن من المتفق عليه بين المسلمين الأولين كافة ، أن السنة النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام – هي المرجع الثاني والأخير في الشرع الإسلامي ، في كل نواحي الحياة من أمور غيبية اعتقادية – أو أحكام عملية ، أو سياسية ، أو تربوية وأنه لا يجوز مخالفتها في شيء من ذلك لرأي أو اجتهاد أو قياس ، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله في آخر ” الرسالة ” : ” لا يحل القياس والخبر موجود ” ، ومثله ما اشتهر عند المتأخرين من علماء الأصول :” إذا ورد الأثر بطل النظر ” ،” لا اجتهاد في مورد النص ” ومستندهم في ذلك الكتاب الكريم ، والسنة المطهرة .
    * القرآن يأمر بالاحتكام إلى سنة الرسول صلى الله عليه و سلم
    أما الكتاب ففيه آيات كثير ، أجتزىء بذكر بعضها في هذه المقدمة على سبيل الذكرى فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
    1- قال تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً (الأحزاب : 36) .
    2- وقال عز وجل:يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم  (الحجرات : 1) .
     3- وقال : قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (آل عمران:32) .
    4- وقال عز من قائل : وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً . من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً (النساء:80) .
    5- وقال : يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً (النساء:59).
    6- وقال : وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (الأنفال : 46) .
    7- وقال: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فإن توليتم فاعملوا أنما على رسولنا البلاغ المبين (المائدة : 92) .
    8- وقال : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (النور : 63) .
    9- وقال : يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، واعملوا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون  (الأنفال : 24) .
    10- وقال: ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز  العظيم.ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين(النساء13-14)
    11- وقال : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً . وإذا قيل لهم  تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً (النساء:60-61) .
    12- وقال سبحانه : إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون(النور:52).
    13- وقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب (الحشر : 7) .
    14- وقال تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً (الأحزاب:21) .
    15- وقال : والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو
إلا وحي يوحى (النجم:1-4) .
    16- وقال تبارك وتعالى:وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون(النحل:44)
إلى غير ذلك من الآيات المباركات .
    * الأحاديث الداعية إلى اتباع النبي صلى الله عليه و سلم في كل شيء :
    1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :  كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ،
قالوا : ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى  .
    أخرجه البخاري في “صحيحه – كتاب الاعتصام ” .
    2- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :
     جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه و سلم وهو نائم ، فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة ، والقلب يقظان ، فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلا ، فاضربوا له مثلا ، فقالوا : مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيه مأدبة ، وبعث داعياً ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا : أولوها يفقهها ، فقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا فالدار الجنة ، والداعي محمد صلى الله عليه و سلم ، فمن أطاع محمداً صلى الله عليه و سلم فقد أطاع الله ، ومن عصى محمداً صلى الله عليه و سلم فقد عصى الله ، ومحمد صلى الله عليه و سلم فرق ( 1 ) بين الناس  أخرجه البخاري أيضاً .
    3- عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
     إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إني رأيت الجيش بعيني ، وإني أنا النذير العريان ، فالنجاء النجاء ، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا ، فأنطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق  . أخرجه البخاري ومسلم .
    4- عن أبي رافع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري ، مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ( وإلا فلا ) ” . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة والطحاوي وغيرهم بسند صحيح .
    5- عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :  ” ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه ( 2 )، فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراه  . رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند صحيح .
    6- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : :” تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهم ( ما تمسكتم بهما ) كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض  ” .
    أخرجه مالك مرسلاً ، والحاكم مسنداً وصححه .
    * ما تدل عليه النصوص السابقة :
    وفي هذه النصوص من الآيات والأحاديث أمور هامة جداً يمكن إجمالها فيما يلي :
    1- أنه لا فرق بين قضاء الله وقضاء رسوله ، وأن كلا منهما ، ليس للمؤمن الخيرة في أن يخالفهما ، وأن عصيان الرسول صلى الله عليه و سلم كعصيان الله تعالى ، وأنه ضلال مبين .
    2- أنه لا يجوز التقدم بين يدي الرسول صلى الله عليه و سلم كما لا يجوز التقدم بين يدي الله تعالى ، وهو كناية عن عدم جواز مخالفة سنته صلى الله عليه و سلم ، قال الإمام ابن القيم في “إعلام الموقعين”(1/58) :” أي لا تقولوا حتى يقول، وتأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتي ، ولا تقطعوا أمراً حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضي ” .
    3- أن التولي عن طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم  إنما هو من شأن الكافرين .
    4- أن المطيع للرسول صلى الله عليه و سلم مطيع لله تعالى .
    5- وجوب الرد والرجوع عند التنازع والاختلاف في شيء من أمور الدين إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه و سلم ، قال ابن القيم (1/54) :
    “فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله ، وأعاد الفعل ( يعني قوله : وأطيعوا الرسول ) إعلاماً بأن طاعته تجب استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب ، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان
ما أمر به في الكتاب ، أو لم يكن فيه ، فإنه ” أوتي الكتاب ومثله معه ” ، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً ، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول ” ومن المتفق عليه عند العلماء أن الرد إلى الله إنما هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول ، هو الرد إليه في حياته ، وإلى سنته بعد وفاته ، وأن ذلك من شروط الإيمان .
    6- أن الرضى بالتنازع ، بترك الرجوع إلى السنة للخلاص من هذا التنازع سبب هام في نظر الشرع لإخفاق المسلمين في جميع جهودهم ، ولذهاب قوتهم وشوكتهم .
    7- التحذير من مخالفة الرسول صلى الله عليه و سلم لما لها من العاقبة السيئة في الدنيا والآخرة .
    8- استحقاق المخالفين لأمره صلى الله عليه و سلم الفتنة في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة .
    9- وجوب الاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه و سلم وأمره ، وأنها سبب الحياة الطيبة ، والسعادة في الدنيا والآخرة .
    10- أن طاعة النبي صلى الله عليه و سلم سبب لدخول الجنة والفوز العظيم ، وأن معصيته وتجاوز حدوده سبب لدخول النار والعذاب المهين .
    11- أن من صفات المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر أنهم إذا دعوا إلى أن يتحاكموا إلى الرسول صلى الله عليه و سلم وإلى سنته ، لا يستجيبون لذلك ، بل يصدون عنه صدوداً .
    12- وأن المؤمنين على خلاف المنافقين ، فإنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه و سلم بادروا إلى الاستجابة لذلك ، وقالوا بلسان حالهم وقالهم : ” سمعنا وأطعنا ” ، وأنهم بذلك يصيرون مفلحين ، ويكونون من الفائزين بجنات النعيم .
    13- كل ما أمرنا به الرسول صلى الله عليه و سلم يجب علينا اتباعه فيه ، كما يجب علينا أن ننتهي عن كل ما نهانا عنه .
    14- أنه صلى الله عليه و سلم أسوتنا وقدوتنا في كل أمور ديننا إذا كنا ممن يرجو الله واليوم الآخر .
    15- وأن كل ما نطق به رسول الله صلى الله عليه و سلم مما لا صلة بالدين والأمور الغيبية التي لا تعرف بالعقل ولا بالتجربة فهو وحي من الله إليه . لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
    16- وأن سنته صلى الله عليه و سلم هي بيان لما أنزل إليه من القرآن .
    17- وأن القرآن لا يغني عن السنة ، بل هي مثله في وجوب الطاعة والاتباع ، وأن المستغني به عنها مخالف للرسول عليه الصلاة والسلام غير مطيع له ، فهو بذلك مخالف لما سبق من الآيات .
    18- أن ما حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل ما حرم الله ، وكذلك كل شيء جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم مما ليس في القرآن ، فهو مثل ما لو جاء في القرآن لعموم قوله :  ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه .
    19- أن العصمة من الانحراف والضلال إنما هو التمسك بالكتاب والسنة ، وأن ذلك حكم مستمر إلى يوم القيامة ، فلا يجوز التفريق بين كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم تسلمياً كثيرا .
    * لزوم اتباع السنة على كل جيل في العقائد والأحكام :
    أيها الإخوة الكرام ! هذه النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة كما أنها دلت دلالة قاطعة على وجوب اتباع السنة اتباعاً مطلقاً في كل ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم ، وأن من لم يرض بالتحاكم إليها والخضوع لها فليس مؤمناً ، فإني أريد أن ألفت نظركم إلى أنها تدل بعموماتها وإطلاقاتها على أمرين آخرين هامين أيضاً :
    الأول : أنها تشمل كل من بلغته الدعوة إلى يوم القيامة ، وذلك صريح في قوله تعالى : لأنذركم به ومن بلغ ، وقوله : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً وفسره صلى الله عليه و سلم بقوله في حديث :
“… وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس كافة  متفق عليه ، وقوله :” والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار  رواه مسلم وابن منده وغيرهما ( الصحيحة 157 ) .
    والثاني : أنها تشمل كل أمر من أمور الدين ، لا فرق بين ما كان منه عقيدة علمية، أو حكماً عملياً، أو غير ذلك ، فكما كان يجب على كل صحابي أن يؤمن بذلك كله حين يبلغه من النبي صلى الله عليه و سلم أو من صحابي آخر عنه كان يجب كذلك على التابعي حين يبلغه عن الصحابي ، فكما لا يجوز للصحابي مثلاً أن يرد حديث النبي صلى الله عليه و سلم إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه صلى الله عليه و سلم ، فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها مادام أن المخبر به ثقة عنده ، وهكذا ينبغي أن يستمر الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين كما سيأتي النص بذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى .
    * تحكم الخلف بالسنة بدل التحاكم إليها :
    ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا السنة النبوية وأهملوها ، بسبب أصول يبناها بعض علماء الكلام، وقواعد زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين ، كان من نتائجها الإهمال المذكور الذي أدى بدوره إلى الشك في قسم كبير منها ، ورد قسم آخر منها لمخالفتها لتلك الأصول والقواعد ، فتبدلت الآية عند هؤلاء ، فبدل أن يرجعوا بها إلى السنة ويتحاكموا إليها ، فقد قلبوا الأمر ، ورجعوا بالسنة إلى قواعدهم وأصولهم ، فما كان منها موافقاً لقواعدهم قبلوه ، وإلا رفضوه ، وبذلك انقطعت الصلة التامة بين المسلم وبين النبي صلى الله عليه و سلم ، وخاصة عند المتأخرين منهم ، فعادوا جاهلين بالنبي صلى الله عليه و سلم وعقيدته وسيرته وعبادته ، وصيامه وقيامه وحجة وأحكامه وفتاويه ، فإذا سئلوا عن شيء من ذلك أجابوك إما بحديث ضعيف أو لا أصل له ، أو بما في المذهب الفلاني ، فإذا اتفق أنه مخالف للحديث الصحيح وذكروا به لا يذكرون ، ولا يقبلون الرجوع إليه لشبهات لا مجال لذكرها الآن ، وكل ذلك سببه تلك الأصول والقواعد المشار إليها ، وسيأتي قريباً ذكر بعضها إن شاء الله تعالى .
    ولقد عم هذا الوباء وطم كل البلاد الإسلامية ، والمجلات العلمية والكتب الدينية إلا نادراً ، فلا تجد من يفتي فيها على الكتاب والسنة إلا أفراداً قليلين غرباء ، بل جماهيرهم يعتمدون فيها على مذهب من المذاهب الأربعة ، وقد يتعدونها إلى غيرها إذا وجدوا في ذلك مصلحة – كما زعموا – وأما السنة فقد أصبحت عندهم نسياً منسياً ، إلا إذا اقتضت المصلحة عندهم الأخذ بها ، كما فعل بعضهم بالنسبة لحديث ابن عباس في الطلاق بلفظ ثلاث وأنه كان على عهد النبي صلى الله عليه و سلم طلقة واحدة ، فقد أنزلوها منزلة بعض المذاهب المرجوحة ! وكانوا قبل أن يتبنوه يحاربونه ويحاربون الداعي إليه !
    * غربة السنة عند المتأخرين :
وإن مما يدل على غربة السنة في هذا الزمان وجهل أهل العلم والفتوى بها ، جواب إحدى المجلات الإسلامية السيارة عن سؤال : ” هل تبعث الحيوانات …” ونصه :
” قال الإمام الآلوسي في تفسيره : ” ليس في هذا الباب – يعني بعض الحيوانات – نص من كتاب أو سنة يعول عليه يدل على حشر غير الثقلين من الوحوش والطيور ” .
هذا كل ما أعتمده المجيب ، وهو شيء عجيب يدلكم على مبلغ إهمال أهل العلم – فضلاً عن غيرهم– لعلم السنة، فقد ثبت فيها أكثر من حديث واحد يصرح بأن الحيوانات تحشر، ويقتص لبعضها من بعض، من ذلك حديث مسلم في “صحيحه” :  لتؤدون الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء  . وثبت عن ابن عمرو وغيره أن الكافر حين يرى هذا القصاص يقول : ( ياليتني كنت ترابا).
   

    * أصول الخلف التي تركت السنة بسببها :
    فما هي تلك الأصول والقواعد التي أقامها الخلف ، حتى صرفتهم عن السنة دراسة واتباعاً ؟ وجواباً عن ذلك أقول :
    يمكن حصرها في الأمور الآتية :
    الأول : قول بعض علماء الكلام : إن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة ، وصرح بعض الدعاة الإسلاميين اليوم بأنه لا يجوز أخذ العقيدة منه ، بل يحرم .
    الثاني : بعض القواعد التي تبنتها بعض المذاهب المتبعة في ” أصولها ” يحضرني الآن منها ما يلي :
تقديم القياس على خبر الآحاد . ( الإعلام 1/327و300 شرح المنار ص623 ) .
 رد خبر الآحاد إذا خالف الأصول . ( الإعلام 1/329 ، شرح المنار ص646 ) .
ج – رد الحديث المتضمن حكماً زائداً على نص القرآن بدعوى أن ذلك نسخ له ، والسنة لا تنسخ القرآن ( شرح المنار ص647 ، الأحكام 2/66 ) .
د – تقديم العام على الخاص عند التعارض ، أو عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد !
( شرح المنار ص289-294 ، إرشاد الفحول 138-139-143-144 ) .
    هـ – تقديم أهل المدينة على الحديث الصحيح .
    الثالث : التقليد ، واتخاذه مذهباً وديناً .

الفصل الثاني

بطلان تقديم القياس وغيره على الحديث

    إن رد الحديث الصحيح بالقياس أو غيره من القواعد التي سبق ذكرها مثل رده بمخالفة أهل المدينة له ، لهو مخالفة صريحة لتلك الآيات والأحاديث المتقدمة القاضية بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف والتنازع ، ومما لا شك فيه عند أهل العلم أن رد الحديث لمثل ما ذكرنا من القواعد ، ليس مما اتفق عليه أهل العلم كلهم ، بل إن جماهير العلماء يخالفون تلك القواعد ، ويقدمون عليها الحديث الصحيح اتباعاً للكتاب والسنة ، كيف لا ، مع أن الواجب العمل بالحديث ولو مع ظن الاتفاق على خلافه أو عدم العلم بمن عمل به ، قال الإمام الشافعي في “الرسالة” (ص463/464) : ” ويجب أن يقبل الخبر في الوقت الذي ثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر ” .وقد قال العلامة ابن القيم في
“إعلام الموقعين” (1/32-33) :
    ” ولم يكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقدم على الحديث الصحيح ، عملا ولا رأيا ولا قياساً ولا قول صاحب ، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ، ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت ، وكذلك الشافعي أيضاً نص في “رسالته الجديدة” على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع … ونصوص رسول الله صلى الله عليه و سلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها ما توهم إجماع ، مضمونه عدم العلم بالمخالف ، ولو ساغ لتعطلت النصوص ، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص ” .
    وقال ابن القيم أيضاً (3/464-465) :
    ” وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم برأي أو قياس ، أو استحسان ، أو قول أحد من الناس كائناً من كان ، ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من ضرب له الأمثال ، ولا يسوغون غير الانقياد له صلى الله عليه و سلم والتسليم ، والتلقي بالسمع والطاعة ، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس ، أو يوافق قول فلان وفلان ن بل كانوا عاملين بقوله تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وأمثاله
( مما تقدم ) فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم : ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : كذا ، وكذا ، يقول : من قال بهذا ؟ دفعاً في صدر الحديث ، ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به ، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل ن وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم بمثل هذا الجهل ، وأقبح من ذلك عذره في جهله ، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة ، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين ، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذه الإجماع ، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث ، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان ” .
    قلت : وإذا كان هذا حال من يخالف السنة ، وهو يظن أن العلماء اتفقوا على خلافها ، فكيف يكون حال من يخالفها ، إذا كان يعلم أن كثيراً من العلماء قد قالوا بها ، وأن من خالفها لا حجة له
إلا من مثل تلك القواعد المشار إليها ، أو التقليد على ما سيأتي في الفصل الرابع .
    * سبب الخطأ في تقديم القياس وأصولهم على الحديث :
    ومنشأ الخطأ في تقديهم القواعد المشار إليها على السنة في نظري إنما هو نظرتهم إلى السنة أنها في مرتبة دون المرتبة التي أنزلها الله تبارك وتعالى فيها من جهة ، وفي شكهم في ثبوتها من جهة أخرى ،
وإلا كيف جاز لهم تقديم القياس عليها ، علماً بأن القياس قائم على الرأي والاجتهاد ، وهو معرض للخطأ كما هو معلوم ، ولذلك لا يصار إليه إلا عند الضرورة كما تقدم في كلمة الشافعي رحمه الله :
” لا يحل القياس والخبر موجود ” ، وكيف جاز لهم تقديم عمل أهل بعض البلاد عليها ، وهم يعلمون أنهم مأمورون بالتحاكم إليها عند التنازع كما سلف ؟ وما أحسن قول الإمام السبكي في صدد المتمذهب بمذهب يجد حديثاً لم يأخذ به مذهبه ، ولا علم قائلاً به من غير مذهبه :
    ” والأولى عندي اتباع الحديث ، وليفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم ، وقد سمع ذلك منه أيسعه التأخر عن العمل به ؟ ! لا والله ، وكل أحد مكلف بحسب فهمه ” ( 3 ) .
    قلت : وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن الشك في ثبوت السنة هو مما رماهم في ذلك الخطأ ، وإلا فلو كانوا على علم بها وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قالها ، لم يتفوهوا بتلك القواعد فضلا عن أن يطبقوها ، وأن يخالفوا بها مئات الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا مستند لهم في ذلك إلا الرأي والقياس واتباع عمل طائفة من الناس كما ذكرنا ، وإنما العمل الصحيح ما وافق السنة ، والزيادة على ذلك زيادة في الدين ، والنقص منه نقص في الدين ، قال ابن القيم (1/299) مفسراً للزيادة والنقص المذكورين :
    ” فالأول القياس ، والثاني التخصيص الباطل ، وكلاهما ليس من الدين ، ومن لم يقف مع النصوص ، فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ، ويقول هذا قياس ، ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ، ويخرجه عن حكمه ويقول : هذا تخصيص ومرة يترك النص جملة ، ويقول : ليس العمل عليه ، أو يقول : هذا خلاف القياس ، أو خلاف الأصول . ( قال ) : ونحن نرى أنه كلما اشتد توغل الرجل في القياس إشتدت مخالفته للسنن ، ولا نرى خلاف السنن والآثار عند أصحاب الرأي والقياس ، فالله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به ، وكم من أثر درس حكمه بسببه ، فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها ، معطلة أحكامها ، معزولة عن سلطانها وولايتها ، لها الاسم ، ولغيرها الحكم ، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي ، وإلا فلماذا ترك :
    * أمثلة من الأحاديث الصحيحة التي خولفت بتلك القواعد :
    1 – حديث قسم الابتداء وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكراً ، أو ثلاثا إن كانت ثيباً ، ثم يقسم بالسوية ؟
    2 – وحديث تغريب الزاني غير المحصن .
    3 – وحديث الاشتراط في الحج ، وجواز التحلل بالشرط .
    4 – وحديث المسح على الجوربين .
    5 – وحديث أبي هريرة ومعاوية بن الحكم السلمي في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة .
    6 – وحديث إتمام صلاة الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة .
    7 – وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسياً .
    8 – وحديث الصوم عن الميت .
    9 – وحديث الحج عن المريض الميئوس من برئه .
    10 – وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين .
    11 – وحديث قطع يد السارق في ربع دينار .
    12 – وحديث من تزوج إمرأة أبيه ضرب عنقه ويأخذ ماله .
    13 – وحديث لا يقتل مؤمن بكافر .
    14 – وحديث لعن الله المحلل والمحلل له .
    15 – وحديث لا نكاح إلا بولي .
    16 – وحديث المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة .
    17 – وحديث أصدقها ولو خاتماً من حديد .
    18 – وحديث إباحة لحوم الخيل .
    19 – وحديث كل مسكر حرام .
    20 – وحديث : ليس فيما دون الخمس أوسق صدقة .
    21 – وحديث المزارعة والمساقاة .
    22 – وحديث ذكاة ( 4 ) الجنين وذكاة أمه .
    23 – وحديث الرهن مركوب ومحلوب .
    24 – وحديث النهي عن تخليل الخمر .
    25 – وحديث لا تحرم المصة والمصتان .
    26 – وحديث أنت ومالك لأبيك .
    27 – وحديث الوضوء من لحوم الإبل .
    28 – وأحاديث المسح على العمامة .
    29 – وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده .
    30 – وحديث من دخل والإمام يخطب يوم الجمعة يصلي تحية المسجد .
    31- وحديث الصلاة على الغائب .
    32 – وحديث الجهر بآمين في الصلاة .
    33 – وحديث جواز رجوع الأب فيما وهب لولده ، ولا يرجع غيره .
    34 – وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال .
    35 – وحديث نضح بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام .
    36 – وحديث الصلاة على القبر .
    37 – وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره ( 5 ) .
    38 – وحديث النهي عن جلود السباع .
    39 – وحديث لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره .
    40 – وحديث إذا أسلم وتحته أختان يختاره أيتهما شاء .
    41 – وحديث الوتر على الراحلة .
    42 – وحديث كل ذي ناب من السباع حرام .
    43 – وحديث : من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة ( 6 ) .
    44 – وحديث لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده .
    45 – وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه .
    46 – وأحاديث الاستفتاح في الصلاة .
    47 – وحديث : تحريمها التكبير ، وتحلها التسليم .
    48 – وحديث حمل الصبية في الصلاة .
    49 – وأحاديث العقيقة .
    50 – وحديث : لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك .
    51 – وحديث أن بلالا يؤذن بليل .
    52 – وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة .
    53 – وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء .
    54- وحديث عسب الفحل .
    55 – وحديث المحرم إذا مات لم يخمر رأسه لم يقرب طيباً ” .
    قلت : هذه الأحاديث كلها أو جلها إلى أضعافها تركت من أجل القياس أو القواعد التي سبق ذكرها ، بعضها أعزاها ابن حزم للتاركين للسنة من أجل عمل المدينة ، وإليكم أمثلة أخرى من مخالفة هؤلاء للسنة ، فمن ذلك مخالفتهم لـــ :
    1 – حديث قراءته صلى الله عليه و سلم ( بالطور ) في  المغرب و ( المرسلات ) في آخر عمره صلى الله عليه و سلم .
    2 – تأمينه صلى الله عليه و سلم بعد الفاتحة .
    3 – سجوده صلى الله عليه و سلم في إذا السماء انشقت .
    4 – صلاته صلى الله عليه و سلم بالناس جالساً وهم جلوس وراءه . فقالوا : صلاة من صلى كذلك باطلة !
    5 – حديث أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ابتدأ بالناس الصلاة فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فدخل فجلس إلى جنب أبي بكر رضي الله عنه ، فأتم عليه السلام الصلاة بالناس . فقالوا : ليس عليه العمل ، ومن صلى هكذا بطلت صلاته !
    6 – حديث جمع بين الظهر والعصر ( يعني في المدينة ) في غير خوف ولا سفر ( 7 ) .
    7 – حديث أنه أتى بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء ، فأتبعه إياه ونضحه ولم يغسله .
    8 – وحديث أنه عليه السلام كان يقرأ في صلاة العيد بسورة ( ق ) و ( اقتربت الساعة ) .
    9 – حديث أنه عليه السلام صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد .
    10 – حديث أنه عليه السلام رجم يهوديين زنيا . فقالوا : لا يجوز رجمهم !
    11 – حديث أنه صلى الله عليه و سلم وهو محرم .
    12 – حديث تطيبه صلى الله عليه و سلم لحله قبل أن يطوف بالبيت ( 8 ) .
    13 – أحاديث التسليمتين في الصلاة .
    إلى غير ذلك من الأحاديث التي خالفوا فيها أوامره صلى الله عليه و سلم التي لو تتبعها المتتبع لربما بلغت الألوف كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى .
    وقد درسنا مسألة تقديم القياس وغيره على الحديث فيما مضى ، فلندرس الآن الأمرين الآخرين على ضوء الكتاب والسنة ، والنصوص المتقدمة لنتبين منها حقيقتها ، في فصلين اثنين .

الفصل الثالث
حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام
    إن القائلين بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة ، يقولون في الوقت نفسه بأن الأحكام الشرعية ثبتت بحديث الآحاد ن وهم بهذا قد فرقوا بين العقائد والأحكام ، فهل تجد هذا التفريق في النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة ، كلا ، وألف كلا ، بل هي بعمومها وإطلاقاتها تشمل العقائد أيضاً ، وتوجب اتباعه صلى الله عليه و سلم فيها ، لأنها بلا شك مما يشمله قوله ( أمراً ) في آية وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وهكذا أمره تعالى بإطاعة نبيه صلى الله عليه و سلم والنهي عن عصيانه ، والتحذير من مخالفته – وثناوه على المؤمنين الذين يقولون عندما يدعون للتحاكم إلى الله ورسوله : سمعنا وأطعنا ، كل ذاك يدل على وجوب طاعته واتباعه صلى الله عليه و سلم في العقائد والأحكام . وقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه فإنه ( ما ) من ألفاظ العموم والشمول كما هو معلوم . وأنت لو سألت هؤلاء القائلين بوجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام عن الدليل عليه ، لاحتجوا بهذه الآيات السابقة وغيرها مما لم نذكره اختصاراً ، وقد استوعبها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه “الرسالة” فليراجعها من شاء ، فما الذي حملهم على استثناء العقيدة من وجوب الأخذ بها وهي داخلة في عموم الآيات ؟ إن تخصيصها بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص ن وذلك باطل ، وما لزم منه باطل فهو باطل .
    * شبهة وجوابها
    لقد عرضت لهم شبهة ثم صارت لديهم عقيدة ! وهي أن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ، ويعنون به الظن الراجح طبعاً ، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتفاقاً ، ولا يجوز الأخذ به عندهم في الأخبار الغيبية ، والمسائل العلمية ، وهي المراد بالعقيدة ، ونحن لو سلمنا لهم جدلا بقولهم : ( إن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ) على إطلاقه ، فإنا نسألهم : من أين لكم هذا التفريق ، وما الدليل على أنه لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة ؟ !
لقد رأينا بعض المعاصرين يستدلون على ذلك بقوله تعالى في المشركين : إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس وبقوله سبحانه : إن الظن لا يغني منن الحق شيئاً ، ونحو ذلك من الآيات التي يذم الله تعالى فيها المشركين على اتباعهم الظن . وفات هؤلاء المستدلين أن الظن المذكور ففي هذه الآيات ليس المراد به الظن الغالب الذي يفيده خبر الآحاد ، والواجب الأخذ به اتفاقاً ، وإنما هو الشك الذي هو الخرص ن فقد جاء في “النهاية” و “اللسان” وغيرها من كتب اللغة : ” الظن : الشك يعرض لك في الشيء فتحققه وتحكم عليه ” .
    فهذا هو الظن الذي نعاه الله تعالى على المشركين ، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى فيهم : إن يتبعون
إلا الظن وإن هم إلا يخرصون فجعل الظن هو الخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين .
    ولو كان الظن المنعي على المشركين في هذه الآيات هو الظن الغالب كما زعم أولئك المستدلون ،
لم يجز الأخذ به في الأحكام أيضاً ، وذلك لسببين أثنين :
    الأول : أن الله أنكره عليهم إنكاراً مطلقاً ، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام .
    والآخر : أنه تعالى صرح في بعض الآيات أن الظن الذي أنكره على المشركين يشمل القول به في الأحكام أيضاً ، فاسمع إلى قوله تعالى الصريح في ذلك : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ( فهذه عقيدة ) ولا حرمنا من شيء ( وهذا حكم ) كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن ، وإن أنتم إلا تخرصون ، ويفسرها قوله تعالى : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والإثم والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فثبت مما تقدم أن الظن الذي لا يجوز الأخذ به إنما هو الظن الغوي المرادف للخرص والتخمين ، والقول بغير علم ، وأنه يحرم الحكم به في الأحكام كما يحرم الأخذ به في العقائد ولا فرق .
    وإذ كان الأمر كذلك فقد سلم لنا القول المتقدم : إن كل الآيات والأحاديث المتقدمة الدالة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام ، تدل أيضاً بعمومها وشمولها على وجوب الأخذ به في العقائد أيضاً ، والحق أن التفريق بين العقيدة والأحكام في وجوب الأخذ فيها بحديث الآحاد فلسفة دخيلة في الإسلام، لا يعرفها السلف الصالح ولا الأئمة الأربعة الذين يقلدهم جماهير المسلمين في كل العصر الحاضر.
    * بناؤهم عقيدة ( عدم الأخذ بحديث الآحاد ) على الوهم والخيال :
    وإن من أعجب ما يسمعه المسلم العاقل اليوم هو هذه الكلمة التي يرددها كثير من الخطباء والكتاب كلما ضعف إيمانهم عن التصديق بحديث ، حتى ولو كان متواتراً عند أهل العلم بالحديث كحديث نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان ، فإنهم يتسترون بقولهم : ” حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة ” ، وموضع العجب أن قولهم هذا هو نفسه عقيدة ، كما قلت مرة لبعض من ناظرتهم في هذه المسألة ، وبناء على ذلك ، فعليهم أن يأتوا بالدليل القاطع على صحة هذا القول ، وإلا فهم متناقضون فيه ، وهيهات هيهات فإنهم لا دليل لهم إلا مجرد الدعوى ، ومثل ذلك مردود في الأحكام فكيف في العقيدة ؟ وبعبارة أخرى : لقد فروا من القول بالظن الراجح في العقيدة ، فوقعوا فيما هو أسوأ منه وهو قولهم بالظن المرجوح فيها ، ( فاعتبروا يا أولى الأبصار ) ! وما ذلك إلا بسبب البعد عن التفقه بالكتاب والسنة ، والإهتداء بنورهما مباشرة ، والانشغال عنه بآراء الرجال .

    * الأدلة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة :
    إن هناك أدلة أخرى أخص في الدلالة مما سبق على وجوب الأخذ بخبر الواحد في العقيدة أرى أنه
لا بد من التعرض لذكر بعضها ، وبيان وجه دلالتها .
الدليل الأول : قوله تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون .
فقد حض الله تبارك وتعالى المؤمنون على أن ينفر طائفة منهم إلى النبي r ليتعلموا منه دينهم ويتفقهوا فيه . ولا شك أن ذلك ليس خاصاً بما يسمى بالفروع والأحكام بل هو أعم . بل المقطوع به أن يبدأ المعلم بما هو الأهم فالأهم تعليما وتعلما ، ومما لا ريب فيه أن العقائد أهم من الأحكام ، ومن أجل ذلك زعم الزاعمون أن العقائد لا تثبت بحديث الآحاد ، فيبطل ذلك عليهم هذه الآية الكريمة ، فإن الله تعالى كم حض فيها الطائفة على التعلم والتفقه عقيدة وأحكاماً حضهم على أن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما تعلموه من العقائد والأحكام ، و ( الطائفة ) في لغة العرب تقع على الواحد فما فوق . فلولا أن الحجة تقوم بحديث الآحاد عقيدة وحكماً لما حض الله تعالى الطائفة على التبليغ حضاً عاماً، معللاً ذلك بقوله: لعلهم يحذرون الصريح في أن العلم يحصل بإنذار الطائفة، فإنه كقوله تعالى في آياته الشرعية والكونية: لعلهم يتفكرون ، لعلهم يعقلون ، لعلهم يهتدون ، فالآية نص في أن خبر الآحاد حجة في التبليغ عقيدة وأحكاماً .
الدليل الثاني : قوله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم أي لا تتبعه ، ولا تعمل به ، ومن المعلوم أن المسلمين لم يزالوا من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ، ويعملون بها ، ويثبتون بها الأمور الغيبية ، والحقائق الإعتقادية مثل بدء الخلق وأشراط الساعة ، بل ويثبتون بها لله تعالى الصفات ، فلو كانت
لا تفيد علما ، ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (مختصر الصواعق– 2/396) وهذا مما لا يقوله مسلم.
الدليل الثالث : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وفي القراءة الأخرى
فتثبتوا ، فإنها تدل على أن العدل إذا جاء بخبر ما فالحجة قائمة به ، وأنه لا يجب التثبت بل يؤخذ به حالاً ، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله في “الإعلام” (2/394) :
    “وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد وأنه لا يحتاج إلى التثبت ، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم . ومما يدل عليه أيضاً أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا ، وفعل كذا وأمر بكذا ، ونهى عن كذا ، وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة ، وفي “صحيح البخاري” : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في عدة مواضع ، وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ! وإنما سمعه من صحابي غيره ، وهذه شهادة من القائل ، وجزم على رسول الله صلى الله عليه و سلم بما نسب إليه من قول أو فعل ، فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهداً على رسول الله صلى الله عليه و سلم بغير علم”.
الدليل الرابع : سنة النبي صلى الله عليه و سم وأصحابه تدل على الأخذ بخبر الآحاد : إن السنة العملية التي جرى عليها النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه في حياته وبعد وفاته تدل أيضاً دلالة قاطعة على عدم التفريق بين حديث الآحاد في العقيدة والأحكام ، وأنه حجة قائمة في كل ذلك ، وأنا ذاكر الآن بإذن الله بعض ما وقفت عليه من الأحاديث الصحيحة ، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في “صحيحه” – 8/132) :
” باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام ، وقول الله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية ، وقوله تعالى : إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وكيف بعث النبي صلى الله عليه و سلم أمراءه واحداً بعد واحد ، فإن سها أحد منهم رد إلى السنة ” .
    ثم ساق الإمام البخاري أحاديث مستدلاً بها على ما ذكر من إجازة خبر الواحد ، والمراد بها جواز العمل والقول بأنه حجة فأسوق بعضاً منها :
    الأول : عن مالك بن الحويرث قال :
    ” أتينا النبي صلى الله عليه و سلم ونحن شببه ( 9 ) متقاربون ، فأقمنا عنده نحواً من عشرين ليلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم رحيماً رفيقاً ، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا ، أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا ، فأخبرناه ، قال : ارجعوا إلى أهليكم ، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم ، وصلوا كما رأيتموني أصلي “.
    فقد أمر صلى الله عليه و سلم كل واحد من هؤلاء الشببة أن يعلم كل واحد منهم أهله ، والتعليم يعم العقيدة ،
بل هي أول ما يدخل في العموم فلو لم يكن خبر الآحاد تقوم به الحجة لم يكن لهذا الأمر معنى .
    الثاني : عن أنس بن مالك : أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : إبعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام . قال : فأخذ بيد أبي عبيدة  فقال :” هذا أمين هذه الأمة  أخرجه مسلم
(7/29) ورواه البخاري مختصراً .
    قلت : فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لم يبعث إليهم أبا عبيدة وحده ، وكذلك يقال في بعثه صلى الله عليه و سلم إليهم في نوبات مختلفة ، أو إلى بلاد منها متفرقة غيره من الصحابة رضي الله عنهم كعلي بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل ، وأبي موسى الأشعري ، وأحاديثهم في “الصحيحين” وغيرهما ، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء كانوا يعلمون الذين أرسلوا إليهم العقائد في جملة ما يعلمونهم ، فلو لم تكن الحجة قائمة بهم عليهم
لم يبعثهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أفرداً ، لأنه عبث يتنزه عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وهذا معنى قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في “الرسالة” (ص412) :
    ” وهو صلى الله عليه و سلم لا يبعث بأمره ، إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان قادراً على أن يبعث إليهم فيشافههم ، أو يبعث إليهم عدداً ، فبعث واحداً يعرفونه بالصدق ” .
    الثالث : عن عبد الله بن عمر قال :
    ” بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة ” رواه البخاري ومسلم .
    فهذا نص على أن الصحابة رضي الله عنهم قبلوا خبر الواحد في نسخ ما كان مقطوعاً عندهم من وجوب استقبال بيت المقدس ، فتركوا ذلك واستقبلوا الكعبة لخبره ، فلولا أنه حجة عندهم ما خالفوا به المقطوع عندهم من القبلة الأولى . قال ابن القيم :
    “ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، بل شكروا على ذلك ” .
    الرابع : عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى نبي إسرائيل ، فقال ابن عباس : كذب عدو الله ، أخبرني أبي بن كعب قال : خطبنا رسول الله ، ثم ذكر حديث موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى عليه السلام صاحب الخضر . أخرجه الشيخان مطولاً ، والشافعي هكذا مختصراً وقال (442/1219) :
    الشافعي يثبت العقيدة بخبر الواحد :
“فابن عباس مع فقهه وورعه يثبت خبر أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى يكذب به امرءاً من المسلمين ، إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بما فيه دلالة على أن موسى نبي إسرائيل صاحب الخضر” .
    قلت : وهذا القول من الإمام الشافعي رحمه الله دليل على أنه لا يرى التفريق بين العقيدة والعمل في الاحتجاج بخبر الآحاد ، لأن كون موسى عليه السلام هو صاحب الخضر عليه السلام هي مسألة علمية وليست حكماً عملياً كما هو مبين ، ويؤيد ذلك أن الإمام رحمه الله تعالى عقد فصلاً هاماً في “الرسالة” تحت عنوان “الحجة في تثبيت خبر الواحد” وساق تحته أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، (ص401-453) وهي أدلة مطلقة ، أو عامة ، تشمل بإطلاقها وعمومها أن خبر الواحد حجة في العقيدة أيضاً ، وكذلك كلامه عليها عام أيضاً ، وختم هذا البحث بقوله :
“وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها ، ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه ( 10 ) السبيل .
وكذلك حكى لنا عمن حكى لنا عنه أن أهل العلم بالبلدان” .
    وهذا عام أيضاً . وكذلك قوله (ص457) :
    “ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة : أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والإنتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته  جاز لي ، ولكن أقول : لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد” .
    * عدم الإحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة بدعة محدثة :
    وبالجملة ، فأدلة الكتاب والسنة ، وعمل الصحابة ، وأقوال العلماء تدل دلالة قاطعة – على
ما شرحنا – من وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة ، سواء كان في الإعتقاديات
أو العمليات ، وأن التفريق بينهما ، بدعة لا يعرفها السلف ، ولذلك قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى
(3/412) :
    ” وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة ، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات ( يعني العقيدة ) ، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات ، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه ديناً ، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته ، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام ، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته ، فأين سلف المفرقين بين البابين ؟ ! نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم
بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه ، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ، ويحيلون على آراء المتكلمين ، وقواعد المتكلفين ، فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين … وادعوا الإجماع على هذا التفريق ، ولا يحفظ ما جعلوه إجماعاً عن إمام من أئمة المسلمين ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين … فنطالبهم بفرق صحيح بين ما يجوز إثباته بخبر الواحد من الدين ، وما لا يجوز ، ولا يجدون إلى الفرق سبيلا إلا بدعاوى باطلة … كقول بعضهم : الأصوليات هي المسائل العلميات ، والفروعيات هي المسائل العملية ( وهذا تفريق باطل أيضاً ، فإن المطلوب من العمليات ) ( 11 )أمران : العلم والعمل ، والمطلوب من العلميات العلم والعمل أيضاً ، وهو حب القلب وبغضه ، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته ، وبغضه للباطل الذي يخالفها ، فليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح ، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح ، وأعمال الجوارح تبع ، فكل مسألة علمية ، فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه ، بل هو أصل العمل ، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان ، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال ! وهذا من أقبح الغلط وأعظمه ، فإن كثيراً من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي صلى الله عليه و سلم غير شاكين فيه ، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب ، من حب ما جاء به والرضا به وإرادته ، والموالاة والمعاداة عليه ، فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جداً ، به تعرف حقيقة الإيمان .
    فالمسائل العلمية عملية ، والمسائل العملية عليمة ، فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم ، ولا في العمليات بمجرد العلم دون العمل” .
    فتحرر من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن التفريق المذكور مع كونه باطلاً بالإجماع لمخالفته ما جرى عليه السلف ، وتظاهر الأدلة المتقدمة على مخالفته ، فهو باطل أيضاً من جهة تصور المفرقين عدم وجوب اقتران العلم بالعمل ، والعمل بالعلم ، وهذه نقطة هامة جداً تساعد المؤمن على تفهم الموضوع جيداً ، والإيمان ببطلان التفريق المذكور يقيناً .
    * إفادة كثير من أخبار الآحاد العلم واليقين :
    ثم إن ما تقدم من البحث وتحقيق القول ببطلان التفريق المذكور ، إنما هو قائم كله على افتراض صحة القول بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن الراجح ، ولا يفيد اليقين ، والعلم القاطع فينبغي أن يعلم أن ذلك ليس مسلماً على إطلاقه ، بل فيه تفصيل مذكور في موضعه ، والذي يهمنا ذكره الآن هو أن خبر الآحاد يفيد العلم واليقين في كثير من الأحيان ، من ذلك الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول ، ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مما لم ينتقد عليهما فإنه مقطوع بصحته ، والعلم اليقيني النظري حاصل به ، كما جزم به الإمام ابن الصلاح في كتابه “علوم الحديث” (ص28-29) ونصره الحافظ بن كثير في “مختصره” ومن قبله شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتبعه العلامة ابن قيم الجوزية في “مختصر الصواعق”
(2/383) ، ومثل له بعدة أحاديث ، منها حديث عمر :  إنما الأعمال بالنيات  وحديث :  إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل  ، وحديث ابن عمر :  فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الفطر في رمضان على الصغير والكبير والذكر والأنثى  وأمثال ذلك ، قال ابن القيم (2/373) :
    ” قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه و سلم من الأولين والآخرين ، أما السلف ، فلم يكن بينهم في ذلك نزاع ، وأما الخلف ؛ فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة ، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ، مثل السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية ، والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية ، وابن خويز منداد وغيره من المالكية ، ومثل القاضي أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية ، ومثل أبي إسحاق الإسفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين ، وذكره ابن الصلاح وصححه واختاره ، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم ، وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين ، وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة : أن هذا الذي قاله أبو عمرو بن الصلاح انفرد به عن الجمهور ! وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب ، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي ، وإلى ابن الخطيب ، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني . ( قال ) : وجميع أهل الحديث
ما ذكره الشيخ أبو عمرو ، والحجة على قول الجمهور : أن تلقي الأمة للخبر تصديقاً وعملاً ، إجماع منهم والأمة لا تجتمع على ضلالة ، كما لو اجتمعت على موجب عموم ، أو مطلق أو اسم حقيقة ، أو على موجب قياس ، فإنها لا تجتمع على خطأ وإن كان الواحد منهم لو جرد النظر إليه لم يؤمن عليه الخطأ ، فإن العصمة تثبت بالنسبة الاجماعية ، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحد واحد من المخبرين بمفرده ، ولا يجوز على المجموع ، والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ، ( قال : ) والآحاد في هذا الباب قد تكون ظنوناً بشروطها ، فإذا قويت صارت علوماً ، وإذا وضعت صارت أوهاماً وخيالات فاسدة . (قال : )
    وأعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب كما ذكره الشيخ أبو عمرو ، ومن قبله العلماء كالحافظ أبي طاهر السلفي وغيره ، فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم ، مفيد لليقين ، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين ، فإن الإعتبار في الإجماع
على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم ، كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية
إلا العلماء بها ، دون المتكلمين والنحاة والأطباء ، وكذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله ، وهم علماء الحديث ، العالمون بأحوال نبيهم ، الضابطون لأقواله وأفعاله ، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين لأقوال متبوعيهم ، فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص ، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم ، فضلاً أن يتواتر عندهم ، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم ، وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علماً لا يشكون فيه
مما لا شعور لغيرهم به البتة ” .
    * فساد قياس الخبر الشرعي على الأخبار الأخرى في إفادة العلم :
    قال ابن القيم رحمه الله تعالى (2/368) :
    ” وإنما أتى منكر إفادة خبر الواحد العلم من جهة القياس الفاسد فإنه قاس المخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بشرع عام للأمة ، أو بصفة من صفات الرب تعالى على خبر الشاهد على قضية معينة ، ويا بعد
ما بينهما ‍! فإن المخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لو قدر أنه كذب عمداً أو خطأ ن ولم يظهر ما يدل على كذبه لزم من ذلك إضلال الخلق ، إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول ، وعملت بموجبه ، وأثبت به صفات الرب وأفعاله ، فإن ما يجب قبوله شرعاً من الأخبار
لا يكون باطلا في نفس الأمر ، لاسيما إذا قبلته الأمة كلهم وهكذا يجب أن يقال في كل دليل يجب اتباعه شرعاً ، لا يكون إلا حقاً ، فيكون مدلوله ثابتاً في نفس الأمر ، هذا فيما يخبر به عن شرع الرب تعالى وأسمائه وصفاته ، بخلاف الشهادة المعينة على مشهود عليه معين ، فهذه قد لا يكون مقتضاها ثابتاً في نفس الأمر .
    وسر المسألة أنه لا يجوز أن يكون الخبر الذي تعبد الله به الأمة وتعرف به إليهم على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم في إثبات أسمائه وصفاته كذباً وباطلاً في نفس الأمر ، فإنه من حجج الله على عباده ، وحجج الله
لا تكون كذباً وباطلا ، بل لا تكون إلا حقاً في نفس الأمر ، ولا يجوز أن تتكافأ أدلة الحق والباطل ،
ولا يجوز أن يكون الكذب على الله وشرعه ودينه مشتبهاً بالوحي الذي أنزله على رسوله ، وتعبد به خلقه ، بحيث لا يتميز هذا عن هذا ، فإن الفرق بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، ووحي الشيطان ، ووحي الملك عن الله ، أظهر من أن يشبه أحدهما بالآخر ، ألا وقد جعل الله على الحق نوراً كنور الشمس يظهر للبصائر المستنيرة ، وألبس الباطل ظلمة كظلمة الليل .
    وليس بمستنكر أن يشتبه الليل بالنهار على أعمى البصر ، كما يشتبه الحق بالباطل على أعمى البصيرة ، قال معاذ بن جبل في قضيته (!) ” تلق الحق مما قاله ، فإن على الحق نوراً ” ولكن لما أظلمت القلوب ، وعميت البصائر بالإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ، وازدادت الظلمة باكتفائها بآراء الرجال التبس عليها الحق بالباطل ، فجوزت على أحاديثه صلى الله عليه و سلم الصحيحة التي رواها أعدل الأمة وأصدقها أن تكون كذباً ، وجوزت على الأحاديث الباطلة المكذوبة المختلقة التي توافق أهواءها أن تكون صدقاً فاحتجت بها ! قال (2/379) :
    وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل، يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن كعب بأخبار آحاد الناس، مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين ، فمن أظلم ممن سوى بين خبر الواحد من الصحابة وخبر الواحد من الناس في عدم إفادة العلم ؟ وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل . قال (2/379) :
    * سبب ادعائهم ( عدم إفادة حديث الآحاد العلم ) هو جهلهم بالسنة :
    فإذا قالوا : أخباره صلى الله عليه و سلم وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم ، فهم مخبرون عن أنفسهم أنهم لم يستفيدوا منها العلم ، فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم ، كاذبون في إخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة . (وقال 2/432) إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم ، فقولهم : لم نستفد بها العلم لم يلزم منه النفي العام على ذلك ، ( وهذا ) بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء العالم به غير واجد له ، ولا عالم به ! فهو كمن يجد من نفسه وجعاً أو لذة أو حباً أو بغضاً ، فينتصب له من يستدل على أنه غير وجع ولا متألم ولا محب ولا مبغض ، ويكثر له من الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته ، ولو كان حقاً لاشتركت أنا وأنت فيه ! وهذا عين الباطل ،
وما أحسن ما قيل :
أقول للائم المهدى ملامته     ذق الهوى فإن استطعت الملام لم
    فيقال له : اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم واحرص عليه ، وتتبعه واجمعه ، و ( الزم ) معرفة أحوال نقلته وسيرتهم ، وأعرض عما سواه ، واجعله غاية طلبك ، ونهاية قصدك ، بل احرص عليه حرص أتباع المذاهب على معرفة مذاهب أئمتهم ، بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم ، ولو أنكر ذلك عليهم منكر لسخروا منه ، وحينئذ تعلم : هل تفيد أخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم العلم أو لا تفيده ، فأما مع إعراضك عنها ، وعن طلبها فهي لا تفيدك علماً ، ولو قلت : لا تفيدك أيضاً ظناً لكنت مخبراً بحصتك ونصيبك منها ‍! ” .
    * مثالان على موقف بعض الفقهاء من الحديث وجهلهم بالسنة :
    أقول : وهذه حقيقة يلمسها كل مشتغل بعلم الحديث متتبع لطرقه وألفاظه ، مطلع على موقف بعض الفقهاء ، من بعض رواياته وأضرب على ذلك مثلين اثنين ، أحدهما قديم ، والآخر حديث :
    الأول : قوله صلى الله عليه و سلم : ” لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب  فهو مع كونه صحيحاً مخرجاً في “الصحيحين” فقد رده الحنفية بدعوى أنه مخالف لظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى : فاقرأوا ما تيسر منه فتأولوه لكونه حديث آحاد بزعمهم ، مع أن أمير المؤمنين في الحديث وهو الإمام البخاري صرح في مطلع كتابه “جزء القراءة” بأنه حديث متواتر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم !
    ترى ألم يكن من الواجب على هؤلاء أن يستفيدوا من علم هذا الإمام المختص بالحديث ، ويغيروا رأيهم فيه أنه آحاد ، ويضموه إلى الآية ويخصصوها به ؟ هذا مع العلم بأن الآية الكريمة المذكورة هي في موضوع صلاة الليل وليست في موضوع القراءة المفروضة في الصلاة !
    والآخر : حديث نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان ، وهو مروي في “الصحيحين” أيضاً ، فقد سئلت عنه منذ سنين مشيخة الأزهر ، فأجاب أحدهم في مجلة “الرسالة” بأنه حديث آحاد ، وأن مدار طرقه على وهب بن منبه وكعب الأحبار .
    والحقيقة التي يشهد بها أهل الاختصاص والمعرفة بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه حديث متواتر ، وقد كنت تتبعت أنا شخصياً طرقه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، فرأيته قد رواه عنه عليه الصلاة والسلام نحو أربعين صحابياً ، أسانيد عشرين منهم على الأقل صحيحة ، وبعضها له عند بعضهم أكثر من طريق واحد صحيح في “الصحيحين” و”السنن” و”المسانيد” و”المعاجم” وغيرها من كتب السنة .
    ومن الغريب أن كل هذه الطرق ليس فيها ذكر مطلقاً لوهب وكعب ! ! وقد كنت كتبت خلاصة للتتبع المشار إليه في صفحتين أرسلتهما إلى “الرسالة” يؤمئذ ، راجياً أن تنشرهما خدمة للعلم ، ولكن
لم يكتب لهما النشر !
    فهذان المثالان من مئات الأمثلة تبين لنا أن الحديث النبوي لم ينل من أهل العلم العناية الواجبة عليهم على اعتبار أنه الأصل الثاني للشريعة الإسلامية ، الذي بدونه لا يمكن أبداً أن يفهم الأصل الأول فهماً صحيحاً كما أراده الله تبارك وتعالى ، فوقعوا بسبب ذلك في هذا الجهل الفاضح بأحاديث النبي صلى الله عليه و سلم ، وهذا الإنحراف المكشوف عن التصديق بها ، وهي قطعاً مما جاء به عليه السلام ، والله تعالى يقول :
وما آتاكم الرسول فخذوه.. فأخذوا بعضه وتركوا بعضه !فما جزاء من يفعل ذلك إلا .. .
    والخلاصة أنه يجب على المسلم أن يؤمن بكل حديث ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، عند أهل العلم به سواء كان في العقائد أو الأحكام وسواء أكان متواتراً أم آحاداً ، وسواء أكان الآحاد عنده يفيد القطع واليقين ، أو الظن الغالب على ما سبق بيانه ، فالواجب في كل ذلك الإيمان به والتسليم له ، وبذلك يكون قد حقق في نفسه الاستجابة المأمور بها في قول الله تبارك وتعالى : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، وأنه إليه تحشرون وغيرها من الآيات التي سبق ذكرها في مطلع هذه الكلمة التي أرجو الله تعالى أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه ، ناصرة لكتابه ، خادمة لسنة نبيه صلى الله عليه و سلم تسليماً .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: