نبذة حول..” ندوة عيسى ” الدكتورة زينب عبدالعزيز

 

نبذة حول..” ندوة عيسى ”

 

بقلم: الدكتورة زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية
 
يمثل عام 2007 ، وخاصة شهر فبراير منه ، مرحلة من أهم  مراحل أعمال        “ندوة عيسى” الأربع ،إذ سيخرج بعدها العلماء العاملين بها برؤية جديدة حول  تاريخ “أصول المسيحية”، ليقدموا بناء على كل هذه الأبحاث والمراجعات تراثا مسيحيا  جديدا ، يعتمد على مراجعة الوثائق و الحقائق التاريخية التى يمكن إثباتها  وليس على الأغراض السياسية والكنسية أو على فرض الإيمان بها قهراً..
فقد قام معهد ويسْتار( Westar ) بالولايات المتحدة الأمريكية بتنظيم حلقة بحثية ممتدة الأجل ، اشتهرت فى العالم الغربى باسم ” ندوة عيسى”  (Jesus Seminar) ، حتى وان اختلفت موضوعات الأبحاث ، وذلك لتجديد فتح ملف البحث عن يسوع التاريخى، بمعنى : البحث عن حقيقة ما يكون قد قاله وعمله فعلا ، فى الواقع، وليس كما تقدمه المؤسسة الكنسية منذ القرن الرابع الميلادى ، ولتقديم نتائج هذه الأبحاث إلى اكبر قدر من القراء ، بدلا من حجبها أو بدلا من أن تظل بين أيدى قلة من العلماء  الباحثين فى اللاهوت وتاريخه..
وقد بدأت هذه الفكرة عندما قرر ثلاثون عالما ، سنة 1985 ، قبول مهمة القيام بهذا العمل الضخم وكل ما يتضمنه من تحدٍ وعقبات. وسرعان ما انضم اليهم العديد من العلماء المتطلعين إلى معرفة الحقيقة فى هذا الموضوع التاريخى ، من مختلف أنحاء العالم ، ليصل عددهم إلى أكثر من مائتين من المتخصصين فى مختلف مجالات العلوم المسيحية. وذلك بسبب تزايد الأبحاث التى بدأت  تؤكد ، فى القرنين الماضيين ، أن المسيح كما تقدمه الكنيسة لا سند تاريخى له..
وتتواصل هذه الحلقات البحثية منذ شهر مارس 1985 فى معهد ويسْتار ، إلى جانب تبنّيه عدة مشاريع أخرى فى نفس هذا المجال ، ومنها ندوة بولس ، وندوة النصوص المعتمدة أو القانونية ، وندوة أعمال الرسل .
ومعهد ويسْتار ليس مؤسسة مناهضة للدين المسيحى وإنما هو مؤسسة غير ربحية للأبحاث الخاصة بالعلوم والنصوص المسيحية للتعريف بها وللحد من تواصل إنهيار البنيان العتيد للمؤسسة الكنسية فى الغرب ، فذلك بات أمراً واقعاً لا يمكن إغفاله و يهز أركانها.. أى إن فكرة العاملين بالمعهد ليست إلغاء المسيحية ، وإنما محاولة نزع ما تراكم عليها من فريات وتناقضات عبر المجامع على مر العصور.. وذلك لأنه حتى عهد قريب كانت الأبحاث الأكاديمية تظل حبيسة الجامعات والمعاهد ، وعادة ما كانت تُمنع من النشر ، بزعم أنها شديدة التخصص ولن يفهمها عامة الناس! كما كان البعض يخشى بطش المؤسسة الكنسية وما يتبعها من لجان تأديبية باترة صارمة ، فكانوا يتناقلون المعلومات فيما بينهم ، لكثرة الأساتذة ورجال الدين الذين تم نسفهم لمجرد الإقتراب من محاولة الفهم أو التغيير من الأوضاع القائمة ونشر آرائهم بناء على الإكتشافات الحديثة .
وعلى الرغم مما فرضته المؤسسة الكنسية من سياج أشبه ما تكون بأيام محاكم التفتيش وظلماتها ، وتعرُّض العديد من العلماء والباحثين إلى مؤاخذات و محاكمات على أنهم هراطقة وفقدوا مناصبهم الجامعية أو اللاهوتية ، الأمر الذى أدى بالعديد منهم أن يؤثر الإحتفاظ بمعلوماته وانتقاداته ، إلا أن روح البحث العلمى والتدفق الفكرى قد تألقت وازدهرت فى أبحاث الكليات والجامعات والندوات رغم القمع. وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى ترأس علماء النقد والبحث العلمى المراكز القيادية على المسرح الأكاديمى فى أوروبا وأمريكا.
ولا ينتمى معهد ويسْتار إلى أية مؤسسة دينية ولا يدافع عن وجهة نظر بعينها ، وإنما كل ما يتطلع إليه العاملون به هو البحث عن الحقيقة والتوصل إليها و نشرها على العالم .. 
ويلتقى أعضاء الندوة مرتين فى السنة لمناقشة الأبحاث العلمية التى توصلوا إليها ويكونوا قد تبادلوها للدراسة قبل إنعقاد الإجتماع الدورى. وتعتمد الركيزة الأولى فى هذا المبحث على أقوال عيسى ، أى على تجميع أكثر من ألف وخمسمائة صياغة لما يقارب خمسمائة مقولة ليسوع ، مسندة إليه فى مختلف الأناجيل المعتمدة والمحتجبة ، ودراسة درجة إمكانية نسبها إليه لغويا وتاريخيا إضافة إلى ما تمثله من مضمون .
المرحلة الأولى : 1985 – 1991
بدأت أعمال الندوة بالبحث عن الأقوال الصادقة ليسوع أو عن كل ما تم نسبه إليه ، فى كافة الوثائق التى تمتد من القرن الأول  حتى عهد قسطنطين ، و إلى عام 313  م تحديداً ، عندما تم إعلان الإعتراف بالمسيحية كديانة رسمية ضمن الديانات الأخرى الممارسة فى الإمبراطورية  واعتبروا ذلك التاريخ حداً فاصلاً. وكان أعضاء الندوة يلتقون كل ستة أشهر لمناقشة الأبحاث لكى يتوصلوا إلي النتائج أولا بأول . وعند نهاية لقائهم كانوا يقومون بالتصويت على كل نقطة من النقاط التى تدارسوها ، مستخدمين علامات ملونة لتحديد درجة مصداقية هذا القول أو ذاك .
وقد بدأ روبرت فانك ، رئيس ” ندوة عيسى” و التى انعقدت أولى دوراتها فيما بين 21 و24 مارس 1985 ، فى مدينة بيركلى بكاليفورنيا ، موضحا أن كل ما يعنيهم هو البحث عن حقيقة يسوع ، عما قاله فعلا ، وعدم الإكتراث بما سوف ينتج عن ذلك العمل من عداوات أو إهانات من جانب المعترضين أو من أولئك الذين يحافظون بإصرار وشراسة على كل ما تم فى المسيحية من تحريف متراكم عبر العصور، وكل ما لا تزال تواصل وسائل الإعلام الموجّه كنسيا من فرضه على الأتباع وعلى العالم ، موضحا أن هذا العمل الذى سيقومون به سوف يخدم ملايين الأتباع الذين يجهلون حقائق الدين الذى ينتمون إليه . وهو ما وصفه روبرت فانك قائلا : ” أنه  جهل يصل إلى درجة الأمّية “.. ويالها من حقيقة جد مريرة مهينة !
ومن ناحية أخرى طالب كافة الزملاء العاملين فى هذه الندوة بمتابعة أهم المؤلفات التى صدرت قديما وحديثا فى هذه المجال  ، وتلخيص أهم النقاط الواردة بها ، حتى يكونوا على بيّنة بكل ما يتعلق بالموضوع الأساس . وذلك إضافة إلى عمل جرد شامل لكل ما يتعلق بتراث يسوع وتقييمه حتى يأتى هذا العمل الجماعى كبنيان مشيّد على أسس علمية بأقصى درجة من درجات الدقة والموضوعية و العلانية .
الدافع إلى البحث عن يسوع التاريخى :
يرجع الدافع إلى البحث عن يسوع التاريخى ، إلى أن صورته الحقيقية أو ما يبدو منها من الوثائق و الأبحاث ، يختلف تماما عما تقدمه المؤسسة الكنسية ونصوصها ، و إلى أن تناقل أخباره أو كل ما يتعلق به فى المراحل الأولى لنشأة المسيحية قد تم شفاهة لمدة عقود بأسرها وهو ما يسمح بالحيد عن الخط الرئيسى والغوص فى منحنيات غير دقيقة أو غير أمينة. كما أن لغة يسوع كانت الآرامية والأناجيل الحالية  تمت كتابتها باليونانية . والتراث الشفهى لا أهمية بحثية أو تاريخية له إذا قورن بالمعطيات الناجمة عن الأبحاث العلمية الموثقة .
كما تلاحظ نفس المآخذ من الناحية الزمانية أو التقويمية ، إذ هناك فترة تمتد ما بين 20 إلى 40 عاما من “وفاته” إلى بداية صياغة أول نص . وكان أول هذه النصوص هو الإنجيل وفقا لمرقس ، والثابت أنه لم يكتبه كشاهد عيان ، فمن كتب صياغة ذلك الإنجيل الأول لم ير يسوع ولم يتبعه ، والأناجيل الثلاثة وفقا لمرقس ومتّى ولوقا تختلف وتتناقض مع ما يقدمه الإنجيل وفقا ليوحنا. وقد نقل جميعم عن بعض وعما يُعرف باسم ” الإنجيل الأصل ” (و ليس الأصلى ، لكن الأصل الذى تم النقل منه) ويشار إليه بعبارة “كويللى” (Quelle  ) أى الأصل باللغة الألمانية ويختصرونها إلى حرف Q .
وبخلاف هذه الملاحظة العامة ، فإن نصوص الأناجيل مكونة من طبقات زمانية مختلفة ومتراكمة فوق بعضها بعضا عبر تطور التراث كنسيا وسياسيا. أى أنها ليست صياغة متصلة دفعة واحدة .وما توصل إليه الباحثون على اختلاف مشاربهم هو  أن الأنجيل الذى يشار إليه بحرف Q مكون هو نفسه من ثلاث طبقات زمانية مختلفة ، معروفة بين جميع المهتمين بهذا المجال بمسميات: Q1 و Q2 و Q3 ..
أما الملاحظة التى تدين ذلك التراث الكنسى فى نصوصه التى تمت صياغتها وفقا للأغراض الدينية واالسياسية ، فهى أن المخطوطات الأصلية بكلها قد إختفت أو تم إخفاؤها عمدا، وإن أول فُتات باقية منها ترجع إلى عام 125 م ، وأول أجزاء يمكن اعتبارها جزء من نصٍ يمكن الإعتماد عليه ترجع إلى حوالى سنة 200 م ، و أول نسخة كاملة من الأناجيل ترجع إلى حوالى سنة 300 م !
كما لا توجد نسختان متشابهتان من الأناجيل ، من بين كل تلك النسخ التى وصلت الى عصرنا ، إلا ابتداء من سنة 1454 م .. وما يؤكده جميع العاملين بالندوة وغيرهم ، أنه اثناء عمليات النقل ، التى كانت تتم بمعرفة القساوسة والرهبان ، فهم وحدهم الذين كان من حقهم ان يتعلموا القراءة والكتابة طوال عصر الظلمات ومحاكم التفتيش ، فكانت تقع أخطاء إملائية من الناسخين إضافة إلى تعديل النص وتحريفه وفقا للأهواء . ولا يمكن لأى عالم من العلماء أياً كان توجهه ، أن يجزم بأن النص اليونانى يُعد ترجمة أمينة للنصوص الأولى .. ويكفى ما كتبه القديس جيروم حول تغييره وتبديله فى النص عند صياغته للأناجيل الأربعة الحالية ! وهو ما كتبه بوضوح شديد فى المقدمة-الخطاب الذى وجهه للبابا داماز، الذى كان قد طلب منه القيام بهذه المهمة ، وهو ما ينزع يقينا  أية مصداقية عن هذه النصوص ..
وأكثر ما يميّز أعمال “ندوة عيسى ” أنها تتم بأسلوب جماعى علنى قائم على التعاون فيما بينهم ، وليس على تسلط أحد الأفراد وتحكّمه فى الآخرين ، كما أن المعهد يسمح بحضور زوار من خارج الأعضاء الرسميين ويتابعون المناقشات ومن حقهم الإسهام فيها فى ورش العمل التى تقام حولها .
أما عن تقييم النصوص المكتوبة فى حد ذاتها ، فيمكن تلخيص ما خرجوا به فيما يلى : أن  من كتبوا الأناجيل قاموا بالتجميع وفقا لهواهم ، وأحيانا كانوا يرتجلون أو يؤلفون ما لم يقله يسوع أو يضيفون إليه تعليقاتهم ليجعلوها تتمشى مع وجهة نظرهم الشخصية وبأسلوبهم. فمن الملاحظ مثلا أن نقد ما يخص يسوع أو موجه ضده فى النصوص الأولى ، سرعان ما يتحول إلى نقد ضد الحواريين فى النسخ التالية ، كما أن الإستشهادات كثيرا ما تخون النص لتكشف عن الخلافات والصراعات المسيحية فى أوائل تكوينها . و صياغة بعض الوقائع بأسلوب ” مسيحى” تؤكد أنها إضافات لاحقة .. فالمسيحية لم توجد أيام يسوع ، ويسوع لم يكن مسيحيا وإنما يهوديا ! وهو ما بدأت الأبحاث الجديدة – حتى خارج “ندوة عيسى” تشير إليه بما فى ذلك المؤسسة الفاتيكانية خاصة بعد مجمعها الثانى سنة 1965 الذى برأت فيه اليهود من دم المسيح !..
 
 
كلمات يسوع و الإقتراع عليها:
تركزت أعمال المرحلة الأولى من ” ندوة عيسى” حول مختلف الصيغ التى وردت بها الأقوال المنسوبة إليه ، عليه السلام ، لتحديد قوة إحتمال أن يكون قد قالها فعلا. وكانت عملية التصويت تتم من جميع المشاركين على كل مقولة من المقولات بعد دراستها وتقييمها من كافة الأوجه البحثية. مدركين حقيقة أن الإجماع لا يعنى تحديد الحقيقة البحتة أو الحاسمة ، وإنما يوضح أفضل حكم عليها أو أفضل تقييم لها من حيث المنطق والسند العلمى و التاريخى .
وكانت أولى الخطوات تعتمد أولا على جرد وتبويب الكلمات والأقوال المنسوبة إلى يسوع فى القرون الثلاثة الأولى . وتم تقسيم الأقوال إلى أمثال وتشبيهات وحوارات وقصص تدخل فيها عبارات منسوبة إليه .
وقد استبعد أعضاء الندوة كافة الحدود اللاهوتية التى فرضتها الكنيسة على مختلف مجالات البحث حول أيه معلومات عن يسوع . كما رفضوا تقييم الكنيسة لإنجيلٍ بعينه أو استبعادها لآخر ، مكتفين بتحكيم العلوم وأدواتها . كما اعتمدوا فى عملية التقييم على الإقتراع لتحديد مدى إمكانية المصداقية على أربع درجات ، حدّدوها فى أربعة ألوان إلتزموا بها حتى فى الطباعة النهائية لكل ندوة ، و معناعا كالآتى :
·       الأحمر : يشير إلى أن يسوع قد قال هذه العبارة
·       البمبى : من المحتمل أن يكون قد قالها
·       الرمادى : لم يقل يسوع هذه العبارة وإن كانت الفكرة بها قريبة مما قاله
·       الأسود : لم يقل يسوع هذه العبارة إطلاقا  وإن كانت شبيهة بتراث مغاير
من مقدمة كتاب ” الأناجيل الخمسة” :
تم جمع نتائج الأبحاث الخاصة بأقوال يسوع والتى امتدت من عام 1985 إلى 1991 ، فى كتاب بعنوان : “الأناجيل الخمسة ” ، صدر سنة 1993 ، بعد أن أضافوا إنجيل توما الذى كان قد عثر عليه فى نجع حمادى بصعيد مصر سنة 1945 . إذ رأوا فيه ملامح شديدة الشبه بما يسمى بالإنجيل الأصل أو النبع، و الذى يرمز اليه بحرف Q. على أن النصين قد كتبا خلال فترة الأربعين عاما التى تقع بين “وفاة ” يسوع وهدم المعبد سنة 70 م . ونص “كويللى” من النصوص الأولى أو الأقدم والتى لا تتضمن عملية صلب السيد المسيح ولا بعثه.  مما يدل على أنها إضافة من الإضافات اللاحقة التى تمت لأغراض بعينها ..
ويتضمّن إنجيل توما 114 مقولة بلا تدخل أى سرد روائى . وهو يمثل مرحلة سابقة لما تم طرحه فى الأناجيل المعتمدة ، لذلك إعتبروه يمثل شهادة مستقلة وغير منحازة لتراث يسوع فى صياغاته القديمة . و هو يُعد من الأناجيل الغنوصية لذلك استبعدته المؤسسة الكنسية .
وهنا لا بد من وقفة نوضح فيها أن إنجيل توما هو مخطوطة من المخطوطات التى تم اكتشافها فى نجع حمادى سنة 1945 . وهى مجموعة من النصوص الدينية والفلسفية تم تجميعها وترجمتها إلى اللغة القبطية فى القرن الرابع الميلادى بمعرفة بعض المسيحيين الغنوصيين ، ثم قام بترجمتها فى العصر الحديث نخبة من مشاهير العلماء فى الغرب.  وصدرت الطبعة الأولى عام 1978 ، ثم طبعة منقحة مزودة بمقدمة لكل مخطوطة ، عام 1988 .
والمقصود بكلمة غنوصية هو : التوصل الفورى إلى المعرفة الروحية ، أو بقول آخر : إرتقاء الإنسان إلى أن يصل إلى المعرفة الإلهية . وهو عكس ما تفرضه المؤسسة الكنسية من “أن الله قد نزل وتجسد بشرا ” وتفرض هذا القول إعتمادا على ضرورة الإيمان الأعمى  بها ، بغض الطرف عن مردوده ، وليس اعتمادا على العقل و المنطق. لذلك قامت بمحاصرة الغنوصية واقتلاع أتباعها . إلا ان الغنوصية قد تواصلت خافتة معتّم عليها وعلى أتباعها إلى أن تم اكتشاف مخطوطات نجع حمادى ليُلقى عليها الضوء من جديد .. ويفهم من المقدمة التى كتبها جيمس روبنصن كيفية تواصلها عبر الأحقاب المختلفة ، ومدى تأثيرها فى العصور الوسطى ثم فى عصر النهضة ثم فى عصر التنوير و حتى أيامنا ، بل و مدى أثرها فى الفلسفة وعلم اللاهوت والثقافة والفنون ..
ويمثل كتاب “الأناجيل الخمسة” مخرجا دراميا بابتعاده عن الدراسات المعتمدة ، التى لا منفذ منها ولا مخرج إلى الحقيقة. كما يمثل بداية عصر جديد من الأبحاث حول الأناجيل . فقد قرر المشتركون فى “ندوة عيسى” تحديث كل ما تم من دراسات وعمل تراث مسيحى جديد قائم على الدراسات النقدية التى تمت فى المائتين عاما الماضية.
فبعد نشر أبحاث داروين عن أصل الأجناس عام 1859 ، وما تلاها من معارك وانزواء للعلماء العاملين فى الأبحاث الإنجيلية ، خاصة فى أمريكا ،  سادت عقلية ولّدت مناخا أشبه ما يكون بمحاكم التفتيش، مع فارق المسميات والأساليب ، واتُهمت آراء وأبحاث العلماء بالخطورة، وتعرض العديد منهم إلى المحاكمة ، و اتُهموا بالهرطقة وعانوا من ضياع مناصبهم الأكاديمية .. إلا أن التحرر الفكرى الذى ساد فى القرن العشرين سرعان ما سمح بأن أعاد العلماء تنظيم أنفسهم فى الكليات والجامعات والندوات.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية عاد العلماء إلى تقلد مراكز القيادة فى الكليات والجامعات بطول القارة وعرضها. مما اضطر المؤسسة الكنسية إلى إنشاء معاهدها الخاصة بالدراسات الإنجيلية كمحاولة للتصدى لهذه الأبحاث الجديدة و لمواصلة نشر ما تفرضه بدأب وجبروت منذ القرن الرابع..
ومن أهم الصراعات الدائرة بين الجانبين ، محاولة العلماء المنتقدين للأحداث والوقائع التاريخية وإصرارهم على مواصلة البحث بلا كلل ولا حرج ، أى أياً كانت النتيجة ، للتوصل إلى معرفة ما قد يكون يسوع قد قاله وعمله فعلا من كل ما نسب إليه فى الأناجيل المعتمدة والوثائق الأخرى ، والتى يبدو فيها معارضا للتقاليد الدينية السائدة ، كعدم مراعاة يوم السبت،  أو إظهاره على عداء مع اسرته أو اتهامها إياه بالجنون .. بل حتى تلاميذه يبدون وكأنهم غير قادرين على فهم رسالته .. وذلك على سبيل المثال لا الحصر ، فما أكثر النقاط التى لا تزال غامضة حتى يومنا هذا ، الأمر الذى وضع يسوع علناً و بلا تردد على مائدة الخلاف بين العلماء من الجانبين .
وقد نجم هذا الوضع من واقع أن يسوع المعتقادات والعقائد ، الذى تم فرض صورته هذه بشراسة فى القرون الوسطى بالسلطة الكنسية العاتية وبالسيف ، لم يعد بوسعها أن تتحكم فى عقليات أولئك الذين أصبحوا يتبنّون نظريات جاليليو وكيبلير و كوبرنيكوس ، إذ أنهم قد أزاحوا الآلهة القديمة من عروشها بفضل ما أبدعوه من معدات وإنجازات ..
وكانت الطفرة الشديدة التى تمت فى علم الفلك تمثل جزءا من الصحوة العلمية التجريبية، التى رأت إخضاع كل المعارف للعلم والتجريب. وفى مواكبة لهذه الطفرة العلمية أعيد النظر فى المعطيات التاريخية القديمة للتفريق بين ما هو واقعى وما هو من نسج الخيال.. وفى المجال الإنجيلى كان لا بد للعلماء من البحث فى العلاقة بين الإيمان و التاريخ والفصل بينهما . وهو ما تم فيما يتعلق بالبحث عن يسوع التاريخى .
وبذلك أصبحت الوثائق والمعطيات التاريخية عبارة عن أدوات لا غنى عنها ، فى العصر الحديث ، للبحث والتفريق بين العالَم المتخيّل والعالَم الواقعى للتجربة الإنسانية . ولمعرفة الحقيقة حول يسوع ، يسوع الإنسان الحقيقى ، كان لا بد من العثور أولا على يسوع التاريخى الذى عاش فى الواقع ، والبحث عما قاله وعما فعله فعلا وليس تلبيساً .. وما توصلت إليه أعمال الندوة بأبحاثها ومناقشاتها كان اعتمادا على ما يلى :
·       أن يسوع لم يقل ان يؤمن  أحد  بأن موته كان تكفيرا عن خطايا البشر
·       ويسوع لم يقل أنه المسيح
·       ويسوع لم يقل أنه الأقنوم الثانى من الثالوث
·       و يسوع لم يطالب الأتباع بعملية الإعتراف الدورى ، والندم ، أو الصيام
·       ولم يهدد أحداً بالجحيم كما لم يَعِد احداً بالسماء
·       ولم يقل يسوع أنه سيصحو من بين الموتى
·       ولم يقل أنه وُلد من عذراء ولم يطالب أحداً بالإيمان بذلك
·       ولم ينظر يسوع إلى النصوص على أنها معصومة من الخطأ أو أنها ملهمة من الله !
وهو ما أعلنه رسميا  روبرت فانك رئيس الندوة فى صيف 1994 .. وما على غير المقتنع بهذه النتائج  إلا أن يقرأ الأناجيل تباعاً ليتأكد بنفسه من كل هذه الحقائق التى تمثل ، بلا أدنى شك ، السبب الرئيسى لإبتعاد الأتباع فى الغرب عن المؤسسة الكنسية ..
المرحلة الثانية : 1991 – 1996
تركزت أعمال المرحلة الثانية لدراسة ما قد يكون يسوع قد عمله فعلا من خلال ما هو وارد بالأناجيل. و فى هذه المرحلة تمت دراسة 387 تقريراً يتناول 176 حدثا أو واقعة يُعد فيها يسوع الشخصية الرئيسية حتى وإن ورد فيها أسماء يوحنا المعمدان أو سمعان/بطرس أو شقيقه يعقوب الذى تولى كنيسة القدس من بعده .
ومن بين الوقائع التى يبلغ عددها 176 الواردة بالأناجيل ، تم الإتفاق على ان عشرة منها فقط هى التى تحتمل نسبة عالية من المصداقية . وثلاثون واقعة أخرى حصلت على درجة إحتمالية بعيدة الحدوث. وتم استبعاد باقى الأعمال المنسوبة إلى يسوع على أنها غير واقعية     أو غيرمحتملة الوقوع. وبجمع المجموعتين توصلوا إلى رقم 29 واقعة واردة بالإناجيل هى التى تحتمل المصداقية من العدد الإجمالى لها وهو 176 ، أى بنسبة 16 % من الأعمال المنسوبة الى يسوع. وهى نسبة تقل قليلا عن نسبة ال 18 % من الأقوال التى حصلت على إحتمال المصداقية.
ويقول روبرت فانك إلى من لا يزالوا يؤمنون بأن الكتاب المقدس كلام الله ،” أن نسبة ال 16 % من المصداقية تعد جد ساخرة أو مثيرة للسخرية “! والسبب فى استبعاد 84 % من الأعمال المسندة ليسوع فى الأناجيل ترجع إلى أصل تلك الأناجيل ، التى يصل عددها إلى قرابة عشرين إنجيلا ، وصلت من القرون الثلاثة الأولى سواء كاملة أو مجرد أجزاء ، إعتمدت المؤسسة الكنسية منها أربعة فحسب وكوّنت منها ما يسمى بالعهد الجديد وأعدمت أو استبعدت العدد الباقى .
وهذه الهشاشة التاريخية للأصول الكنسية او المسيحية  ترجع إلى أن أول جزء ضئيل معروف من الأناجيل عبارة عن جزء منقول من نص آخر ، أى أن أول أثر باق من تلك النصوص ليس نصاً أصلياً وإنما هو نص منقول يرجع إلى أكثر من مائة عام بعد “وفاة” يسوع. وأول أثر مادّى يمكن الإعتماد عليه نسبيا يرجع إلى آخر القرن الميلادى الثانى ، أى إلى حوالى 170 عاما بعد يسوع.. لذلك أجمع العلماء فى معهد ويسْتار أنه فى غياب أية معلومات مؤكدة فإن من صاغ بدايات هذه النُسخ أشخاص يرجعون إلى الجيل الثالث فى الربع الأخير من القرن الأول، إعتمادا على ذكرايات سمعية تُحكى شفاهة متناقلة بين الأجيال ، مؤكدين أن هذه النصوص قد تمت صياغتها وإعادة صياغتها وتغيير حكاياتها وأحداثها بالزيادة والنقصان لأكثر من قرن قبل أن تصل تقريبا إلى شكلها الأخير- ولا يعنى ذلك شكلها النهائى .
والمحصلة الناجمة عن هذه الأبحاث هى أن ما بقى من أعمال يسوع يمثل آثاراً لصورة جد باهتة ليسوع ، زادت الخرافات والأساطير من التعتيم عليها ، وهى صورة تتطلب عقلا متفتحا وصبراً شديداً لتلمس تلك الحقائق الخافتة .. على حد قول ما نطالعه فى المقدمة المرفقة بطبعة هذا المجلد الثانى و المعنون : ” أعمال يسوع ” الصادرسنة 1998 .
وبعد أكثر من عشر سنوات من الأبحاث التى قام بها ذلك الفريق الدولى للكشف عن حقيقة حياة ووفاة يسوع التاريخى ، إنتهوا إلى أن صورته التاريخية تختلف تماما عما فى الصورة التقليدية التى تقدمها المؤسسة الكنسية. إذ يرون أن يسوع لم يمش على الماء ، ولم يطعم الآلاف من البشر ، ولم يحوّل الماء اإلى نبيذ ، و أنه تم إعدامه كشخص يثير الشغب وليس لقوله أنه إبن الله ! وأن الذين أعدموه هم الرومان وليس اليهود .. أما عملية البعث فهى قائمة على تصورات لكل من بطرس وبولس ومريم المجدلية، فى نصوص تتناقض فيما بينها فى كل تفاصيلها ، لذلك لم يعتدوا بها .
المرحلة الثالثة : 1996 – 1998
ضمّت المرحلة الثالثة خطين متوازيين من الأبحاث، أحدهما يتناول ” ملامح يسوع” ، كما تبدو صوره المختلفة فى كل الأبحاث التى سبقت أعمال الندوة ، من جهة ، ومن جهة أخرى إعتماداً على النتائج التى تم التوصل إليها فى المرحلتين السابقتين ، والتى كانت الأولى منها عن ” أقوال يسوع ” والثانية عن ” أعمال يسوع ” .
 وقد تولى هذه المهمة خمسة عشر عالماً فى معهد ويسْتار ، لإستخلاص أكبر قدر ممكن من الملامح المقنعة والتى من الممكن تصورها من مختلف الجوانب . وتم نشر هذه الأبحاث المستقلة فى كتاب جماعى تحت عنوان “ملامح يسوع ” ، سنة 2002 ، يطالع فيه القارىء ملامح مختلفة تماما غير تلك التى اعتادت ترويجها النصوص الرسمية المنسوجة عبر المجامع على مر العصور ..
والسؤال الذى يطرح نفسه هو : هل يمكن لأقوال يسوع وأعماله كما خرجت بها الندوة أن تقدم قاعدة كافية  لتصورات يمكن إضفاء المصداقية عليها لملامح يسوع ؟ ذلك هو التحدى الذى تولى القيام به نخبة من المساهمين فى هذا الكتاب ..
أما الخط الثانى فكان متعلقا بالبحث فيما تتضمنه ” أعمال الرسل” من حقائق يمكن الإعتماد عليها تاريخيا ، و ما هى نسبة ما بها من حقائق ونسبة ما يستوجب إستبعاده منها مما هو وارد فى الأناجيل. وتم نشر أعمال هذه المرحلة الثالثة من الدراسات فى  سنة 1999 .
والغرض من هذه الدراسة هو عمل طبعة ملونة مثل الكتابين السابقين لأقوال يسوع وأعماله. وبذلك سيمكن لدارسى الكتاب المقدس أن يكونوا على دراية بأصول دينهم بصورة أكثر دقة ، وأكثر مصداقية ، إعتمادا على ما أمكن التوصل إليه من حقائق ثبتت صحتها.
ومن المفترض أن” أعمال الرسل” تاريخيا هى المحاولة الأولى لسرد أصول المسيحية، وكان من المنطقى أن يبدأ بها العهد الجديد ولا يأتى وضعها بعد الأناجيل . وقد أتى هذا الترتيب لتثبيت صورة بعينها . وهى قصة مكتوبة بحيث يستمر أثرها – وإن كانت فى يومنا هذا قد فقد الكثير من معطياتها المصداقية التاريخية.
ويرجع فقدان المصداقية هذا إلى إدراك و ثبوت تنوع أصول المسيحية فى بداية مشوارها. وما هو وارد بالأناجيل لا يعكس هذا التنوع وإنما يغفله عمدا  ليفرض وجهة نظر مغايرة . ودراسة أعمال الرسل اليوم تؤكد أنها من آداب أعمال الخيال الدينى ، لاستعراض مميزات تلك الحقبة وترسيخها ، وهى معطيات لا يمكنها الصمود لآليات البحث العلمى والتاريخى ، ولا يمكنها أن تظل فى المكانة التى تصدرتها لقرابة الفى عام .
ويمكن تقسيم أبحاث  ” ندوة عيسى ” حول أعمال الرسل إلى أربع فئات ، هى :
1 ) – تصنيف نوعيتها ، وقد تم ذلك على أنها كتابات تاريخية ، إلا أن الأبحاث كشفت قرابة شديدة بينها وبين أعمال رسل أخرى استبعدتها المؤسسة الكنسية فى المسيحية الأولى. وهذا الأمر وحده يحتّم إعادة دراستها كما يحتّم إعتبارها جدّيا كأدبيات خيالية.
2 ) – تختص الفئة الثانية من التحليل باللاهوت وبأهداف أعمال لوقا. وقد تم إثبات أنه تمت صياغتها بدافع من التوجهات اللاهوتية . أى أنها جميعها تتبع جدولا لاهوتيا من أجل ترسيخ لاهوت بعينه وترسيخ معطياته التاريخية الموجّهة.
3 ) – تتناول الفئة الثالثة مصادر أعمال الرسل واستخدامها لأصول سابقة كمصدر لها ، خاصة مصدر Q إضافة اإلى مصادر أخرى .
4 ) – أما الفئة الرابعة فتأخذ المصادر السابقة إلى خطوات أعمق فى دراستها وتحليلها. وحتى إن تم التوصل إلى هذه الأصول ، فالسؤال هو : إلى أى مدى يمكن اعتبارها مصادر تاريخية حقيقية وليست مختلقة ؟ .. وهو ما يتطلب مزيدا من البحث والتدقيق لكل معطى من معطياتها ، خاصة وإن أعمال الرسل ظلت لفترة طويلة بعيدة عن مجهر الباحثين ..
ومن الواضح أن ما توصلت إليه ” ندوة عيسى ” يختلف تماما عما آمن ويؤمن به المسيحيون على مر التاريخ ، كما أنها فى تناقض واضح مع المعتقدات السائدة ، إذ أنها استبعدت تماما فكرة أن تكون الأناجيل منزّلة من عند الله – وهو ما كان مجمع الفاتيكان الثانى قد أقرّه بالفعل وإن كان بعبارات ملتوية ، كما استبعدت الندوة أن يكون من كتبوها من الملهمين ،        أو حتى الأسماء التى هى معروفة بها . وإنما يعتبرونها وثائق آدمية ألفها كتبة ضمّنوها معتقداتهم الشخصية أو معتقدات من يوجهونهم . وذلك لكل ما بهذه النصوص من تناقضات فيما بينها من جهة ، وفيما بينها وبين العقل والمنطق من جهة أخرى ..
وإن كان هناك من لا يزال يؤمن بأن هذه النصوص منزّلة ، فإن علماء “ندوة عيسى ” ينظرون إليها من زاوية أخرى ، موجزها : إن رسالة يسوع وكل ما يتعلق به قد مر عبر فترة ممتدة من التراث الشفهى تصل إلى ما بين ثلاثين إلى خمسين عاما ، وهو ما يسمح بتعديل وتبديل ملامح أية وقائع تاريخية أو حقيقية ، فما من إنسان يحكى نفس الحدث بنفس الأسلوب ، ولا بنفس الإنفعال ، والأدهى من ذلك حين تتدخل الأغراض والأهواء ..
المرحلة الرابعة : 2006 – …. 
بدأ العاملون فى ” ندوة عيسى” المرحلة الرابعة من أبحاثهم بندوة حول ” الأصول المسيحية ” ، يقومون فيها بكتابة تاريخ جديد للمسيحيات الأولى والكتابات المسيحية ، مستعينين فيها بنفس الوسائل ونفس الأساليب العلمية المتّبعة فى الندوات السابقة .
وتهدف ندوة  دراسة ” الأصول المسيحية ” إلى الكشف عن التراث والتقاليد المتعلقة بيسوع من خلال رؤية أوسع للثقافة اليونانية – الرومانية ، والمرحلة التالية لبناء المعبد وبداية ظهور اليهودية الحخامية ، والتنوع الشديد بين أتباع يسوع وتطويرهم للتراث المسيحى حتى تم بتره تماما عن جذوره اليهودية ، تلك الجذورالتى فتح مجمع الفاتيكان الثانى سنة 1965 الباب على مصراعيه للتراجع عن كل ما قام بنسجه عبر التاريخ ، و ذلك بتبرأته  اليهود من دم السيد المسيح ، وهو ما يخالف الأناجيل مخالفة أقل ما يقال عنها أنها من الأسباب الرئيسية التى دفعت بالآلاف من الأتباع لمغادرة المؤسسة الكنسية ، وإلى انتشار الإلحاد بينهم بصورة لا تغفلها عين.
ومن المناطق المزمع البحث فيها على أرض الواقع ، تسالونيكا ، والجليل ، و القدس ، وإنطاقيا ، وأديسا ، والإسكندرية ، وأفسوس ، وفيليبّى ، وكورنثيا وروما . إضافة إلى دراسة مجالات أخرى تعد مساندة ، ومنها : دور المرأة ، اليهود والوثنيين ، والمسيحية اليهودية ، والغنوصية ، والمسيحية والإمبراطورية الرومانية . 
وقد بدأت هذه اللقاءات ببلدة تسالونيكا لتدارس أربعة محاور حول المسيحية لمعرفة هل هى بدأت مع يسوع ، أو مع ابتداع فكرة البعث ، أو مع ابتداع فكرة عيد الفصح ، أو مع عمليات التبشير التى تولاها بولس وخرج بها جذريا عن تعاليم يسوع كما هى واردة فى الأناجيل ..
ويشهد عام 2007 العديد من النشاطاط البحثية والندوات والمحاضرات العامة إلى جانب الموضوع الرئيسى وهو : “أصول المسيحية ” . وتدور موضوعات هذه المحاضرات العامة حول الحياة والموت أيام يسوع ، الأخلاق ، التطور والمستقبل ، بدايات المسيحية : تنوع وليست أصول ، يسوع والقرن الواحد والعشرين ، الحركات الدينية وكيف بدأت المسيحية ، يسوع التاريخى ومستقبل الكنيسة . وكل هذه المحاضرات والندوات تمثل برنامجا مستقلا يعرف باسم : “ندوة عيسى على الطريق “. وذلك لأن العديد من الناس هناك لا يمكنهم حضور اللقائين الدوريين السنويين  لبُعد المسافة ، فقرر معهد ويسْتار أن يخرج عن نطاق جدرانه ويتجه إلى الجماهير فى مختلف البلدان الأمريكية لاشراكها فى أحدث ما توصلوا إليه.
على هامش ” ندوة عيسى ”
إن جهود ” ندوة عيسى ” من أجل استبعاد ما علق برسالته على مر العصور، أو من أجل محاولة استعادة الأتباع إلى الديانة التى فرّوا منها لسبب أو آخر ، ليست بجديدة ، فهناك العديد من المحاولات التى تمت نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : واحدة ترجع إلى مطلع القرن الثامن عشر، والأخرى إلى سنة 2005 ..
فقد سبق أن قام توماس جيفرصن ، المواطن الوطنى – كما يطلقون عليه ، ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق، بنفس العمل سنة 1700 ، حينما أمسك بالمقص وراح يستبعد كل ما لا يقبله العقل والمنطق أو كل ما يتنافى مع قانون الطبيعة من نصوص الكتاب المقدس ، ثم قام بلصق الأجزاء الباقية ليخرج بكتاب مقدس يمكن قراءته والأخذ بما به من حكايات وتعاليم ..
وعندما انتهى من مشروعه بقى معه 82 عمودا فحسب من 700 عمود تمثل طبعة الكتاب المقدس المعروفة باسم الملك جيمس ( King James Version ) ، أى انه قد استبعد قرابة 90 %  من محتويات الكتاب المقدس الأصلى ، وأطلق على اختياراته تلك عنوان : ” حياة وأخلاق يسوع ” ..
أما المحاولة الأخرى فقد قام بها القس مايكل هينتون بانجلترا ، فى كاتدرائية كانتربرى . ففى 21 سبتمبر 2005 أعلنت محطة ال بى بى سى البريطانية عن صدور طبعة جديدة للكتاب المقدس ، يقول صاحبها القس مايكل هينتون أنه يمكن قراءتها قى أقل من ساعتين أو بالتحديد فى مائة دقيقة ! وأوضح أنه قام بالتركيز على يسوع ، باعتباره الشخصية الرئيسية فى الكتاب المقدس . وقد قام القس جون بريتشارد أسقف جارّو بالإشراف العام على الكتاب قائلا : لا اعتقد ان أغلب الناس يعرفون الكتاب المقدس جيدا ، وهذه المحاولة مقصود بها لفت نظر القارىء قائلين : أنظر ، لدينا قصة عظيمة هنا ، دعنا نتوغل فيها وألا نتوقف عند الطرّهات ، ولنقدم لك أهم ما بها ! وقد استغرق العمل من القس هينتون أكثر من عامين لاستبعاد ما بالإصحاحات الست وستين التى تكون الكتاب المقدس ، ليصل إلى نص متماسك ، به أشهر القصص أو أكثرها انتشارا إضافة إلى ما يتعلق بيسوع .
وكلها محاولات تتم من أجل إضفاء مصداقية جديدة على تلك النصوص التى يتباعد عنها الأتباع ، فى الغرب المسيحى ، يوما بعد يوم ، لتشجيعهم على القراءة دون أن ينفّرهم منها كل مالا يتمشى مع العقل و المنطق .
محاصرة ندوة عيسى !
وكالمعتاد ، لم تنجو “ندوة عيسى” من المحاصرة التقليدية للمؤسسة الكنسية الفاتيكانية ، التى سرعان ما راحت تستكتب فرقها من العلماء التابعين لها ، ونشر مواقع إلكترونية متعددة ، إضافة إلى الإستعانة بكافة وسائل الإعلام للحد من آثار أبحاثها على الأتباع ..
ومن بين الإنتقادات التى صدرت من هذه الفرق ضد أعمال “ندوة عيسى” إستبعادها للرسائل الأخروية من أقوال عيسى وأعماله ، ومحاولة إضفاء ملامح مختلفة قد حطّت من القيمة البحثية لما يقومون به ، وإن النتائج التى توصلوا إليها خاصة بآراء العلماء المشاركين فى الندوة، وإن الآراء التى طرحوها مرتبطة بميولهم الشخصية وهى عبارة عن آراء مسبّقة ! وإن أربعة عشرة فقط من العلماء المشاركين فى الندوة يعتبرهم المعارضون من العلماء الضالعين فى مجال العهد الجديد أما باقى المائتين فيرون أنه لا ثقل علمى لهم !.. بل لقد تمادى البعض فى انتقاده للندوة على أن عملها عبارة عن ” نقد هدّام ” ، على حد قول دانييل آكين ، فى جريدة “معمدانية الجنوب” ، أما الجمعية التبشيرية الأصولية ، وجمعية الحارس المفسّر ،وجمعية الترسانة المسيحية ، فقد اتهمت جميعها ندوة عيسى بأنها “أداة فى يد الشيطان لهدم المعتقدات المسيحية”! ولقد علّق جيمس هوايت قائلا : ” لإعادة بناء المسيحية ، كما يقولون ، فإنه يتعيّن على العاملين فى الندوة التخلص من الأشياء الأساسية التى تقف أمامهم ، وهى : الكنيسة ، بكل ما بها من عقائد ومعتقدات ، وخاصة ما تقدمه من معلومات حول المسيح . وبغض الطرف عن ضئالة ما تقدمه الصحافة من معلومات حول”ندوة عيسى” فإنها تقوم بحرب صليبية لبتر سلطة النصوص وتاريخية يسوع المسيح وأسس العقيدة المسيحية “!
وأطرف ما يلفت النظر فى هذه المقولة الأخيرة هى عبارة الإشارة إلى ” ضئالة ” ما تقدمه الصحافة من معلومات حول ندوة عيسى ! فمن الواضح إن هذه “الضآلة ” بلا شك هى نتاج ما تقوم به الفرق التابعة للمؤسسة الكنسية من قبيل منظمة ” أوبس داى ” (عمل الرب ) والعديد غيرها ، من ضغوط لعدم التعريف بهذه الأعمال . و من مجرد تصفّح أسماء الجبهة المعارضة ووهن انتقاداتها يدرك القارىء مستوى ذلك النقد ودوافعه ، خاصة وأنهم قد تفادوا أية مواجهة علمية أو مناقشة علمية ، وإنما مجرد إنتقادات وتجريحات. . وهى جهود لا تأتى نتائجها عادة إلا فى البلدان النامية وتلك التى بها أقليات مسيحية  متحكمة بصورة أو بأخرى ..
وقد عاصرنا فى العامين الماضيين (2005-2006 ) نموذجا من تلك النماذج فى محاصرة ” شفرة دافنشى ” لكل من الرواية والفيلم المأخوذ عنها. ورأينا كيف لم تنجح الجهود المضنية التى قامت بها الفرق الفاتيكانية المعارضة إلا فى بلدان العالم الثالث وتلك التى بها اقليات مسيحية  ( أوردنا تفاصيلها فى مقال سابق ).. والسبب الرئيسى الذى يدفع تلك المؤسسة الكنسية لمحاربة واقتلاع كل من يخالفها هو : ان نشر هذه المعلومات بين الجماهير  يضر بعمليات التبشير التى أصبحت تتحم بجثارة متزايدة ، بفضل مظلات سياسية وقوانين ردعية صيغت ، بكل أسف ، خصيصا لحمايتها ..
 وتكفى الإشارة هنا إلى أن كل ذلك الجهد العلمى الذى يقوم به معهد ويسْتار منذ عام 1985 وحتى يومنا هذا ، لم تشر إليه وسائل الإعلام فى مصر ، على اتساع مجالاتها و تنوعها، إلا فى مقال يتيم صدر بجريدة “الدستور” فى 12 / 10 / 2005 ضمن موضوع آخر وكأن المسألة عرضية وليس الغرض منها  التعريف بها تفصيلا ! وهو ما يعد ، فى حد ذاته ، فى مثل هذا المناخ المتواطىء ، فى ميزان حسنات من كتبه .
ولا يبقى بعد هذا العرض الخاطف لأعمال “ندوة عيسى ” بمعهد ويسْتار ، بالولايات الأمريكية ، إلا أن ننتظر صدور نتائج آخر أبحاثها لا فيما يتعلق بأصول المسيحية فحسب وإنما بكل مكوناتها التى تمت صياغتها عبر المجامع على مر العصور .. وهو ما يمكن مراجعته       و التأكد منه بقراءة الأناجيل المعتمدة ، خاصة فى طبعاتها القديمة ، قبل ان يتم تعديل الكثير بها من طبعة إلى أخرى ، من أجل إضفاء شىء من المنطق عليها أو من أجل عمليات التبشير ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: