الإسناد نشأته و أهميته

الإسناد نشأته و أهميته

اعداد د. حارث سليمان الضاري
الناشر مركز المخطوطات و التراث والوثائق

الطبعة الأولى1421هـ / 2000م

مقـــدمة

الحمد الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد:
حفظ الله عز وجل كتابه وحفظ معه الحكمة وهي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (واذكُرًنّ ما يُتًلى في بيوتِكن من

آياتِ اللهِ والحكمةِ إن اللهَ كان لطيفاً خبيرا). (الأحزاب/34).
وقد أجمع أهل العلم من المفسرين على أن الحكمة المقصودة في الآية هي كلام نبية، و(اذكرن) كما قال القرطبي: (14/184) بمعنى احفظنه

واقرأنه وألزمنه الألسنة فكأنه يقول: احفظن أوامر الله تعالى ونواهية، وذلك هو الذي يُتلى في بيوتكن من آيات الله، فأمر الله سبحانه وتعالى

أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن، وما يرين من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام، ويسمعن من أقواله حتى بلغن ذلك إلى الناس،

فيعملوا ويقتدوا، وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدَّين.
وليست هذه الآية الوحيدة التي تحث على الالتزام بسنة رسول الله التي جاءت عن طريق الحديث فقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك

من ربك) واضحة وصريحة بذلك، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها في حديث لها: ((من حدثكم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد كتم

أمراً بتبليغه، فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت الآية المذكورة)). أخرجه الشيخان.
وقد روى الترمذي بسنده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو

نهيت عنه، فيقول: لا أدري! ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)).
وفي رواية لغيره : (( ما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه)) وفي أخرى: ((ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم

الله)).
والسنة هي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الذي اجتهد علماء الحديث بحفظه والعناية به وتقعيد العلوم الحديثية له حتى وصلت

علومه ِإلى أكثر من ثمانين علماً.
علم الإسناد هذا العلم العظيم الشريف هو ما امتازت به هذه الأمة المحمدية. ونحن من هذا المنطلق نحاول جهدنا – وهو جهد المقل – أن

نسهم في إبراز سنة نبينا بالوسائل المتاحة كافةً وهي متنوعة وكثيرة – بفضل الله – وتتمثل في طباعة الرسائل العلمية والكتب التراثية

وتسهيل تصوير المخطوطات للباحثين وطلبة العلم وتذليل الصعاب أمامهم وتسهيل سبل البحث العلمي لهم، ومن الله نستمد العون والتوفيق.

مقدمة الناشر
محمد بن ابراهيم الشيباني
رئيس مركز المخطوطات و التراث والوثائق
دولة الكويت

الإسنــاد

======

كلمـــات وأشعـــار

سنعرف في هذا البحث الإسناد ، وسنتحدث فيه عن نشأته وتاريخه وأهميته، وأقسامه وأنواعه، وعن امتياز المسلمين به على غيرهم من

الأمم الأخرى، وفضل المحدثين فيه على غيرهم من علماء الأمة ، وغير ذلك مما يقتضي المقام ذكره.

1- تعريف الإسناد :

الإسناد هو : رفع الحديث إلى قائله ، والسند هو : الإخبار عن طريق المتن(1) وهو مأخوذ من السند ، وهو ما ارتفع وعلا من

سفح الجبل، لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم : فلان سند: أي معتمد، فسمى الأخبار عن طريق المتن سنداً لاعتماد الحفاظ في صحة

الحديث وضعفه عليه(2).
قال الطيبي : فعلى هذا السند والإسناد يتدربون في معنى الاعتماد(3).
وقال ابن جماعة: المحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد(4).
وأما المسند بفتح النون، فيطلق على ثلاثة أمور:
أحدهما – الحديث المسند : وهو ما اتصل إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل: هو المروي عن رسول الله صلى

الله عليه وسلم، وقيل : هو المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان متصلا أو منقطعاً(5).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر السيوطي : تدريب الراوي 5 ، والطيبي : الخلاصة 30 والمتن : هو ما تنتهي إليه غاية السند من الكلام.
(2) نظر السيوطي : تدريب الراوي 5 : والفيروز آبادي : القاموس المحيط 1 / 314
(3) الطيبي : الخلاصة 30
(4) السيوطي : تدريب الراوي 5 ، وابن جماعة : هو محمد بين ابراهيم بن سعدالله ابن جماعه الحموي المصري الشامي ، بدر الدين

، ابو عبدالله ، شيخ الاسلام وقاضي القضاه بمصر والشام ، مات سنة 733 هـ انظر ذيل تذكرة الحفاظ 108
(5) النووي : التقريب 7 وابن كثير : اختصار علوم الحديث 44
——-

ثانيهما – هو الكتاب المرتب على المسانيد، كمسند أحمد وأبي داود والطيالسي وغيرهما.
ثالثها – يطلق ويراد به الإسناد، فيكون مصدراً(6).
وأما المسند ، بكسر النون فهو : من يروي الحديث بإسناده سواء كان عنده علم به ، أو ليس له إلا مجرد الرواية(7).

—–

2- نشأة الإسناد وتاريخه :

إذا كان الإسناد هو : رفع الحديث إلى قائله، أو الإخبار عن طريق المتن، كما أسلفنا: فإنه كان قد وجد بهذا المعنى في عهد النبي

صلى الله عليه وسلم، إذ أن من المعروف ان الصحابة رضي الله عنهم، كانوا ينقلون مايسمونه من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وما

يرونه ويشاهدونه من أفعاله وسائر أحواله إلى من لم يسمع أو يشاهد شيئاً منها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، حيث كان

الكثير منهم تفوتهم بعض فرص اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فتفوتهم بذلك أشياء كثيرة من السنن فيأخذونها ممن أخذها عن النبي صلى

الله عليه وسلم من إخوانهم، وينقلها هؤلاء وأولئك إلى غيرهم ممن فاتهم لقاء النبي صلى الله عليه وسلم من الأعراب وغيرهم من أهل

الأماكن النائية الذين لم يتيسر لهم لقاؤه صلى الله عليه وسلم، بلفظ، سمعنا أو رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كذا أو فعل كذا.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كنت أنا وجار لي من
الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي، وإذا نزل فعل

مثل ذلك.. الحديث (8).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(6) السيوطي : تدريب الراوي 6
(7) السيوطي : تدريب الراوي 7
(8) أحمد : المسند 1 / 33 ، والبخاري : بشرح ابن حجر 1/185

—–

و روي عن البراء بن عازب أنه قال: ليس كلنا سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم

يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب(9).
وفي رواية : ماكل الحديث سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحدثنا أصحابنا وكنا مشتغلين في رعاية الإبل(10).

وعلى هذا فإن من كان يروي لإخوانه ما فاتهم أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة بلفظ: قال أو فعل أو سمعت أو

رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون بذلك قد رفع لهم الحديث إلى قائله، وأخبرهم عن طريق متنه، أي نسبه إلى من صدر منه،

وهو النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كان من الصحابة في هذا العهد من إذا روى حديثا لغيره رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء رواه

عنه مباشرة أو رواه عنه بواسطة صحابي آخر، ولم يكن ذلك ناشئا عن جهلهم بالواسطة وعدم معرفتهم ممن أخذوا أو عمن تحملوا، وإنما

كان ذلك منهم، لثقة بعضهم ببعض، وبعدهم عن مظان الكذب ديانة وطبعا، ووجود النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، ورجوعهم إليه فيما قد

يشكل عليهم أو يتشككون فيه، وإلا فإنهم كانوا يعرفون ما تحملوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما تحملوه عن غيره، ولا أدل على ذلك

مما حفلت به كتب السنة المعتبرة من الأحاديث المتصلة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. من ذلك ما رواه مسلم عن قزعة عن أبي

سعيد الخدري قال: سمعت منه حديثا فأعجبني فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقول على رسول الله صلى

الله عليه وسلم ما لم أسمع. قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال… الحديث) (11).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(9) الخطيب : الكفاية 548 ، والسيوطي : مفتاح الجنة 22
(10) الحاكم : المستدرك 1/ 95 ، وقال : صحيح علي شرط الشيخين .
(11) مسلم : بشري النووي 9 /105 وقزعه : هو ابن يحيي ويقال : ابن الأسود ابو الفادية البصري ، مولي زياد بن أبي سفيان ،

ويقال مولي عبد الملك ويقال: بل هو من بني الحريش: روي عن عمرو بن العاص وابي سعيد الخدري، تابعي ثقة: تهذيب التهذيب 8 /377

———

وما رواه عن عامر الشعبي : أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثا

سمعتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسندينه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلن، فقال لها: أجل حدثيني، فقالت: نكحت

المغيرة…. الحديث) (12).

وقد كانوا على هذا إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ساروا عليه بعد وفاته، فكان منهم من يذكر الواسطة فيما لم

يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، ومنهم من لم يذكرها، بل يرفع الحديث إليه مباشرة، وذلك لعدم حاجتهم إلى ذكر الواسطة لقربهم

من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لم يكن بين الكثير منهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم واسطة، ومن كانت بينه وبينهم واسطة، فهي

معروفة لهم، وهي لا تتعدى في الغالب الشخص أو الشخصين.
ولاستمرار ثقة بعضهم ببعض، وتصديق أحدهم للآخر كما ذكرنا. روي عن الحسن عن أنس بن مالك أنه قال: ليس كل من

نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعنا منه، ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضا(13).
ومع شديد ثقة بعضهم ببعض، فإنهم كانوا يحتاطون في الأخذ ويتثبتون في قبول الروايات.
روي عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، ولا علمت

في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس. فقال المغيرة بن شعبة:حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم

فأعطاها السدس، فقال له أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال: مثال ما قال المغيرة. فأنفذ لها أبو بكر….) (14).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(12) مسلم : بشرح النووي 18 /78 وما بعدها – وفاطمة : هي بنت قيس بن خالد الفهرية : صحابية مشهورة . انظر تقريب التهذيب

2 / 609
(13) الخطيب : الكفاية 548
(14) الخطيب : الكفاية 16 والسيوطي : مفتاح الجنة 17 باختلاف يسير في الألفاظ
——-

و ما روي عن أبي بكر من الاحتياط والتحري، روي عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم.
فقد أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور: فقال:

استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمن أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب:

والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك(15).
وفي رواية : فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس(16).
ويبدو واضحاً من اعتذار عمر لأبي موسى: أن الدافع له ولغيره عن هذا التحري والتشدد هو: لفت أنظار الصحابة رضي الله

عنهم إلى ضرورة زيادة الاحتياط في رواية السنة وتحملها والخوف من الخطأ والتقول في روايتها، وليس الشك في صدق إخوانهم أو صحة

روايتهم لها.
قال ابن حبان في توجيهه لهذه الرواية : قد أخبر عن بن الخطاب أنه لم يتهم أبا موسى في روايته، وطلب البينة منه على ما

روى ليس تكذيبا له، وإنما كان يشدد فيه لأن يعلم الناس أن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد، فلا يجيء مِن بعدهم من

يجترئ، فيكذب عليه صلى الله عليه وسلم، أو يتقول عليه ما لم يقل، حتى يدخل بذلك في سخط الله عز وجل(17).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(15) البخاري : بشرح ابن حجر 11 /27 ومسلم بشرح النووي 14 /132 وما بعدها . مع اختلاف في الالفاظ
(16) الخطيب : الكفاية 95
(17) ابن حبان : المجروحين 1/ 37 – 38

——

وكما تحروا في رواية السنة وتثبتوا في قبولها، فإنهم كانوا يتحرجون في روايتها للغير ويميلون إلى الإقلال منها، والاقتصاد

فيها، خشية الوقوع في الخطأ، والتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يقله.
ومما جاء عنهم في ذلك: ما روي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر إلى صرار فتوضأ فغسل اثنتين.

ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله مشيت معنا، فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا

تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جودوا القرآن وأقلوا الرواية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا:

حدثنا. قال: نهانا عمر بن الخطاب(18).
ما روي عن عبد الرحمن بن حاطب قال : ما رأيت أحداً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، كان إذا حدث أتم حديثا، ولا

أحسن من عثمان بن عفان، إلا أنه كان رجلا يهاب الحديث(19).
وما روي : أن علي بن أبي طالب ، كان يستحلف عليه(20).
وما روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت الزبير: لا أسمعك تحدث عن رسول الله كما يحدث فلان وفلان. قال:

أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار) (21).
وما روي عن عمرو بن ميمون أنه قال: كنت لا تفوتني عشية خميس إلا أتى فيها عبدالله بن مسعود، فما سمعته يقول لشيء

قط: قال رسول الله، حتى كانت ذات

ــــــــــــــــــــــــــــ
(18) ابن عبد البر : جامع بيان العلم 398 ، والدرامي : السنن 1/72، مع اختلاف الألفاظ وصرار ماء في طريق المدينة ، وقرظة

بالفتح والتحريك : هو ابن كعب بن ثعلبه الانصاري ، صحابي ، شهد الفتوح في العراق ومات في حدود سنة 50 هـ علي الصحيح : تقريب

التهذيب 2/124
(19) السيوطي : تاريخ الخلفاء 148 ، وعبد الرحمن بن حاطب : هو ابن أبي بلتعة ، له رؤية ، وعدوه في كبار ثقات التابعين ، مات

سنة 68 هـ تقريب التهذيب 1 / 476 .
(20) انظر : أطرف الغرائب والأفراد للدار قطني 16
(21) البخاري : بشرح ابن حجر 1 / 200

——–

عشية، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فاغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، وقال: أو مثله ، أو نحوه، أو شبهه(22)
وما روي عن محمد بن سيرن أنه قال: كان أنس قليل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إذا حدث عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(23)
وقد روي الميل إلى لإقلال من الرواية، والتشدد فيها عن غير هؤلاء من الصحابة رضي الله عنهم، كطلحة وعبد الرحمن بن

عوف وسعد بن أبي وقاص، والمقداد بن الأسود، وأبي أيوب الأنصاري، وعمران بن حصين وغيرهم(24).
قال المقدسي: كله خوفا من الزيادة والنقصان، أو السهو والنسيان، واحتياطا للدين وحفظا الشريعة، وحسما لطمع طامع أو زيغ

زائغ أن يجترئ، فيحكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، أو يدخل في الدين ما ليس منه، وليقتدي بهم من يسمع منهم ويأخذ

عنهم(25).
وبهذا كان قد تحقق للسنة في هذه الفترة، بالإضافة إلى قصر الإسناد والثقة المتبادلة بين حملتها ، من التحري لها والتثبت في

قبولها، والإقلال من روايتها ما جعلها في مأمن من الدس والافتراء، وجعل الصحابة رضي الله عنهم في غنى عن طلب الإسناد والسؤال عنه.
وقد استمروا على ذلك إلى أن ظهرت البوادر الأولى للوضع التي مهدت للتجمع الآثم الذي قام بفعلته الشنعاء بقتل ثالث الخلفاء

الراشدين: عثمان بن عفان رضي الله عنه(26)، وما نجم عن قتله من اختلاف المسلمين، وافتراقهم إلي فرق شتى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(22) الدرامي : السنن1/72 وأبن عدي : مقدمة الكامل 43 وعمرو بن ميمون : هو الأودي : أبو عبدالله ، ويقال أبو يحيي مخضرم

مشهور ، ثقة ، عابد ، نزل الكوفة ، مات سنة 74 هـ وقيل بعدها تقريب التهذيب 2/80
(23) انظر أطرف الغرائب والافراد للدارقطني 6 أ
(24) انظر أطرف الغرائب والافراد للدارقطني 6 أ
(25) أطرف الغرائب والأفراد : ترتيب المقدسي 6 ب
(26) قتل رضي الله عنه مظلوما في ذي الحجة سنة 35

——-

أخذت بعضها تبحث عما يؤيدها فيما ذهبت إليه في كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا أعياها الطلب ولم تجد فيهما ما

يؤيدها عمدت إلى اختلاق ما ترى أنه يؤيدها، ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لابد للصحابة والحالة هذه أن يقفوا أمام هذا

الافتراء الباطل والدس الرخيص الذي أراد منه مروجوه: أن يشوهوا به جمال السنة ويعكروا به صفوها ونقاءها.
فأخذوا يتشددون في الرواية ويبحثون عن مصادرها ويسألون عن أسانيدها، ليعرفوا صحيحها من سقيمها، وغثها من سمينها

فزيفوا بذلك كل باطل وأبطلوا به كل دخيل.
روي عن مجاهد أنه قال : جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن

عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع.

فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا غليه بأذاننا، فلما ركب الناس

الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف(27).
وفي رواية عن طاوس قال : جاء هذا إلى ابن عباس: يعني بشير بن كعب، فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا،

فعاد له، ثم حدثه فقال له: عد لحديث كذا وكذا فعاد له: فقال له ما أدري أعرفت حديثي كله، وأنكرت هذا أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال

له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله
ــــــــــــــــــــــــــــ
(27) مسلم : بشرح النووي 1 / 81 ، والصعب من الإبل : العسر المرغوب عنه والذلول هو السهل الطيب المرغوب فيه ، والمعني

سلك كل مسلك ، مما يحمد ويذم : النووي : بشرح مسلم 1 /80 ومجاهد هو ابن جبر أبو الحجاج ، المخزومي مولاهم المكي ، ثقة ، إمام في

التفسير وفي العلم مات سنة 101 هـ بعدها بسنة أو سنتين تقريب التهذيب 1 / 229
و بشير العدوي بضم أوله مصغرا هو كعب بن أبي الحميري العدوي البصري أبو أيوب تابعي ثقة التهذيب 1/471

——

عليه وسلم، إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب تركنا الحديث عنه(28).

من هاتين الروايتين عن ابن عباس، وغيرهما من الروايات الواردة في هذا المعنى: نرى كيف كان الكذب على الله صلى الله عليه

وسلم أثناء هذه الفتنة وماتلاها من أحداث – سببا في تشدد الصحابة رضي الله عنهم في الرواية وتحرجهم في قبول الأخبار، وطلبهم للإسناد،

وسؤالهم عنه، كما يفهم ذلك من قول ابن عباس: لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف: أي إلا ما نعرف رجاله، أو طريقه، ومما يزيد ذلك وضوحا

ماروي عن محمد بن سيرين أنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ

حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم(29).
وقد أطلق ابن سيرين كما نرى، لفظ الفنتة من غير تقييد لها بفتنة معينة، وإطلاقه لها يدل على أن المراد بها هي: فتنة مقتل

عثمان بن عفان وما نجم عنها، إذ أن إطلاق لفظ الفتنة إذا تعددت الفتن، يحمل بالضرورة على أولها أو أخطرها، شأنا، ومن المعلوم لدى

الجميع أن أول الفتن التي تعرض لها المسلمون، وأخطرها على الاطلاق هي: فتنة قتل عثمان بن عفان، وماتلاها من أحداث جسام هذت كيان

الأمة وعصفت بوحدتها، ولا زالت آثارها بادية إلى اليوم.
ومما يؤيد هذا : ما روي عن أيوب السختياني عن ابن سيرين نفسه أنه قال:

ــــــــــــــــــــــــــــ
(28) مسلم : بشرح النووي 1 /80 وطاوس : هو ابن كيسان اليماني ، ابو عبد الرحمن ، الحميري مولاهم الفارسي ، يقال اسمه

ذكوان وطاوس لقب ، ثقة فقيه ، فاضل ، مات سنة 106 هـ وقيل بعد ذلك تقريب التهذيب 1 /377
(29) مسلم : بشري النووي 1 /84 والرامهرمزي : المحدث الفاضل 208 والخطيب : الكفاية 197 ومحمد بن سيرين : هو أبو بكر

بن أبي عمره البصري ، تابعي ، ثقة ، ثبت ، عابد ، كبير القدر ، مات سنة 110 هـ : تقريب التهذيب 2/169

——

هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما خفت لها منهم مئة(30)، ومعلوم أن هذا العدد الكبير من الصحابة لم

يكن موجوداً إلا قبل هذه الفتنة وأثناءها.

وماروي عن الزهري أنه قال : ثارت الفتنة ودهاة الناس خمسة: يعد من قريش معاوية وعمرو، ويعد من الأنصار قيس بن

سعد، ويعد من المهاجرين عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، ويعد من ثقيف المغيرة بن شعبة(31). فإطلاق الزهري للفظ الفتنة، مع ذكره

لهؤلاء الخمسة من الصحابة دليل واضح على أن المراد بها فتنة مقتل عثمان وماتلاها، إذ أن بعض هؤلاء كان قد مات قبل سنة أربعين من

الهجرة، كعبدالله بن بديل بن ورقاء الذي استشهد بصفين سنة سبع وثلاثين من الهجرة.
ومارواه أبو نعيم بسنده عن نافع عن ابن عمر قال : لم يقص في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر وعمر،

وإنما كان القصص في زمن الفتنة(32).
وما أثر عن حذيفة اليماني أنه قال : أول الفتن قتل عثمان وأخر الفتن خروج الدجال(33).
وبهذا فقد اعتبرت هذه الفتنة وما صاحبها من الافتراء والوضع وما ترتب عليهما من اختلاف المسلمين وانقسامهم بداية الاهتمام

بالإسناد والسؤال عنه، وعليه فلا التفات إلى غير ذلك، كالقول: بأن المراد بالفتنة في أثر ابن سيرين هي فتنة قتل: الوليد ابن يزيد(34). وذلك

للأسباب الآتية:

ــــــــــــــــــــــــــــ
(30) الذهبي : المنتقي من منهاج الاعتدال 389 ، وايوب هو ابن أبي تميمة كيسان السختياني ، ابو بكر البصري ، ثقة ، ثبت ، حجة ،

من كبار الفقهاء العباد ، مات سنة 131 هـ تقريب التهذيب 1/89
(31) عبد الرزاق المصنف 11 /350 وعمرو : هو ابن العاص وقيس هو ابن سعد بن عباده الأنصاري الخزرجي
(32) ابو نعيم : تاريخ أصبهان 1/136وأبو نعيم : هو الإمام الحافظ محدث العصر : أحمد بن عبدالله بن أحمد بن اسحاق بن مهران

الأصبهاني ، مات سنة 430 هـ تذكره الحفاظ 3/1092وما بعدها ونافع هو ابو عبدالله المدني ، مولي ابن عمر ، ثقة ، ثبت فقيه ، مشهور

مات سنة 117 هـ تقريب التهذيب 2/296
(33) السيوطي : تاريخ الخلفاء 162
(34) قال بهذا شاخت . انظر قوله والرد عليه للدكتور أكرم العمري : بحوث في تاريخ السنة 44

——

أولا : كانت فتنة قتل الوليد ، قد حدثت سنة 126هـ أي بعد وفاة ابن سيرين بستة عشر عاماً، فكيف يتسنى لابن سيرين أن

يخبر عن مستقبل مجهول بالنسبة له، علما بأنه عَبَّرَ عمن نسب إليهم السؤال عن الإسناد بصيغة الماضي لا بصيغة المستقبل.

ثانيا : أفادت الروايتان السابقتان عن ابن عباس وما في معناهما من روايات: أن التثبت في الرواية والتوقف عن أخذ ما لم

يعرف منها، كان علي عهد الصحابة رضي الله عنهم، وذلك بسبب ما كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنه لم يبق أحد

من الصحابة حياً بعد سنة 110 فضلا عن سنة 126هـ التي قتل فيها الوليد بن يزيد، إذ كان أخرهم موتاً على ما يروى هو: أبو الطفيل الذي

توفي سنة 110هـ من الهجرة على الصحيح(35).

ثالثا : ثبت أنه قد تم السؤال عن الإسناد والاهتمام به في عهد كبار التابعين: كعروة بن الزبير، والحسن البصري، وابن سيرين،

وعامر الشعبي.
فقد روى عن عروة بن الزبير أبان إسناد حديث سئل عنه(36). وأن الحسن البصري قد سئل عن الإسناد، وان ابن سيرين قال:

إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم(37). وأن الشعبي قد اهتم بالإسناد كثيراً كما سيأتي قريبا، ولم يبق أحد من هؤلاء جميعاً حياً بعد

سنة 110 للهجرة.

رابعا : لم يترتب على فتنة قتل الوليد بن يزيد ما ترتب على ماسبقها من الفتن، من الفرقة والاختلاف والافتراء، وغير ذلك مما كان يستدعي

التشدد في الرواية والاحتياط في قبول الأخبار، بل كانت فتنة عائلية أو تكاد، أودت بحياة شخص، وأحلت شخصاً آخر محله.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(35) انظر ابن حجر : تقريب التهذيب 1/389 وقيل قبل ذلك
(36) الخطيب : الكفاية 561 ، وعروة بن الزبير : هو ابن العوام بن خويلد الأسدي ، ثقة مشهور ، من كبار التابعين ، مات سنة 94

هـ علي الصحيح : تقريب التهذيب 2 / 19
(37) مسلم : بشرح النووي 1 /84
——-

خامسا : وأخيراً فإنه لمن غير المعقول : أن يتشدد الصحابة في رواية السنة ويحتاطوا في قبولها أيام الصفاء والوئام على ما

رأينا، ويبخلوا عليها بمثل تلك الجهود إن لم يضاعفوها عند تعرضها للدس والافتراء ، أيام الفتنة والفرقة والاختلاف هذا و منذ ذلك الحين أخذ

العلماء يبحثون عن الإسناد، وأخذ بحثهم عنه يزداد يوماً بعد يوم مع زيادة الحاجة إليه حتى كان عهد كبار التابعين الذين أولوه اهتمامهم،

وكان في طليعة من اهتموا به: عامر الشعبي(38). حتى نسبت إليه أولية التفتيش عن الإسناد.

روي عن يحي بن سعيد القطان عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الربيع بن ختيم، قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا

شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير فله كذا وكذا، وسمى من الخير، قال الشعبي: فقلت: من حدثك؟ قال:

عمرو بن ميمون، وقلت: من حدثك؟ قل: أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال يحيى بن سعيد: وهذا أول ما فتش عن

الإسناد(39).
ولعل اهتمام الشعبي الزائد بالإسناد وتأكيده عليه يعكس لنا مدى الحاجة إليه يومئذ وخاصة في الكوفة التي كانت قد حظيت أكثر

من غيرها من الأمصار الإسلامية بالخلافات والأهواء، وهو ما يفسر لنا ارتباط الإسناد بالحاجة إليه وجوداً وعدماً، وان ارتباطه بها كان

بمثابة ارتباط المعلول بعلته.
روي عن النعمان بن راشد قال : سمعت الزهري يحدث بحديث زيد بن أبي أنيسة، فقلت: ياأبا بكر، من حدثك هذا؟ قال: أنت

حدثتنيه ممن سمعته؟ فقلت: رجل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(38) الشعبي : هو عامر بن شراحيل ، ثقة ، فقيه ، فاضل مشهور . قال مكحول : مارايت أفقه منه ، مات بعد المئة : تقريب التهذيب

1 / 387
(39) الرامهرمزي : المحدث الفاضل 208 والربيع بن خثيم بضم الخاء : هو ابن عائذ بن عبدالله الثوري ، أبو يزيد الكوفي ، ثقة عابد

مخضرم ، قال له ابن مسعود : لو رآك رسول الله صلي الله عليه وسلم لآحبك : تقريب التهذيب 1/244

—–

من أهل الكوفة. قال: أفسدته إن في حديث أهل الكوفة دغلا كثيرا(40).

وعلى هذا يمكن أن يحمل قول : يحيى بن سعيد هذا: على أن الشعبي كان أول من فتش عن الإسناد من التابعين في الكوفة، أو

أنه كان أول من التزم التفتيش عنه التزاماً تاماً، وإلا فإن التفيش عنه كان قد بدأ قبل ذلك بكثير كما أسلفنا.
هذا وقد استمر التفتيش عن الإسناد بعد كبار التابعين، وأخذ السؤال عنه يشتد، والإقبال عليه يزداد مع الأيام بازدياد الكذب وفشو

الوضع حتى شاع وعم الالتزام به على عهد صغار التابعين.
فقد روى أن شعبة حدث ذات يوم بحديث، فقال قتادة: من حدثك بهذا؟ أو من ذكر ذلك؟ فقال: نسألك فتغضب وتسألنا(41).
وروي عن ِابن أبي الزناد أنه قال : قال لي هشام بن عروة: إذا حدثت بحديث أنت منه في ثبت فخالفك إنسان، فقل: من حدثك بهذا

؟ فإني قد حدثت بحديث فخالفني فيه رجل. فقلت: هذا حدثني به أبي ، فأنت من حدثك؟ فجف(42).
وروي عن الأعمش أنه كان إذا حدث بالحديث يقول: بقي رأس المال (حدثني فلان قال: حدثنا فلان، عن فلان) (43).
وكان من أكثرهم التزاماً بالإسناد وأشدهم تمسكاً بطلبه في هذا العهد هو الإمام: ابن شهاب الزهري(44).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(40) الخطيب : الجامع لأخلاق الراوي1/190 أ ، والسيوطي : تدريب الراوي 38 بإيجاز ، والنعمان بن راشد هو الجزري ، أبو

اسحاق ، مولي بني أمية قال بن حجر : صدوق سي الحفظ : تقريب التهذيب 2/ 304
(41) ابن أبي حاتم : تقدمه المعرفة 166 ، وقتادة : هو ابن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري ، ثقة ثبت ، مات سنة

بضع عشرة ومئة هـ : تقريب التهذيب 2 /123
(42) الرامهرمزي : المحدث الفاضل 21 ، ومعني جف ذهب ماعنده
(43) ابن حبان : المجروحين1/ 27 والأعمش : هو الحافظ الثقة ، شيخ الاسلام وأبو محمد ، سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي

مولأهم الكوفي ، مات سنة 148 هـ تذكره الحافظ 1/ 154
(44) الزهري : هو الامام الحافظ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبدالله بن شهاب الزهري إمام المحدثين في عصره قال مالك بن

أنس بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير ، مات سنة 124هـ ، تذكره الحفاظ 1/108 وما بعدها

—–
روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: حدث الزهري يوماً بحديث فقلت : هاته بلا إسناد. قال: أنزل من السطح بلا

سلم(45).
وروي أن عتبة بن أبي حكيم كان عند إسحاق بن أبي فروة وعنده الزهري، قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله صلى

الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له الزهري قاتلك الله يابن أبي فروة ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك؟ تحدثنا

بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة(46).
ونظراً لتمسكه بالإسناد وتشدده في طلبه والسؤال عنه ذهب البعض إلى القول: بأنه أول من أسند الحديث.
فقد روي عن مالك بن أنس أنه قال: أول من أسند الحديث ابن شهاب(47).
ويمكن أن يحمل هذا أيضاً على أنه : كان أول من تمسك به تمسكاً تاماً وتشد في طلبه كثيراً في هذا العهد، أو أنه كان أول من أسند في الشام.
روي عن الوليد بن مسلم عن الزهري أنه قال: أيها الناس قد كنا منعناكم شيئا قد بذلناه لهؤلاء، فتعالوا حتى أحدثكم قال:

فسمعتهم يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقال: ياأهل الشام، مالي أرى أحاديثكم ليس لها أزمة ولا خطم، قال الوليد وقبض

يده، وقال: تمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ(48).
وعلى هذا فلا يسلم ما ذهب إليه الأستاذ: فؤاد سزكين ، من أن الإسناد بدأ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(45) الذهبي : سير أعلام النبلاء 5 / 196
(46) الحاكم : معرفة علوم الحديث 6 ، والخطيب : الكفاية 556 وإسحاق بن أبي فروة : هو ابن عبدالله بن ابي فروة الأموي مولاهم

، المدني ، متروك ، مات سنة 144 هـ تقريب التهذيب 1 / 59
(47) ابن أبي حاتم : تقدمه المعرفة 20 والجرح والتعديل 4 / 741 ومالك : هو الإمام الحافظ ، فقيه الأمة مالك ابن أنس بن مالك

ابن أبي عامر بن عمرو أبو عبدالله ، الأصبحي إمام دار الهجرة مات سنة 179 هـ تذكره الحفاظ 1/207وما بعدها
(48) ابن عساكر : تاريخ دمشق 11 / 72ب والذهبي : سير أعلام النبلاء 5 / 197 وتاريخ الإسلام 5/148، والوليد بن مسلم :

هو الإمام الحافظ عالم أهل دمشق أبو العباس الأموي مولاهم الدمشقي ، ثقة كثير الحديث ، مات سنة 195 هـ : تذكره الحفاظ 1/302وما

بعدها والأزمة بفتح الهمزة وكسر الزاي وتشديد الميم : جمع زمام والخطم بضمتين : جمع خطام وهو كل ما وضع علي أنف البعير ليقاد به ،

والمعني ليس لها من الاسناد شي يتمسك به ويعتمد عليه انظر تحفة الأحوذي 10/511

—–

بالزهري(49)، لمخالفته لما مربين أيدينا من الحقائق التاريخية التي أثبتت بما لا يقبل الشك أنه كان قد ظهر بوضوح قبل هذا التاريخ بكثير.
وعلى أي حال فإن الإسناد كان قد شاع التمسك به في عهد الإمام الزهري وأقرانه من صغار التابعين، وأصبحت له السيادة

التامة في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل الثاني حيث صار شرطاً لاعتبارات الروايات وأساساً يعتمد عليه في قبولها أو ردها.
وخلاصة القول: فإن الإستاد كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن عدم سؤال الصحابة عنه في هذا العهد وما

تلاه من عهد كبار الصحابة رضي الله عنهم، لا يعني عدم وجوده، كما يظن البعض وإنما كان لعدم حاجتهم إليه. وإن السؤال عنه بدأ يظهر

بوضوح مع بداية الوضع والافتراء اللذين ظهرت بوادرهما الأولى قبيل فتنة قتل عثمان بن عفان كما أسلفنا. ثم أخذ السؤال عنه يزداد والتفتيش

يتضاعف مع زيادة الوضع واتساع خطره، حتى تم التزامه، وعم التمسك به، وأضحت له الهيمنة الكاملة في عهد صغار التابعين كما رأينا.

3- أهمية الإسناد :
تعود أهمية الإسناد إلى أهمية السنة النبوية باعتبارها المصدر الثاني بعد كتاب الله تعالى لهذا الدين، والمتممة لما جاء فيه من

هداية وتشريع، لذا كان من الواجب الاهتمام بها والدفاع عنها، ولما كان الإسناد من أنجح الوسائل التي يحافظ به عليها، وأمضى الأسلحة التي

يدافع به عنها، كان طبيعياً أن يهرع إليه حماتها ويتمسك به أتباعها، فيزيلوا به كل ما حاول أن يلصقه بها أعداؤها من أهل الزيغ والضلال، إذ

هو المعيار الذي تقيم به الروايات والميزان الذي تعرض عليه، ليعرف به صحيحها

ــــــــــــــــــــــــــــ
(49) فواد سزكين : تاريخ التراث العربي 1 /450

—–

من سقيمها، والسلم الذي يتوصل به إلى مقبولها من مردودها.
ولعل فيما نسوقه إليك من أقوال العلماء فيه وثنائهم عليه ما يوضح أهميته، ويبين مدى اهتمامهم به.

أ- ما روي عن الزهري :
قال ابن عيينة حدث الزهري يوماً بحديث: فقلت: هاته بلا إسناد. قال: أَنزِلُ السطح بلا سلم(50).
وفي رواية : أيرقي السطح بلا سلم ؟ (51).
ب- ما روي عن الأعمش :
روي عن عبد الله بن إدريس أنه قال: ربما حدث الأعمش بالحديث ثم يقول: بقي رأس المال (حدثني فلان قال: حدثنا فلان ، عن فلان) (52).

جـ- ما روي عن سفيان الثوري :
روي عن سفيان الثوري أنه قال : الإسناد سلاح المؤمن ، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيئ يقاتل(53).

د- ما روي عن سفيان بن عيينة :
روي أنه حمل أصحاب الحديث على ابن عيينة يوماً، فصعد فوق غرفة، فقال له أخوه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(50) الذهبي : سير أعلام النبلاء 5 / 96.
(51) ابن رجب : شرح علل الترمذي 88 ، والسيوطي : تدريب الراوي 359
(52) ابن حبان : المجروحين 1/27 وعبدالله بن ادريس هو ابن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي أبو محمد الكوفي ، ثقة عابد ،

مات سنة 192 هـ تقريب التهذيب 1/401
(53) ابن حبان : المجروحين1/27 والخطيب : شرف أصحاب الحديث 42 وسفيان : هو ابن سعيد بن مسروق الإمام ، شيخ الإسلام

وسيد الحفاظ أبو عبدالله الثوري . قال ابن المبارك : لااعلم علي وجه الأرض أعلم من سيفان ، مات سنة 161 هـ تذكره الحفاظ 1/203

ومابعدها.

——-

تريد أن يتفرقوا عنك؟ حدثهم بغير إسناد. فقال: انظروا إلى هذا يأمرني أن أصعد فوق البيت بغير درجة. قال صالح : يعني أن الحديث بلا إسناد

ليس بشيء، وأن الإسناد درج المتون، به يوصل إليها(54).

هـ- ما روي عن الأوزاعي :
روي عن الأوزاعي أنه قال : ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد(55).

و- ما روي عن شعبة :
روي عن مؤمل بن إسماعيل أنه قال : سمعت شعبة يقول. كل حديث ليس فيه: حدثنا وأخبرنا، فهو مثل الرجل في الفلاة معه البعير ليس له

خطام(56).
وفي رواية : كل حديث ليس فيه : حدثنا وأنبأنا فهو خل وبقل(57).
وفي أخرى : كل حديث ليس فيه (( أنا وثنا)) فهو خل وبقل(58).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(54) الخطيب : الكفاية 557 وابن عيينة : هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام سفيان بن عيينة بن ميمون ، ابو محمد الهلالي الكوفي ،

محدث الحرم متفق علي أمانته والاحتجاج به ، مات سنة 198 هـ تذكره الحفاظ 1/262وما بعدهاً . وأما صالح فهو الحافظ : صالح بن

أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح بن قيس بن هذيل بن يزيد بن العباس بن الأحنف ابن قيس . أبو الفضل التميمي ، كان من أركان الحديث

وكان ثقة حافظاً : مات سنة 384 هـ : تذكره الحفاظ 3/985
(55) ابن رجب : شرح علل الترمذي 88 ، والأوزاعي : هو الإمام شيخ الاسلام أبو عمرو ، عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي

مات سنة 157 هـ تذكره الحفاظ 1/178 وما بعدها .
(56) ابن حبان : المجروحين 1/27
(57) ابن حبان : المجروحين 1/28
(58) الخطيب : الكفاية 412 وشعبة : هو الحافظ الحجة شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام الأزدي العتكي ، مولاهم الواسطي نزيل

البصرة ومحدثها ، مات سنة 160هـ انظر تذكره الحفاظ 1/193 وما بعدها .

——

ز- ما روي عن عبد الله بن المبارك :
قال ابن المبارك : الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء(59).
وقال : طلب الإسناد المتصل من الدين(60).
وقال أيضاً : بيننا وبين القوم القوائم : يعني الأسانيد(61).
وعنه قال : مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرقى السطح بلا سلم(62).

حـ- ما روي عن الشافعي :
روي عن الشافعي أنه قال : مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل(63).

ط- ما روي عن حماد بن زيد :
روي عن بقية بن الوليد أنه قال: ذاكرت حماد بن زيد بأحاديث، فقال: ما أجودها لو كان لها أجنحة: يعني إسناداً(64).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(59) مسلم : بشرح النووي 1/ 87وابن حبان المجروحين1/ 26 وعياض الإلماع 194 ، والرامهرمزي : المحدث الفاضل 209 بلفظ

كل ماشاء وابن المبارك : هو الأمام الحافظ عبدالله بن المبارك بن واضح أبو عبد الرحمن الحنظلي ، مولاهم المروزي ، قال شعبة : ماقدم

علينا مثل ابن المبارك ، مات سنة 181 هـ تذكره الحفاظ 1/274
(60) الخطيب الكفاية 557
(61) مسلم : بشرح النووي 1/88وفيه تشبيه الحديث بالحيوان ، لايقوم بغير اسناد كما لايقوم الحيوان بلا قوائم
(62) الخطيب الكفاية 558
(63) الزرقاني : شرح المواهب 5/453 والسخاوي : فتح المغيث 3/5هو الأمام العلم حبرالأمة، ابو عبدالله ، محمد بن ادريس بن

العباس بن عثمان بن شافع الشافعي القرشي المطلبي ، مات بمصر سنة 204 تذكره الحفاظ 1/ 361وما بعدها
(64) الزرقاني : شرح المواهب 5/453وحماد بن زيد هو الامام الحافظ حماد بن زيد بن درهم شيخ العراق أبو اسماعيل الأزدي

مولاهم البصري ، قال ابن معين ليس أحد أثبت من حماد بن يزيد ، مات سنة 179 هـ تذكره الحفاظ 1 / 228– 229 . وبقية بن الوليد : هو

الإمام الحافظ محدث الشام ، أبو يحمد الكلاعي الحميري ، الميتمي ، الحمصي كان واسع العلم وكان يدلس كثيراً ، مات سنة 197 هـ تذكره

الحفاظ 1/ 289- 290
———-

ي- ما روي عن عبد الله بن طاهر :
روي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه قال: كان عبدالله ابن طاهر إذا سألني عن حديث فذكرته له بلا إسناد، سألني عن إسناده ويقول :

رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزمني، فإن إسناد الحديث كرامة من الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم(65).
ك- ما قاله الحاكم فيه :
قال الحاكم : فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع

الأحاديث، وقلب السانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود السانيد فيها كانت بتراً(66).
ل- ما قاله ابن حبان :
قال ابن حبان : ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم(67).

م- ما قاله القاضي عياض :
قال القاضي عياض : فاعلم أن مدار الحديث على الإسناد فيه فبه تتبين صحته ويظهر اتصاله(68).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(65) الرزقاني : شرح المواهب5/ 453 والزمني : المرضي ، وعبدالله بن طاهر : ابن الحسين ، ابو العباس الخزاعي ، امير خراسان

، للخليفة المأمون ، مات سنة 230 هـ تاريخ بغداد 9 / 483 وما بعدها .
(66) الحاكم : معرفة علوم الحديث 6 ، والحاكم : هو الحافظ الكبير ، أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن حمدويه النيسابوري

المعروف بابن البيع ، صاحب المستدرك وغيره من التصانيف المفيدة توفي سنة 405 انظر : تذكره الحفاظ 3/ 1039وما بعدها
(67) ابن حبان : المجروحين 1/ 25وابن حبان : هو الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي البستي ، صاحب

التصانيف ، كان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار ، توفي سنة 354 هـ انظر تذكرة الحفاظ 3/ 920 وما بعدها
(68) عياض : الالماع 184 باختصار ، وعياض : هو القاضي عالم المغرب أبو الفضل عياض بن موسي بن عياض بن عمرو

اليحصبي البستي الحافظ صاحب كتاب الشفاء وغيره من المصنفات المفيدة : قال ابن خلكان : هو إمام الحديث في وقته ، توفي سنة 544 هـ

تذكره الحافظ 4 / 1304 وما بعدها

——

ن- ما أنشده القعنبي في الثناء عليه :
أنشد القعنبي في الثناء على الإسناد أبياتاً قال فيها :

إذا لم يكن خبر صحيح عن الأشياخ متضح الطريق
فلا ترفع به رأسا ودعه فإني ناصح لك ياصديقي
وإسقاط المشائخ من حديث أشد عليّ من ثكل الشقيق
وما في الأرض خير من حديث له نور بإسناد وثيق(69).

هذا وقال اللكنوي بعد إيراده لبعض هذه الأقوال : فهذه العبارات بصراحتها أو بإشارتها تدل على أنه لابد من الإسناد في كل أمر من أمود الدين،

وعليه الاعتماد، أعم من أن يكون ذلك الأمر من قبيل الأخبار النبوية أو الأحكام الشرعية، أو المناقب والفضائل والمغازي والسير والفواضل

وغير ذلك من الأمور التي لها تعلق بالدين المتين والشرع المبين، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد، ما لم يتأكد بالإسناد،

ولاسيما بعد القرون المشهود لهم بالخير(70).

4- أقسام الإسناد وأنواعه :
ينقسم الإسناد إلى : متصل وغير متصل.
أما المتصل : فهو الذي اتصلت سلسلة رواته من أوله إلى منتهاه وهو يشمل المرفوع والموقوف والمقطوع(71)، ويسميه

بعضهم المسند على القول بأن المسند هو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(69) عياض : الإلماع 197 – 198 والقعنبي : هو الحافظ عبدالله بن مسلمة بن قعنب ، أبو عبد الرحمن الحارثي الضبي المدني ،

نزيل البصرة ثم مكة ، احد رواه الموطأ عن مالك بن أنس ، ثقة حجة ، مجاب الدعوة ، توفي سنة 221 هـ تذكره الحفاظ 1/383-384
(70) اللكنوي : الاجوبة الفاضلة 27 واللكنوي : هو الإمام أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي المتوفي سنة 1304 هـ
(71) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 121 ، والنووي : التقريب بشرح السيوطي108 والمرفوع : هو ما انتهي الي النبي صلي الله

عليه وسلم والموقوف : ما انتهي الي الصحابة رضي الله عنهم والمقطوع ما انتهي الي التابعين موقوفا عليهم من اقوالهم وأفعالهم .

———-

ما اتصل إسناده، سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً أو مقطوعاً(72).
وقد يكون الإسناد المتصل صحيحاً، إذا كان رجاله عدولا ضابطين وقد لا يكون صحيحاً إذا فقد رجاله أو بعضهم العدالة أو الضبط،

أو هما معاً(73).
وأما غير المتصل فهو ما سقط من سلسلة رجاله راو أو أكثر، من أوله أو وسطه أو منتهاه. ويعتبر بذلك السند ضعيفاً، لفقده

شرط الاتصال، وهو أنواع:
النوع الأول: المرسل ، وهو ما سقط منه الصحابي، سواء قال التابعي الكبير فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو التابعي الصغير

وهو ضعيف عند جمهور المحدثين وكثير من الفقهاء والأصوليين وذهب فريق من العلماء إلى القول: بأنه صحيح(74).
النوع الثاني : المنقطع، وهو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن

الصحابي، كمالك بن أنس عن عبد الله بن عمر.
وقيل : هو ما اختل منه رجل قبل التابعي محذوفاً كان أو مبهماً، كرجل، أو أثنين لا على التوالي(75).

النوع الثالث : المعضَل ، يفتح الضاد، وهو ما سقط منه اثنان فأكثر.
قال ابن الصلاح : وهو لقب خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع وليس كل منقطع معضلا(76). وفرق السيوطي بينهما فقال: هو ما سقط

من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي، أما إذا لم يتوال فهو منقطع من موضعين(77).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(72) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 119 ، والنووي : التقريب بشرح السيوطي 107
(73) انظر السخاوي : فتح المغيث 87
(74) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 130 وما بعدها والنووي التقريب بشرح السيوطي 117 وما بعدها
(75) النووي : التقريب وشرحه للسيوطي 126-127
(76) ابن الصلاح : علوم الحديث147
(77) السيوطي : تدريب الراوي 129 والمعضل من الرباعي ، والمتعدي ، يقال أعضله ومعضل وعضيل وأعله المرض فهو عليل

بمعني معل ، والعضيل المستغلق الشديد انظر فتح المغيث 1 /151

—–
النوع الرابع : المعلق، وهو أن يحذف من أول الإسناد واحد فأكثر، واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد كقوله: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم(78). فما كان منه في كتاب التزمت فيه الصحة، وكان بصيغة الجزم كقال، وفعل، وأمر، وروى، وذكر فلان. فهو حكم

بصحته عن المضاف إليه ، لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده عنه، وما ليس فيه جزم، كيروى، ويذكر، ويحكى، ويقال

وروي ، وذكر، وحكي عن فلان كذا، فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه(79).

النوع الخامس : التدليس ، وهو قسمان :
أحدهما : تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهماً أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يقله موهماً

أنه قد لقيه وسمعه منه، ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر، ومن شأنه أن لا يقول في ذلك أخبرنا فلان، أو عن فلان وغيرهما من صيغ

الاحتمال.
وثانيهما : تدليس الشيوخ ، وهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي

لا يعرف(80).
والذي يهمنا منه هو تدليس الإسناد، إذ هو الذي يتصور فيه السقط دون تدليس الشيوخ، وهو مكروه جداً، ذمه أكثر العلماء، ثم

قال فريق منهم: من عرف به صار مجروحاً مردود الرواية، وان بين السماع، والصحيح التفصيل، وإن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين

فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل، ومارواه بلفظ مبين للاتصال نحو: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وأشباهها فهو مقبول محتج به. وفي

الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير(81).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(78) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 96 والنووي التقربي بشرح السيوطي 136
(79) انظر النووي : التقريب وشرحه للسيوطي 60 وما بعدها
(80) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 165 وما بعدها والنووي التقريب بشرح السيوطي 139وما بعدها
(81) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 169وما بعدها والنووي التقريب بشرح السيوطي 143 – 144

——

هذا و يتنوع الإسناد باعتبارات أخرى إلى أنواع عديدة منها: المعنعن، وهو الذي يقال فيه: فلان عن فلان. عده بعض الناس من

قبيل المرسل والمنقطع، والصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجمهور من أصحاب الحديث والفقه والأصول إنه من قبيل الإسناد المتصل، بشرط أن

لا يكون المعنعن مدلساً، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً، ومن المحدثين من لم يشترط اللقاء(82).
ومنها : الإسناد المؤنن ، وهو الذي يقال فيه مثلا: حدثنا الزهري أن سعيد بن المسيب حدثه بكذا وكذا. فقال أحمد بن حنبل،

وجماعة من العلماء: لا تلتحق أن وشبهها بعن، بل يكون منقطعاً حتى يتبين السماع.
وقال الجمهور : أن كعن، ومطلقة محمول على السماع بالشرط المتقدم في المعنعن(83).
ومنها : الإسناد العالي والنازل ، والعالي خمسة أقسام:
أولها : القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح، وهو أجل أقسام العلو، لأن قرب الإسناد قرب إلى رسول الله صلى الله عليه

وسلم، والقرب إليه قرب من الله عز وجل.
الثاني : القرب من إمام من أئمة الحديث، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثالث : العلو بالنسبة على رواية الصحيحين، أو أحدهما أو غيرهما من الكتب المعتمدة.
الرابع : العلو يتقدم وفاة الراوي.
مثل ذلك : ما يرويه راو عن شيخ أخبر به واحد عن البيهقي عن الحكم أعلى

ــــــــــــــــــــــــــــ
(82) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث : 152 والنووي التقريب بشرح السيوطي 132 – 133 والسخاوي : فتح المغيث 1 /155

وما بعدها
(83) انظر النووي : التقريب وشرحه للسيوطي 134 والسخاوي فتح المغيث 1 / 159 / وما بعدها

—-
من روايته لذلك عن شيخ أخبره به واحد عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم وإن تساوى الإسنادان في العدد لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن

خلف(84).
ومثال ذلك : أن يسمع شخصان من شيخ واحد، وسماع أحدهما من ستين سنة مقلا، وسماع الآخر من أربعين سنة، فإذا تساوى السند إليهما

في العدد، فالإسناد إلى الأول الذي تقدم سماعه أعلى(85).
ومن العلماء من جعل هذا القسم والذي قبله قسماً واحداً(86).
وأما الإسناد النازل : فهو ضد العالي، وهو خمسة أقسام أيضاً ، وتعرف أقسامه من ضدها(87).
وقد فضل العلماء الإسناد العالي على النازل وخاصة القسم الأول منه، إذ العلو كما قال ابن الصلاح: يبعد الإسناد من الخلل، لأن كل رجل من

رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوا أو عمدا، ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل(88).
ومنها : الإسناد المسلسل، وهو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة واحدة، وينقسم إلى ما يكون صفة للرواية والتحمل، وإلى ما يكون

صفة للرواة وحالة لهم، وصفاتهم إما أقوال أو أفعال، وأنواع كثيرة غيرها(89).
ومثال ما يكون صفة للرواية والتحمل، ما يتسلسل بلفظ: سمعت فلانا، قال: سمعت فلانا إلى آخر الإسناد، أو: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، أو

أخبرنا فلان قال أخبرنا فلان، إلى أخره.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(84) البيهقي : هو الامام الحافظ الفقيه أبو بكر أحمد بن الحسين علي بن موسي الخسرو جردي البيهقي صاحب السنن وغيرها من

المصنفات المفيدة ، توفي سنة 458هـ: تذكره الحفاظ 3 / 1132 وما بعدها واما ابن خلف : فتوفي سنة 487 : علوم الحديث لابن الصلاح

386
(85) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 378 وما بعدها والنووي : التقربي بشرح السيوطي 158 وما بعدها
(86) انظر السيوطي :تديب الراوي 366
(87) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 388 والنووي : التقريب بشرح السيوطي 367
(88) ابن الصلاح علوم الحديث 380
(89) انظر ابن الصلاح علوم الحديث 401 ومابعدها والنووي التقريب وشرحه للسيوطي 380 وما بعدها

—–

ومن ذلك : أخبرنا والله فلان، قال: أخبرنا والله فلان… إلى أخره.

ومثال ما يرجع إلى صفات الرواة وأقوالهم ونحوها، كمسلسل التشبيك باليد، وهو حديث أبي هريرة: شبك بيدي أبو القاسم صلى الله عليه

وسلم، وقال: خلق الله الأرض يوم السبت.. الحديث، فقد تسلسل تشبيك كل واحد من رواته بيد من رواه عنه، ومسلسل العد فيها، وهو حديث:

اللهم صلِّ على محمد … إلى آخره، مسلسل بعد الكلمات الخمس في يد كل راو من رواته.
ومن المسلسل بأحوالهم القولية ، حديث معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يامعاذ إني أحبك، فقل دبر كل صلاة: اللهم أعني

على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك تسلسل بقول كل راو من رواته: وأنا أحبك فقل.
ومن فوائد التسلسل زيادة الضبط.
ومن أنواع الإسناد أيضاً : المعلل والمضطرب والمدرج والمصحف وغيرها من الأنواع الأخرى.
فيقال : هذا سند معلل، وهذا سند مضطرب ، وهذا مدرج أو مدرج فيه، وذاك مصحف، كما يقال: هذا حديث معلل أو مضطرب أو مدرج أو

مصحف.
والسند المعلل : هو الذي اعترته عله من العلل القادحة كالانقطاع فيما ظاهره الوصل، والوقف فيما ظاهره الرفع وغيرهما من العلل

الأخرى(90).
واما المضطرب : فهو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة ويقع الاضطراب في الإسناد كما يقع في المتن، بل وقوعه في الإسناد أكثر من

وقوعه في المتن، وهو يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط.
ومن أمثلة اضطراب السند، ما رواه أبو داود وابن ماجة من طريق إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث عن

أبي هريرة مرفوعاً : إذا صلى أحدكم فليجعل شيئاً تلقاء وجهه… الحديث، وفيه: فإن لم يجعل عصا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(90) انظر السخاوي : فتح المغيث 209 وما بعدها والسيوطي : تدريب الراوي 161 وما بعدها

—–

ينصبها بين يديه فليخط خطاً، اختلف فيه على إسماعيل اختلافاً كثيراً(91).

وأما السند المدرج ، أو مدرج الإسناد، فمنه أن لا يذكر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يقطعه قاطع، فيذكر كلاماً فيظن بعض

من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد(92).
وأما التصحيف : فيكون في المتن والإسناد.
ومن أمثلة مصحف الإسناد، أو الإسناد المصحف، العوام بن مراجم، بالراء والجيم – صحفه ابن معين فقال: ابن مزاحم، بالزاي والحاء(93).

5- تفاوت الأسانيد في الصحة :
تفاوتت الأسانيد في الصحة ، ففيها ما هو صحيح وما هو أصح وذلك بناء على التفاوت الحاصل بين رجالها في الحفظ والعدالة والضبط، وقد

تتبعها العلماء لمعرفة ذلك التفاوت، ومعرفة أصحها على الإطلاق فرويت عنهم في ذلك أقوال.

منها : ما روي عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنهما
قالا: أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر(94).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(91) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 204 وما بعدها والسخاوي : فتح المغيث 221 وما بعدها والسيوطي تدريب الراوي 169

واسماعيل بن أمية هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي ثقة كثير الحديث مات سنة 144 هـ وقيل قبلها : تهذيب التهذيب 1/ 283– 284
(92) انظر السخاوي : فتح المغيث 1/223 والمدرج بضم الميم وفتح الراء
(93) انظر النووي التقريب وشرحه للسيوطي 383 – 284 وابن معين : هو الامام سيد الحفاظ بحيي بن معين أبو زكريا المري

مولاهم البغدادي قال ابن المديني : انتهي علم الناس الي يحي بن معين ، توفي سنة 233 هـ تذكره الحفاظ 2 / 429
(94) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 84 والنووي تهذيب الأسماء واللغات 91/1 والسخاوي : فتح المغيث1 / 22 – 23

——

ومنها : ما روي عن عبد الرزاق وابن أبي شيبة: أن أصح الأسانيد كلها الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي

طالب(95).
ومنها : ما روي عن علي بن المديني والفلاس وغيرهما: أن أصح الأسانيد: محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي

طالب(96).
ومنها : ما روي عن يحيى بن معين أنه قال : أجودها : الأعمش عن إبراهيم بن يزيد النخعي عن علقمة بن قيس عن عبدالله بن

مسعود(97).
ومنها : ما روي عن البخاري أنه قال : أصحها مالك بن أنس عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر(98). وهي المسماة بسلسلة الذهب

(99).
ومنها : ما روي عن النسائي أنه قال : أحسن أسانيد تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه

عن علي، والزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس عن عمر، وأيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي،

ومنصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود(100).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(95) انظر الخطيب : الكفاية 562 وابن الصلاح : علوم الحديث 85 والسخاوي فتح المغيث 1/ 24 والصنعاني : توضيح الأفكار 1/ 31

وعبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني ، وابن أبي شيبة هو أبو بكر عبدالله بن محمد بن ابي شيبة ، الواسطي الأصل ، الكوفي ثقة حافظ توفي

سنة 235 هـ تقريب التهذيب 1/ 92
(96) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 84 والسيوطي تدريب الراوي 32 والفلاس هو عمرو بن علي بن بحر ، ابو حفص الصيرفي ،

الباهلي ، البصري ، ثقة حافظ ، مات سنة 249 هـ تقريب التهذيب 2/ 75
(97) انظر ابن الصلاح علوم الحديث 84 والسيوطي : تدريب الراوي 32
(98) انظر ابن الصلاح : علوم الحديث 85 والسيوطي : تدريب الراوي 32
(99) انظر السيوطي تدريب الراوي 33
(100) النسائي : تسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد 58

——
ومن العلماء من خصص القول في أصح الأسانيد بصحابي أو بلد مخصوص، فقال الحاكم ينبغي تخصيص القول في أصح الأسانيد بصحابي أو

بلد مخصوص، بأن يقال: أصح إسناد فلان أو الفلانيين كذا، ولا يعمم، قال: وأصح أسانيد عمر: الزهري عن سالم عن أبيه عن جده.
وقال ابن حزم : أصح طريق يروى في الدنيا عن عمر : الزهري عن السائب بن يزيد عنه.
وقال الحاكم : وأصح أسانيد أهل البيت : جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي. وقال: أصح أسانيد أبي هريرة،

الزهري عن سعيد بن المسيب عنه، وعن ابن المديني أنه قال: من أصح الأسانيد: حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي

هريرة.
وقال الحاكم : وأصح أسانيد ابن عمر: مالك عن نافع عنه. وأصح أسانيد عائشة: عبيدالله بن عمر عن القاسم عنها، وقال: ومن أصح الأسانيد

أيضا: الزهري عن عروة بن الزبير عنها، وأصح أسانيد ابن مسعود: سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عنه، وأصح أسانيد

أنس: مالك عن الزهري عنه.
وقال أحمد بن صالح المصري : أثبت أسانيد أهل المدينة:
إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان عن أبي هريرة.
وقال الحاكم : وأصح أسانيد المكيين : سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، وأصح أسانيد اليمانيين معمر بن راشد عن همام عن

أبي هريرة، وأثبت أسانيد المصريين: الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر، وأثبت أسانيد الخراسانيين:

الحسن بن واقد عن عبدالله بن بريدة عن أبيه. وأثبت أسانيد الشاميين: الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة. قال ابن حجر: ورجح

بعض أئمتهم رواية: سعيد بن عبدالعزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الحولاني عن أبي ذر.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ليس بالكوفة أصح من هذا الإسناد: يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن

الحارث بن سويد عن علي.
هذا وقد فضل جماعة أحاديث الحجاز على ماعداها، حتى روي عن مالك أنه قال: إذا خرج الحديث عن الحجاز انقطع نخاعه(101).

6- تفاوتها في الضعف :

وكما تفاوتت الأسانيد في الصحة، فإنها قد تفاوتت في الضعف أيضاً فمنها ما هو ضعيف وما هو أضعف، كما أن منها ما هو صحيح وما هو

أصح، وذلك بحسب شدة ضعف رواتها وخفته، وقد تتبعها العلماء أيضاً لمعرفة ما بينها من التفاوت في الضعف. ومما جاء عنهم في هذا

المجال: ما روي عن الحاكم أنه قال: فأوهى أسانيد الصديق: صدقة الدقيقي عن فرقد السبخي عن مرة الطيب عنه، وأوهى أسانيد أهل البيت:

عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث الأعور عن علي رضي الله تعالى عنه، وأوهى أسانيد العمرين: محمد ابن عبد الله بن القاسم بن

عبدالله بن عمر ابن حفص عن عاصم عن أبيه عن جده.
وأوهى أسانيد أبي هريرة : السري بن إسماعيل عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عنه. وأوهى أسانيد عائشة: نسخة عند البصريين عن

الحارث بن شبل عن أم النعمان عنها.
وأوهى أسانيد بن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عنه إلى أن قال: وأوهى أسانيد المكيين: عبدالله بن ميمون القداح عن شهاب بن

خراش عن إبراهيم بن

ــــــــــــــــــــــــــــ
(101) انظر السيوطي : تدريب الراوي 36-37 والبلقيني : محاسن الاصطلاح 86-87 والنخاع مثلث هو الخيط الأبيض في جوف

الفقار ينحدر من الدماغ وتشعب منه شعب في الجسم ، والعامة تستعمله بمعني المسنح : محيط المحيط 2/ 2053 مادة نخع

—–

يزيد عن عكرمة عن ابن عباس، وأوهى أسانيد اليمانيين: حفص بن عمر العدني عن الحكم ابن أبان عن عكرمة عن ابن عباس.
قال البلقيني: لعله أراد إلا عكرمة، فإن البخاري يحتج به.
قال السيوطي : قلت : لاشك في ذلك ، وأما أوهى أسانيد ابن عباس مطلقا: فالسدي الصغير محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عنه،

وقد سمى ابن حجر هذه السلسلة سلسلة الكذب. ثم قال الحاكم: وأوهي أسانيد المصريين: أحمد بن محمد بن الحجاج ابن رشدين عن أبيه عن

جده عن قرة بن عبد الرحمن عن كل من روى عنه، وأوهى أسانيد الشاميين: محمد بن قيس المصلوب عن عبيدالله بن زحر عن علي بن زيد

عن القاسم عن أبي أمامة، وأوهى أسانيد الخراسانيين: عبدالرحمن بن مليحة عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس(102).
هذا وفائدة معرفة ما بين الأسانيد من تفاوت في الصحة أو في الضعف: ترجيح بعض الأسانيد على بعض، وتمييز ما يصلح منها للاعتبار مما

لا يصلح لذلك(103).

7- عدم التزام صحة الإسناد صحة المتن :

من المعلوم أنه لا تلتزم صح الإسناد صحة المتن، ولا صحة المتن صحة الإسناد، إذ قد يكون الإسناد صحيحاً لاستجماع شروطه من الاتصال

والعدالة والضبط، ولا يكون المتن كذلك، لشذوذ أو علة وقد يكون المتن صحيحاً، لسلامته من الشذوذ والعلة، و وروده من طريق أو طرق

أخرى صحيحة(104). ولا يكون الإسناد كذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(102) السيوطي : تدريب الراوي 106 – 107 وصدقة الدقيقي هو ابن موسي الدقيقي أبو المغيره ، ويقال أبو محمد السلمي البصري ،

ضعيف تهذيب التهذيب 4/ 418
(103) انظر السخاوي فتح المغيث 1/26
(104) انظر السخاوي : فتح المغيث /1 /87والسيوطي : تدريب الراوي 91-92

—–

8- اختصاص المسلمين بالأسانيد المتصلة :

اختصت الأمة الإسلامية دون غيرها من الأمم بالأسانيد المتصلة الصحيحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الصحابة والتابعين ومن بعدهم

إذ هيأ الله تعالى لها من أبنائها من وهبوا أنفسهم لحفظ أخبار نبيهم صلى الله عليه وسلم، ونقلها بكل أمانة وصدق وإخلاص.
روي عن محمد بن حاتم بن المظفر أنه قال : إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد

إنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم اخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار

التي أخذوها عن غير الثقات. وهذه الأمة إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تناهى

إخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون

الحديث من عشرين وجهاً أو أكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطون حروفه ويعدوه عداً، فهذا من فضل الله على هذه الأمة(105).
وقال أبو حاتم الرازي : لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم، أمة يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة(106).
وقال ابن حزم : نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلي الله عليه وسلم مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل ، وأما مع الإرسال

والإعضال فيوجد في كثير من اليهود ، لكن لايقربون فيه من موسي قريناً من محمد صلي الله عليه وسلم ، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين

موسي أكثر من ثلاثين عصراً ، وإنما يبلغون الي شمعون ونحوه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(105) السخاوي : فتح المغيث 3/3-4
(106) السخاوي : فتح المغيث 3/4 واللكنوي : الاجوبة الفاضلة 23 بلفظ أمناء وأبو حاتم الرازي هو الأمام الحافظ محمد بن إدريس بن

المنذر الحنظلي ، مات سنة 277 هـ، تقريب التهذيب 2/ 143

—–

قال وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل الا تحريم الطلاق فقط . وأما النقل بالطريق المشتملة علي كذاب أو مجهول العين فكثير في

نقل اليهود والنصاري . قال . وأما أقوال الصحابة والتابعين ، فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلي صاحب نبي أصلاً ولا إلي تابع له ، ولا يمكن

للنصارى أن يصلوا إلي أعلي من شمعون وبولص (107) .
وكان هؤلاء الأئمة وغيرهم من أئمة الإسلام يعتمدون في ذلك حقائق التاريخ وما نقل عن أهل الكتاب أنفسهم مما يؤكد وبلا ريب أنه ليس لدي

أهل الكتاب من النقول ما له سند متصل صحيح ، بل جميع أسانيدهم منقطعة بما في ذلك أسانيد كتبهم السماوية ، التي طرأ عليها الكثير من

التبديل والتحريف .
قال رحمه الله الهندي : إن السند المتنازع بيننا وبينهم السند المتصل ، وهو عبارة أن يروي الثقة بواسطة أو بوسائط عن الثقة الآخر بأنه قال

: إن الكتاب الفلاني تصنيف فلان الحواري ، أو فلان النبي ، وسمعت هذا الكتاب كله من فيه ، أو قرأته عليه ، أو أقر عندي أن هذا الكتاب

تصنيفي . وتكون الواسطة أو الوسائط من الثقات الجامعين لشروط الرواية فنقول : إن مثل هذا السند لا يوجد عندهم من آخر القرن الثاني أو

أول القرن الثالث إلي مصنف الأناجيل ، وطلبنا هذا السند مراراً وتتبعناه في كتب إسنادهم فما نلنا المطلوب بل اعتذر القسيس (فرنج) في مجلس

المناظرة أنه لا يوجد السند الكذائي عندنا لأجل وقوع الحوادث العظيمة في القرون الأولي من القرون المسيحية .
وقال المرحوم عبد الوهاب النجار : بعد أن أفاق المسيحيون من الاضطهادات التي كانت تتوالي عليهم نظروا في تلك القصص واختارت الكنيسة

من بينها القصص التي لا تتعارض مع نزعتها وسلمت بها وجعلتها قانونية ، ولم تكترث لما بين

ــــــــــــــــــــــــــــ
(107) ابن حزم : الفصل 2/ 81 وما بعدها

—-

مضاميتها من التخالف والتناقص مادام ذلك لا يخالف المنزع العام الذي قصدته الكنيسة ، والأناجيل جميعها منقطعة السند ، ولا توجد نسخة

إنجيل بخط تلميذ من تلاميذ ذلك المؤلف ولا ما يضمن شبهة صحة فيها .

9- دور المحدثين في الاسناد وفضلهم فيه علي غيرهم من علماء الأمة :

وإذا كانت الأمة الإسلامية قد امتازت علي غيرها من الأمم بالإسناد الصحيح ، فإن للمحدثين الفضل فيه علي غيرهم من علماء الأمة . إذ هم

الذين بحثوا عنه وواظبوا علي حفظه والعناية به إلي أن قام عوده واشتد ساعده وأصبح الأساس الذي تقوم به الروايات الحديثية والتاريخية

واللغوية وغيرهاً .
قال ابن حبان : ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له ، لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم ، إلي أن قال : فحفظت

هذه الطائفة السنن علي المسلمين ، وكثرت عنايتهم بأمر الدين ، ولولاهم لقال من شاء بما شاء (108).
وقال الحاكم : فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له ، وكثرة مواظبتهم علي حفظه ، لدرس منار الإسلام ، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع

الاحاديث و قلب الأسانيد ، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بتراً (109).
وقال الرافعي : لولا الحديث لما خلصت اللغة ولجاءت مشوبة بالكذب والتدليس ، ولفسد هذا العلم وما بني عليه وذلك قليل من بركة رسول الله

صلي الله عليه وسلم ، إلي أن قال : وقد عني المحدثون بعلم الرجال أتم عناية وأكملها ، بحيث لا يتعلق بغبارهم في ذلك مؤرخو الأمم جمعاء ،

حتي جعلوا الإسناد عاليه ونازله كأنه علم الأخلاق التاريخي (110).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(108) ابن حبان : المجروحين 1/25
(109) الحاكم : معرفة علوم الحديث 6
(110) الرافعي : تاريخأداب العرب 229-300

——

وقال الدكتور أسد رستم : وأول من نظم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك علماء الدين الإسلامي فإنهم اضطروا اضطراراً إلي الاعتناء

بأقوال النبي وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل ، فقالواً : (ان هو إلا وحي يوحي) ما تلي منه فهو القرآن وما لم يتل فهو السنة ، فانبروا

لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال في أسسها وجوهرها محترمة في الأوساط العلمية حتي يومناً هذا (111)

.
وقال ايضاً في فصل تحري النص : وهذه مأثرة أخري من مآثر علماء الحديث فإنهم قالوا بالأمانة في نقل الحديث وفرضوا وجوب تحري النص

لأجل الوقوف علي اللفظ الأصلي ، ومنهم من أبي أن يصلح الخطأ أو يقوم اللحن واكتفي بإبداء رأيه علي الهامش ، هذا ما توصل إليه علماء

الحديث في القرون الأولي ، وهو المعول عليه الآن لدي المؤرخين المعاصرين (112).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(111) أسد رستم : مصطلح التاريخ : المقدمة
(112) أسد رستم : مصطلح التاريخ 33-34

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: